Indexed OCR Text

Pages 21-34

العلى
عمران: ١٣٥].
فإن هذه الآية تأتي في سياق الحديث
عن صفات المتقين، فتبين أن من صفاتهم
إذا فعلوا فعلةً قبيحةً صغيرةً كانت أم كبيرةً
ذكروا الله تعالى المنتقم الغيور خائفين من
بطشه وانتقامه، فاستغفروا منه تعالى على
الفور راجين منه العفو والستر لذنوبهم، التي
صدرت عنهم، ثم إنهم بعد ذلك يعلمون أنه
لا يغفر الذنوب إلا الله تعالى، مما يجعلهم
غير مصرين على الذنب، أو العودة إليه،
ویعلمون قبح وخامة الإصرار.
وفي هذه الآية دليلٌ على أنه من
التحصينات التي يتحصن بها المتقون من
الذنوب هو علمهم بربهم من خلال فهم
الدين.
وقال تعالى: ﴿هُوَ أَلَّذِىّ أَزَلَ عَلَيْكَ
الْكِتَبَ مِنْهُ ءَايَاتٌ تُحْكَمَتُ هُنَّ أُمُّ الْكِنَبِ وَأَخَرُ
مُتَشَبِهٌَ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْعٌ فَيَتَِّعُونَ مَا
تَشَبَّهَ مِنْهُ أَبْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَأَبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ، وَمَا يَعْلَمُ
تَأْوِيلَةُ: إِلَّا اللَّهُ وَالرَّسِخُونَ فِي الْمِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنًا
◌ِهِهُ كُلُّ مِّنْ عِنْدِ رَيِّنَا وَمَا يَذَكَوْ إِلَّ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾
[آل عمران: ٧].
حيث بينت هذه الآية الكريمة أن المحكم
هو بمعنى الإحكام والإتقان والمنع عما
لا ينبغي، بمعنى أنه ما لا يحتمل التأويل
ولا النسخ ولا التخصيص ولا التدرج،
ویکون معناه واضحًا وضوحًا قويًا، وأما
المتشابه فقد اختلف فيه العلماء، وليس هذا
هو مقام عرض الخلاف، بل يكفي القول:
إن المتشابه هو ما استأثر الله تعالی بعلمه،
فيكون المعنى: فأما الذين في قلوبهم زيغٌ
فيتبعون ما تشابه منه طلبًا منهم لفتنة الناس
في دينهم، والتلبيس عليهم، وإفساد ذات
بينهم، ولتأويله على الوجه الذي يريدونه
ويوافق مذاهبهم الفاسدة(١).
ثم يستأنف الرب تعالى مقررًا لحقيقةٍ،
ألا وهي أنه ما يعلم المراد من المتشابه إلا
الله تعالى، ثم تستأنف الآية مقررةً لحقيقةٍ
أخرى، وهي أن الراسخين في العلم يقولون
آمنا بالمتشابه رغم أننا لا نعلم كنهه؛ إذ إنه
كلٌّ من المحكم والمتشابه من عند ربنا،
وفي هذه الآية دليلٌ على أن كل من يتصف
بالعقل، وأنه صاحب لبٍ ينبغي أن يسلم
بالمتشابه، ولا یقحم عقله بفهم مراده.
رابعًا: الجن:
وقد برز ذلك واضحًا في آيات، منها:
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ اَلْمَوْتَ
مَا دَّمْ عَلَى مَوْتِ إِلَّا دَابَةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ
مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّتَيْتَنَتِ اَلْجِنُّ أَنْ لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ
اُلْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ فِى الْعَذَابِ الْمُهِينِ ﴾ [سبأ: ١٤].
تأتي هذه الآية الكريمة في سياق ذكر
قصة النبي سلیمان صلی الله عليه وسلم،
(١) انظر: فتح القدير، الشوكاني ١/ ٣٦١.
www. modoee.com
٣٠٩

