Indexed OCR Text

Pages 21-30

الغفلة
عن التعدي عن الحق إلى الباطل، وهو الله عليه وسلم إلى السماء لعل سيدنا جبريل
عليه السلام يأتي بخبر من الله تعالى يأمر
الجور، وقيل: هو التصرف في ملك الغير
ومجاوزة الحد(١)، فلما كانت تلك حالهم،
وصفهم الله تعالی بأنهم غافلون غير منتبهين
لسبب وجودهم، ولا لعاقبة أمرهم، وهذه
الآية هي شاهدٌ على أن الكفر سبب للغفلة
في عمومها، رغم أن العرب كانوا جهلةً لا
يعرفون، إلا أن هذه الآية تبین جانبًا تأصيلًّا
تعريفيًّا، وليس الحكم على العرب بعيب
عندهم فحسب، وما يدل على ذلك الآية
التي بعدها، وهي قوله تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ
اَلْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس: ٧].
بتحويل القبلة؛ حيث إن حبها للنبي محمد
صلى الله عليه وسلم لم يكن عاطفيًّا؛ لكنه
کان حبًّا شرعيًّا بعدما عیرته اليهود بأنه لجأ
إلى قبلتهم، واتخذت ذلك فرصةً للصد عن
النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته الربانية،
ولما كان هذا التوجه من القلب والجوارح
فقد استجاب الله تعالى لنبيه طلبه الذي لم
ینطق به تأدبًا منه علیه السلام، فقد كان یقلب
وجهه إلى السماء، فتم تحويل القبلة، ثم بين
أن أهل الكتاب يعلمون علم اليقين بأن ذلك
حُّ من عند ربهم.
٢. الظلم.
وقد ورد ذلك في قوله تعالى: ﴿قَدْ
نَرَىْ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَّنَّكَ قِبْلَةً
تَرْضَنَهَا فَوَلِ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَاءِ
وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَةُ، وَإِنَّ الَّذِينَ
أُوتُواْ الْكِنَبَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَبِّهِمْ وَمَا
اللهُ بِشَفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ () وَلَيْنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ
أُوتُواْ الْكِنَبَ بِكُلِّ ءَايَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَّ وَمَآ
أَنْتَ بِتَابِعِ قِبْلَنَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعِ قِيْلَةَ بَعْضَِّ
وَلَيْنِ أَتَّبَعْتَ أَهْوَآءُ هُم مِّنْ بَعْدِ مَا جَآءََ
مِنَ الْعِلْمِّ إِنَّكَ إِذَّا لَّمِنَ الَّلِمِينَ﴾
[البقرة: ١٤٤ - ١٤٥].
وإن هذا الخطاب القرآني يبين أن الله
تعالی قد رأی کثرة توجه النبي محمد صلى
(١) انظر: التعريفات، الجرجاني ص ١٤٤.
وذیلت الآية الكريمة بتنزيه الله تعالی عن
الغفلة عما يعمل أهل الكتاب من تحريض
على دعوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم
ورسالته، وهذا التذييل يدلل على مدى
الغفلة التي يعيشها أهل الكتاب؛ فرغم أنهم
یعلمون علمًا لا شك فيه ولا ریب، بأن ما
حدث هو من عند الله تعالى، وأن الدعوة
إلى الله تعالى أصلًا هي من عند ربهم، إلا
أنهم غفلوا عن معرفة ما سيؤولون إليه من
غضب الله تعالى، ومن ثم عقابه.
ثم تأتي الآية الكريمة لتفصل غفلتهم
الكبيرة، وهي متابعة النفس لما تشتهيه، فهم
إن جاء إلیھم نبينا محمدصلی اللهعليه وسلم
بكل معجزةٍ دالةٍ على نبوته ما توجهوا إلى
www. modoee.com
٣٥٩

حرفالغين
القبلة نحو المسجد الحرام؛ لأنهم يعلمون فما ظن من ليس كذلك؟!))(٢).
-بدون معجزات- أنه صلی الله عليه وسلم
علی حق، ولكنهم لا يريدون التبعية له صلى
الله عليه وسلم، فهم قد استغلوا توجه النبي
محمد صلى الله عليه وسلم إلى القبلة نحو
المسجد الأقصى لیبینوا أنه تبعٌ لهم.
