Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
د
عناصر الموضوع
مفهوم العلم
٢٩٠
العلم في الاستعمال القرآني
٢٩١
الألفاظ ذات الصلة
٢٩٢
٢٩٤
العلم بالخلق في القرآن
٢٩٦
العلم صفة الله تعالى
٣٠٤
العلم وصف للمخلوقات
٣١٢
الثناء على أهل العلم
٣١٥
أنواع العلوم في القرآن
٣١٧
آداب المعلم والمتعلم
٣١٩
أثر العلم في الرقي الحضاري
٣٢١
موسى والخضر عليهما السلام
المُجَلَدُ الرَّبِعْ وَالْعَشْرُونْ

حرف العين
مفهوم العلم
أولًا: المعنى اللغوي:
أصل مادة (علم) تدل على أثر بالشيء يتميز به عن غيره(١)، فهو من العلامة والأثر(٢)،
والعلم بالشيء: المعرفة، يقال: علم الشيء يعلمه علمًا، أي: عرفه، ورجلٌ علامةٌ، أي: كثير
العلم، والتاء للمبالغة، واستعلمه الخبر فأعلمه إياه(٣).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
عرف الجرجاني العلم بأنه: ((الاعتقاد الجازم المطابق للواقع)) (٤).
وعرفه المناوي بأنه: ((الاعتقاد الجازم الثابت المطابق للواقع؛ إذ هو صفةٌ توجب تمييزًا
لا يحتمل النقيض، أو هو حصول صورة الشيء في العقل، والأول أخص))(٥).
وقيل: ((إدراك الشيء على ما هو به)) (٦).
وقولهم: ((الاعتقاد الجازم الثابت المطابق للواقع)) يقتضي انطباعًا في العقل بما يكون
له أثرٌ وعلامة، كما أن دلالة أنه ((صفةٌ توجب تمييزًا لا يحتمل النقيض)) لبيان أن كل علمٍ
ينضبط بدقةٍ عالية يتميز من خلالها عن غيره من العلوم والفنون، و((حصول صورة الشيء في
العقل)) تتطور إلى اعتقاد قلبي ثابت جازم، يطابق ذلك الواقع الذي عليه ذلك الأمر، والله
تعالى أعلم.
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١٠٩/٤.
(٢) انظر: مشارق الأنوار، القاضي عياض ٨٣/٢.
(٣) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٤١٧/١٢، مختار الصحاح، الرازي ص ٢١٧.
(٤) التعريفات، الجرجاني ص ١٥٥.
(٥) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص٢٤٦.
(٦) الحدود الأنيقة، السنيكي ص٦٦.
٢٩٠
جوبي
القرآن الكريم

العلم
العلم في الاستعمال القرآني
وردت مادة (علم) في القرآن الكريم (٧٧٨) مرة (١).
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
٦٠
﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسِ مَّشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة: ٦٠]
الفعل المضارع
٣٣٤
[البقرة: ٧٧]
أَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ أَلِْقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٣١
﴾ [المائدة: ٩٨]
٩٨
اسم الفاعل
٢٠
[الأنعام: ٧٣]
اسم المفعول
١٤
﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ: إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ )
[الحجر: ٢١]
اسم تفضيل
٤٩
﴿قُلْ ءَ أَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اَللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٠]
مصدر
١٠٥
﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا (١٠)﴾ [طه:١١٤]
صيغة مبالغة
وَإِنَّكَ أَنْتَ عَلَّمُ الْغُيُوبِ:
١٠٩ ﴾ [المائدة: ١٠٩]
وجاء العلم في القرآن الكريم بمعناه اللغوي، والذي هو نقيض الجهل (٢).
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ أَتُّعَلِّمُونَ اللَّهَ يِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَتِ وَمَا
فىِ الْأَرْضِّ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [الحجرات: ١٦] يعني: لا يغيب عن علمه شيء في
السموات ولا في الأرض.
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص٢٧٦.
(٢) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١١٠/٤، لسان العرب، ابن منظور ٤١٦/١٢.
www. modoee.com
٢٩١
﴿أَوَ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُبُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ
٧٧
فعل الأمر
﴿عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ وَهُوَ لُلَكِيمُ الْخَبِيرُ
﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: ٢٩]