حرف العين
فتبين أنه لما جاء قضاء الله تعالى على هذا ملائكةٍ وجنٍ يعلمون علم اليقين أنهم
سیحضرون بين يدي الله.
النبي صلى الله عليه وسلم بالموت، عندها
لم يستدل الجن على موته إلا بعد أن أكلت
الأرضة عصاه، فلما سقط على الأرض
علمت الجن -بعد التباس الأمر عليهم-
أنهم لو كانوا يعلمون الغيب - كما زعموا-
لعلموا موته ساعة مجيئه، ولم يلبثوا بعده
حولًا مسخرين إلى أن خر على الأرض،
أي: ظهر أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب
ما لبثوا في العذاب المهين(١).
وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبَّ
وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾[الصافات:
١٥٨].
حيث بين الله تعالى أن من مفتريات
الكافرين على الله تعالى أن جعلوا بينه
سبحانه وبين العالم الخفي غير المنظور لهم
-وهو عالم الملائكة والجن- نسبًا وقرابةً،
حيث نسبوا إليه سبحانه الولد، والولد لا
يكون إلا من زواج، ولا يكون زواجٌ إلا بين
متناسبين متقاربين في الصورة والطبيعة،
وهذا العالم الخفي يعلم أنه محضرٌ بين يدي
الله تعالى، ومحاسبٌ على ما كان منه، فهم
خلق الله، ولم يخرجوا على خلقه، فسبحان
الله عما يصفه به هؤلاء المشركون(٢).
وفي هذه الآية دليلٌ على أن الجِنَّةَ من
(١) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ٤/ ٢٤٤.
(٢) انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم
الخطيب ١٠٣٨/١٢.
خامسًا: الشياطين:
وقد برز ذلك واضحًا في قوله تعالى:
﴿وَأَتَّبَعُواْ مَا تَنْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَنَّ
وَمَا كَفَّرَ سُلَيْمَنُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ
كَغَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السّحْرَ وَمَآ أَنْزِلَ عَلَى
اَلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَرُوتَ وَمَرُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ
مِنْ أَحَدٍ حَقَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ
فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ، بَيْنَ الْمَرْءِ
وَزَّوْجِهِ، وَمَا هُمْ بِضَآرِينَ بِهِ، مِنْ أَحَدٍ إِلَّا
بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَنَعَلَُّونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ
وَلَقَدْ عَلِّمُواْ لَمَنِ أَشْتَّنَهُ مَا لَّهُ فِ الْآخِرَةِ
مِنْ خَلَقٍّ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِدِهِ أَنْفُسَهُمْ
لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢].
إن هذه الآية تأتي في سياق الحديث عن
الكافرين من أهل الكتاب، وافتراءاتهم على
الله تعالی فتبین أنهم نبذوا کتاب الله تعالی،
واتبعوا ما تروي الشياطين من أمر النبي
سلیمان صلی الله عليه وسلم، وتبين هذه
الآية الكريمة أن هاروت وماروت لا يعلمان
من أحدٍ حتى يقولا له: إنما نحن مفتونون
بأن نعلم السحر فلا تکفر.
وفي هذه الآية دليلٌ على أن العلم
نوعان، منه ما هو حقٌّ، ومنه ما هو باطلٌ،
جَوْسُورَةُ النَّفِيَّة
القرآن الكريمِ
٣١٠

العلمى
فتعليم السحر باطلٌ باتفاق(١)، كما أن باصطفاف؛ لأنها تكون بين السماء والأرض
هاروت وماروت لا يضرون أحدًا إلا بإذن إذا طارت، فلعل السامع يغلب على ظنه إذا
ذكرت السماوات والأرض أن الطير خارجة
عن جملة من فيهن، وما يدل على هذا قوله
تعالى: ﴿كَلّ قَدْ عَلِمَ صَلَهُ, وَتَسْبِحَهُ﴾ أي: من
الجملة التي ذكرها الله تعالى من السموات
والأرض ومن فيهن، والطير باسطات
أجنحتها في الهواء، قد علم الله صلاتهم
و تسبيحهم
.
وأمر رباني، فمن شاء الله سلطهم عليه،
ومن شاء منعهم منه، ویبین الله تعالی بلام
قد الموطئة للقسم أنهم أي: الملكين بأن
من اختار هذه الفتنة وهذا السحر ما له في
الآخرة من نصيب، ثم تأتي الفاصلة القرآنية؛
لتبین أنه بئس ذلك الاختیار منهم؛ إذ إن ذلك
یجلب لهم غضب الله تعالی، ومن ثم عقابه
الشديد، وهذا كله لو كانوا علماء أتقياء(٢).
سادسًا: الحيوانات والطيور:
إن القرآن الكريم قد بين أن الحيوانات
والطيور وكل الخلق يسبحون بحمد ربهم
طوعا وكرها، كلٌّ بالطريقة التي تتناسب مع
طبيعة خلقه، والله تعالى هو وحده الذي
یعلم هذه الصلاة وهذا التسبيح منهم.
ومن الآيات التي بينت هذا الأمر ما يأتي:
قوله تعالى: ﴿أَوْ تَرَ أَنَّاللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ, مَن فِى
السَّمَوَّتِ وَالْأَرْضِ وَاَلَّيْرُ صَفَّتٍ كُلْ قَدْ عَلِمَ صَلَانَهُ.
وَتَسْبِحَدُ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾[النور: ٤١].
حيث تبين هذه الآية الكريمة أن
الله تعالى ینزهه عن الشرك كل من في
السماوات والأرض من المخلوقات،
وخاصةً الطير الباسطات أجنحتها في الهواء
(١) انظر: تفسير الراغب الأصفهاني ١/ ٢٧٧.
(٢) انظر: تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين
١٦٦/١.
وإن هاتين الآيتين وغيرهما التي بينت
أن جميع المخلوقات تنزه الله تعالى عن
الشرك، إنما ذكرت الخلق المحصور في
السماوات السبع والأرضين السبع، والطير
الباسطات أجنحتها في الهواء، وهذا يدلل
على أن القرآن الكريم يعطي الدلائل
المحسوسة للناس أن هذه المخلوقات التي
هي بین أیدیکم ترونها، ولكن لا تفهمون
طريقة تسبيحها لله تعالى، وفي هذه دليل
عجزٍ لهم، فليس كل ما يرونه يستطيعون
أن يصلوا إلى كل جوانب معرفته، فهم
المخلوقون الذين علمهم الله تعالى؛ إذ لا
معنى لذكر مخلوقاتٍ لا يستطيعون تصور
شيء منها؛ ولذلك بينت آية الإسراء أن كل
شيء يسبح بحمد ربه ولكن لا يفقه أحدٌ
تسبيحهم، دون ذكر أنواع كل شيء من
الخلق مما لا يستشعره الخلق، وهذا من
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١٩٩/١٩.
www. modoee.com
٣١١