ثم تذيل الآية الكريمة ببيان أن النبي
محمدًا صلى الله عليه وسلم إن اتبع
أهواءهم، فصار يبحث عما یرضیھم، رغم
أن الله تعالی قد بین له صلی الله عليه وسلم
كل الدلائل التي تجعله يحذر من مكرهم،
فعند ذلك کله إن سار في ر کبهم -وحاشاه
أن يكون كذلك- يكون من الذين تجاوزا
الحدود، فوصف عندها من الظالمين،
ووصف الظالمين؛ ليبين أن من يسير في
ركب أهل الكتاب يكون من الظالمين،
الذين غفلوا عن الحق وانصاعوا للباطل،
واتبعوا ما تشتهيه أنفسهم، وإن من اتبع
الغافلین کان منهم(١).
وإن وصف الرسول صلى الله عليه
وسلم بأنه من الظالمين إن اتبع أهواءهم
(فيه لطفٌ للسامعين، وتحذير لهم عن
متابعة الهوى، فإن من ليس من شأنه ذلك إذا
نھي عنه، ورتب على فرض وقوعه ما رتب
من الانتظام في سلك الراسخين في الظلم
ومن هذا الخطاب القرآني يتبين أن الظلم
الذي هو تجاوز للحدود رغم معرفة الحق،
هو سبب مباشر من أسباب الغفلة التي هي
متابعة النفس على ما تشتهيه، ویبرز ذلك
عند معرفة أن الظالمين المحرضين ضد
الحق حينما يوصفون بالغفلة، فقد غفلوا عن
أن الله تعالى منزه عن ذلك، فإذا فهم ذلك
فعندها يكون من يتبع الباطل ظالمًا، وغارقًا
في وحل الغفلة.
٣. الإعراض عن الوحي.
وقد ورد ذلك جليًّا في قوله تعالى:
﴿أَقْتَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِ غَفْلَةِ
مُعْرِضُونَ مَا يَأْنِهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّيِّهِم
تُحْدَثٍ إِلَّ أَسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ لَاهِيَةً
قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلْ هَذَاً
إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَقَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ
تُبْصِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١ - ٣].
ويتبين من هاتين الآيتين أن الفطرة
السليمة تعي حجم الغفلة التي يقع بها الخلق
عندما يحذرهم الله تعالى من الحساب،
وتساق الأدلة على ذلك، ويتبين أيضًا أن
هذا الخطاب القرآني يعظ الناس عمومًا،
فيذكرهم بما سيؤولون إليه من جزاء،
وعليهم أن ينتبهوا من غفلتهم وإعراضهم
الذي هو حقٌّ.
(٢) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ١٧٦/١.
(١) انظر: نظم الدرر، البقاعي ٢١٧/٢.
جوسين
القرآن الكريم
٣٦٠

الغفلة
وتفصل الآية التي بعدها سبب الإعراض أكان هذا الكسب قولًا أو فعلًا(٢).
عن الوحي وهو أنهم ما إن يأتهم شيء
من القرآن محدثٌ تنزيله بحسب اقتضاء
الحكمة، إلا استمعوه وهم في حالة استهزاء
به، فقلوبهم غافلةٌ غیر منتبهة إلى وعد الله
الحق (١).
٤. الرضا بالحياة الدنيا والركون
إليها.
ورد ذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا
يَرْجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُواْ بِالْحَيَوْقِ الدُّنْيَا وَأْمَأَنُواْبِهَا
وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ ءَايَئِنَا غَفِلُونَ أُوْلَكَ
مَأْوَنَهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ
[يونس: ٧ - ٨].
