Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ العُنْصِرَّةُ و ، ، و عناصر الموضوع مفهوم العنصرية ٤٥٤ الألفاظ ذات الصلة ٤٥٥ أسباب العنصرية ٤٥٨ مظاهر العنصرية ٤٦٩ نماذج قرآنية في العنصرية ٤٧٥ ٤٨٢ علاج العنصرية المُجَلَدَ الرّايعِ وَالعشْرُونْ حرف العين مفهوم العنصرية أولًا: المعنى اللغوي: العنصرية مأخوذة من العنصر، بفتح الصاد وهو الأفصح، وبضمها وهو الأشهر، وقد وردت كلمة العنصر بمعانٍ مختلفة، لكن الذي يعنينا منها ما يتفق والمعنى الاصطلاحي لهذه الكلمة. وعلى ذلك: فالعنصر: الأصل، وما في معناه من الجنس، والنسب، والحسب. يقال: هو لئيم العنصر، أي الأصل. قال الأزهري: العنصر: أصل الحسب. والعنصر أيضًا بمعنى الجنس، يقال فلان من العنصر الآري أو السامي(١). ثانيًا: العنصرية في الاصطلاح: عرف بعض الباحثين العنصرية بأنها: ((عقيدة تستند إلى أسطورة مناقضة للدين الحق، والعلم الصحيح، حول تفوق أو نقص هذه الأجناس أو تلك، محاولة بذلك تبرير السياسة العدوانية ضد الكائن البشري، التي تقوم على الاغتصاب والإرهاب والاستعباد))(٢). وعرفها باحث آخر بأنها: التمييز بين الأجناس في القوانين والمعاملات، على أساس الدم والخصائص البيولوجية المتعلقة بتكوين الجسم. وما يتبع ذلك من الحياة الفكرية ومظاهر السلوك والاجتماع(٣). نخلص من ذلك إلى أن العنصرية: اعتقاد التميز عن سائر الناس بسبب الجنس، أو اللون، أو الوطن، أو القبيلة، أو غير ذلك. وبذلك نجد ترابطًا بين المعنى اللغوي والاصطلاحي للعنصرية. (١) انظر: الصحاح، الجوهري ٢/ ٧٥٠، لسان العرب، ابن منظور ٦١١/٤، المصباح المنير، الفيومي ٦٣/٢، تاج العروس، الزبيدي ٤٠٧/٢. (٢) العنصرية اليهودية، أحمد الزغيبي ١/ ٦٠. (٣) موقف الإسلام من التفرقة العنصرية، محمد الأنصاري، مقال منشور على موقع: إسلام نت. ٤٥٤ القرآن الكريم العنصرية الألفاظ ذات الصلة الحمية: ١ الحمية لغة: من مادة حمي، ومعناها: الأنفة، والغيرة، والغضب الشديد(١). الحمية اصطلاحًا: لا يختلف معناها الاصطلاحي عن المعنى اللغوي. قال الكفوي: ((الحمية، مشددة كالدنية: الأنفة والغضب»(٢). الصلة بين العنصرية والحمية: الحمية صورة من صور العنصرية؛ لارتباطها بالجنس والجماعة حتى لو كانت على الباطل، كما فعل كفار قريش عندما تعصبوا لجاهليتهم ولما كان عليه آباؤهم. إلا أن الحمية قد تكون أعم من العنصرية، فالعنصرية لا تكون إلا مذمومة، أما الحمية فقد تكون ممدوحة إذا كانت في الأمور الإيجابية. العصبية: ٢ العصبية لغة: أصل مادة (عصب) تدل على ربط شيء بشيء (٣). والعصبية: أن يدعو الرجل إلى نصرة عصبته، والتألب معهم على من يناوئهم ظالمين كانوا أو مظلومين، وقد تعصبوا عليهم إذا تجمعوا، فإذا تجمعوا على فريق آخر قيل: تعصبوا (٤). العصبية اصطلاحًا: قال الأزهري: ((العصبية: أن يدعو الرجل إلى نصرة عصبته والتألب معهم على من يناوئهم، ظالمين كانوا أو مظلومين»(٥). وعرفها بعضهم بأنها: ((رابطة اجتماعية نفسية، شعورية ولا شعورية معًا، تربط أفراد جماعة ما، قائمة على القرابة، ربطًا مستمرًا، يبرز ويشتد عندما يكون هناك خطر يهدد أولئك (١) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير ١/ ٤٤٧، لسان العرب، ابن منظور ٢٣٩/٤. (٢) الكليات ص٤٠٩. (٣) مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٣٦/٤. (٤) لسان العرب، ابن منظور ٦٠٦/١. (٥) تهذيب اللغة، الأزهري ٢/ ٣٠. www. modoee.com ٤٥٥ حرف العين الأفراد))(١). وبذلك لا يخرج المعنى الاصطلاحي للعصبية عن معناها اللغوي. الصلة بين العنصرية والعصبية: العصبية صورة من صور العنصرية. القبلية: ٣ القبلية لغة: هي نسبة إلى القبيلة، وينسب إليها أيضًا فيقال: قبيلية، و((القبيلة من الناس: بنو أب واحد. ومعنى القبيلة من ولد إسماعيل: معنى الجماعة؛ يقال لكل جماعة من أب واحد: قبيلة))(٢). القبلية اصطلاحًا: يمكن تعريف القبلية بأنها المحاماة والمدافعة والنصرة لمن يشترك معهم برابط النسب، سواء كان بحق أو بباطل، كانوا ظالمين أو مظلومين. الصلة بين العنصرية والقبلية: يلاحظ أن القبلية صورة من صور العنصرية. الحزبية: ٤ الحزبية لغة: أصل مادة (حزب) تدل على تجمع الشيء(٣). يقال: حزب الرجل أصحابه وجنده الذين على رأيه، وكل قوم تشاكلت قلوبهم وأعمالهم فهم حزب، وإن لم يلق بعضهم بعضًا (٤). الحزبية اصطلاحًا: بالنظر في المعنى اللغوي للحزبية يمكن تعريفها بأنها: تعصب الشخص لشيعته وطائفته وفرقته، فيوافقهم في الأعمال، أو الأهواء، أو الأفكار. الصلة بين العنصرية والحزبية: يتضح من المعنى الاصطلاحي للحزبية أنها صورة من صور العنصرية. (١) فكر ابن خلدون العصبية والدولة، الجابري ص١٦٨. (٢) لسان العرب ٣٥١٩/٥. (٣) مقاييس اللغة، ابن فارس ٥٥/٢. (٤) انظر: النهاية في غريب الحديث، ابن الأثير ٩٤٥/١، المفردات، الراغب الأصفهاني ص ١١٥، لسان العرب، ابن منظور ٣٠٨/١. مَوْسُورَةُ النفسية الْقُرآن الكَرِيمِ ٤٥٦ العنصرية الطائفية: ٥ الطائفية لغة: مصدر، نسبة إلى الطائفة، والطائفة من الشيء: قطعة منه، والطائفة مجموعة من الناس، وفي التنزيل العزيز: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَاَهُمَا طَيِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢](١). الطائفية اصطلاحًا: هي تمسك جماعة أو طائفة تربط بينها رابطة ما كالنسب أو الدين أو المذهب الاعتقادي بمصالحها ومنظومة قيمها المشتركة، وبتعصبها في الحق والباطل. الفرق بين العنصرية والطائفية: يتبين مما سبق أن الطائفية صورة من صور العنصرية. ٦ الوحدة: الوحدة لغة: قال ابن فارس: ((الواو والحاء والدال أصل واحد يدل على الانفراد، ومن ذلك الوحدة. وهو: واحد قبيلته إذا لم يكن فيهم مثله))(٢). وقال الراغب: ((الوحدة: الانفراد، والواحد في الحقيقة هو الشيء الذي لا جزء له البتة، ثم يطلق على كل موجود، حتى