حرفالعین
بديع نظم القرآن الكريم(١)، كما أن الطيور
والحيوانات تعلم كل التسابيح وتفقهها بما
پرضي بذلك رب العالمين.
(١) انظر: تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين
٢٤٠/٣.
الثناء على أهل العلم
لقد تعددت الأساليب القرآنية فى الثناء
على أهل العلم، فمنها: ارتضاء شهاداتهم
على أعظم العقائد، وحصر كمال الصفات
الطيبة فيهم.
وفيما يلي بيان ذلك في النقاط الآتية:
أولًا: ارتضاء شهاداتهم على أعظم
عقائد الدین.
إن أکثر الناس حبًا لله تعالى، ومن ثم
عبادةً له هم أهل العلم؛ إذ إنهم الأعلم به
جل جلاله، ومن ثم فإن الرسول صلى الله
عليه وسلم بين أنهم ورثة الأنبياء، فقال: (إن
العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا
دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن
أخذه أخذ بحظ وافر)(٢).
وعلى هذا فإن الله تعالى قد أكرم أهل
العلم بارتضائه جل جلاله لهم أن يشهدوا
بتوحيده تعالى، حيث قال: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ
لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِّ
لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَِّزُ الْحَكِيمُ﴾[آل عمران:
(٢) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب العلم، باب
ما جاء في فضل الفقه على العبادة ٣٤٥/٤،
رقم ٢٦٨٢، وابن ماجه في سننه، افتتاح
الكتاب في الإيمان وفضائل الصحابة والعلم،
باب فضل العلماء والحث على طلب العلم
٨١/١، رقم ٢٢٣.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
١٠٧٩/٢، رقم ٦٢٩٧.
٣١٢
جوسين
لِلْعُرآن الكَرِيمِ

العلى
١٨].
فإن هذه الآية تبين أن أول من شهد أنه
تعالی لا إله إلا هو، إنما هو الله جل جلاله،
وشهدت الملائكة بعد ذلك، وأولو العلم
بعدهم (١).
فقد شهد أهل العلم بعد الملائكة وبعد
الله تعالى بالوحدانية؛ لبيان أنه جل جلاله
قائمٌ بتدبير الخلق بالعدل؛ إذ إن من أراد أن
یکون عدًا في حکمه فإنه یشهد بوحدانية
الله تعالى، فكل الآيات المتلوة والكونية
تدلل على وحدانيته فضلًا عن أن الإنسان
بفطرته يوحد الله تعالى، والعلم يحفظ
الفطرة السليمة من التآكل أو الخلط بثقافات
شيطانية، ومن ثم فإن الله تعالى وصف
أولي الألباب بأنهم من عرف الحق بفطرته،
وتفكر في خلقه بعقله وقلبه ومشاعره.
ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ
السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَافِ أَلَّيْلِ وَالنَّهَارِ
لَيَتٍ لِأُوْلِ الْأَلْبَبِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ
قِيَمَا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى
خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا
سُبْحَنَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠ -
١٩١].
وأما ما جاء فى سبب نزول هذه الآية فهو
من کون أن الرسول صلی الله علیه وسلم
قال: (لقد نزلت علي الليلة آيةٌ ويلٌ لمن
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٦/ ٢٦٧.
قرأها ولم يتفكر فيها) وقرأ الآية السابقة (٢).
وقد دلت آیةٌ أخری أن الله تعالی ارتضی
شهادة أهل العلم على القرآن الكريم
حيث قال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ
لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِ
وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِنَبِ﴾[الرعد:
٤٣].
حيث تبين هذه الآية الكريمة أن من
الذين علموا الكتاب مؤمنو أهل الكتابين
أمثال عبد الله بن سلام وكعب الأحبار
وغيرهم، حيث كانت شهادتهم قاطعة لقول
أهل الخصوم(٣).
ثانيًا: حصر كمال الصفات الطيبة فيهم:
وقد برز ذلك واضحًا في عدة آيات.
قال تعالى: ﴿ وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِيُّهَا
لِلنَّاسِّ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّ الْعَلِمُونَ﴾
[العنكبوت: ٤٣].
فقد بينت الآيات السابقة أن الله تعالى
(٢) أخرجه ابن حبان في صحيحه، كتاب الرقائق،
باب التوبة، ذكر البيان بأن المرء عليه إذا تخلى
لزوم البكاء على ما ارتكب من الحوبات وإن
كان بائنًا عنها مجدًا في إتيان ضدها ٢/ ٣٨٦،
رقم ٦٢٠.
قال الألباني: وهذا إسنادٌ جيد، رجاله كلهم
ثقات غير يحيى بن زكريا، قال ابن أبي حاتم:
سألت أبي عنه، قال: ليس به بأس، هو صالح
الحديث.
انظر: السلسلة الصحيحة ١/ ١٤٧.
(٣) انظر: الوجيز، الواحدي ص٥٧٦.
www. modoee.com
٣١٣