والمعنى: إن الذين لا يخافون لقاء الله
تعالى يوم القيامة، فهم لذلك مكذبون
بالثواب والعقاب، متنافسون في زین الدنيا
وزخارفها، راضون بها عوضًا من الآخرة،
مطمئنين إليها، والذين هم عن آيات الله،
وهي أدلته على وحدانيته وحججه على
عباده في إخلاص العبادة له ﴿غَفِلُونَ ﴾،
معرضون عنها لاهون، لا يتأملونها تأمل
ناصح لنفسه، فيعلموا بها حقيقة ما دلتهم
عليه، ويعرفوا بها بطول ما هم عليه مقيمون،
هؤلاء الذين هذه صفتهم مصیرهم إلى النار؛
لأنهم كانوا لا یتحرون الکسب الحق، سواء
(١) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود
٥٤/٦، الدر المنثور، السيوطي ٦١٦/٥.
ومن هذه الآية الكريمة يتبين أن الإنسان
إذا عاش في الدنيا محبًّا لها، معتقدًا أنه مخلدٌ
فيها، يجتهد في جمع المال والجاه فيها، فإنه
یکون قد غفل عن سبب وجوده في الدنيا،
وهو عبادة الله تعالى وحده، فالدنيا لا
تكون خيرًا إلا إذا اعتبرها الإنسان مسجدًا
للصلاح، ومنطلقًا للخير ورضا الله تعالى،
فإذا غفل الإنسان سبب وجوده فإنه يغفل ما
سيؤول إليه بعد الحياة، وهو الممات، فلا
يعمل له، ولا يتزود له، وحينها فإنه سيلقي
الله تعالی خاوي الیدین، وعاقبة أمره ذلَّ
وهوانٌ، وسيخسر الآخرة، وإن ظن أنه
ربح الدنيا فهو أيضًا غافل؛ لأن التقوى هي
السعادة وفيها راحة البال، والجميع حينها
يحبه، والمتقي لله تعالى يكثر من الذكر،
والذکر نقيض الغفلة، فإنه يتحصن منها.
٥. الکبر.
وقد وردذلك في قوله تعالى: ﴿ سَآَمْرِفُ
عَنْ ءَايَِىَ الَّذِينَ يَتَكَبُّونَ فِ اْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ
وَإِن يَرَوْأْ كُلَّ ءَايَةٍ لَّا يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن
يَرَوْأُ سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْأ
سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ
[الأعراف:
بِشَايَتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَفِينَ﴾
١٤٦].
فالله تعالى بين في هذه الآية الكريمة
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٥/١٥.
www. modoee.com
٣٦١

حرفالغين
أن المتكبرين في الأرض بالباطل، الذين
یرون الحق والباطل، فیصرون على باطلهم
طريقًا ومنهجًا سوف يصرفهم الله تعالى عن
التفكر في آياته الكونية والشرعية وقبولها،
والسبب أنهم كذبوا بهذه الآيات بنوعيها،
وتذييل الآية بأنهم غافلون مناسب لما بينته
من رؤية طريقي الحق والباطل، ومع ذلك
لم يتعظوا(١).
والغفلة في هذه الآية تحتمل المعنى
الأشمل، وهو: متابعة النفس لما تشتهيه؛
لأن الأهواء سلاح إبليس، وهي الذنوب
التي قد يغفل الإنسان عن التوبة منها؛ لأنها
تكون ضمن ما تشتهي نفسه، ويتابع ما تطلبه
تلك النفس، فإن الإنسان قد يعرف الحق،
لكن الشهوات قد تغشي قلبه عن نعمة
الانصياع القلبي والقولي والفعلي لما يطلب
الشرع منه، وهذا الأمر هو الغفلة التي قد
توصل إلى التكبر في الأرض؛ لاعتقاد هذا
المتکبر أنه بيده مقاليد كل شيء.
ويلاحظ في هذه الآية الكريمة أنها
جعلت من يرى طريق الحق وما يرشد
إليه، وطريق الباطل وما يوصل إليه، ومع
ذلك يلتزم الباطل، فإنه يكون في صف
المتكبرين، الذين غفلوا حقيقة وجودهم
وما سيؤولون إليه.
(١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم ٥/ ١٥٦٧، معالم
التنزيل، البغوي ٢٣٤/٢.
٦. تعطيل الحواس بعدم التفكر
والتدبر والسمع والإبصار.