إنه ما من عدد إلا ويصح أن يوصف به، فيقال: عشرة واحدة، ومائة واحدة، وألف واحد»(٣). الوحدة اصطلاحًا: يمكن تعريف الوحدة بأنها: اتحاد الدول أو البلاد، والأفراد والجماعات في سائر أمور حياتهم ومعاشهم وسيرتهم وغايتهم، وبموجب هذه الوحدة يصبح الجميع شيئًا واحدًا أو أمة واحدة. الصلة بين العنصرية والوحدة: الوحدة من الألفاظ المقابلة للعنصرية، فهما ضدان متقابلان. (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤٣٢/٣، المفردات، الراغب الأصفهاني ص ١١٥، لسان العرب، ابن منظور ٩/ ٢٢٥. (٢) مقاييس اللغة ٦/ ٩٠. (٣) المفردات ص ٨٥٧. www. modoee.com ٤٥٧ حرف العين أسباب العنصرية العنصرية تقف وراءها أسباب كثيرة ومتعددة تدفع إليها، وهذا بیان لأهم أسباب العنصرية: أولًا: الكبر والاستعلاء: الكبر والاستعلاء أصل كل الأخلاق المذمومة، وأهم سبب للعنصرية هو الكبر عن قبول الحق، والاستعلاء على خلق الله، فهناك تلازم بين العنصرية والتكبر والترفع والازدراء. وإن أول من مارس هذا الخلق البغيض -الكبر- هو إبليس -لعنه الله- حينما أمره الله تعالى بالسجود لآدم عليه السلام، فامتنع بحجة أنه خیر منه، وبین رب العالمين السبب المانع لإبليس من السجود فقال: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَبِكَةِ أُسْجُدُواْ لِأَدَمَ فَسَجَدُوّا إِلَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَأَسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَفِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]. واذكر -أيها الرسول- للناس تكريم الله لآدم حين قال سبحانه للملائكة: اسجدوا لآدم إكرامًا له وإظهارًا لفضله، فأطاعوا جميعًا إلا إبليس امتنع عن السجود، وأظهر کبره وترفع عن الحق زعمًا منه أنه خیر من الخليفة عنصرًا، وأزكى جوهرًا كما قَصَّ ذلك عنه: ﴿قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِ مِن نَارٍ وَخَلَقْتَهُ. مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]. فهو الأحق بالرياسة(١). والملاحظ أن الله ذكر تكبر إبليس بقوله: ﴿وَأَسْتَكْبَرَ﴾ ((والاستكبار التزايد في الكبر؛ لأن السين والتاء فيه للمبالغة، ومن لطائف اللغة العربية أن مادة الاتصاف بالكبر لم تجئ منها إلا بصيغة الاستفعال أو التفعل إشارة إلى أن صاحب صفة الكبر لا يكون إلا متطلبا الكبر، أو متكلفا له، وما هو بكبير حقًّا))(٢). ولذلك لما طلب إبليس بعدم سجوده أن یکون کبیرًا -وهو لیس کذلك- عاقبه الله بضد فعله فطرده من رحمته، وجعله ذليلا قَالَ فَأَهْبِطَ مِنْهَا فَمَا حقيرًا، فقال سبحانه: يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيَهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّغِنَ ﴾ [الأعراف: ١٣]. قال الزمخشري: ((وذلك أنه لما أظهر الاستكبار ألبس الصغار، فمن تواضع لله رفعه، ومن تكبر على الله وضعه»(٣). فإبليس بصنيعه تكبر على أمر الله، واستعلى على آدم عليه السلام واحتقره وازدراه. فالكبر والاستعلاء صفات شيطانية أسسها وبرع فيها وتبناها إبليس منذ خلق آدم، بل هو کبیرهم، وعلی درب إبليس (١) انظر: تفسير المراغي ٨٨/١، التفسير الميسر ص٦. (٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤٢٥/١. (٣) انظر: الكشاف، الزمخشري ٢/ ٩٠. ٤٥٨ جوسي القرآن الكريم العنصرية سار الكفار في کل زمان ومكان، فمنعتهم عنصريتهم وكبرهم عن قبول الحق، والاستعلاء على غيرهم من البشر -وخاصة الأنبياء- فقال سبحانه عن فرعون وقومه لما جاءهم موسى عليه السلام بالآيات البينات: ﴿وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوَّ﴾ [النمل: ١٤]. لَّذِينَ وقال سبحانه عن كفار قريش: كُفَرُوا فِعِزَِّ وَشِقَاقٍ﴾ [ص: ٢]. أي: تَكَبُّرٍ وامتناع عن قبول الحق والإذعان له. ((والمراد بالعزة هنا: الحمية والاستكبار عن اتباع الحق، وأصل الشقاق: المخالفة والمنازعة بين الخصمين حتى لكأن كل واحد منهما في شق غير الذي فيه الآخر. والمراد به هنا: مخالفة المشركين لما جاءهم به النبي صلى الله عليه وسلم. والمعنى: إنك - أيها الرسول الكريم - لصادق فيما تبلغه عن ربك، ولست كما يقول أعداؤك في شأنك، بل الحق أن هؤلاء الكافرين في حمية واستكبار عن قبول الهداية التي جئتهم بها من عند ربك، وفي مخالفة ومعارضة لكل ما لا يتفق مع ما وجدوا عليه آباءهم من عبادة الأصنام، ومن عكوف على عاداتهم الباطلة))(١). والتعبير بل(في)) في قوله: ﴿فِ عِزَّقِ (١) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ١٢ / ١٣٠. وَشِقَاقٍ﴾ («للإشعار بأن ما هم عليه من عناد ومن مخالفته للحق، قد أحاط بهم من كل جوانبهم، كما يحيط الظرف بالمظروف» (٢). وقد أخبر ربنا سبحانه أن فريقًا من الناس إذا وعظ وذكر بترك الأفعال والأقوال السيئة استكبر وامتنع عن قبول الحق والوعظ فقال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ ◌ِاَ لْإِثْمِّ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمٌ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة: ٢٠٦]. «أي: إذا وعظ هذا الفاجر وذکر وقيل له: انزع عن قولك وفعلك القبيح، حملته الأنفة وحمية الجاهلية على الفعل بالإثم والتكبر عن قبول الحق، فأغرق في الإفساد وأمعن في العناد)»(٣). ويؤخذ من هدايات الآيات السابقة التحذير من الکبر والحسد حيث كانا سبب إبلاس الشيطان، وامتناع اليهود والكفار من قبول الإسلام. فالتكبر عن قبول الحق، واحتقار البشر هما شعار العنصرية، وبذلك فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبر فقال: (الكبر بطر الحق، وغمط الناس) (٤). و ((البطر أن يتكبر عند الحق فلا يقبله. وقوله: (وغمط الناس) معناه: استحقارهم (٢) التفسير الوسيط، طنطاوي ١٢ / ١٣٠. (٣) صفوة التفاسير، الصابوني ١/ ١١٩. (٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب تحريم الكبر وبيانه، رقم ٩٣. www. modoee.com ٤٥٩ حرف العين واستهانتهم))(١). فالمستكبر هو الذي جمع بین وصفین: غمط الناس، وبطر الحق، وبطر الحق: يعني رده، وغمط الناس: يعني احتقارهم، فهو في نفسه عالٍ على الحق، وعالٍ على الخلق، لا يلين للحق ولا يرحم الخلق. ثانيًا: الاغترار بالمال والأنصار: يغتر العنصريون بما لديهم من ثروات وأموال وأولاد وذرية، ويظنون أنهم أرفع من غيرهم في الدنيا، وأحسن حالا وعاقبة في الآخرة، ولم يدروا أن المال والولد عرض زائل وظل مائل، وأن الخير في اتباع سبيل الهدى والعمل الطيب، وقد انخدع الكفار في بداية عهد الإسلام، وسيطر عليهم غرور المال وكثرة الولد والاعتزاز بالقبيلة، فأبان الله سبب عنادهم وغرورهم الزائف في أموالهم وأولادهم، فقال سبحانه: ﴿وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَلًا وَأَوْلَدًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِنَ﴾ [سبأ: ٣٥]. فالآية تبين افتخار المترفين بأموالهم وأولادهم، واستکبارهم بما آتاهم الله من فضله، وجعلهم ذلك دليلاً على أن الله لا یعذبهم. فـ((هذا هو رد المترفين على كل دعوة إلى الإيمان بالله، وتلك هي حجتهم عند (١) إكمال المعلم بفوائد مسلم، القاضي عياض ٣٦١/١. أنفسهم وعند الناس، إنهم بما يملكون من كثرة في الأموال، وما عندهم من كثرة في الأولاد والرجال، لن يكونوا تابعين لغيرهم، ولن يجعلوا لأحد كلمة عندهم، حتى ولو کان رسولا من رسل الله، یدعوهم إلى الله، ويكشف لهم معالم الطريق إلى الحق والهدى ! ! إنهم أكثر أموالا وأولادا من هذا الرسول، فکیف یقوم فيهم مقام الناصح ذي الرأي والسلطان، ﴿مَا هَذَا إِلَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُوْيُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٤]. وكيف يتفضل إنسان على من كان أكثر منه مالا وولدا؟ وفى قولهم: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ إشارة إلى أنهم بما لهم من كثرة في المال والأولاد لن ينزلوا عن مقام السيادة لأحد، ثم إنهم إذا عذب غيرهم من الفقراء والمستضعفين لن يعذبوا هم؛ فإن الله ما أعطاهم هذا الوفر في المال والكثرة في الأولاد إلا لأنهم أهل للكرامة، وموضع للفضل عنده، و کما كانوا في الدنيا في هذا المقام بين الناس، فهم في الآخرة- إن كانت هناك عندهم آخرة- في هذا الموضع أيضا، حيث يعذب الفقراء والمستضعفون، أما هم فلن يعذبوا، بل ينزلوا منازل الإكرام والإعزاز، ذلك ظنهم بأنفسهم!))(٢). فـ((المترفون تخدعهم القيم الزائفة (٢) التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب ٨٢٩/١١-٠٨٣٠ ٤٦٠ جُوَبُو ◌َرَ النَّفَتِيَّ لِلْقُرْآن الكَرِيمِ العنصرية والنعيم الزائل، ویغرهم ما هم فيه من ثراء وقوة، فيحسبونه مانعهم من عذاب الله، ويخالون أنه آية الرضى عنهم، أو أنهم في مكان أعلى من الحساب والجزاء))(١). فالاغترار بالأموال والأنصار صفة مشتركة بين العنصريين على اختلاف أزمانهم وأماكنهم، فقد ذكر الله مثلا في كتابه لكل من اغتر بماله وأنصاره وأولاده وخدمه فقال سبحانه: ﴿وَأَضْرِبْ لَمُ مَّثَلًا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنََّيْنِ مِنْ أَعْنَبٍ وَحَفَفْتَهَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا ٦ كِلْنَا الْجَنَّنَيْنِ ءَانَتْ أَكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمِ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنَا خِلَلَهُمَا نَهْرً ا وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَحِبِهِ، وَهُوَ يُحَاوِرُهُ، أَنَاْ أَكْثَرُ مِنْكَ مَالَا وَأَعَزُّ نَفَرًا ﴾ [الكهف: ٣٢-٣٤]. ((تجيء قصة الرجلين والجنتين تضرب مثلا للقيم الزائلة والقيم الباقية، وترسم نموذجين واضحين للنفس المعتزة بزينة الحياة، والنفس المعتزة بالله. وكلاهما نموذج إنساني لطائفة من الناس: صاحب الجنتين نموذج للرجل الثري، تذهله الثروة، وتبطره النعمة، فينسى القوة الكبرى التي تسيطر على أقدار الناس والحياة. ويحسب هذه النعمة خالدة لا تفنى، فلن تخذله القوة ولا الجاه. وصاحبه نموذج للرجل المؤمن المعتز بإيمانه، الذاكر لربه، يرى النعمة دليلا على المنعم، موجبة لحمده وذكره، لا (١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٩١٠/٥. لجحوده وكفره» (٢) وقوله: ﴿أَنَاْ أَكْثَرُ مِنْكَ مَالَا وَأَعَزُّ نَفَرًا ((أي: فقال صاحب الجنتين لصاحبه المؤمن، وهما يتحاوران، أي: يتراجعان بينهما في بعض الأمور المعتادة، مفتخرا عليه: ﴿أَنْ أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّنَفَرًا﴾ فخر بكثرة ماله، وعزة أنصاره من عبيد، وخدم، وأقارب، وهذا جهل منه، وإلا فأي افتخار بأمر خارجي ليس فيه فضيلة نفسية، ولا صفة معنوية، وإنما هو بمنزلة فخر الصبي بالأماني، التي لا حقائق تحتها))(٣). وقد صدق قتادة رحمه الله حين قال: «تلك -والله- أمنية الفاجر: كثرة المال وعزة النفر)» (٤). وقد نسي العنصريون في ظل سكرتهم ونشوتهم بالأنصار والأموال، نسوا حقائق مهمة بينها رب العالمين في كتابه، فأخبر أن هذه الأموال والأولاد لن تفيدهم شيئًا فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَغَرُوْ لَنْ تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَلُهُمْ وَلَآ أَوْلَدُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيَهَا خَلِدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٦]. وأن الأموال والأولاد ليست ميزانًا للقرب من الله، بل الإيمان والعمل الصالح أساس القرب، فقال تعالى: ﴿ وَمَا أَمْوَلُكُمْ (٢) المصدر السابق ٤ / ٢٢٧٠. (٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٤٧٦. (٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٥٧/٥. www. modoee.com ٤٦١ حرف العين