حرف العين
ضرب مثلًا على الذين لا يعلمون، وهو مثل على كل شيء قدير، فإن أعلم الناس بالله
هم أشدهم له خشية، وإلا فما فائدة العلم
اللساني، وقد قال ابن مسعود رضي الله عنه:
ليس العلم من كثرة الحديث، ولكن العلم
من الخشية (٢).
العنكبوت التي اتخذت بيتاً لا یغني عنها
شيئًا لا في حر، ولا قرٍ، ولا مطرٍ، وتبین
هذه الآية الكريمة أن جميع الأمثال التي
ضربت من العنكبوت أو ما قبله مما حدث
مع أقوام النبيين من الكافرين إنما كل ذلك
یضربه للناس تنبيهًا لهم، وتقريبًا لما بعد من
أفعالهم، ولكن النتيجة هي أنه لا يفهمها
ولا يتعقل الأمر الذي ضربناه لأجله إلا
العالمون بالله تعالى، الراسخون في العلم،
المتدبرون، المتفکرون لما یتلی علیهم(١).
وفي هذه الآية دليلٌ على أن الإنسان لا
يفقه أمثال الله تعالى إلا إذا علم، ولا ينجو
العالم من غضب الله تعالى إلا إذا عمل بما
علم، ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّفِی
ذَلِكَ لَيَنْتٍ لِّلْعَلِمِينَ﴾ [الروم: ٢٢].
وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالذَّوَآَبِّ
وَالْأَنْعَِ مُخْتَلِفُّ أَلْوَتُهُ كَذَلِكَُ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ
مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوُاْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورُ﴾
[فاطر: ٢٨].
فکما بینت الآية السابقة اختلاف الجبال
في ألوانها فإن هذه الآيات تبين أن من الناس
والدواب والأنعام مختلفًا ألوانه كذلك،
ثم قال في هذه الآية بأسلوب الحصر:
إنما يكون أكثر الناس خشيةً لله تعالى
هم العلماء، الذين يعلمون أن الله تعالى
ولهذا قال الربيع بن أنس: من لم يخش
الله تعالى فليس بعالم، وقال مجاهد:
إنما العالم من خشي الله عز وجل، وعن
ابن مسعود: كفى بخشية الله تعالى علمًا
وبالاغترار جھلًا، وقیل لسعد بن إبراهيم:
من أفقه أهل المدينة؟ قال: أتقاهم لربه عز
وجل، وعن مجاهد قال: إنما الفقيه من
يخاف الله عز وجل، وعن علي رضي الله
عنه قال: إن الفقيه حق الفقه من لم يقنط
الناس من رحمة الله، ولم يرخص لهم في
معاصي الله تعالى، ولم يؤمنهم من عذاب
الله، ولم يدع القرآن رغبة عنه إلى غيره، إنه
لا خير في عبادةٍ لا علم فيها، ولا علم لا فقه
فيه، ولا قراءة لا تدبر فيها)) (٣)
.
وحاصل ذلك القول، فإنه كلما كانت
المعرفة لله تعالى أتم، والعلم به جل جلاله
أكمل كلما كانت الخشية له عز وجل أعظم
وأكثر (٤).
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم
٣١٨٠/١٠.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٤/ ٣٤٣،
٣٤٤.
(١) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٢٣٥/٤، ٢٣٦. (٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٥٤٤.
٣١٤
القرآن الكريم

العلم
أنواع العلوم في القرآن
تعددت العلوم في القرآن الكريم بما
يصعب حصره في هذا المبحث، غير أنه
یمکن حصر أصوله في نوعين: علوم وهبية،
وعلوم مكتسبة.
وفيما يلي بيان ذلك في النقاط الآتية:
أولًا: العلوم الوهبية:
ويقصد بالعلوم الوهبية تلك العلوم التي
وهبها الله تعالى لخلقه سواء أكانت عن
فطرة فطر الله تعالى بها من يشاء من عباده،
أو عن وحي أوحى الله تعالی به لمن يشاء
من عباده، فأما ما كان عن فطرة فمنه ما ورد
واضحًا في قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ
◌ِلِدِينِ حَنِيفًا فِطَرَتَ اَللَّهِ الَّتِىِ فَطَرَ النَّاسَ
عَلَيْهَاً لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِّ ذَلِكَ الْدِينُ الْقَيْدُ
وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾
[الروم: ٣٠].
فقد بينت الآية السابقة أن عبادة الظالمين
للأوثان كانت اتباعًا لأهوائهم بغير علم أتاهم
من الله، فما دام الأمر كذلك لا يمكن لأحدٍ
أن يهديهم، وليس لهم من ناصرٍ ينصرهم
من بعد الله، وتأتي هذه الآية لتضع العلاج
المناسب لمسألة التوحيد، والإيمان بالله
تعالى من خلال الرجوع إلى دين الفطرة التي
فطر الله تعالى الناس عليها فهم قد علموا
التوحيد قبل أن يكونوا في بطون أمهاتهم
أو ظهور آبائهم، حينما كانوا في عالم الذر،
ولا تبديل لفطرة الله تعالى التي فطر الناس
عليها، وتأتي الفاصلة القرآنية؛ لتبين أن ذلك
الدين الفطري هو الدين المستقيم الذي لا
اعوجاج فیه، ولکن أکثر الناس الذين تآكلت
فطرتهم واستسلموا للشيطان وأعوانه، هم
الذين خيم عليهم الجهل بعد العلم(١).
وأما ما كان عن وحي فقد ورد في
قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِلِمٍ بِالْمَلَا الْأَعْلَى إِذْ
يَخْصِمُونَ ﴾ [ص: ٦٩].
فقد بينت الآيات السابقة أن الله تعالى
أمر نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم لقومه
المكذبين فيما جاءهم به، ومن عند الله
تعالى أن هذا القرآن خبرٌ عظيم، وهم عنه
منصرفون لا يعملون به، ولا يصدقون بما
جاء فيه من حجج الله تعالى وآياته (٢).
وتأتي هذه الآية تكملةً لما سبق؛ لتبين
أن الرسول صلى الله عليه وسلم مخاطبٌ
بأن يقول للمشركين: ما كان لي من علم
بالملائكة؛ إذ يختصمون في شأن آدم صلى
الله عليه وسلم، حين قال تعالى: ﴿قَالَ إِنّ
أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠].
وتستكمل الآيات خطاب الله تعالى
لرسول الله صلی الله علیه وسلم بقوله: قل
يا محمد أيضًا إنما أنا عليه من التبليغ لهذا
(١) انظر: الوجيز، الواحدي ص ٨٤٢.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٣٥/٢١.
www. modoee.com
٣١٥