إن الله تعالى قد بين في كتابه العزيز أن
الحواس مسؤول عنها ذلك الإنسان؛ فقد
قال تعالى: ﴿وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمُّ
إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَكَ كَانَ عَنَّهُ
مَسْئُولًا ﴾ [الإسراء: ٣٦].
((فلا تقل: سمعت، ولم تسمع، ولا تقل:
رأيت، ولم تر، فإن الله سائلك عن ذلك
كله)»(٢).
وإن المسلم یستحضر بقلبه ذكر الله، ثم
يقر اللسان بمقتضى ذلك، ثم يستمع الحق
ولا يستمع الباطل ولا يكذب بقوله سمع
وهو لا يسمع، وکذلك لا يقول رأيت وهو
لا یری، أما إذا اتبع هواه، وعطل حواسه عن
واجباتها في التعرف إلى الله وذكره، فعندها
من المؤكد أنه ستحل عليه الغفلة المذمومة،
التي تمحق الحسنات، وتربي السيئات بعدم
انتباه ذلك المسلم إلى واجباته، واستبدال
ذلك بالفجور والعصيان.
٧. صحبة الأشرار.
إن صحبة الأشرار تؤدي إلى الغفلة
من أوسع أبوابها؛ فقد تودي بالإنسان إلى
غضب الله تعالی ومن ثم عقابه.
﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ
قال تعالى:
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم
٢٣٣١/٧.
٣٦٢
جَوْسُو ◌َرَ النَّفْسِيْ
القرآن الكريمِ

الغفلة
٢٧
يَقُولُ يَلَيْتَنِ أَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا
يَنْوَيِلَ لَيْتَفِى لَوْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٨) لَقَدْ أَضَلَّفِى
عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْجَاءَ فِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ
لِلْإِنسَنِ خَذُولًا﴾ [الفرقان: ٢٧ -٢٩].
أي: ((ويوم يعض الظالم نفسه المشرك
بربه على يديه ندمًا وأسفًا على ما فرط في
جنب الله، وأويق نفسه بالكفر به في طاعة
خلیله الذي صدَّهُ عن سبیل ربه، يقول: یا
ليتني اتخذت في الدنيا مع الرسول سبيلاً،
يعني: طريقًا إلى النجاة من عذاب الله))(١).
ويبقى هذا الكافر الظالم يصاحبه الندم
على ما فرط في جنب الله؛ فقد جاءه القرآن
الكريم وذُكِّرَ بالله تعالى بما فيه الكفاية
للطاعة وعدم الغفلة عنها، ومع ذلك فقد
غفل عن الحق، واتبع هواه بالاستماع إلى
صحبته الشريرة، فاستحق غضب الله تعالى،
ومن ثم عقابه في الدنيا بفضيحته ومعيشته
النکدة، وفي الآخرة بالندم البالغ، ومن ثم
دخول النار.
(١) جامع البيان، الطبري ٢٦٢/١٩.
الآثار المترتبة على الغفلة
في
تبين من خلال الدراسة أن الغفلة
عمومها مذمومةٌ، وأنها تكون سببًا مباشرًا
لغضب الله تعالی، ومن ثم عقابه.
وسنركز على الآثار المترتبة على الغفلة
في الدنيا والآخرة، وذلك بالاستقصاء في
آيات الله تعالى، والله الموفق والمستعان.
أولًا: الآثار الدنيوية:
وردت آيات عديدة تدلل على وبال
العاقبة للغافلين في الدنيا قبل الآخرة، وذلك
من خلال بيان العواقب الآتية:
١. البعد عن أهل الحق فقراء كانوا أم
أغنياء.
وذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ
الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْمَشِ يُرِيدُونَ
وَجْهَةٌ، وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوَةِ
الدُّنْيَّا وَلَا نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَأَتَّبَعَ
هَوَنَهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرْطًا﴾ [الكهف: ٢٨].
فقد يغفل المسلم الداعية عن بعض
الجوانب المهمة من الدين، كالإعراض
ولو لحظة عن أهل الحق، حتى ولو كان
ذلك بسبب نصرة الدعوة، فإن الغفلة عنهم
تعني ركونًا إلى العقل في جلب الناس،
والدخول في مبدأ (الغاية تبرر الوسيلة)،
وقد جاء في الحديث الشريف عن مصعب
بن سعدٍ، قال: رأى سعدٌ رضي الله عنه،
www. modoee.com
٣٦٣

حرفالغين
أن له فضلًا علی من دونه، فقال النبي صلى
الله عليه وسلم: (هل تنصرون وترزقون إلا
بضعفائکم؟!)(١).
