Indexed OCR Text

Pages 41-60

العلاقات الدولية
علاقة الدولة الإسلامية بالدول الأخرى
بعث الله تعالى رسوله محمدًا صلى
الله عليه وسلم برسالة خاتمة تهدف إلى رد
البشرية كلها إلى الله تعالى والخضوع لدينه؟
ليكون ذلك سبيلا إلى تحريرها حرية حقيقية
كاملة، عندما تتحرر من كل عبودية لغير الله
تعالى. فانقسم الناس عندئذ قسمين:
منهم من فتح قلبه وعقله للهدایة والنور،
فآمن بالرسول صلی الله عليه وسلم وصدق
بما جاء به من عند الله تعالى، ومنهم من
أغلق قلبه وعقله، وجعل على بصره غشاوة،
فكفر وكذب؛ فكانوا بذلك فريقين اثنين:
﴿فَرِيقًا هَدَىْ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَلَةُ﴾
[الأعراف: ٣٠].
﴿َذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ اتَّبَعُواْ الْتَطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ أَتَّبَعُواْ أَلْحَقَّ مِن رَّيِّهِمْ﴾ [محمد: ٣].
﴿هُوَ أَلَّذِى خَلَقَكُمْ فِينَكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمُ
مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرُ﴾ [التغابن: ٢].
وعندما كتب الله تعالى النصر لنبيه
صلى الله عليه وسلم وأظهر دينه على
الدين كله، وضرب الإسلام بجرانه (١)،
(١) الجران: باطن العنق من البعير وغيره، يقال:
ألقى فلان على هذا الأمر جرانه: وطن نفسه
عليه. ومنه قول عائشة رضي الله عنها: ((حتى
ضرب الحق بجرانه)) أي: ثبت واستقر.
انظر: القاموس المحيط، الفيروز آبادي
١/ ٤٨٢، النهاية، ابن الأثير ١ / ٢٦٣، المعجم
الوسيط، مجمع اللغة العربية - ١١٩/١.
أصبح للمسلمين دولة تضم جميع المؤمنين
بالله تعالى الموحدين له، ترفرف عليها
راية التوحيد، وتقيم الحق والعدل بين
الناس، وتدعو إلى الإنصاف والقسط.
لم يكن من أهدافها العلو في الأرض ولا
مجرد بسط السيطرة والنفوذ، ولا إكراه
الناس على الدين، فتركتهم وما يختارون،
عندما يخضعون لسلطان الإسلام وسيادة
أحكامه، بعد أن أزاحت العقبات من طريق
الدعوة الإسلامية، وخلت بينها وبين الناس؛
ليختاروا - عندما يكون لهم الاختيار- عن
طواعية وإرادة.
وأقام الإسلام قواعد العلاقات الدولية
بین الناس على افتراض أنهم إما مؤمنون،
وإما معاهدون، وإما لا عهد لهم(٢).
وفي هذا يقول عبدالله بن عباس رضي
الله عنهما: ((كان المشركون على منزلتين
من النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين؛
كانوا مشركي أهل حرب يقاتلهم ويقاتلونه،
ومشركي أهل عهد لا يقاتلهم ولا
يقاتلونه»(٣).
(٢) انظر: الرسالة الخالدة، عبدالرحمن عزام،
ص١٥٦.
ونجد أصلًا لهذا التقسيم وإشارة له في شرح
السير الكبير ٣٠٦/١، المبسوط، السرخسي
١٠ / ٨٤ - ٨٦ .
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الطلاق،
باب نكاح من أسلم من المشركات، ٤٨/٧،
رقم ٥٢٨٦.
www. modoee.com
٢٢٩

حرف العين
ويقول ابن قيم الجوزية رحمه الله: لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ
الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ [آل عمران: ١١٠].
((فاستقر أمر الكفار معه صلى الله عليه وسلم
بعد نزول سورة براءة على ثلاثة أقسام:
محاربين له، وأهل عهد، وأهل ذمة. ثم
آلت حال أهل العهد والصلح إلی الإسلام،
فصاروا معه قسمين: محاربين له، وأهل
ذمة. والمحاربون له خائفون منه، فصار أهل
الأرض معه ثلاثة أقسام: مسلم مؤمنٌ به،
ومسالمٌ له آمن، وخائف محارب»(١).
وعلاقة الدولة الإسلامية بالدول
حالي السلم والحرب فيما يأتي:
الأخرى ومظاهر هذه العلاقة سيتم تناوله إِنَّهُ،لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: ٢٠٨].
أولًا: حال السلم:
ينشد الإسلام السلم في محيط الفرد
والأسرة والمجتمع؛ ليصل إلى السلم
المنشود مع الأمم والدول الأخرى بعد تلك
الخطوات، فالمسلمون أمة واحدة، والبشرية
أسرة واحدة، لذا فالمسلمون مكلفون
بتبعات إنسانية تجاه هذه البشرية، بحكم
أنهم الأمة الخيرة الوسط التي أخرجت من
أجل خير البشرية.
قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً
وَسَطًا لِّنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ
الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].
وقال سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ
(١) انظر: زاد المعاد، ابن القيم ١٦٠/٣.
فالإسلام ينشد السلام الداخلي
والخارجي، ويسعى إلى الاستقرار داخل
الأمة، وفي علاقتها بالأمم الأخرى،
فيطالب المسلمين بالسلام والاستقرار
وعدم الاعتداء في علاقتهم بهذه الأمم،
وهو يدعوهم إلى السلام وإلى الإسلام:
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَدْخُلُواْ فِ السِّلْمِ
كَافَةً وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَنِّ
كما يطلب من المسلمين أن يكون قولهم
قول الحريص على السلام، وأن يعملوا على
سلامة السلام العزيز، لا السلم الرخيص (٢).
فهو دين السلام في اسمه: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ أَدْخُلُواْ فِي السِّلْمِ﴾ [البقرة: ٢٠٨].
و هو دین السلام في تحيته في الدنیا وفي
الجنة في الآخرة: ﴿ وَأَدْخِلَ الَّذِينَءَامَنُواْ
وَعَمِلُواْ الصَّدْلِحَتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَمْهَا
اُلْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تِيِّئُهُمْ فِهَا
سَلَهُ
[إبراهيم: ٢٣].
دَعْوَنُهُمْ فِيهَا سُبْحَنَكَ اللَّهُمَّ وَغَمِيَّنُهُمْ
فِيَهَا سَلَمْ وَءَاخِرُ دَعْوَنُهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِرَبِّ
(٢) انظر: السلام العالمي والإسلام، سيد قطب،
ص ٥، الإسلام في حياة المسلم، محمد
البهي، ص٤٨٢-٤٨٣، منهج الإسلام في
الحرب والسلام، عثمان ضميرية، ص ٣٥-
٥٨.
٢٣٠
مَوَسُولَة النفسي
القرآن الكريم