حرف العين
الدین إنما هو وحيّ مما يوحى إلي، وإنما أنا
منذر (١).
ثانيًا: العلوم المكتسبة:
وهي العلوم التي تقوى وتزداد بكسب
الإنسان من التعلم سواء أكانت علومًا
محمودةً أو مذمومة، فأما العلوم المحمودة
الكسبية فقد وردت في عدة آیات.
قال تعالى: ﴿وَأَتَّقُواْ الَّذِىّ أَمَذَّكُم بِمَا
تَعْلَمُونَ ﴾[الشعراء: ١٣٢].
فإن السیاق القرآني يتحدث عن قوم هود
عليه السلام وتبليغ نبيهم لهم، محذرًا إياهم
من الاغترار بنعم الله تعالى التي أعطاها
إياهم، ومن جملتها ما ذكره في هذه الآية،
أي: أعطاكم الله تعالى بما تعلمون من
جميع أوجه الخير، ومنها إعطاؤكم أنعامًا
وبنين، وجناتٍ وعيون، وغير ذلك(٢).
وإن هذا العلم وإن كان محمودًا إلا أنه
استدراجٌ من الله تعالى، فلا يغرن أحدًا
إمهال الله تعالى له، على ما يقترف من
الذنوب والآثام، فإنه قد يكون ذلك مسارعةً
في الخيرات بجني ثمار ما يفعل في الدنيا؛
حتى يكون صفر اليدين يوم القيامة، فالعلم
هنا محمودٌ في ذاته لكنه ليس محمودًا في
مقصوده، والله تعالى أعلم.
وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَحَكُمْ مِنْ بُطُونِ
(١) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٤ / ٧٦.
(٢) انظر: تفسير السمر قندي ٢/ ٥٦٢.
أُمَّهَتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ
وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْعِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾
[النحل: ٧٨].
فإن هذه الآية تبين أنه جل جلاله خلق
الخلق من غير مشورة لهم، وأثبتهم على
الوصف الذي أراد، فلم يعلموا بما سبق
حكمهم(٣)، ولا يعلمون أيضًا أي جانب من
جوانب العلم المكتسب، ثم أعطاهم الله
تعالى أدوات العلم، وهي: السمع ليسمعوا
جوانب العلم ومدركاته، والأبصار لينظروا
في ملكوت الله تعالى، فتتحقق بالمران،
بعد توفيقه تعالى جوانب متقدمة من العلوم،
ثم جعل القلوب ليكون هذا القلب بمثابة
المصفاة التي تصفي تلك العلوم المكتسبة،
فتبتكر علومًا مما تم اكتسابه، وتأتي الفاصلة
القرآنية؛ لتبين أن العلة من خلق الله تعالى
للبشر ومن ثم إعطاؤهم أدوات المعرفة هي
أن یشکروا الله تعالی علی نعمائه.
وأما العلم المذموم، فمنه ما ورد على
لسان الطغاة، كقارون حينما قال الله تعالى
عنه: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوِّتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِىٌّ أَوَلَمْ يَعْلَمْ
أَنَّ اللَّهُ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ، مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ
أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جمعًاً وَلَا يُسْلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ
اَلْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨].
حيث إن هذه الآية تأتي في سياق
الحديث عن قصة قارون واغتراره بما أعطاه
(٣) انظر: لطائف الإشارات، القشيري ٣١١/٢.
جَوَنُوالَهُ النَّتِيَّة
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
٣١٦