٢. ضياع أمر الغافل.
ومعنى الآية في هذا السياق: ((جعلناه
غافلا بالختم علیه، نھی رسول الله صلى
الله عليه وسلم عن طاعة من جعل الله قلبه
غافلا عن ذكره، کأولئك الذين طلبوا منه أن
ينحي الفقراء عن مجلسه، فإنهم طالبوا تنحية
الذین يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون
وجهه، وهم غافلون عن ذكر الله))(٢).
٣. الانتقام من الغافلين عن آيات الله
في الدنيا.
وذلك في قوله تعالى: ﴿ فَأَنْتَقَمْنَا مِنْهُمْ
فَأَغْرَقْنَهُمْ فِ آلْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِشَايَرِنَا وَكَانُواْ
عَنْهَا غَفِلِينَ ﴾ [الأعراف: ١٣٦].
حيث جاءت هذه الآية بعد سرد كل
الآيات البينات الدالة على صدق سيدنا
موسی صلی الله عليه وسلم، ومع ذلك فقد
غرقوا في الغفلة؛ ولذلك استحقت إرادة الله
تعالى بالانتقام منهم، فأغرقهم الله في البحر
بسبب تكذيبهم بآيات الله تعالى، والغفلة
عنها(٣).
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد
والسير، باب من استعان بالضعفاء والصالحين
في الحرب، ٣٦/٤، رقم ٢٨٩٦.
(٢) فتح القدير، الشوكاني ٣٣٤/٣.
٤. صرف الغافلين عن تدبر آيات الله
تعالی والتأمل فيها.
فقد قال تعالى: ﴿ سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَقِىَ الَّذِينَ
يَتَكَبَّرُونَ فِىِ الْأَرْضِ بِغَيْرِ اَلْحَقِّ وَإِن يَرَوْأ
كُلَّ ءَايَةٍ لَّا يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْأْ سَبِيلَ
الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ
الْغَيِّ يَتَّخِذُوُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِشَايَتِنَا
وَكَانُواْ عَنْهَا غَفِلِينَ ﴾ [الأعراف: ١٤٦].
حيث إن الغافلين - الذين كذبوا بآيات
الله تعالى فهم المتكبرون- سيحل بهم
عقاب، وهو إيجاب عدم القدرة على التفكر
في آيات الله تعالی والاعتبار فیها، وسیرون
الحق وما فيه من نجاة، وسيرون الباطل
وما فيه من هلاك، ومع ذلك فإن أبوا إلا
الانغماس في الباطل، وعميت بصيرتهم،
وما عادوا يتفكرون فيما ينجيهم(٤).
٥. الغافلون سيتصفون في الدنيا بأنهم
جهلة.
فقد قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَِهِرًا مِنَ الْحَيَّوَةِ
اُلُّنْيَاوَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِهُمْ غَفِلُونَ﴾ [الروم: ٧].
فمن يغفل عن الآخرة، يكن من الذين
لا يعرفون سبب وجودهم في الحياة الدنيا،
فلا يعرف نفسه حق المعرفة، ولا يفقه
هؤلاء الغافلون من الحياة إلا ((معايشهم،
متى يغرسون؟ ومتى يزرعون؟ ومتى
٢٦٦/٣.
(٣) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود (٤) انظر: الدر المنثور، السيوطي ٥٦٢/٣.
٣٦٤
جَوَسُوع
لِلْقُرآن الكَرِيمِ

الغفلة
يحصدون؟»(١).
٦. لهو القلب عند الغافلين.
فقد قال - تعالى: ﴿لَاهِيَةٌ قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّواْ
النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلْ هَذَآ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ
أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [الأنبياء:
٣].
حیث إن هذه الآية تبین حال الغافلين من
الناس، لاهية قلوبهم، وبأنهم يصدون عن
الحق بالتناجي فيما بينهم بسرية متناهية(٢).