العلاقات الدولية
الْعَلَمِينَ﴾ [يونس: ١٠ ٢٣].
وهو دين السلام في ليلة نزول الوحي
فيه: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) وَمَا أَدْرَئِكَ مَا
لَيْلَةُ الْقَدْرِ الَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ
تَزَّلُ الْمَلَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيَهَا بِإِذْنِ رَيْهِم مِّنْ كُلِّ أَمْيِ
١ سَلَّمَّ هِىَ حَتَّى مَطْلَعِ اَلْفَجْرِ﴾ [القدر: ١ - ٥].
وفي اسم الله الكريم الذي أنزله: ﴿ هُوَ
اَللَّهُ الَّذِى لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ اَلْقُدُّوسُ
السَّلَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَنَّارُ
الْمُتَكَبِّرُّ سُبْحَنَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾
[الحشر: ٢٣].
وتقدم أن غير المسلمين من الناس ومن
الدول أصناف؛ فمنهم المسالمون ومنهم
المحاربون غير المسالمين. والكلام هنا
ينصب على المسالمين وهم الأجانب غير
المسلمین الذین یقیمون في دار الإسلام أو
الدولة الإسلامية إقامة مؤقتة، على أساس
عقد الأمان.
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ
الْمُشْرِكِينَ أَسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَّى يَسْمَعَ كَلَمَ
اللّهِ ثُمَّ أَثْلِغَهُ مَأْمَنَهُ, ذَلِكَ بِأَنَهُمْ قَوْمٌ لََّ يَعْلَمُونَ﴾
[التوبة: ٦].
یقول تعالی مخاطبًا نبيه محمدًا صلی الله
عليه وسلم: وإن أحدٌ من هؤلاء المشركين
استأمنك؛ فسألك الجوار والأمان؛ ليسمع
القرآن الكريم، ويعلم أحكامه وأوامره
ونواهيه، وما تدعو إليه من التوحيد وما
بعثت به، فأعذه وأمنه حتی یسمع كلام الله
تعالى، وحتى يتدبره ويطلع على حقيقة الأمر
وحال الإسلام، فإن قبل أمرًا فحسنٌّ، وإن
أبی أن يسلم فرده إلى مأمنه، وهو الموضع
الذي يأمن فيه منك وممن هو في طاعتك
من المسلمین، حتى يلحق بداره وقومه من
المشركين(١).
وقد أفردت الشريعة الإسلامية لهؤلاء
المسالمين من الأجانب غير المسلمين
معاملة خاصة لا يمكن إدراك مستواها
الأخلاقي السامي إلا عند موازنتها بمعاملة
الأجانب في مختلف النظم التي سبقت
دعوة الإسلام التي بعث الله تعالى بها نبيه
محمدًا صلى الله عليه وسلم، أو النظم التي
عاصرتها، أو تلك التي جاءت تالية لها(٢).
وغير المسلمين هؤلاء أصناف متنوعة
من حیث علاقتهم بالمسلمین، ولذلك يقول
ابن قيم الجوزية: ((الكفار؛ إما أهل حرب
وإما أهل عهد. وأهل العهد ثلاثة أصناف:
أهل ذمة، وأهل هدنة، وأهل أمان. وقد عقد
الفقهاء لكل صنف بابًا، فقالوا: باب الهدنة،
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٣٨/١٤، معالم
التنزيل، البغوي ١٤/٤، الجامع لأحكام
القرآن، القرطبي ٨/ ٧٧.
(٢) أحكام القانون الدولي في الشريعة الإسلامية،
ص ٢١٧، القانون الدولي العام وقت السلم
ص ٤٨٤ - ٤٩٠، حامد سلطان، مبادئ
القانون الدولي العام، عبدالعزيز سرحان، ص
٣٣٤ - ٣٤٥.
www. modoee.com
٢٣١

حرف العين
باب الأمان، باب عقد الذمة.
ولا تؤخذ منهم الجزية، وأن يعرض على
ولفظ ((الذمة والعهد» لغةً يتناول هؤلاء المستجير منهم: الإسلام والقرآن، فإن دخل
فيه فذاك، وإن أحب اللحاق بمأمنه ألحق به،
ولم یعرض له قبل وصوله إلیه، فإذا وصل
مأمنه عاد حربیًا کما كان»(٢).
كلهم في الأصل، وكذلك لفظ ((الصلح))؛
فإن الذمة من جنس لفظ العهد والعقد
وهكذا لفظ ((الصلح)) عام في كل صلح،
وهو يتناول صلح المسلمين بعضهم مع
بعض، وصلحهم مع الكفار. ولكن صار في
اصطلاح كثير من الفقهاء ((أهل الذمة)) عبارة
عمن يؤدي الجزية، وهؤلاء لهم ذمة مؤبدة،
قد عاهدوا المسلمين على أن يجري عليهم
حکم الله ورسوله؛ إذ هم مقیمون في الدار
التي يجري فيها حکم الله ورسوله، بخلاف
((أهل الهدنة)) فإنهم صالحوا المسلمين
على أن يكونوا في دارهم، لا تجري عليهم
أحكام الإسلام كما تجري على أهل الذمة،
لكن عليهم الكف عن محاربة المسلمين.
وهؤلاء يسمون ((أهل العهد)) و((أهل
الصلح)) و ((أهل الذمة)).
وأما المستأمن: فهو الذي يقدم بلاد
المسلمين من غير استيطان لها؛ وهؤلاء
أربعة أقسام: رسلٌ، وتجار، ومستجیرون
حتى يعرض عليهم الإسلام والقرآن، فإن
شاؤوا دخلوا فيه وإن شاؤوا رجعوا إلى
بلادهم، وطالبو حاجة من زيارة أو غيرها.
وحكم هؤلاء ألا يهاجروا (١) ولا يقتلوا،
(١) هكذا في الأصل. ولعلها: یهاجوا. يقال: هاجه
وأهاجه وهايجه، أي: أثاره وقاتله.
انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية،
ونختم هذا بالإشارة إلى الحكمة
التشريعية لهذا التعامل مع المستأمنين في
حال السلم وإباحة دخولهم بلاد الإسلام
والتعامل معهم، فإن الإسلام -كما تقدم-
دعوة للناس كافة للدخول في دين الله
تعالى، وينبغي على المسلمين أن يتخذوا
من الوسائل ما يمكنهم من إبلاغ هذه
الدعوة وتعريف الناس بها. ولما كان الكفار
الحربيون لا يجوز لهم دخول دار الإسلام
دون إذن من ولي أمر المسلمين؛ لأنهم
أعداء للمسلمين ولا يؤمن کیدهم وشرهم،
فإن الحكمة تقتضي أن يكون هناك وسيلة
لاختلاط الكفار بالمسلمين -ولو لمدة
مؤقتة- يتعرفون فيها على الدين وتعاليمه
وسيرة أهله بما قد يكون عونًا على فهمهم
الصحیح للدین ودخولهم فیه، فیکون هذا
في معنى الدعاء إلى الدين بأرفق الطريقين
وأيسرهما.
و فيه أيضًا توطيد العلاقات السلمية بين
المسلمين والحربيين، وهذا له أثره في نشر
٠١٠٠٢/٢
(٢) أحكام أهل الذمة، ابن القيم ٢/ ٤٧٥ - ٤٧٦.
٢٣٢
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

العلاقات الدولية
الدعوة واطمئنان الكفار إلى المسلمين.
كما أن ذلك فيه تحقيق مصلحة للحربيين
أنفسهم في تمتعهم بالأمان عند دخولهم
لغرض من أغراضهم، فكثيرًا ما تقع الحاجة
إلى تردد التجار وأشباههم إلى دار الإسلام
وفي هذا تحقيق لمصلحة الطرفين (١).
ثانيًا: حال الحرب:
أما الحربيون أو المحاربون، فهم القسم
الثاني من الكفار والمشركين الذين سبقت
الإشارة إليهم بأنهم الخائفون المحاربون
للنبي صلى الله عليه وسلم (٢).
وهم أهل إحدى المنزلتين من النبي
صلی الله عليه وسلم كما في حديث ابن
عباس رضي الله عنهما: ((كان المشركون
على منزلتين من النبي صلى الله عليه وسلم
والمؤمنين؛ كانوا مشركي أهل حرب يقاتلهم
ويقاتلونه، ومشركي أهل عهد لا يقاتلهم ولا
يقاتلونه»(٣).
وقد ألمعنا - آنفًا- إلى هذا الصنف
الأخير من أهل العهد في الفقرة السابقة، أما
الحربيون فهم الأعداء من سكان دار الحرب
أو بلاد الكفر الذين لا يدينون بالإسلام،
(١) انظر: المبسوط، السرخسي ١٠/ ٧٧ - ٧٨،
حجة الله البالغة، الدهلوي ٢/ ٧٩٧.
(٢) انظر: زاد المعاد، ابن القيم ٣/ ١٦٠.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الطلاق،
باب نكاح من أسلّم من المشركات ٤٨/٧،
رقم ٥٢٨٦.
ويحاربون المسلمين، أو ينتسبون إلى
قوم محاربين لهم حقيقة وواقعًا أو حكمًا
وتوقعًا. وبعبارة أخرى: هم غير المسلمين
الذين لم يدخلوا في عقد الذمة، ولا
يتمتعون بأمان المسلمين ولا عهدهم، وهم
أصناف: الكفار الذين يقاتلون المسلمين
بالفعل ويكيدون لهم، والكفار الذين أعلنوا
الحرب على الإسلام وأهله، بأن ضيقوا على
المسلمين وحاصروهم اقتصاديًا، أو فتنوهم
عن دينهم، أو ظاهروا أعداء الإسلام على
المسلمين، والكفار الذين ليس لهم عهد
مع المسلمين ولو لم يحاربوا المسلمين
ولم يظاهروا عليهم، فهؤلاء كلهم يسمون
في الاصطلاح الفقهي أهل الحرب أو
الحربيين، ولا يشترط أن تكون الحرب
قائمة فعلًا، وإن كانت من الناحية التاريخية
الواقعية قد ناصبت الدولة المسلمة العداء
والخصام والحرب (٤).
والحربيون غير معصومين، فدماؤهم
وأموالهم مباحة للمسلمين؛ لأن العصمة
في الشريعة الإسلامية لا تكون إلا بأحد؛
بالإيمان أو الأمان، وليس للحربيين إذا لم
يكن لهم عهد أو أمان أن يدخلوا دار الإسلام
ولا أن یقیموا فيها، فإذا دخلها أحدهم فهو
مباح الدم والمال، ويجوز قتله ومصادرة
(٤) انظر: بدائع الصنائع، الكاساني ٤٣٧٥/٩،
الدر النقي في شرح ألفاظ الخرقي، ابن
عبد الهادي ٣/ ٧٤٤.
www. modoee.com
٢٣٣