العلم
الله تعالى من المال، فيقول ردًا على أهل
العلم والإيمان الذين وعظوه وذكروه بالله
تعالى إنما أوتيت هذا المال على فضلٍ
وخيرٍ عندي؛ إذ إنني من أهل العلم بالصنعة
آخذ هذا المال بفضل خبرتي في مجالي
الذي أنا متميز فيه(١).
فرد الله تعالى بأسلوب غير مباشر،
فهو أصغر من أن يخاطبه الله تعالی خطابًا
مباشرًا، فقال جل شأنه: أو لم يعلم هذا
الأفاك أن الله تعالى قد أهلك من تجبر
وظلم أكثر منه ممن قبله ممن هو أكثر شدةً
وقوة منه، وله جمع ملتفٌ حوله، ثم تأتي
الفاصلة القرآنية؛ لتبين أن المشركين لا
يسألون عن ذنوبهم، فهم یعذبون ويدخلون
النار بغير حساب (٢).
وعلى هذا فإن العلم المذموم هنا هو
الذي ادعاه قارون، وخالف شرع الله تعالی
فیه، وعدم عزوه الرزق إلى الله تعالى، كما
أن المذموم هو سلوكه السیئ بدلاً من الشكر
على نعمة العلم لله تعالى.
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم
٣٠١٢/٩.
(٢) انظر: المصدر السابق ٩/ ٣٠١٣.
آداب المعلم والمتعلم
أشارت آيات العلم الواردة في القرآن
الكريم إلى مجموعة من الآداب، منها:
١. الإيقان بأنه فوق كل عالم من هو
أعلم منه.
قال تعالى: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعَيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَِّ
أَخِيهِ ثُمَّ أَسْتَخْرَجَهَا مِن ◌ِعَاءِ أَخِيَةٍ كَذَلِكَ
كِذْنَا لِيُوسُفَّ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِ رِنِ
اَلْمَلِكِ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَحَتٍ مَّن
نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾ [يوسف:
٧٦].
فإن هذه الآية الكريمة تأتي في سياق
الحديث عن قصة يوسف عليه السلام وكيد
إخوته له، فلما تولى الوزارة ودخلوا عليه
أراد أن يأخذ أخاه من أبيه وأمه، وهو الذي
لم یکن مشترگا معهم في کیدهم له، فأوحي
إليه أن يكيد كيدًا، وتأتي الفاصلة القرآنية؛
لتبين أنه فوق كل عليم من هو أعلم فيكون
هذا أعلم من هذا، وهذا أعلم من هذا، قال
قتادة والحسن: والله ما من عالم على ظهر
الأرض إلا فوقه من هو أعلم منه؛ حتى
ینتهي العلم إلى الله تعالى الذي علمه، ومنه
بدأ وإليه يعود(٣).
٢. إسناد العلم لواهبه عز وجل.
قال تعالى: ﴿وَالرَّسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ
(٣) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي ٢٤٢/٥.
www. modoee.com
٣١٧

حرف العین
ءَامَنَّا بِهِ، كُلُّ مِّنْ عِندِ رَيْنَاْ وَمَا يَذَكَرُ إِلَّ أُوْلُواْ
آلْأَلْبَبِ ﴾[آل عمران: ٧].
حيث تبين هذه الآية أن الراسخين في
العلم هم الذين يقولون آمنا بهذا المتشابه،
فصدقنا أن علم ذلك لا يعلمه إلا الله.
٣. العلماء أكثر الناس خشية لله
تعالی.
لأنهم الأكثر معرفة له، وبه جل جلاله،
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ
الْعُلَمَوُاْ﴾ [فاطر: ٢٨].
أي: إنما يخاف الله تعالى ويتقي عقابه
العلماء؛ لأن من علم قدرة الله تعالی أیقن
بالمعاقبة على المعصية فخاف الله واتقاه(١).
وقد ذكر بعض المفسرين أن العلماء
هم المؤمنون (٢)، وهو رأي مقبول؛ إذ إن
المؤمنين هم الذين استسلموا لعلمهم
الفطري بتوحيد الله تعالى ولم يخالطوه بعلم
مكتسب مذموم، بل إنهم وجهوا عقولهم
إلى ما يعزز علم الفطرة، بإفرادهم الله تعالى
في الربوبية والألوهية، والأسماء والصفات،
وأركان الإيمان بما يقوي عندهم الطاعة
والعبادة، وعلى هذا فإنه لا يعقل أن يسمى
المؤمن غبيًا؛ إذ إن العلماء محصورون في
المؤمنين حق الإيمان، الذين عاشوا في
(١) انظر: الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي
طالب ٩ / ٥٩٧٢.
(٢) انظر: تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين
٣٠/٤.
دنياهم لأجل آخرتهم، وانضبطوا بشرع
الله تعالى، ونهلوا من العلم النافع، ووهبوا
حیاتهم وأرواحهم لأجل ربهم.
ثم إن طلاب العلم ينبغي أن يتقوا الله
تعالى؛ حتى يعطيهم من العلم، قال تعالى:
﴿وَأَتَّقُواْاللَّهُ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ
شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
وهذه هي الفاصلة القرآنية لآية الدين،
التي تتعلق بإرشاد الناس إلى ضبط مصالحهم
وتنظيم حياتهم المعاشية منها، حيث تختتم
الآية بالأمر بالتقوى؛ لأنها ملاك الخير،
وبها يكون ترك الفساد، وبيان تعليم الله
تعالى للخلق تذكيرًا بنعمة الإسلام، الذي
أخرجهم من الجهالة إلى العلم بالشريعة،
وقد وعد بذلك؛ لأنه جيء فيه بالمضارع،
وفي عطفه على الأمر بالتقوى إيحاءٌ إلى أن
التقوى سبب إفاضة العلوم (٣).
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١١٨/٣.
جَوْسُورَة النَّفتْبـ
القرآن الكريم
٣١٨