ثانيًا: الآثار الأخروية:
إن للغفلة آثارًا كبيرة على من يغرق في
وحلها في الآخرة، يوم لقاء الله تعالى.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا
وَرَضُواْ بِالْحَيَوْةِ الدُّنْيَا وَأْمَأَنُواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ
مَأْوَنُمُ النَّارُ
١٠
عَنْ ءَايَئِنَا غَفِلُونَ
بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ [يونس: ٧ - ٨].
فقد بينت تلكما الآيتان أن الذي يغفل
عن لقاء الله تعالى، ويركن إلى الدنيا
ويرضى بمتاعها الزائل، فإن بيته الخالد يوم
القيامة سيكون النار، وهذا بما كسب قلبه
وقوله وعمله، فالغافلون هم من يكسبون من
الكفر والتكذيب بالمعاد(٣)، ومن هذه الآية
يتبين أن من آثار الغفلة في الآخرة الدخول
في النار.
(١) المصدر السابق.
(٢) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٤٦٩/٣.
(٣) انظر: المصدر السابق ٢ / ٤٨٥.
وقال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِىَ
الْأَمْرُ وَهُمْ فِ غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: ٣٩].
وقد تقدم الحديث عن هذه الآية،
ويمكن القول: إن يوم القيامة سمي يوم
الحسرة في هذه الآية؛ لأنه إذا ذبح الموت،
ونودي بالخلود لأهل النار كما الجنة،
عندها ينتهي أيُّ أملٍ في النجاة عند أهل
النار، فهي الحسرة التي لا تعدلها حسرة فهو
بالفعل ((يوم الحسرة المُعَدَّة للجزاء بحيث
لا يمكن فيها التلافي والتدارك على ما فات
سوى الحسرة والندامة غير المفيدة؛ إذ قضي
الأمر ونزل العذاب، وقد مضى زمان امتثال
المأمور به)»(٤).
ومن هذه الآية يتبين أن من آثار الغفلة
في الآخرة الحسرة الكبيرة؛ لعلمهم اليقيني
بأنهم مخلدون في النار.
(٤) الفواتح الإلهية، الشيخ علوان ١/ ٥٠٠.
www. modoee.com
٣٦٥

حرفالغين
منهج القرآن الكريم في علاج الغفلة
إن القرآن الكريم لا يذكر ذنبًا ولا معصية
ولا مرضًا قلبيًّا إلا ويذكر العلاج الكافي
والمناسب له، وإن الغفلة مرض يكاد
يفتك بمن أصيب به، واستحكم قلبه وعقله
في آيات القرآن
وحياته، وعند المتابعة
الكريم يتضح أنها عالجت ذلك المرض
القاتل من خلال أمور عديدة، أهمها:
١. ذكر الله تعالى وعبادته.
قال تعالى: ﴿إِنَّنِى أَنَا اَللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّ أَنَا
فَأَعْبُدْنِى وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ ◌ِ إِنَّ
الشَّاعَةَ مَائِيَةُ أَكَادُ أُخْفِيَهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ
بِمَا نَسْعَى ﴾ فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لَّا يُؤْمِنُ بِهَا
وَأَتَّبَعَ هَوَنُهُ فَتَرْدَى﴾ [طه: ١٤ - ١٦].
فالله تعالى يقول لنبينا موسى عليه
السلام: إنني أنا الله لا معبود بحق إلا أنا
فأطعني واعبدني عبادة لا تنساني أبدًا من
خلالها، والمقصود الإقامة والمكث الأبدي
على تلك الصلاة وتلك العبادة، ثم التذكير
بالساعة؛ للتذكير بالعاقبة فإما إلى نار وإما
إلى جنة، فلا يحرفنك يا موسى عليه السلام
الذي لا يصدق إتيانها، اتباعًا لهواه، فهو
الرَّدِيُّ إلى الهاوية(١).
ولا شك أن هذا الذكر الأبدي والإقامة
الدائمة على الصلاة، والتذكر الدائم للساعة
(١) انظر: تفسير السمر قندي ٣٩١/٢.