حرف العين
ماله، كما يجوز أسره والعفو عنه (١).
ولذلك قال ابن المرتضى: ((ودار الحرب
دار إباحة، يملك كلٌّ فیها ما ثبتت یده علیه،
ولا قصاص فيها ولا أرش؛ إذ دماؤهم هدر،
ويملك بعضهم بعضًا وماله بالقهر، إذرقابهم
معرضة للاسترقاق وأموالهم للأخذ»(٢).
علاقة دعوية ينبثق عنها أصل
العلاقات الدولية:
ومن ذلك كله يمكن أن ندرك أن علاقة
المسلمين بغيرهم من الأمم الأخرى -على
اختلاف ألوانها ولغاتها وأدیانها- ليست في
حقيقتها علاقة سلم ولا علاقة حرب ابتداءً،
وأن الأصل ليس هو السلم بإطلاق، وليس
هو الحرب بإطلاق، ((وإنما هي علاقة دعوة،
فالأمة المسلمة أمة دعوة عالمية تتخطى في
إيمانٍ وسموٍ وعفوية كل الحدود والحواجز
التي تنتهي إليها، أو تتهاوى عندها المبادئ
الأخرى، سواء كانت هذه الحدود
والحواجز جغرافية أو سياسية أو عرقية أو
لغوية وهي بذلك تفتح أبواب رحمة السماء
(١) انظر: المبسوط، السرخسي ١٠/ ٩٢، بدائع
الصنائع، الكاساني ٩/ ٤٣١١، الأم، الشافعي
٢٠١/٣، شرح السنة، البغوي ٧٧/١١،
المغني، ابن قدامة ١٠/ ٦١٢، كشاف القناع،
البهوتي ٣/ ١٠٠.
(٢) البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء
الأمصار، أحمد بن يحيى بن المرتضى
٦/ ٤٠٧.
لأهل الأرض أجمعين))(٣).
وإنما تكون العلاقة - بعد ذلك- علاقة
سلم أو حرب، ویکون الأصل هو السلم أو
الحرب، بعد تحديد موقف الأمم والدول
الأخرى من دعوة الإسلام قبولاً أو رفضًا.
ولذلك يقول الدكتور الغنيمي: ((إن علاقة
الدولة الإسلامية بأي من دول دار المخالفين
تتوقف على سياسة تلك الدول من الدولة
الإسلامية. وتلك -لعمر الحق - بديهة من
بدهيات السياسة الدولية. فإن هي نهجت
منهج الموادعة والمسالمة كان حكمها هو
ما قررت الآية الكريمة: ﴿لَّا يَنْهَنَكُ اللَّهُ عَنِ
الَّذِينَ لَمْ يُقَدِلُوكُمْ فِي أَلِدِينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْمِن دِيَزِكُمْ أَنْ
تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُواْ إِلَيْهِمَّ إِنَّاللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾
[الممتحنة: ٨].
وعندئذٍ لا يطلب من المسلمين أن
يمارسوا إكراهًا على هؤلاء؛ لأن الإقساط
يتنافى مع الإكراه)» (٤).
(٣) ما هي علاقة الأمة المسلمة بالأمم الأخرى؟،
أحمد محمود الأحمد، ص ٧ - ٨.
وانظر: الأصول الشرعية للعلاقات الدولية
بين المسلمين وغيرهم، محمد أبو الفتح
البيانوني، مقال بمجلة جامعة الإمام محمد بن
سعود الإسلامية بالرياض، عدد محرم ١٤١٣
هــ
(٤) انظر: قانون السلام في الإسلام، محمد
طلعت الغنيمي، ص ١٠٤، الاستعانة بغير
المسلمين في الفقه الإسلامي، عبدالله -
الطريقي، ص ٢٦، المقدمة العامة لمشروع
العلاقات الدولية)) بإشراف د.نادية محمود
مصطفى، ص ١٦٠.
٢٣٤
جوبيبو
القرآن الكريمِ

العلاقات الدولية
بل إننا نقول: إن الإكراه يتنافى دائمًا مع والموعظة الحسنة، فيجب البداية به(٢).
الإقساط، وحتى في الحرب لا يجوز أن
يقع إكراه على قبول الدين. ونقول أيضًا: إن
وقفت دار المخالفين من الدعوة الإسلامية
موقف الرفض والعداء والحرب، فإن
حكمها هو ما قررته الآية الكريمة التي جاءت
تالية للآية السابقة، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا
يَتَبَّكُمُ اللّهُ عَنِ الَّذِينَ قَتَلُوكُمْ فِ الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم
يِّن ◌ِيَّرِكُمْ وَظَهَرُ واْ عَلَى إِخْرَاِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَنَوَُّمْ
فَأُوْلَكَ هُمُ الَّتِسُونَ﴾ [الممتحنة: ٩].
كلام العلماء رحمهم الله تعالی، حیث
قرروا أنه إذا لقي المسلمون المشركين
و کانوا لم يبلغهم الإسلام، فلیس ينبغي لهم
أن یقاتلوهم حتى يدعوهم، لقوله تعالى:
﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَقَّ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:
١٥].
وبه أوصى رسول الله صلى الله عليه
وسلم أمراء الجيوش، فقال: «فادعوهم إلى
شهادة أن لا إله إلا الله))(١). ولأنهم ربما
يظنون أنا نقاتلهم طمعًا في أموالهم وسبي
نسائهم وذراريهم، ولو علموا أنا نقاتلهم
على الدين أجابوا إلى ذلك من غير أن
تقع الحاجة إلى القتال، وفي تقديم عرض
الإسلام عليهم دعاء إلى سبيل الله بالحكمة
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجهاد،
باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث،
١٣٥٧/٣، رقم ١٧٣١.
ويقول الكاساني: ((إن كانت الدعوة لم
تبلغهم فعلى المجاهدين الافتتاح بالدعوة
إلى الإسلام باللسان؛ لقول الله تبارك
﴿أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ
وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَحَدِلْهُم بِأَلَّتِىِ هِىَ أَحْسَنُ
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ، وَهُوَ
أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: ١٢٥].
وتعالی:
ولا يجوز لهم القتال قبل الدعوة؛ لأن
الإيمان - وإن وجب عليهم قبل بلوغ الدعوة
بمجرد العقل فاستحقوا القتل بالامتناع-
(٢) انظر: شرح السير الكبير، السرخسي ١/ ٧٥ -
٧٦.
(٣) روضة القضاة وطريق النجاة، السمناني
١٢٣٧/٣.
وانظر: الاختيار لتعليل المختار، البلدحي
٤ / ١٨٧.
www. modoee.com
٢٣٥
ولذلك يقول العلامة أبو القاسم
السمناني الحنفي: ((وكل من لم تبلغه
الدعوة إلى الإسلام: فالسنة أن يدعى إلى
الإسلام، ويعلم ما يدعى إليه، ونبين له
شرائعه وفرائضه وأحكامه، فإن أسلم كف
عنه وخلي وشأنه، ودعي إلى التحول إلى
دار الإسلام والکون فيها، فإن لم یجب إلى
ذلك كله دعي إلى الجزية، فإن بذلها كف
عنه، وإن امتنع استعين بالله وقوتلوا على
وهذا الذي انتهينا إليه هو ما يفهم من اسم الله وملة رسول الله صلى الله عليه
وسلم)»(٣).