العلم
أثر العلم في الرقي الحضاري
يركز هذا المبحث على بيان أثر العلم
الذي أعطاه الله تعالى من سار على سنن الله
تعالى الكونية، سواء أكان مؤمنًا مجتهدا في
التعاطي مع هذه السنن التي لا تحابي أحدًا،
وهي ماضیةٌ وفق ما یریده الله تعالى، أو كان
كافرًا لا يؤمن بهذه الحياة الدنيا، وهذا كله
في العلم الدنيوي.
أما في العلوم الشرعية التعبدية فإن
عيش الأمة على هدىً من أمرها، وبعدٍ
عن الخرافات والبدع التي تفسد العقل،
وتذيع السوء والفاحشة، وتجعل العالم من
حضارته حضارة مزيفة ليست قائمةً على
رقيٍ ملموسٍ، ومن ثم فإنه يمكن القول إن
أثر العلم في الرقي الحضاري قد بينه القرآن
الكريم في آيات لعل أبرزها قوله تعالى:
وَالْخَيَّلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِّرْ كَبُوهَا وَزِينَةٌ
وَيَغْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨].
حيث تأتي هذه الآية في سياق بيان
خلق الله تعالى لكل شيء، ومنها ما تذكره
هذه الآية من خلق الخيل، وهم اسم جنس
للفرس، وكذلك خلق البغال والحمير، وقد
بينت الآية سبب خلق هذه الأنواع الثلاثة
من المخلوقات، وهو الانتفاع بها بالحمل
من ركوب على ظهرها، مما يجلبه ذلك من
نفع في تسهيل السفر والترحال، وأما قوله:
﴿وَزِينَةً﴾ فهي زينة لأجل الركوب، وقد
قدم الركوب على الزينة؛ لأن الأول أهم في
الانتفاع من الثاني، وتأتي الفاصلة القرآنية؛
لتخبر «بأنه سبحانه يخلق من الخلائق ما لا
علم لنا به دلالةً على قدرته الباهرة الموجبة
للتوحيد، كنعمه الظاهرة والباطنة»(١).
وفي هذه الآية دليلٌ على أنه جل جلاله
يبين دائمًا عظيم نعمه على عباده، ومنها
نعمة الركوب، ومن ثم تسهيل عملية
الحركة والسفر؛ لسرعة التواصل بين البشر،
مما یذلل العقبات أمام انتشار العلم، وتبادل
الثقافات التي تطور العلوم التي يتوصل إليها
بلدٌ من البلاد، وإن العلم الدنيوي مطلوبٌ
كي لا يقع المسلمون في الحرج.
وعلى هذا فإن الآية تحث على
الاستغلال الأمثل للمواصلات بما يرقى
من خلاله المجتمع المسلم في كل أموره
المعاشية، ومما يدل على هذا أن الآية التالية
تنبه على أمور المعاد، فیکون معناها: كما
يدبر سبحانه أمور معاش عباده على الوجه
الألیق بحالهم، کذلك له سبحانه أن يدبر
لهم أمور معادهم؛ بل هي أولى بالتدبير على
الله المصلح لأحوال عباده.
وإن أول آياتٍ نزلت في القرآن الكريم
علی قلب النبي صلی الله عليه وسلم كانت
تأمر بالقراءة التي هي مفتاح العلم الموصل
(١) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٩٨/٥.
www. modoee.com
٣١٩

حرف العین
إلى الله تعالى، حیث قال الله تعالى: ﴿اقْرَاً
◌ِأَسِ رَيْكَ الَّذِى خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ أَقْرَأْ
وَرَبُّكَ آلْأَكْ لِ الَّذِى عَلَّم بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَنَ مَالَرْ
يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١-٥].
وقد اشتملت هذه الآيات على أمورٍ،
منها:
١. الحث على القراءة بل والأمر بها،
والمقصود بالقراءة هنا حسن الطلب
للعلم بما يشمل حسن التلقي للعلم،
ومن ثم السعي لتطوير ذلك العلم الذي
تلقاه، والاستفادة منه عمليًا في العلوم
التي تقبل الاجتهاد، أما العلوم العقدية
الأصولية، فإنه يكفي أن يتلقاها الإنسان
ويجتهد في تطبيقها.
٢. جاء الأمر بالقراءة مرتبطًا بمراحل خلق
الإنسان، حيث يقول تعالى: ﴿خَلَقَ
اُلْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق: ٢]. وقد أفاد
ذلك في الحث على معرفة الأسرار
الخفية في خلق ذلك الإنسان، كيف
لا والله تعالى يقول: ﴿وَفِ أَنْفُسِكُمْ أَفَلاَ
تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١].
٣. جاء الأمر بالقراءة مرتبطًا بالإيقان
الكامل أن الله سبحانه وتعالى أعز
وأكرم من كل شيء، قال تعالى: ﴿أَقْرَأْ
وَرَبُّكَ الْأَكْمُ﴾ [العلق: ٣].
٤. بينت الآيات أنه سبحانه وتعالى
علم بالقلم الذي هو صيد كل العلوم،
حيث قال الله تعالى: ﴿الَّذِى عَلَّمُ بِالْقَلَمِ﴾
[العلق: ٤].
٥. جاء الأمر بالقراءة مرتبطًا ببيان أن
كل علم تعلمه الخلق إنما هو من الله
تعالى، حيث قال الله تعالى: ﴿عَلَّمَ
الْإِنسَنَ مَالَرْيَعَمْ﴾.
٣٢٠
القرآن الكريمِ