وَلَا أَوْلَدُكُمْ بِلَتِى تُقَرِّيَكُرْ عِندَنَازُلْفَى إِلَّا مَنْ ءَامَنَ وإنما هي سبعة أيام معدودات، ثم ينقطع العذاب»(١). وَعَمِلَ صَلِحًا فَأَوْلَكَ لَهُمْ جَزَآءُ الضَّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمْ فِ الْغُرُفَتِ ءَاِمِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧]. ويتبين من هدايات الآيات اغترار المترفین بما آتاهم الله من مال وولد، ظانين أن ذلك من رضا الله تعالی علیھم، وبيان ما یقرب إلى الله ویدني منه وهو الإيمان والعمل الصالح، لا كثرة المال والولد كما يظن المغرورون المفتنون بالمال والولد. ثالثًا: تزكية النفس: أصحاب العنصرية يعتقدون بما لهم من جاه وسلطان، أو حسب ونسب، أو جنس ولون، أو أموال وأولاد أن لهم منزلة عند الله، وأنهم يستحقون الجنة، فيزكون أنفسهم ويمدحونها بالباطل، وقد أخبرنا القرآن عن تزكية أهل الكتاب لأنفسهم بادعائهم الباطل أنهم لن يدخلوا النار إلا أياما معدودة، فقال سبحانه: ﴿أَلَّ تَرَ إِلَى الَِّينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ اَلْكِتَبِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَبِ اَلَّهِ لِيَحْكُمْ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَنْ تَمَشَنَا النَّارُ إِلَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ وَغَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ٢٣ - ٢٤]. فعن ابن عباس «أن یھود کانوا یقولون: مدة الدنیا سبعة آلاف سنة، وإنما نعذب لکل ألف سنة من أيام الدنيا يوما واحدا في النار، ومما زكوا به أنفسهم ما ذكره القرآن بقوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَرَى غَحْنُ أَبْنَوَّا اللَّهِ وَأَحِبَُّؤُهُ ﴾ [المائدة: ١٨]. فهذه ((حكاية لما صدر عن الفريقين من أقاويل فاسدة ودعاوى باطلة، يدل على سفاهة عقولهم، وبلادة تفكيرهم، حيث قالوا في حق الله تعالى ما لا يليق بعظمته سبحانه. ومرادهم بالأبناء: المقربون. أي نحن مقربون عند الله تعالى قرب الأولاد من والدهم. ومن مرادهم بالأحباء: جمع حبيب بمعنی محب أو محبوب. ويجوز أن یکون أرادوا من الأبناء الخاصة، كما يقال: أبناء الدنيا وأبناء الآخرة. ويجوز أن يكونوا أرادوا بما قالوا أنهم أشیاع وأتباع من وصف بالبنوة. أي: قالت اليهود: نحن أشياع ابنه عزير، وقالت النصارى: نحن أشياع ابنه عيسى. وأطلق الأبناء على الأشياع مجازًا إما تغليبًا أو تشبيهًا لهم بالأبناء في قرب المنزلة. وهذا كما يقول أتباع الملك: نحن الملوك»(٢). فكل منهما ادعى دعوى باطلة يزكون بها أنفسهم، وحاصل دعواهم أن لهم فضلا (١) انظر: الدر المنثور، السيوطي ١/ ٢٠٧. (٢) الوسيط في التفسير، طنطاوي ٤ / ٩٦. ٤٦٢ القرآن الكريمِ العنصرية ومزيدًا عند الله تعالى على سائر الخلق. ج وَأَحِبَّوَهُ وعطف سبحانه قولهم: على قولهم: ﴿غَحْنُ أَبْنَؤُأُ اللَّهِ ﴾ للإشارة إلى غلوهم في الجهل والغرور وتزكية النفس بالباطل، حیث قصدوا أنهم أبناء محبوبون، وليسوا مغضوبا عليهم من أبيهم، بل هم محل رضاه وإکرامه. وقد رد الله عليهم بقوله: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم ◌ِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَّ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَلَهُ وَلِلِّ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَّأْ وَإِلَيْهِ اَلْمَصِيرُ﴾ [المائدة: ١٨]. أي: ((قل لهم يا محمد: إذا كان الأمر كذلك ! ! فلم یعذبكم بذنوبکم في الدنيا کما ترون من تخریب دیارکم وهدم الوثنیین لمسجدكم في بيت المقدس، ومن لصوق العداوة والبغضاء فیکم أيها النصارى، فأنتم تتحاربون وتتقاتلون إلى الأبد، وستظل الحرب بينكم دائما حتى تفنوا جميعا إن شاء الله. وأما في الآخرة فيكون العذاب عسيرا عليكم أهل الكتاب، والأب لا يفعل هذا مع أبنائه والأولاد لا يعصون آباءهم كما تفعلون ! ! بل أنتم وغيركم من جميع الطوائف والملل بشر وخلق من خلق الله، لا فضل لأحد على أحد إلا بالإيمان الصادق الخالص من شوائب الوثنية)» (١). (١) التفسير الواضح، محمد حجازي ٤٩٩/١. فالعنصريون من أهل الكتاب ديدنهم تزكية أنفسهم بالباطل، كما قال ربنا: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اَللَّهُ يُزَكِّ مَن يَشَآءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٤٩]. فهذا (( تعجيب من تمادحهم بالتزكية التي هي التطهير والتبرئة من القبيح فعلا وقولا، المنافية لما هم عليه من الطغيان والشرك الذي قصه تعالى عنهم قبل. فالمراد بهم اليهود، وقد حکی تعالي عنهم أنهم يقولون: ﴿وَغَحْنُ أَبْنَوُاْ اَلَّهِ وَأَحِبَُّؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]. وحكى عنهم أيضا أنهم قالوا: ﴿أَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّ أَنَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠]. وأنهم قالوا: ﴿وَقَالُواْ لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَرَى﴾ [البقرة: ١١١]. أي: انظر إليهم فتعجب من ادعائهم أنهم أز کیاء عند الله تعالی مع ما هم فيه من الكفر والإثم العظيم، أو من ادعائهم تكفير ذنوبهم مع استحالة أن يغفر للكافر شيء من كفره أو معاصیه. وقوله تعالى: ﴿بَلِ اَللّهُ يُزَكِّى مَن يَشَآءُ﴾ تنبيه على أن تزكيته هي المعتد بها دون تزكية غيره. فإنه العالم بما ينطوي عليه الإنسان من حسنٍ وقبيح. وقد ذمهم وزکی المرتضين من عباده المؤمنين)»(٢). ((وفي الآية تحذيرٌ من إعجاب المرء (٢) محاسن التأويل، القاسمي ١٦٩/٣. www. modoee.com ٤٦٣ حرف العین بنفسه وبعمله»(١). بمن أخلص العمل، واتقى ربه في السر والآية وإن كانت واردة في أهل الكتاب والعلن))(٣). إلا أنه ((يدخل فيها كل من زكى نفسه، ووصفها بزكاء العمل، وزيادة الطاعة والتقوى، والزلفى عند الله))(٢). فمن