حرف العین
لكن الله تبارك وتعالى حرم قتلهم قبل بعث لهم في المعاملات، فيجب عرضه عليهم إذا
لم يعلموا به (٢)
.
الرسول عليه الصلاة والسلام وبلوغ الدعوة
إياهم؛ فضلاً منه ومنةً، قطعًا لمعذرتهم
بالكلية ولئلا يبقى لهم شبهة عذر ﴿فَيَقُولُواْ
رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ ءَايَئِكَ
وَتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ٤٧].
كما يجب تقديم هذه الدعوة كذلك؛ لأن
القتال ما فرض لعينه وذاته، بل للدعوة إلى
الإسلام. والدعوة دعوتان: دعوة بالبنان
وهي القتال، ودعوة بالبيان وهو اللسان،
وذلك بالتبليغ. والثانية أهون من الأولى؛
لأن في القتال مخاطرة بالروح والنفس
والمال. وليس في دعوة التبليغ شيء من
ذلك، فإذا احتمل المقصود بأهون الدعوتين
لزم الافتتاح بها)»(١).
وهذا يعني: أن الأصل في العلاقة بين
المسلمين وغيرهم من أهل الحرب في هذه
الحال هو السلم، ويبقى هذا الأصل قائمًا
إذا كان قد بلغهم الإسلام ولكن لا يدرون
أنا نقبل منهم الجزية ونعقد لهم الذمة،
فينبغي ألا نقاتلهم حتى ندعوهم إلى ذلك،
وبهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم أمراء
الجيوش، وهو آخر ما ينتهي به القتال، وفي
هذا التزام بعض أحكام المسلمين، والانقياد
(١) بدائع الصنائع، الكاساني ٩/ ٤٣٠٤ - ٤٣٠٥
بتصرف يسير.
وانظر: غياث الأمم في التياث الظلم،
الجويني، ص ٢٠٧.
وتتحول هذه العلاقة إلى علاقة حرب
فيما عدا ذلك ((فإن كانوا قومًا لا تقبل
منهم الجزية كالمرتدين وعبدة الأوثان من
العرب، فإنه لا يقبل منهم إلا الإسلام أو
السيف. فإذا أبوا الإسلام: قوتلوا من غير أن
يعرض عليهم إعطاء الجزية))(٣).
وروى الإمام محمد أيضًا عن ابن عباس
رضي الله عنهما قال: «کان رسول الله صلی
الله عليه وسلم لا يقبل من مشركي العرب
إلا الإسلام أو القتل» وقال: بهذا کان یأخذ
أبو يوسف (٤).
وكذلك: من تقبل منهم الجزية، إذا
عرض عليهم الإسلام ولم يقبلوه، وعرضت
عليهم الجزية فلم يقبلوها أو يلتزموا بها، فإن
العلاقة بهم علاقة حرب؛ لذلك قال الإمام
محمد بن الحسن: ((فينبغي أن لا نقاتلهم
حتى ندعوهم إلى إعطاء الجزية. وهو آخر
ما ينتهي به القتال)) يعني: فإن لم يلتزموا
(٢) انظر: شرح السير الكبير، السرخسي ١/ ٧٦.
وانظر: المبسوط، السرخسي، ٧/١٠، بدائع
الصنائع، الكاساني - ٤٣٠٥/٩.
(٣) السير الكبير، الشيباني ٧٦/١ - ٧٧ و١٨٩.
مع شرح السرخسي.
وانظر: الجامع الصغير، الشيباني، ص ٢٤٨
- ٢٤٩، أحكام القرآن، الجصاص ١/ ٢٦١،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٦/ ٢٧٣.
(٤) انظر: السير الكبير، الشيباني، ص ٢٢٢، شرح
السير الكبير، السرخسي ١٧٠٨/٥.
٢٣٦
القرآن الكريمِ

العلاقات الدولية
ذلك فقد وجب علينا قتالهم.
وذهب جمهور الفقهاء إلى أن الأصل في
العلاقة بغير المسلمين - عند امتناعهم عن
الإسلام أو الجزية - هو الحرب والقتال،
وأن السلم ليست إلا هدنة يستعد بها
لاستئناف القتال والاستعداد له (١).
فلا ينبغي موادعة أهل الشرك إذا
كان بالمسلمين عليهم قوة؛ لأن فيه ترك
القتال المأمور به. وإن لم يكن بالمسلمين
عليهم قوة فلا بأس بالموادعة؛ لأنها خير
للمسلمين، ولأن هذا من تدبير القتال.
وحينئذ تكون الموادعة جهادًا معنىً؛
لأن المقصود -وهو دفع الشر- حاصلٌ
بها. وإن السلم المطلق لا يكون إلا بإسلام
أو أمانٍ، أي: بالدخول في دين الإسلام أوّ
الرضا بعقد الذمة. ولذلك قالوا: يقاتل أهل
الكتاب والمجوس حتى يسلموا أو يعطوا
(١) جعل الأستاذ ظافر القاسمي هذا المذهب
نظرية لفريق من الباحثين المتأخرين. بينما
نجد أن هذا مذهب عامة الفقهاء المتقدمين،
ولم نجد - كما سيأتي - لأي منهم ما يخالف
ذلك، إلا ما روي عن سفيان الثوري رحمه
الله في الجهاد الدفاعي وعدم وجوب البدء
بالقتال إن لم يقاتلونا. وإن كان هذا في غير ما
نحن فيه، لأنه رحمه الله لم يحرم الجهاد أو
يمنعه بل هو ينفي وجوب البدء إن لم يقاتلونا.
وقد وضعه بعض الكتاب في غير موضعه
وأنطقوا الإمام سفيان رحمه الله بما لم يقل
به.
انظر: الجهاد والحقوق الدولية العامة في
الإسلام، ظافر القاسمي، ص ١٦٠.
الجزية، ويقاتل من سواهم من الكفار حتى
يسلموا.
وهذا هو الذي نص عليه الشافعي رحمه
الله حيث قال: ((حكم الله عز وجل في
المشركين حكمين: فحكم أن يقاتل أهل
الأوثان حتى يسلموا، وأهل الكتاب حتى
يعطوا الجزية إن لم يسلموا))(٢).
وقالوا: إن الجهاد لإعلاء كلمة الله،
وقتال الكفار الذين امتنعوا عن الإسلام
وأداء الجزية - وهم ممن تقبل منهم -
واجب كفائي على المسلمين كل سنة وإن
لم يبدؤونا بالقتال. وإن دعت الحاجة إلى
القتال في كل عام أكثر من مرة وجب ذلك
عليهم. ولهذا لا تجوز المهادنة مع الأعداء
إذا كانت الهدنة مطلقة لم تقيد بمدة(٣)؛ لأن
الإطلاق يقتضي التأبيد، وذلك يفضي إلى
.(٤).
ترك الجهاد بالكلية، وهو غير جائز .
(٢) أحكام القرآن، الشافعي ٢/ ٥٦.
وانظر: الأم، الشافعي ١٥٥/٤ - ١٥٦.
(٣) وهذا أحد القولين في مذاهب العلماء. وفي
قول آخر أنه يجوز ذلك وهو الذي نص عليه
الشافعي في المختصر. والمذكور عن أبي
حنيفة: أنها لا تكون لازمة بل جائزة، فإنه
جوز فسخها متى شاء. وهذا القول الثالث مال
إليه ورجحه ابن القيم واستدل له بجملة أدلة.
انظر: أحكام أهل الذمة ٢/ ٤٧٦ - ٤٩٠.
(٤) انظر: المبسوط، السرخسي ٢/١٠-٣ و
٢٧، فتح القدير، ابن الهمام ٤ /٢٨٢، الكافي
في فقه أهل المدينة، ابن عبد البر ٤٦٦/١،
روضة الطالبين، النووي ٢٠٨/١٠ و ٣٣٥
- ٣٣٦، الأحكام السلطانية، الماوردي ص
www. modoee.com
٢٣٧