وما فيها من أهوال، کل ذلك یحصن الإنسان
المسلم من الغفلة.
٢. التوكل والتفكر والتدبر.
قال تعالى: ﴿إِنَّ فِ خَلْقِ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ أَلَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَتٍ لِّأُوْلِى
الْأَلْبَبِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا
وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا سُبْحَتَكَ فَقِنَا
عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١].
فإن مبدأ التفكر في خلق السماوات
والأرض وما فيها من آيات كونية دالة
على قدرته -جل جلاله-، واختلاف الليل
والنهار، وما ينتج عن ذلك من فصول السنة
وتغير المناخات، إن كل ذلك معجزات دالة
على وجود الله تعالى، ومن ثم يصطحب
الإنسان ذلك التأمل في تلك المخلوقات؛
ليعيش مع كمال الخوف مع كمال الحب لله
تعالی، وإن الله تعالی قد وصف من یکون
من المتفكرين في مخلوقات الله تعالى
بأنهم أصحاب العقول النيرة (٢).
كيف لا؟! وهم الذاكرون لله تعالى
بشتى أنواع الذكر ومزيد التوكل على الله
تعالى حق توكله، والمتفكرين في خلق
السماوات والأرض فيحملهم ذلك على
الخوف من الله تعالی، ربنا ما خلقت هذا
(٢) انظر: تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين
٣٤١/١.
جَوَسُورَة النفسية
القرآن الكريم
٣٦٦

الغفلة
باطلًا، ننزهك يا ربنا، وأنت غنيٌ عن تنزيهنا تعالى(١).
لك، فأجرنا يا ربنا من النار، ولا شك أن هذه
المشاعر تجعل من المسلم أنموذجًا تطبيقيًّا
لهدي القرآن؛ فيجتنب الغفلة التي ذمها الله
تعالى، والتي هي سبب دخول النار وقبل
ذلك غضبه عز وجل.
٣. صحبة الصالحين ومجالسة
الذاكرين.
قال تعالى: ﴿ وَاَلْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ
أَوْلِيَاءُ بَعْضِ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ
عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ
الزَّكَوَةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ
سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:
٧١].
فإن كلا الجنسين من المؤمنين المصدقين
بالله ورسوله، والمؤمنات المصدقات بالله
ورسوله، ولاؤهم جميعًا مبني على الأمر
بالمعروف الذي فيه تعاون على الخير لأجل
رضا الله تعالى، وأيضًا على النهي عن
المنكر الذي فيه تعاون على اجتناب المنكر،
وعلى طاعة الله تعالى وطاعة رسوله صلى
الله عليه وسلم، فإن من تكون حاله كذلك،
فإنه يبقى متصلا بالله تعالى، کثیر الذكر له
جل جلاله، متجنبًا الغفلة بكافة أنواعها
وأسبابها، وهؤلاء المؤمنون والمؤمنات
المتصفون بذلك يستحقون رحمة الله
٤. اليقظة والحذر، والعلم والعمل.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُواْ
حِذْرَكُمْ فَأَنِفِرُواْ تُبَاتٍ أَوِ أَنِفِرُواْ جَمِيعًا﴾
[النساء: ٧١].
فالله تعالى ينادي المؤمنين بأحب
النداءات، وذلك بوصفهم مؤمنین، فيقول: يا
من آمنتم بي وصدقتموني، احذروا واحترزوا
من عدوكم، ولا تمكنوه من أنفسكم؛ فخذوا
السلاح والعدة لقتال عدوكم(٢).
ولا شك أن هذا يتطلب خبرة علمية
وعملية، ومن قبل ذلك يقظة بالغةً، وقبل
وبعد كل شيء اصطحاب معية الله تعالى،
فإن من يفعل كل ذلك فقد نجا من الغفلة
التي هي نذير عقاب الله تعالى.
موضوعات ذات صلة:
التفكر، الذكر، العبرة، اللعب، اللهو،
النسيان
(١) انظر: الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي
طالب ٤ /٣٠٦٦.
(٢) انظر: لباب التأويل، الخازن ٣٩٨/١.
www. modoee.com
٣٦٧