العلى
موسى والخضر عليهما السلام
يركز هذا المبحث على عرض أهم
الدروس المستفادة من رحلة موسى
والخضر عليهما السلام في طلب العلم،
دون التركيز على ما هو ليس داخلًا في
طلب العلم؛ انسجامًا مع سياق الدراسة
العام، وعلى هذا فإنه يمكن إجمال الدروس
المستفادة بالنقاط الآتية:
١. تواضع العالم، وهذا يعني ألا يتعامل
الإنسان مع نفسه أنه أعلم الناس،
ولا يجزم بذلك حتى لو كان نبيًا
مرسلًا، ومما يدل على هذا ما جاء في
الصحيحين عن ابن عباس رضي الله
عنهما قال: سمعت رسول الله صلى
الله عليه وسلم يقول: (بينما موسی في
ملأٍ من بني إسرائيل جاءه رجلٌ فقال:
هل تعلم أحدًا أعلم منك؟ قال موسى:
لا، فأوحى الله عز وجل إلى موسى:
بلى عبدنا خضرٌ)(١).
٢. الكد والتعب لأجل العلم، وهذا
يستفاد من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ
مُوسَى لِفَتَسُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم
باب ما ذكر في ذهاب موسى عليه السلام في
البحر إلى الخضر ٢٦/١، رقم ٧٤، ومسلم
في صحيحه، كتاب الفضائل، باب من فضائل
الخضر عليه السلام ٤ / ٢٨٥٢، رقم ٢٣٨٠.
مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِىَ حُقُبًا ﴾
[الكهف: ٦٠]. أي: ((واذكر يا محمد إذ
قال موسى بن عمران لفتاه يوشع:
أُبرځُ﴾ یقول: لا أزال أسیر حتی ابلغ
مجمع البحرین»(٢).
٣. إيقان العالم أن الشدة تكون فيها
قرب الفرج، فإن النبي موسى عليه
السلام حينما نسي فتاه الحوت أدرك
أنه وصل إلى الخضر عليه السلام (٣).
٤. التلطف في طلب العلم، وهذا في
حسن طلب موسى من الخضر أن يعلمه
مما علمه الله تعالى، قال عز وجل:
﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَآ ءَانَيْنَهُ رَحْمَةً
مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا { قَالَ لَهُ.
مُؤَسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ
رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٥ -٦٦] حيث تبين
هاتان الآيتان أن النبي موسى عليه
السلام قال الخضر عليه السلام: جئت
لأتبعك وأصحبك؛ لأجل أن تعلمني
علمًا ترشدني به (٤).
٥. اختبار المعلم لقدرة المتعلم،
وقد جاء هذا في قول الخضر كما في
الآية: ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا.
[الكهف: ٦٧] وإنما قال الخضر ذلك؛
لأنه علم أن موسى عليه السلام سيرى
(٢) جامع البيان، الطبري ١٨/ ٥٥.
(٣) انظر: تفسير القرآن، السمعاني ٢٠٤/٣.
(٤) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٢٠٦/٣.
www. modoee.com
٣٢١

حرف العين
أمورًا منكرةً، ولا يجوز للنبيين أن
يصبروا على المنكرات، ثم بين عذره
في ترك الصبر بقوله: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ
عَلَّ مَالَوْ تُحِطْ بِهِخُبْرً﴾ [الكهف: ٦٨] أي:
علمًا.
٦. الأدب الرفيع في صحبة المعلم،
وذلك حينما رد موسى عليه السلام
على الخضر عليه السلام في قوله
تعالى: ﴿قَالَ سَتَجِدُنِىّ إِن شَآءَ اللَّهُ صَابِرًا
وَلَآَ أَعْضِى لَكَ أَمْرًا﴾ [الكهف: ٦٩] حيث
علق المشيئة على رب العالمين.
٧. عدم تعجل النتائج في العلم مع
الثقة بالمعلم، قال تعالى: ﴿قَالَ فَإِنِ
أَتَّبَعْتَنِى فَلَا تَسْتَلْنِ عَن شَىْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ
لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٧٠] أي: فإن
صحبتني فلا تسألني عن شيء حتى
أكون أنا الذي أفسره لك(١)، وقد كان
هذا بمعايشة الحادثة، ثم إعطاء الحكم
عليها، ولا شك أن هذه طريقةٌ طيبة في
تحصيل العلم.
٨. العالم ينسب العيب إلى نفسه،
والمشيئة إلى ربه، قال تعالى: ﴿أَمَّا
السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسِكِينَ يَعْمَلُونَ فِى الْبَحْرِ
فَأَرَدِتُّ أَنْ أَعِبَهَا وَكَانَ وَرَآءَ هُمْ مَلِكُ يَأْخُذُ
كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩] أي:
أجعلها ذات عيب(٢)، وهذا أدبُّ
رفيع من الخضر عليه السلام مع ربه؛
إذ إنه موحی إلیه من الله تعالى، ويدل
على هذا قوله تعالى: ﴿وَمَا فَعَلْنُهُ،عَنْ
أَمْرِىَّ ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعٍ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾
[الكهف: ٨٢].
موضوعات ذات صلة:
الجاهلية، العقل، الغفلة، الفقه
(١) انظر: الوجيز، الواحدي ص٦٦٨.
(٢) انظر: المصدر السابق ص٦٦٩.
٣٢٢
جَوَسُو ◌َرَ النَّفْسَيدِ،
القرآن الكريم