حرفالعین
واجب على المسلمين، إلا أنهم في سعة
من ذلك حتى يحتاج إليهم؛ لقوله تعالى:
﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَئِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ
الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣].
﴿وَجَهِدُواْ فِ اللَّهِ حَقَّ
ولقوله:
جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٨].
حتى لو اجتمع المسلمون على تركه
اشتركوا في المأثم. وفي مثل هذا یجب على
الإمام النظر للمسلمين؛ لأنه منصوب لذلك
نائب عن جماعتهم، فعليه ألا يعطل الثغور،
ولا يدع الدعاء إلى الدين، وعليه حث
المسلمين على الجهاد، ولا ينبغي أن يدع
المشركين بغير دعوة إلى الإسلام أو إعطاء
الجزية إذا تمكن من ذلك)) (١).
هذه خلاصة ما جاء من نصوص عند
العلماء المتقدمين، وهو ما نص عليه أيضًا
المتأخرون من العلماء المحققين، فقال
الشوكاني: ((وأما غزو الكفار ومناجزة أهل
الكفر، وحملهم على الإسلام أو تسليم
الجزية، أو القتل، فهو معلوم من الدين
بالضرورة الدينية، ولأجله بعث الله تعالى
رسله وأنزل كتبه، وما زال رسول الله
صلى الله عليه وسلم منذ بعثه الله سبحانه
٥٢، كشاف القناع، البهوتي ٢٨/٣، المغني،
ابن قدامة ١٠/ ٣٨١.
(١) السير الكبير، الشيباني ١٨٧/١ - ١٨٩ مع
شرح السرخسي.
قال الإمام محمد بن الحسن: ((الجهاد وتعالى إلى أن قبضه إليه جاعلاً هذا الأمر
من أعظم مقاصده ومن أهم شئونه. وأدلة
الكتاب والسنة في هذا لا يتسع لها المقام،
ولا لبعضها. وما ورد في موادعتهم أو في
تركهم إذا تركوا المقاتلة: فذلك منسوخ
-باتفاق المسلمين- بما ورد من إيجاب
المقاتلة على كل حال مع ظهور القدرة
عليهم والتمكن من حربهم وقصدهم في
دیارهم » (٢) .
وقال السيد صديق حسن خان عن جواز
الصلح مع الكفار: «ذهب الجمهور إلى أنه لا
يجوز أن يكون أكثر من عشر سنين؛ لأن الله
سبحانه قد أمرنا بمقاتلة الكفار، فلا يجوز
مصالحتهم بدون شيء من جزية أو نحوها.
ولكنه لما وقع ذلك من النبي صلى الله عليه
وسلم كان دليلًا على الجواز إلى المدة التي
وقع الصلح عليها، ولا تجوز الزيادة عليها؛
رجوعًا إلى الأصل وهو وجوب مقاتلة
الكفار ومناجزتهم الحرب» (٣).
ولذلك يرى الدكتور مصطفى كمال
وصفي رحمه الله أن علاقة المسلمين
مع غير المسلمين لا تقوم على وجهها
الإسلامي إلا إذا كان للمسلمين هيبة تكفل
لهم قيام الأحكام الشرعية وحسن تطبيقها،
فإن تطبيق الشريعة الإسلامية في المحيط
(٢) انظر: السيل الجرار، الشوكاني ٤ /١٥٨ -
١٥٩.
(٣) الروضة الندية ٤٧٩/٢ - ٤٨٠.
٢٣٨
جوسين
لِلْهُرَآنِ الكَرِيْمِ

العلاقات الدولية
الدولي يتطلب عزّا وكرامة وهيبة، فيكون
لتسامحها ومرونتها أثره في حسن الدعوة
وحسن التمثل بالمسلمين. وبدون ذلك
فإن التحدث بالعزة الإسلامية يحمل على
الاستخفاف فتطمع فينا الدول، وينتهزون
ذلك ويستغلونه لمصالحهم، كما حدث
بالنسبة لمعاهدات الامتيازات التي أولاها
العثمانيون -وهم في قوتهم- للأوربيين،
فكانت أول مسمار في نعش هذه الدولة.
ومن أهم ما يوجبه الإسلام أن نقوم
بيث الهيبة الإسلامية كل سنة بإظهار القوة
العسكرية الإسلامية على الحدود، فإن القيام
بالغزوات الآن محفوف بالقيود الدولية،
لذلك يجب -على الأقل- بث الهيبة على
الحدود بعد تحرير أراضي المسلمين
والجهاد لنصرة أقلياتهم المغلوبة، وهو
عمل يسهل مع مضي الوقت وزيادة النفوذ
الدولي، وإن يكن صعبًا في البداية، كما
يجب القيام بالدعوة والتوعية بصورة فعالة
موازية للحرب المضادة على الأقل (١).
(١) انظر: مصنفة النظم الإسلامية، مصطفى كمال
وصفي، ص ٣٣٩ - ٣٤١.
العهود بين الدولة الإسلامية وغيرها
تعتبر المعاهدات والمواثيق أو الاتفاقات
من أهم وسائل العلاقات الدولية في القديم
والحديث، فهي توطد فكرة السلام،
وتوجه العلاقات السلمية بين المسلمين
وغير المسلمين. وفي هذا الموضع إيجاز
للمعاهدات بين الدولة الإسلامية والدول
الأخرى، ونقض العقد ومسوغاته،
والاستجابة للدعوة إلى السلم عندما يميل
العدو إلى ذلك.
أولًا: الدولة الإسلامية والمعاهدات:
المعاهدة في اللغة: مأخوذة العين والهاء
والدال، وهو أصل يدل على الاحتفاظ
بالشيء وإحداث العهد به. فمن ذلك:
العهد؛ وهو حفظ الشيء ومراعاته حالاً بعد
حال. وهو أيضًا: العقد والموثق واليمين
والوصية والتقدم إلى المرء بالشيء أو
بالأمر، وجمعه عهود. والمعاهدة والتعاهد
بمعنىّ واحد. وهي: المعاقدة والمحالفة.
يقال: تعاهد القوم، أي: تحالفوا. فالمعاهدة
ميثاق بين اثنين أو جماعتين؛ لأنها على وزن
((مفاعلة))، وهي تدل على المشاركة فلابد أن
تكون بين طرفين (٢)
(٢) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤ /١٦٧
- ١٧٠، القاموس المحيط، الفيروز آبادي
٣٣٥/٣ - ٣٣٦، لسان العرب، ابن منظور
٣١١/٣ - ٣١٥.
www. modoee.com
٢٣٩

حرفالعین
والمعاهدة عند الفقهاء: موادعة بينه وبينها كتابًا، وألحق كل قوم بحلفائهم.
المسلمين والمشركين سنين معلومة. أو وكان فيما شرط عليهم ألا يظاهروا عليه
هي: الصلح على ترك القتال مؤقتًا (١).
ويدل على مشروعية هذه المعاهدات
قوله تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا
وَتَوَّكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَُّ هُوَ السَّمِيعُ اَلْعَلِيمُ﴾ [الأنفال:
٦١].
ففي الآية الكريمة دلالة على مشروعية
المصالحة والموادعة إذا طلبها المشركون
ومالوا إليها، وإذا كان في الصلح مصلحة
فلا بأس أن يبتدئ به المسلمون إذا احتاجوا
إليه(٢).
وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِن كَانَ
مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَقٌّ فَدِيَةٌ
◌ُسلَّمَةُ إِلَى أَهْلِهِ ﴾ [ النساء: ٩٢].
والآية الكريمة نزلت في بيان ما يترتب
على قتل رجل من الكفار الذين بيننا وبينهم
عهد، ففيها دليل على مشروعية الدخول في
العهد أو المعاهدة التي سماها الله تعالى في
هذه الآية ميثاقًا؛ لأنها عهد وعقد مؤكد (٣).
ولما قدم رسول الله صلى الله عليه
وسلم المدينة وادعته يهود كلها، وكتب
(١) السير الكبير، الشيباني ١٧٨٠/٥، الإنصاف،
المرداوي ٤ / ٢١١.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٤/ ٤٠، معالم
التنزيل، البغوي ٣٧٣/٣، أحكام القرآن،
الجصاص ٦٩/٣-٧٠.
(٣) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٢٦٣/٥.
عدوًا (٤). كما صالح النبي صلى الله عليه
وسلم أهل مكة عام الحديبية على أن وضع
الحرب بينه وبينهم عشر سنین، وعلى أن من
جاءه منهم مسلمًا رده إليهم، ومن جاءهم
من عنده لا يردونه إليه، وغير ذلك من
الشروط (٥).
أنواع المعاهدات: وإذا شرعت
المعاهدات فإنها تتنوع حسب وجهة
النظر إليها؛ فمن حيث التوقيت: قد تكون
المعاهدة مؤبدة، كعقد الذمة، وقد تكون
مؤقتة كالأمان والهدنة والموادعة، وقد
تكون مطلقة الوقت. ولكل نوع منها أحكام
خاصة، والكلام هنا ينصب على هذا النوع
المؤقت بخاصة.
ومن حيث موضوعها: قد تكون
معاهدات لوضع الحرب كالهدنة والصلح
والموادعة. وهي الموضوع الرئيس الذي
كانت تعقد المعاهدات من أجله، كما أنها
هي المقصودة أساسًا بالبحث في كتب
(٤) أخرجه البلاذري في أنساب الأشراف:
١/ ٢٨٦، وأبو عبيد في الأموال، ص ٢٣٢،
وذكره الشافعي في الأمّ ١٢٩/٤.
وانظر: مجموعة الوثائق السياسية، محمد
حمید الله، ص ٥٧-٥٩.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلح،
باب الصلح مع المشركين، ١٨٥/٣، رقم
٢٧٠٠.
٢٤٠
جوسين
الْقُرآن الكَرِيمِ