القواسم المشتركة بين العنصريين تزكيتهم الباطلة لأنفسهم بزعمهم أن لهم المنزلة العظمى عند الله، وأن لهم في الآخرة أفضل مما كان في الدنیا، وأنهم لن يعذبوا، بل ينزلوا منازل الإكرام والإعزاز؛ اغترارًا منهم بجاه وسلطان، أو حسب ونسب، أو جنس ولون، کما ذکر الله علی لسان واحد منهم ﴿وَمَآ أَظُنُّ اَلسَّاعَةَ قَآَيِمَةٌ وَلَيِن رُّجِعْتُ إِلَى رَبِ إِنَّ لِ عِندَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت: ٥٠]. وكما ذكر عن صاحب الجنتين قوله: وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَآيِمَةٌ وَلَيِنِ زُّدِدْتُ إِلَى رَبِّ لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٦]. والقرآن قد نهانا عن تزكية النفس ومدحها على سبيل الإعجاب، فقال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَلَ تُزَّكُواْ أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَُّ بِمَنِ اتَّقَ﴾ [النجم: ٣٢]. ((أي: لا تمدحوها على سبيل الإعجاب، ولا تشهدوا لها بالكمال والتقى، فإن النفس خسيسة إذا مدحت اغترت وتكبرت ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَ﴾ أي: هو تعالى العالم (١) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٩٥/٢. (٢) الکشاف، الزمخشري ١/ ٥٢٠. وقال أبو حيان: «أي لا تنسبوها إلى زکاء الأعمال والطهارة عن المعاصي، ولا تثنوا عليها واهضموها، فقد علم الله منكم الزكي والتقي قبل إخراجکم من صلب آدم، وقبل إخراجكم من بطون أمهاتكم»(٤). ومن هدايات الآيات حرمة تزكية المرء نفسه بلسانه والتفاخر بذلك، إما طلبا للرئاسة، وإما تخليًا عن العبادة والطاعة بحجة أنه في غير حاجة إلى ذلك لطهارته، ورضا الله تعالى عنه. رابعًا: طبيعة الخلقة: من الأسباب الدافعة للعنصرية الافتخار بطبيعة الخلقة من جنس أو لون أو قوة أو لغة، أو غير ذلك مما يتعلق بطبيعة الخلقة التي لا فضل للإنسان فيها، وإنما هي منحة من الله بقدره وحكمته سبحانه وتعالى. وإن أول من افتخر بعنصريته وخلقته هو إبليس -لعنه الله-، فقد أمره الله بالسجود لآدم عليه السلام، فامتنع من ذلك بحجة أنه خير من آدم؛ لأنه خلق من نار، وآدم مخلوق من طين. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَكُمْ ثُمَّصَوَّرْنَكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَتَبِكَةِ أَسْجُدُواْ لِآَدَمَ فَسَجَدُواْ إِلَّ (٣) صفوة التفاسير، الصابوني ٢٥٩/٣. (٤) البحر الحيط، أبو حيان ١٠/ ٢٢. ٤٦٤ جوبيع القرآن الكريمِ العنصرية إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّجِدِينَ ١ قَالَ مَا مَنَعَكَ ذاتية، وتبعه على ذلك العنصريون في كل أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَّ قَالَ أَنَأْ خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْذَنِي مِن نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: ١١- ١٢]. ((أي: قال إبليس اللعين: أنا أفضل من آدم وأشرف منه، فكيف يسجد الفاضل للمفضول؟ ثم ذكر العلة في الامتناع فقال: ﴿خَلَقْتِى مِن ◌َّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ أي: أنا أشرف منه لشرف عنصري على عنصره؛ لأنني مخلوق من نار، والنار أشرف من الطين، ولم ينظر المسكين لأمر من أمره بالسجود وهو الله تعالى))(١). قال ابن كثير: ((نظر اللعين إلى أصل العنصر، ولم ينظر إلى التشريف والتعظيم، وهو أن الله خلق آدم بيده، ونفخ فيه من روحه، وقاس قياسًا فاسدًا فأخطأ، قبحه الله في قياسه في دعواه أن النار أشرف من الطين، فإن الطين من شأنه الرزانة والحلم، والنار من شأنها الإحراق والطيش، والطين محل النبات والنمو والزيادة والإصلاح، والنار محل العذاب؛ ولهذا خان إبليس عنصره فأورثه الهلاك والشقاء والدمار))(٢). فصار إبليس بذلك رمز العنصرية، وأول عنصري افتخر بطبيعة خلقته، وزعم أن العنصر أو الذات يمكن أن يكون له قيمة (١) صفوة التفاسير، الصابوني ١/ ٤٠٦. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٩٢/٣. زمان ومكان، فها هو فرعون یفتخر فیقول: ﴿أَمْ أَنْ خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِى هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينٌ﴾ [الزخرف: ٥٢]. ((أي: بل أنا خيرٌ من هذا الضعيف الحقير الذي لا عز له ولا جاه ولا سلطان، فهو يمتهن نفسه في حاجاته لحقارته وضعفه؟ يعني بذلك موسى عليه السلام ﴿وَلَا يَكَادُ بُبِينٌ ﴾ أي: لا يكاد يفصح عن كلامه، ويوضح مقصوده، فكيف يصلح للرسالة؟))(٣). وممن افتخروا بطبيعة خلقتهم، وجعلوها مانعة لهم من الإيمان قوم عاد الذين قال الله عنهم: ﴿فَمَّا عَادٌ فَأَسْتَكْبَرُواْ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾ [فصلت: ١٥]. ((أي: بغير استحقاق ذلك الذي وقع منهم من التكبر والتجبر، ثم ذكر سبحانه بعض ما صدر عنهم من الأقوال الدالة على الاستكبار والتباهي والتفاخر، فقال: ﴿وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَةٌ ﴾ وكانوا ذوي أجسام طوال، وخلق عظيم، وقوة شديدة، فاغتروا بأجسامهم وافتخروا بخلقتهم حين تهددهم هود بالعذاب، ومرادهم بهذا القول أنهم قادرون على دفع ما نزل بهم من العذاب، وبلغ من قوتهم أن الرجل كان يقتلع الصخرة من الجبل بيده، ويجعلها حيث يشاء))(٤). (٣) صفوة التفاسير، الصابوني ١٤٩/٣. (٤) فتح البيان، صديق خان ٢٣٦/١٢. www. modoee.com ٤٦٥ حرف العين فرد الله عليهم بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةٌ وَكَانُواْ بِشَايَتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت: ١٥]. ((الاستفهام للاستنکار علیهم والتوبيخ، أي: أولم يعلموا بأن الله أشد منهم قدرة وأوسع منهم قوة؟ فهو قادر على أن ينزل بهم من أنواع عقابه ما شاء، يقول كن فيكون، ـهُمْ﴾ ولم يقل: خلق السموات، وقال: والأرض، لأن هذا أبلغ في تكذيبهم في ادعاء انفرادهم بالقوة، فإنهم حيث كانوا مخلوقين، فبالضرورة أن خالقهم أشد قوة منهم)) (١). ولا يزال الافتخار بطبيعة الخلقة ديدن العنصريين في هذا الزمان، فالأخبار العالمية تنقل إلينا باستمرار أنباء التمييز العنصري بين البيض والسود في أرقى دول العالم تمتعًا بمظاهر المدنية الحديثة التي وصل إليها إنسان القرن الحادي والعشرين، وتنقل إلينا أنباء العنجهية التي يتعاظم بها البيض الغرباء على السود أصحاب البلاد في إفريقية وغيرها، والتي يتعاظم بها إنسان القرن الحادي والعشرين الأبيض على سائر الملونين لمجرد بياض بشرته، وهو يدعي المدنية والحضارة والرقي، مع أن بياض البشرة ليس عنصرًا من عناصر المدنية والحضارة والرقي. إنها صورة تزري بكل مزاعم الرقي الحضاري التي يزعمها رواد حضارة القرن الحادي والعشرين الميلادي، الذين ما زالت شعوبهم تعاني من مشكلات التمييز العنصري آلامًا كثيرة، وما زالت المفاهيم والتقاليد الجاهلية مسيطرة على عقولهم وعواطفهم. خامسًا: الاغترار بالباطل: العنصريون أشد الناس اغترارًا بما یرکنون إليه من قوة، أو سلطة وجاه، أو حسب ونسب، أو جنس ولون، أو أنصار وأموال، ويدفعهم اغترارهم بباطلهم إلى أن يعتقدوا أنهم على الحق، وأن لهم الحق في مجابهة المصلحين -وخاصة الأنبياء والمرسلين-، وهذا الاغترار بالباطل أحد الأسباب القوية الدافعة للعنصرية. وقد ذكر القرآن أمثلة لاغترار العنصريين بباطلهم، منها ما قاله المنافقون عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه: ﴿يَقُولُونَ لَيْن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَ الْأَعْزُّمِنْهَا اَلْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨]. وقائل ذلك رأس النفاق عبدالله بن أبي بن سلول، وسبب مقولته ما حدث في غزوة بني المصطلق لما حدث شجار بين رجلين من المهاجرين والأنصار، فغضب عبد الله بن أبي بن سلول وقال: قد فعلوها؟ قد (١) المصدر السابق ٢٣٦/١٢. جَوَسُورَةُ التَّقَ القرآن الكريم ٤٦٦ العنصرية نافرونا وكاثرونا في بلادنا، والله ما أعدنا الفريق الأعز منا الفريق الأذل من المدينة، حتى لا يبقى فيها أحد من هذا الفريق الأذل، وجلابيب قريش هذه إلا كما قال القائل: «سمن کلیك یأكلك»، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل؛ ثم أقبل على من حضر من قومه، فقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأیدیکم لتحولوا إلى غير بلادك، فأنزل الله في مقولته تلك هذه الآية (١). بل تصبح خالية الوجه لنا»(٤). (وقد رأينا کیف حقق ذلك عبد الله بن أبي! و کیف لم يدخلها الأذل إلا بإذن الأعز!)»(٥) وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ادعوا لي عبد الله بن عبد الله بن أبي)، فدعاه، فقال: (ألا ترى ما يقول أبوك؟) قال: وما يقول بأبي أنت وأمي؟ قال: (يقول: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها «والقائل هو عبد الله بن أبي بن سلول، ولكن القرآن نسب القول إليهم جميعا؛ لأنهم رضوا بقوله، ووافقوه علیه»(٢). الأذل)؛ فقال: فقد صدق والله يا رسول الله، أنت والله الأعز وهو الأذل، أما والله لقد قدمت المدينة يا رسول الله، وإن أهل وقد قال المنافقون هذا الكلام اغترارًا بما هم عليه من الباطل من وفرة العدد، وسعة المال، والعدة ((والأعز: القوي في عزته وهو الذي لا يقهر ولا يغلب على تفاوت في مقدار العزة إذ هي من الأمور النسبية. والعزة تحصل بوفرة العدد وسعة المال والعدة، وأراد بالأعز فريق الأنصار فإنهم أهل المدينة وأهل الأموال وهم أكثر عددا من المهاجرين، فأراد ليخرجن الأنصار من مدينتهم من جاءها من المهاجرين)) (٣). یثرب لیعلمون ما بها أحد أبر مني، ولئن كان یرضی الله ورسوله أن آتيهما برأسه لآتينهما به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا؛ فلما قدموا المدینة، قام عبد الله بن عبد الله بن أبي علی بابها بالسيف لأبيه؛ ثم قال: أنت القائل: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، أما والله لتعرفن العزة لك أو لرسول الله، والله لا يأويك ظله، ولا تأویه أبدا إلا بإذن من الله ورسوله؛ فقال: يا للخزرج ابني يمنعني بيتي، پا للخزرج ابني والمعنى: ((يقول هؤلاء المنافقون- على سبيل التبجح وسوء الأدب- لئن رجعنا إلى المدينة بعد انتهاء هذه الغزوة، ليخرجن يمنعني بيتي، فقال: والله لا تأويه أبدا إلا بإذن منه؛ فاجتمع إليه رجال فكلموه، فقال: (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٠٧/٢٣. (٢) التفسير الوسيط، طنطاوي ١٤ / ٤١٠. (٣) انظر: التحرير والتنوير ٢٤٩/٢٨. (٤) التفسير الوسيط، طنطاوي ١٤ / ٤١٠. (٥) في ظلال القرآن ٣٥٨٠/٦. www. modoee.com ٤٦٧ حرف العين والله لا يدخله إلا بإذن من الله ورسوله، جماعتك، أو عصبتك الذين يوالوننا، ولا نريد أن نغاضبهم لرجمناك، أي لقتلناك شر فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه، فقال: (اذهبوا إليه، فقولوا له خله ومسكنه)؛ فأتوه، فقال: أما إذا جاء أمر النبي صلى الله علیه وسلم فتعم)(١). قتلة، وهي القتل رمیا بالحجارة حتى تموت: ﴿وَمَآ أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزِ﴾ أي بممتنع علينا إن أردناك بسوء، أو أردنا رجمك، ونفوا أنه عزيز عليهم أشد النفي، فأكدوه بالخطاب وتكراره، وبالباء، وبتقديم ﴿عَلَيَّنَا﴾، وذلك اغترار بقوتهم، وسطوتهم، وتأكيد بأنه في قبضة أيديهم))(٢). وقد رد الله تعالى على مقالتهم الباطلة هذه بما يخرس ألسنتهم فقال: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨]. ومن مواقف العنصرية التى تبين اغترار العنصريين بباطلهم ما قصه القرآن علينا من موقف قوم شعيب من نبيهم شعيب عليه السلام، فقد قالوا له: ﴿قَالُواْ يَشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَا تَقُولُ وَإِنَّا لَغَرَكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلًا رَهْلُكَ لَرَجَمْنَكٌ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزِ﴾ [هود: ٩١]. ((أي: ما ندرك كثيرا من قولك إدراك فهم، وما ذكروا ذلك ليزدادوا فهما، بل ذکروه مستنکرین لما يريد مستهینین به، وهو يتضمن رفضا لقوله، وإنكارًا لدعوته إلى التوحيد، وحسن المعاملة، والقيام بالعدل فيها وإعطاء كل ذي حق حقه، وكأن المعاملة بالبخس حق لهم، ولذا قالوا متحدین أيضا مهددين: ﴿وَإِنَّا لَنَرَنكَ فِينَاضَعِيفًا وَلَوْلًا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَكٌ﴾ أكدوا أنهم يرونه ضعيفا لا يمتنع عليهم إذا أرادوه بسوء، ولولا (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٣ /٤٠٦. فاغترار العنصريين بباطلهم يدفعهم دائمًا إلى احتقار غيرهم واستضعافه، ولا فرق عندهم بین مصلح وغيره، وهذا قاسم مشترك بين العنصريين في كل زمان ومكان، ولا زلنا نراه في زماننا من تسلط كثير من شعوب الدول الأوربية والأمريكية على المسلمين في هذه الدول بزعم محاربة الإرهاب والإسلام فوبيا، وينادون بطردهم من هذه البلاد؛ اغترارًا من العنصريين بمعتقداتهم الباطلة، وكثرت هذه الدعوات لطرد المسلمين من هذه الدول بعد أحداث مدبرة، كأحداث الحادي عشر من سبتمبر، وحادثة شارلي إيبدو. (٢) زهرة التفاسير، أبو زهرة ٧/ ٣٧٤٤. ٤٦٨ لِلْقُرآن الكَرِيْمِ العنصرية مظاهر العنصرية العنصرية لها مظاهر تتميز بها، وتعرف من خلالها، وأهم هذه المظاهر ما يأتي: أولًا: احتقار الضعفاء: من الصفات اللازمة للعنصريين الكبر والاستعلاء، وهذا يدفعهم إلى احتقار غيرهم من البشر -حتى لو كانوا من الأنبياء-، وهذا المعنى بينه النبي صلى الله عليه وسلم حينما قال: (الكبر بطر الحق، وغمط الناس)(١). فمعنى: (وغمط الناس) استحقارهم واستهانتهم. إن احتقار الآخرین لا ینبعث إلا من نفس ملوثة بجراثيم العجب والكبر، فهو يعمل على إيذاء من حوله بدافع الشعور بالفوقية المتغلغلة في أعماقه، وهذا من الصفات المشتركة بين العنصريين أنهم يحتقرون غيرهم -خاصة الضعفاء- بسبب صفاتهم الخلقية أو ألوانهم أو عدم جاههم وغير ذلك. فقد قص الله علينا أن من الموانع التي جعلت كثيرًا من قوم نوح لا يؤمنون به أنه لا يتبعه إلا الضعفاء، فكيف يؤمنون به وهم يحتقرون هؤلاء الضعفاء، قال سبحانه (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب تحريم الكبر وبيانه، رقم ٩٣. وتعالى على لسانهم: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ، مَا نَزَنِكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَكَ اتَبَعَكَ إِلَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلْنَا بَادِىَ اَلََّبِ وَمَا نَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ﴾ [هود: ٢٧]. ((أي: قال السادة والكبراء من قوم نوح: ﴿مَا نَرَتِكَ إِلَّا بَشَرًّا مِثْلَنَا﴾ أي: ما نراك إلا واحدًا مثلنا ولا فضل لك علينا، وفيه تعريضٌ بأنهم أحق منه بالنبوة، وأن الله لو أراد أن يجعلها في أحدٍ من البشر لجعلها فیھم. ﴿وَمَّا نَرَئِكَ أَبَعَكَ إِلَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَافِلْنَا﴾ أي: وما اتبعك إلا سفلة الناس، وإنما وصفوهم بذلك لفقرهم جهلا منهم واعتقادًا بأن الشرف هو بالمال والجاه، وليس الأمر كذلك، بل المؤمنون أشرف منهم على فقرهم وخمولهم. ﴿بَادِىَ الرَّأْيِ ﴾ أي: في ظاهر الرأي من غير تفکر أو رویة. ﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ﴾ أي: وما نرى لك ولأتباعك من مزیة وشرف علينا يؤهلكم للنبوة، واستحقاق المتابعة» (٢). وقالوا له أيضًا: ﴿أَنُوْمِنُ لَكَ وَأَتَّبَعَكَ اُلْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١]. فالعنصريون يقيسون الخسة والرفعة بمقدار القوة المادية، فمن كان غنيًا مستعليًا (٢) صفوة التفاسير، الصابوني ٢ / ١١. www. modoee.com ٤٦٩ حرف العين بماله ونفره كان عاليا، ومن كان قليلا فى ماله ونفره کان خسیسًا ضعيفًا في نظرهم يستحق الاحتقار، وشعارهم الدائم ﴿أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِينَآَ﴾ [الأنعام: ٥٣]. أهؤلاء الصعاليك خصهم الله بالإيمان من بيننا! وهذه الآية نزلت في كفار قريش مع ما قبلها من آيات وهي: ﴿ وَأَنذِرْ پِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمٌ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِ وَلِىٌّ وَلَا شَفِيَعُ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١) وَلَا تَطَرُ دِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِ يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ وَمَا مِنْ حِسَائِكَ عَلَيْهِم مِّن شَىْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥١-٥٢]. وسبب نزول هذه الآيات: عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: (كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ستة نفر، فقال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم: اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا. قال: وكنت أنا وابن مسعود، ورجل من هذيل، وبلال، ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول الله صلی الله عليه وسلم ما شاء الله أن یقع، فحدث نفسه فأنزل الله عز وجل: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾)]. فـ((أشراف العرب، أنفوا أن يستجيبوا إلى دعوة الإسلام؛ لأن محمدًا صلى الله عليه وسلم يؤوي إليه الفقراء الضعاف، من أمثال صهيب وبلال وعمار وخباب وسلمان وابن مسعود، وعليهم جِبَابٌ تفوح منها رائحة العرق لفقرهم، ومكانتهم الاجتماعية لا تؤهلهم لأن یجلس معهم سادات قريش في مجلس واحدا فطلب هؤلاء الكبراء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطردهم عنه، فأبى. فاقترحوا أن يخصص لهم مجلسًا ويخصص للأشراف مجلسًا آخر، لا يكون فيه هؤلاء الفقراء الضعاف؛ كي يظل للسادة امتيازهم واختصاصهم ومهابتهم في المجتمع الجاهلي! فَهَمَّ صلى الله عليه وسلم -رغبة في إسلامهم - أن يستجيب لهم في هذه. فجاءه أمر ربه: ﴿وَلَا تَظُرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِ يُرِيدُونَ وَجْهَدُ﴾))(١). عندئذ أطلق العنصريون من المشركين شعارهم القبيح: ﴿أَهَؤُلَاءٍ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ («عندئذ نفر المستكبرون المستنكفون يقولون: كيف يمكن أن يختص الله من بيننا بالخير هؤلاء الضعاف الفقراء؟ إنه لو كان ما جاء به محمد خيرًا ما سبقونا إلیه، ولهدانا الله به قبل أن یھدیھم! فليس من المعقول أن يكون هؤلاء الضعاف الفقراء هم الذين يمن الله عليهم من بيننا، ويتركنا ونحن أصحاب (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل. باب في فضل سعد بن أبي وقاص، رقم ٢٤١٣، ٠١٨٧٨/٤ ٤٧٠ صَوَسُون القرآن الكريمِ العنصرية المقام والجاه!))(١). فالعنصريون لهم مقاييس مختلفة، فمقاييسهم قائمة على أساس من المال والجاه، فأصحاب المال والجاه أهل الحظوة والقرب والفضل والمكانة، قولهم مسموع وكلمتهم مطاعة، وغيرهم من الفقراء ومن لا مال لهم ولا جاه خدم لهم وعبيد لإحسانهم، ومكانهم خلف الصفوف، ولا يحق لهم أن يجلسوا في مجلس الأثرياء وأصحاب الأموال، وبهذه المقاييس الخاطئة حكموا على أقدار الناس ومنزلتهم واحتقروهم، فكانت العنصرية البغيضة سببًا للفرقة وبابًا للأحقاد والبغض، وما بهذا تستقيم حياة الناس، ولا بهذا تنهض الأمم والشعوب. ثانيًا: القدح في اختيار القيادات: العنصريون يرون أنفسهم دائمًا أحق بالصدارة، وامتلاك دفة الأمور، وتوجيه الشعوب، فهم يرون في أنفسهم القيادة الرشيدة، ويحسدون غيرهم من القادة والمصلحين، ويقدحون فيهم؛ رغبة أن يكونوا مكانهم. وإذا تتبعنا القرآن لوجدنا أن ذلك سمة مشتركة بين كل العنصريين على اختلاف الزمان. فقوم نوح استنكروا أن یکون نبيًّا لهم (١) في ظلال القرآن ٢/ ١١٠٠. فقالوا: ﴿فَقَالَ الْمَلَوْ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِ، مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَنَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٤]. أي: ما هذا الذي يريد أن يطلب الرياسة والشرف عليكم بدعواه النبوة لتكونوا له أتباعًا! كيف يقوم فيكم مقام الناصح ذي الرأي والسلطان، ونحن أحق وأولى بالنبوة والرياسة منه! وقوم ثمود قالوا عن صالح عليه السلام: ﴿أَلْفِىَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرُ﴾ [القمر: ٢٥]. فـ«هي الشبهة المكرورة التي تحيك في صدور المكذبين جيلا بعد جيل: ﴿أَلْقِىَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا﴾؟ كما أنها هي الكبرياء الجوفاء التي لا تنظر إلى حقيقة الدعوة، إنما تنظر إلى شخص الداعية: ﴿أَبَشَرًامِنَّا وَاحِدًا تَّنَّعُهُ﴾ [القمر: ٢٤]))(٢)! وبنو إسرائيل لما طلبوا من نبيهم أن يعين لهم قائدًا يقاتلون معه، وأخبرهم أن الله اختار لهم طالوت ملكًا استنكفوا في أول الأمر عن اتباعه بحجة أنه ليس أهلاً للملك، وليس من أصحاب الجاه والأموال. قال الله تعالى عنهم: ﴿ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكُ قَالُواْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَتَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ (٢) المصدر السابق. www. modoee.com ٤٧١ حرف العين [البقرة: ٢٤٧]. أي: قاموا معترضين على نبيهم كيف یکون ملگا علینا، والحال أننا أحق بالملك منه؛ لأن فينا من هو من أولاد الملوك، وهو مع هذا فقير لا مال له فکیف یکون ملكًا علينا؟ وهكذا تتأصل في اليهود العنصرية والطبقية منذ أبعد الآماد. وكفار قريش لما جاءهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالقرآن اعترضوا أن تنزل الرسالة عليه، ورأوا أن في عظمائهم من هو أولى بالرسالة، فقال تعالى عنهم: ﴿وَقَالُواْ لَوْلَا نُزْلَ هَذَا أَلْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]. کیف هذا اليتيم يصبح نبيًّا؟ أين الوليد بن المغيرة، وعروة بن مسعود الثقفي، وهما من عظماء مكة والطائف؟ (١). وقال الله عنهم في موضع آخر: ﴿ أُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [ص: ٨]. فهم (أنکروا أن يختص صلى الله عليه وسلم بالشرف من بین أشرافهم ورؤسائهم، وهذا الإنكار ترجمة عما كانت تغلي به صدورهم من الحسد على ما أوتي من شرف النبوة من بينهم)) (٢). ولما ذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف يدعوهم قال له أحدهم: أما وجد الله أحدا يرسله غيرك (٣). فالعنصريون يقدحون دائمًا في القادة والمصلحین، ویرون أنفسهم أحق بالرئاسة والشرف منهم. ثالثًا: التمادي في الغي والضلال عند النصح: العنصريون يجمعون في أنفسهم صفات وأفعالًا ذميمة، من احتقار الناس، والكبر والاستعلاء على الآخرين، والفخر بالأحساب والأنساب، والقدح في المصلحين والمخلصين، وإذا وعظهم المخلصون للإقلاع عن هذه الأفعال والصفات الشنيعة يأنفون أن يؤمروا بتقوى الله، كأنهم يقولون في أنفسهم: نحن أرفع من أن نؤمر بتقوى الله عز وجل، فيرفضون الانصياع للحق، ويستكبرون عن قبول النصح، وما منعهم من ذلك إلا عزتهم بالإثم، فيجمعون بين العمل بالمعاصي والكبر على الناصحين. وقد بين القرآن أن هذه صفة متأصلة في الكفار والمنافقين، إذا نصحهم ناصح وتبين لهم الحق جحدوا واستكبروا بدافع الحمية لما يعتقدون. قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِى (١) في ظلال القرآن ٦/ ٣٤٣٢. (٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٢٦/٧. (٣) الكشاف، الزمخشري ٧٤/٤. ٤٧٢ جَوَسُولَة لِلْقُرآن الكَرِيمِ