العلاقات الدولية
الفقه، وقد تتعلق بأمور التجارة والاقتصاد
والخدمات والثقافة ونحوها مما يكون
بين الدول من علاقات ومعاملات متنوعة.
وليست كلها سواء من حيث المشروعية.
ومن حيث الأطراف: قد تكون ثنائية
بين دولتين، وقد تتعدد أطرافها أكثر،
فينضم إلى أحد الطرفين من يدخل في
عهده كما في صلح الحديبية.
وكي تكون المعاهدات صحيحة تترتب
عليها آثارها ينبغي أن تستجمع شروطًا لا بد
منها، فإن اختلت هذه الشروط أو فقدت، أو
اختل بعضها، ترتب على ذلك عدم صحة
المعاهدة. وهي:
٥. أهلية إبرام المعاهدات.
والأصل العام والقاعدة المتبعة أن يتولى
إبرام المعاهدات رئيس الدولة ((الخليفة)) ٦١].
باعتباره ممثلًا للجماعة الإسلامية ومعبرًا
عن إرادتها وناظرًا لمصلحتها، أومن ينوب
عنه؛ لأنه يقوم مقام الخليفة نفسه ويعبر
عنه. ولذلك لا تصح المعاهدة في مهادنة
الكفار ونحوها إلا منهما، لما يترتب على
عقد غيرهما لها من المفاسد، ولما فيه من
الافتئات عليه.
٦. الرضا.
أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ إِلَّ أَنْ تَكُونَ
تَجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].
فاقتضت الآية الكريمة إباحة سائر
التجارات الواقعة عن تراضٍ من الطرفين،
ويدخل في هذا جميع العقود، والموادعة
عقد من هذه العقود.
٧. المصلحة.
يشترط أن يكون في المعاهدة مصلحة
للمسلمين وحاجة تدعو إليها، كي يتحقق
الباعث على المعاهدة. وعلى هذا فإن
وقعت المعاهدة مع الإخلال بهذا الشرط
فهي فاسدة يجب نقضها وإبطالها وإعلام
الطرف الثاني بذلك. ودليل ذلك قول الله
سبحانه وتعالى: ﴿وَإِن جَنَحُواْلِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَّا
وَتَوَّكَّلْ عَلَى اللّهَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنفال:
وهذه الآية الكريمة وإن كانت مطلقة،
لكن إجماع الفقهاء على تقييدها برؤية
المصلحة للمسلمين في ذلك بآية أخرى،
وهي قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُوْاْ إِلَى السَّلْمِ
وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوَّنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥].
فأما إذا لم يكن في الموادعة مصلحة فلا
تجوز بالإجماع.
٨. مشروعية محل المعاهدة.
يشترط لصحة المعاهدة أن يكون محلها
حيث تقوم العقود في الإسلام على
مبدأ الرضا الذي أرساه القرآن الكريم بقوله أو موضوعها مشروعًا، فلا تصادم نصًا
تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ أو حكمًا شرعيًا ثابتًا، وألا يكون فيها تغيير
www. modoee.com
٢٤١

حرف العين
للأوضاع الشرعية؛ لأن في هذا التغيير
خروجًا على الشريعة وأحكامها ومناقضةً
لها، وهو محرم وباطل على الإطلاق،
ولا يجب الوفاء إلا بما كان مشروعًا من
المعاهدات دون ما كان معصية لا تجوزه
الشريعة (١).
قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُوا
اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِ آلْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِن نَزَعْهُمْ
فِي شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُمْ تُؤْمِنُونَ
بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِّ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾
[النساء: ٥٩].
وقال سبحانه: ﴿أَتَّبِعُواْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ
مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَنَّبِعُواْ مِن دُوَّيِّهِ- أَوْلِيَاءُ قَلِيلًا مَّا
تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣].
٩. شرط المدة أو التوقيت.
من شروط المعاهدة أن تكون مؤقتة
بمدة معينة، وذلك لبيان سريان المعاهدة
والالتزام بها، ولا يتم ذلك إلا ببيان أول
تلك المدة وآخرها. والمعاهدة قد تكون
مؤقتة بمدة، وقد تكون مؤبدة، وقد تكون
مطلقة عن التوقيت والتأبيد:
المعاهدة المؤبدة: وهي التي تستغرق
الدهر كله. وقد أجمع العلماء على أن
معاهدات الصلح المؤبدة باطلة غير
(١) أحكام القرآن، الجصاص ٢/ ٢٩٤، أحكام
المعاهدات في الشريعة الإسلامية، طلعت
الغنيمي ص ٩٨- ١٠٠، المعاهدات الدولية
في الشريعة، أحمد أبو الوفا، ص ٦٩-٧٤.
صحيحة (٢).
المعاهدة المؤقتة بمدة معلومة: وهذه
معاهدة صحيحة مشروعة؛ إذ إنه من
طبيعة المعاهدة أن تقبل التخصيص
بالوقت. والأصل في توقيت
المعاهدات أن النبي صلى الله عليه
وسلم صالح أهل مكة عام الحديبية
علی أن وضع الحرب بينه وبينهم عشر
سنين. ويرى الحنفية أن المعاهدة لا
يقتصر جوازها على عشر سنين، بل
إن ذلك مفوض لرأي إمام المسلمين
وما يراه من المصلحة والحاجة، فقد
تكون المصلحة في تجاوز هذه المدة
إلى مدة أخرى أكثر منها، سواء طالت
أم قصرت. ورجح هذا الخطابي، وابن
حجر العسقلاني من الشافعية (٣).
المعاهدة المطلقة عن التوقيت: ذهب
الحنفية وبعض المالكية، إلى جواز
المعاهدة المطلقة عن التوقيت، فهي
ليس مؤبدة وليست محددة بمدة معينة
أيًا كانت، وإنما لم يذكر فيها شرط المدة
فحسب. وهو ما يرجحه شيخ الإسلام
ابن تيمية وتلميذه المحقق ابن قيم
(٢) اختلاف الفقهاء، الطبري ص ١٤، البحر
الزخار، ابن المرتضى ٦/ ٤٤٨.
(٣) انظر: شرح السير الكبير، السرخسي
٥/ ١٧٨٠، معالم السنن، الخطابي ٤ / ٨٠،
فتح الباري، ابن حجر ٦/ ٢٨٢.
٢٤٢
القرآن الكريم

العلاقات الدولية
الجوزية، وهو الذي يتفق مع نصوص
القرآن الكريم الآمرة بالوفاء بالوعد
والعهد، ومع نصوص السنة النبوية
والواقع العملي لسيرة النبي صلى الله
عليه وسلم، ولم يجئ بعد ذلك ما ینسخ
هذا الحكم البتة(١).
آثار المعاهدات الدولية على غير
الأطراف:
الأصل في المعاهدات أنها تنتج أثرها
وتلزم عاقديها ((الأطراف في المعاهدة) دون
غيرهم. إلا أن هذه القاعدة يكتنفها قاعدة
أخرى تنازعها الحكم، وتجيز أن تتمتع
الدول غير الأطراف بآثار المعاهدة وإن لم
یکونوا طرفا فيها، ودليل ذلك: هو قول الله
تعالى: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَخُذُّوهُمْ وَأَقْتُلُوهُمْ حَيْثُ
وَجَدَ ثُمُوهُمٌّ وَلَا نَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيَّا وَلَا نَصِيرًّا
﴿ إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِيثَقُّ
أَوْ جَاءُ وَكُمْ حَصِرَتَ صُدُورُهُمْ أَن يُقَئِلُوكُمْ أَوْ
يُقَئِلُواْ قَوْمَهُمْ﴾ [النساء: ٨٩- ٩٠].
فالذين يصلون إلى قوم بيننا وبينهم عهد
أو ميثاق يدخلون معهم، وترتب المعاهدة
آثارًا بالنسبة لهم، كما في صلح الحديبية؛
فقد جاء فيه أن من أحب أن يدخل في عهد
محمد صلی الله عليه وسلم دخل فيه، ومن
(١) أحكام القرآن، ابن العربي ١٧٨٩/٤،
مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٩/ ١٤٠، أحكام
أهل الذمة)) ابن القيم ٢ / ٤٧٦-٤٩٠.
أحب أن يدخل في عهد قریش دخل فيه.
وتستنفد المعاهدة أغراضها وينتهي
أجلها، فتفنی وتنتهي آثارها، وذلك عندما
يطرأ عليها سبب من أسباب الانتهاء
والانقضاء، ويمكن أن نجملها بأربعة
أسباب(٢):
وتنتهي المعاهدة المؤقتة بوقتٍ معلوم
بانتهاء الوقت من غير حاجة إلى نبذٍ أو
إعلام للطرف الآخر؛ لأن العقد المؤقت
إلى غاية ينتهي بانتهاء الغاية، فالمعاهدة في
هذه الحال أصبحت غير قائمة فعلًا.
وقد ينبذ الطرفان المعاهدة أو ينهياها
صراحةً، وهو ما سماه الإمام الكاساني
((النص على إنهاء المعاهدة))، على غرار
الإقالة في العقود.
وتنتهي المعاهدة كذلك إذا نقضها
المعاهدون من الأعداء صراحةً أو دلالةٌ،
ويكون هذا النقض بواحد من أمرين يدلان
على ذلك:
أحدهما: قيامهم بأعمال تعتبر نقضًا
للمعاهدة؛ لأنها مخالفة لموجبها. والدليل
على ذلك: أن أهل مكة لما بدؤوا بالغدر
(٢) وعلى هذا فإن بطلان المعاهدات لا يدخل
ضمن هذا الموضع، لأن الباطل غير قائم
شرعًا ولا أثر له، لأنه يعني أن المعاهدة لم
توجد أصلاً من الناحية الشرعية حتى ولو
كانت قائمةً حسًا بينما في الانتهاء كانت
المعاهدة موجودة ثم طرأ عليها سبب من
أسباب الانتهاء والانقضاء.
www. modoee.com
٢٤٣

حرفالعین
ونقض العهد الذي كان بينهم وبين النبي
صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية،
قبل مضي المدة، حيث عاونت قريشٌ بني
بكرٍ على خزاعة، وهم حلفاء الرسول صلى
الله عليه وسلم، قاتلهم النبي صلى الله عليه
وسلم ولم ينبذ إليهم(١).
والثاني: مخالفتهم لشروط المعاهدة
والإخلال بها. ويدل على ذلك أن النبي
صلى الله عليه وسلم صالح ابني أبي الحقيق
من اليهود على شروط اشترطها عليهم
فخالفوها، فكان ذلك نقضًا منهم للصلح،
كما هو معروف في كتب السيرة (٢).
وقد تنهى المعاهدة بإرادة منفردة:
والأصل في هذا قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا
تَخَافَنَ مِن قَوْيٍ خِيَانَةً فَأَنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَى سَوَاءِ إِنَّ
اُللَّهَ لَا يُحِبُّ الْقَآيِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨].
وانقضاء المعاهدة بالنبذ ((الإلغاء)) من
جانب المسلمين يكون لأحد أمرين هما:
تعذر الوفاء بشرط من شروط المعاهدة،
وتغير الظروف التي عقدت المعاهدة في
ظلها فتبدلت المصلحة الداعية إليها (٣).
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه، ١٤/ ٤٧٣
و ٤٨١، وعبدالرزاق في مصنفه، ٣٧٤/٥.
(٢) السيرة النبوية، ابن هشام ٢٧٨/١ - ٢٨١،
زاد المعاد، ابن القيم، ١٤٣/٣.
(٣) شرح السير الكبير، السرخسي ٣٠٤/١،
البحر الرائق، ابن نجيم ٨٦/٥، بدائع
الصنائع، الكاساني ٩/ ٤٣٢٧.
ثانيًا: الدولة الإسلامية والوفاء بالعهود:
الوفاء بالعهود والمواثيق من أعظم ما
يترتب على العقود، سواء كانت عقودًا
بين العبد وربه تبارك وتعالى، أو بين العبد
وإخوانه في أنواع المعاملات المختلفة،
أو بين الدولة وغيرها من الدول والأمم
والشعوب. وهو من القواعد العامة في
الشريعة الإسلامية ومن أحكامها القطعية
الثابتة، وهو كذلك معلم من المعالم البارزة
في العلاقات الدولية الإسلامية.
والأصل في ذلك: كثير من الآيات
القرآنية الكريمة، والأحاديث النبوية
الشريفة، التي ترسي هذا المبدأ الأصيل في
العلاقات الدولية وغيرها.
ففي الوفاء بالعهد أو العقد، يقول الله
سبحانه وتعالى: ﴿بَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا
أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ ﴾ [المائدة: ١].
ووجه الاستدلال بالآية الكريمة: ((أن
العقد ما يعقده العاقد على أمر يفعله هو،
أو يعقد على غيره فعله على وجه إلزامه
إياه والعهد والأمان يسميان عقودًا؛ لأن
معطيها قد ألزم نفسه الوفاء بها. والأيمان
كذلك؛ لأن الحالف قد ألزم نفسه التمام
عليه والوفاء به، والشركة والمضاربة تسمى
أيضًا عقودًا؛ لأنها تقتضي الوفاء بما شرطه
كل واحد من الربح والعمل لصاحبه، وألزم
نفسه بما شرطه في شيء يفعله في المستقبل،
٢٤٤
الْقُرآن الكَرِيمِ

العلاقات الدولية
فهو عقد كعقود البيوع والإجارات وغيرها. تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا
فقد اشتملت الآية الكريمة على إلزام الوفاء إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ﴿ وَلَا تَكُونُواْ
بالعهود والذمم التي نعقدها لأهل الحرب
وأهل الذمة والخوارج وغيرهم من سائر
الناس وجميع ما يتناوله اسم العقود» (١).
ويأمر الله تعالى بإتمام العهود إلى مدتها
ويحذر من نقضها فيقول: ﴿إِلَّا الَّذِينَ
عَهَدُثُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّلَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ
يُظَهِّرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَنِّقُواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤].
[التوبة: ٤].
مُدَّتِهِمَّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُنَّقِينَ﴾
ومنذ أن كان النبي صلی الله عليه وسلم
وأصحابه - رضوان الله عليهم - في مكة
المكرمة والدعوة في مهدها لا تتجاوز أم
القرى، يعلم الله تعالى أن المسلمين سيكون
لهم دولة قوية.
وقد تحمل القوة أهلها على التهاون
بالعهود والمواثيق تحقيقًا لمصلحة قريبة أو
ثارالمظلمة سابقة، فكانمن حكمةاللهتعالی
أن يأتي التأكيد على الوفاء بالعهد والتحذير
من الغدر في التعامل مع الأمم الأخرى،
وكان ذلك أيضًا إرهاصًا بقيام دولة قوية عزيزة
للمسلمين ينبغي أن تستشرف الحق والعدل
والوفاء، فقال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ
اللَّهِ إِذَا عَهَدْتُمْ وَلَا نَنَقُضُواْ الْأَيْمَنَ بَعْدَ
(١) أحكام القرآن، الجصاص ٢٩٣/٢ - ٢٩٤.
وانظر: جامع البيان، الطبري ٩/ ٤٤٩ -
٤٥٤، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
١٦٩/١٠.
كَأَلَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَانًا
نَتَّخِذُونَ أَيْمَنَّكُمْ دَخَلْا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ
أُمَّةُّ هِىَ أَرْبَى مِنْ أُمَّ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ بِّ
وَيُبَيَِّنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ مَا كُتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾
[النحل: ٩١ - ٩٢](٢).
وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِّ إِنَّ الْعَهْدَ
وتواردت الآيات الكريمة في الوفاء بالعهد
في مجالات العقيدة والعبادة والأخلاق
وفي العلاقات الاجتماعية والدولية وفي
المعاملات المالية وغيرها، وسلك القرآن
الکریم في ذلك مناهج شتى، فقد أوجب
الوفاء بالعهود بصيغة الأمر المباشر، وبصيغة
الخبر، ثم بطريقة التحذير من عدم الوفاء
أو التهاون بالعهود، وجعل الوفاء بالعهد من
صفات المؤمنين (٣).
الكريمة للصورة
ثم عرضت الآيات
المقابلة للوفاء فحذرت من خيانة العقود
ونقضها وعدم مراعاتها مع بيان ما يترتب
على ذلك من الآثار، فقال الله سبحانه
وتعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَآتٍ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ
كَفَرُواْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ عَهَدَثَّ
مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِ كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا
(٢) انظر: أحكام القرآن، الجصاص ١٩٠/٢.
(٣) انظر: العهد والميثاق في القرآن الكريم، ناصر
العمر ص ١٥٣.
www. modoee.com
٢٤٥

حرف العين
يَتَّقُونَ ﴾ [الأنفال: ٥٥ - ٥٦].
أَوَ كُلَمَا
وقال سبحانه وتعالى:
عَهَدُواْ عَهْدًا نَّبَذَهُ، فَرِيقٌ مِّنْهُمَّ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا
يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:
وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِن تَكَنُواْ
أَيْمَنَهُم مِّنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِى
دِينِكُمْ فَقَئِلُواْ أَبِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ
لَآَ أَيْمَنَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ ) أَلَا
تُقَئِلُونَ قَوْمًا نَّكَنُواْ أَيْمَنَهُمْ وَهَمُّواْ
بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَهُوَكُمْ
أَوَّلَـ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمَّ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ
إِنْ كُنتُم مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٢ - ١٣].
أما الأحاديث النبوية فقد جاءت
بتفصيلات أوسع في الوفاء بالعهود والنهي
عن الغدر والخيانة والنقض، حسبنا أن نشير
إلى طرفٍ منها:
عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن
كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة
من النفاق حتى يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا
حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم
فجر) (١).
وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب علامة المنافق ١٦/١، رقم ٣٤، ومسلم
في صحيحه، كتاب الإيمان، باب خصال
المنافق ٧٨/١، رقم ٥٨.
الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الغادر
ينصب له لواء يوم القيامة، فيقال: هذه غدرة
فلان ابن فلان). وقال: (لكل غادر لواء عند
استه يوم القيامة، ألا ولا غادر أعظم غدرًا من
أمير عامةٍ)(٢).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال: (أد الأمانة
إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك)(٣).
وأخرج أبو عبيد بسنده عن رجل من جهينة
من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنكم
لعلكم تقاتلون قومًا فيتقونكم بأموالهم دون
أنفسهم وأبنائهم ويصالحونكم على صلح،
فلا تأخذوا منهم فوق ذلك، فإنه لا يحل
لكم) (٤).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الجزية، باب إثم
الغادر، ١٠٤/٤، رقم ٣١٨٦، ومسلم في
صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب تحريم
الغدر، ١٣٥٩/٣، رقم ١٧٣٥.
(٣) أخرجه أبو داود في البيوع، باب في الرجل
يأخذ حقه، ٣/ ٢٩٠، رقم ٣٥٣٤، والترمذي
في سننه، أبواب البيوع، ٥٥٦/٣، رقم
١٢٦٤.
قال الترمذي: «حسن غریب».
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
١٠٧/١، رقم ٢٤٠.
(٤) ((الأموال)) لأبي عبيد ص ١٧٠ و ١٧١،
وأخرجه أبو داود في سننه، كتاب الخراج،
باب في تعشير أهل الذمة، ١٧٠/٣، رقم
٣٠٥١.
وضعفه الألباني في ضعيف الجامع،
ص ٦٧٤، رقم ٤٦٨٠.
٢٤٦
القرآن الكريمِ

العلاقات الدولية
وفي هذا دليل على أنه لا يجوز خلفه أبو عبيدة فأخبروه بذلك(٢).
للمسلمين بعد وقوع الصلح بينهم وبين
الكفار علی شيء أن یطلبوا منهم زیادة علیه،
فإن ذلك من ترك الوفاء بالعهد ونقض العهد
وهما محرمان بنص القرآن والسنة (١).
وإذا كان للوفاء بالعهد أثره في الالتزام
بالمعاهدات الدولية واستقرارها فإنه كذلك
يجعل المعاهدين عونًا للمسلمين ويزرع في
نفوسهم الثقة بهم، فقد أخرج القاضي أبو
يوسف أن أبا عبيدة بن الجراح لما صالح
أهل الشام واشترط لهم وعليهم شروطًا كان
الصلح عليها، قالواله: اجعل لنا يومًا في السنة
نخرج فیه صلباننا بلا رایات، وهو يوم عيدنا
الأکبر. ففعل ذلك وأجابهم إليه، فلم يجدوا
بدًا أن يفوا لهم بما شرطوا، ففتحت المدن
على هذا.
الذمة وفاء المسلمين
فلما رأى أهل
وحسن السيرة فيهم صاروا أشداء على عدو
المسلمین وعونًا للمسلمین علی أعدائهم،
فبعث أهل كل مدينة ممن جرى الصلح بينهم
وبين المسلمين رجالًا من قبلهم يتحسسون
الأخبار عن الروم وعن ملكهم وما يريدون
أن يصنعوا، فأتى أهل كل مدينة رسلهم
یخبرونهم بأن الروم قد جمعوا جمعًا لم ير
مثله، فأتى رؤساء أهل كل مدينة إلى الذي
(١) انظر: نيل الأوطار، الشوكاني ٦٩/٨.
وقد كان الوفاء بالعهد والتحرز عن الغدر
من المعالم البارزة والأصول الثابتة في الفقه
الإسلامي، وكثيرًا ما نجدهم يعللون لما
یذهب إليه بأن فیه وفاءً وتحرزًا عن الغدر.
وإليك ما يدل على هذا:
# ينبغي رعاية العهد والميثاق مع الدولة
غير المسلمة في كل الأحوال، ويقدم
هذا على واجب النصرة والمساعدة
للمسلمین الذین لم یهاجروا إلى دار
الإسلام إذا استنصرونا، فإذا كان بين
المسلمين وبين غير المسلمين عهد،
فلا ينبغي نقضه، بل يجب الوفاء
به حتى ينقضي العهد أو ينبذ إليهم
على سواء(٣). قال الله تعالى: ﴿وَإِنِ
أَسْتَصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ
إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيشَقُ وَاَللَّهُ بِمَا
تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٢].
إلا أن وجود الميثاق المانع من نصرة
المسلمين وعدم قتال المعاهدين
يكون فقط بالنسبة للدولة الإسلامية،
أما الرعايا العاديين فيمكنهم تخليص
الأسرى إذا كانوا مستأمنين في بلاد
الكفر وقدروا على ذلك. قال الإمام
(٢) انظر القصة كاملة: في الخراج، أبو يوسف ص
١٤٩ - ١٥١.
(٣) انظر: شرح السير الكبير، السرخسي
١٦٦٧/٤.
www. modoee.com
٢٤٧

حرف العين
محمد بن الحسن الشيباني: ((قوم من
المسلمين يكونون مستأمنين في دار
الحرب إذا أغار أهل الحرب على دار
الإسلام فأصابوا غنائم وسبايا كبيرة
أحرارًا مسلمین فأدخلوهم دار الحرب،
فمروا بهم على أولئك المسلمين
المستأمنين، لهم أن ينقضوا عهدهم
ويقاتلوا على ذراري المسلمين، لا
يسعهم إلا ذلك إذا كانوا يطيقون
القتال))(١).
وعرض الفقهاء لكثير من الشروط التي
يجب الوفاء بها في الموادعة؛ ليكون
ذلك تحرزًا عن الغدر والخيانة وتأكيدًا
للوفاء بالمعاهدات وشروطها، فمن
ذلك: إذا مر عسكر المسلمين بمدينة
من مدائن أهل الحرب، فأعطوهم
العهد على أن لا يتعرضوا لزرعهم
وأشجارهم وثمارهم، فليس ينبغي لهم
أن يتعرضوا لشيء من ذلك، سواء أضر
بأهل الحرب أو لم يضر بهم؛ لأن هذا
ملك لهم، ونفوذ تصرف الإنسان في
ملكه بحكم الملك، لا باعتبار المنفعة
والضرر والتحرز عن الغدر واجب(٢).
وإن شرطوا في المعاهدة شرطًا وجب
الوفاء به وبما هو أولی منه، حتى ولو
(١) الأصل، الشيباني ص ١٩٦.
(٢) السير الكبير ٣٠٠/١ - ٣٠١.
لم ینص على ذلك: فإن شرطوا علينا
ألا نأكل من زروعهم ولا نعلف منها،
فليس ينبغي لنا أن نحرق شيئًا منها؛
لأن الإحراق فوق الأكل في تفويت
مقصودهم بالشرط، فيثبت الحكم فيه
بالطريق الأولى. وإن شرطوا ألا نحرق
لهم زروعًا فقدرنا على أن نغرقها
بالماء، فليس لنا أن نفعل ذلك؛ لأن
هذا في معنى المنصوص من كل وجه،
فإن كل واحد منهما إفساد. وإن شرطوا
أن لا نقتل أسراهم إذا أصبناهم، فلا
بأس أن نأسرهم؛ لأن الأسر ليس في
معنى ما شرطوا من القتل. وإن شرطوا
أن لا نأسر منهم أحدًا فليس ينبغي لنا
أن نأسرهم ونقتلهم؛ لأن القتل أشد من
الأسر، ومقصودهم بهذا الشرط يفوت
بالقتل كما يفوت بالأسر)) (٣). والأصل
في جنس هذه المسائل والشروط:
أن الأمان على الشيء أمان على مثله
وعلى ما فوقه ضررًا، ولا يكون أمانًا
على ما دونه ضررًا(٤).
وينبغي أن نشير هنا إلى وجوب الوفاء
بالعهد والشروط في المعاهدات طالما
أن المعاهدة لا تزال قائمة يلتزم بها
الطرف الآخر. أما إذا نقضها بخيانة أو
(٣) المصدر السابق ٣٠٢/١ - ٣٠٤.
(٤) انظر: الفتاوى الهندية ٢٠٣/٢.
٢٤٨
مَوْسُو ◌َرَ النَّفْسِلوصور
لِلْقُرآن الكَرِيمِ