حرف العين
الألفاظ ذات الصلة
١
المعرفة :
المعرفة لغةً:
العلم، يقال: عرفه بيته، أي: أعلمه بمكانه، وعرفه به، وسمه(١).
المعرفة اصطلاحًا:
إدراك الشيء على ما هو به، وهي بذلك ترادف العلم، وقيل: إنها تخالف العلم من كونها
تستدعي سبق جهلٍ بخلاف العلم (٢).
الصلة بين المعرفة والعلم:
العلم والمعرفة مترادفان في سياق اللفظ والدلالة، إلا أن فعل العلم يتعدى إلى مفعولين،
أما فعل المعرفة فيتعدى إلى مفعولٍ واحدٍ، كذلك فإنه يجوز أن نقول عن الله تعالى بأنه
عالم، ولا يجوز أن نقول عنه عارف؛ إذ إن لفظة عارف - مما يختص بذات الله- لم ترد في
القرآن ولا في السنة.
الفقه:
٢
الفقه لغةً:
((العلم بالشيء، والفهم له، والفطنة، وغلب على علم الدين؛ لشرفه))(٣).
الفقه اصطلاحًا:
هو الإصابة، والوقوف على المعنى الخفي الذي يتعلق به الحكم، وهو علمٌ مستنبطٌ
بالرأي والاجتهاد، ويحتاج فيه إلى النظر والتأمل (٤).
الصلة بين الفقه والعلم:
الفقه أخص من العلم؛ إذ إن العلم دالٌ على كل ما له أثرٌ وعلامةٌ فيدرك على ما هو عليه،
أما الفقه فيختص بما يستنبط بالرأي والاجتهاد، وما يحتاج إلى التأمل والنظر (٥).
(١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٢٣٦/٩.
(٢) انظر: الحدود الأنيقة، السنيكي ص٦٦.
(٣) القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص ١٢٥٠.
(٤) انظر: التعريفات، الجرجاني ص١٦٨.
(٥) انظر: المصدر السابق.
٢٩٢
جوبيه
القرآن الكريمِ

العلم
اليقين:
٣
اليقين لغة:
الاعتقاد الجازم الثابت المطابق للواقع (١).
اليقين اصطلاحًا:
من صفة العلم، فوق المعرفة والدراية وأخواتهما، يقال: علم يقينٍ، ولا يقال: معرفة
يقينٍ، وهو سكون القلب إلى خبر المخبر ووثوقه به مع ثبات الحكم(٢).
وقيل: ((العلم بالشيء بعد أن كان صاحبه شاكًا فيه؛ ولذلك لا يطلق على علمه تعالى))(٣).
الصلة بين اليقين والعلم:
اليقين والعلم مترادفان في الدلالة، غير أنهما يفترقان في سياق اللفظ، فاليقين يقتضي
شكّا مسبقًا تم إزالته، ومن ثم إدراكه على ما هو به، وأما العلم فلا يقتضي سبق شكٍ؛ إذ إنه
يدل فقط على الإحاطة بالأمر على ما هو به.
الجهل:
الجهل لغة:
ضد العلم، وتجاهل: أظهر الجهل وهو ليس بجاهل، واستجهله: عده جاهلًا واستخفه،
والجهالة: أن تفعل فعلًا بغير علم، وجهلت الشيء: إذا لم تعرفه، والجاهل: ضد العاقل،
والجهل: ضد الخبرة، والجاهلية: زمن الفترة، وهي حال العرب قبل الإسلام من الجهل
بالله سبحانه ورسوله وشرائع الدين، وما كانوا عليه من المفاخرة بالأنساب، والكبر والتجبر
وغير ذلك من الأخلاق المذمومة (٤).
الجهل اصطلاحًا:
((أن تعتقد الشيء على خلاف ما هو عليه))(٥).
الصلة بين الجهل والعلم:
العلم والجهل مصطلحان متضادان من حيث المعنى والدلالة.
(١) انظر: التعريفات ص ٢٥٩، الكليات ص ٩٧٩.
(٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٨٩٢، بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي ٣٩٩/٥.
(٣) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ٣٤٧.
(٤) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١٢٩/١١، النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير ٣٢٢/٣.
(٥) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٢٠٩، العين، الفراهيدي ٣٩٠/٣.
www. modoee.com
٢٩٣

حرف العين
العلم بالخلق في القرآن
جاء العلم مقترنًا بالخلق في عدة مواضع
في القرآن الكريم.
٣
الإِنسَنَ
خـ
قال الله تعالى:
عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾ [الرحمن: ٣-٤].
حيث بين سبحانه ما صنعه المليك
المقتدر من النعم لعباده؛ رحمة بهم، وإن
هذه الآيات هي صدر سورة الرحمن التي
هي خطاب لبني آدم أو لمشركي العرب،
وهي تخاطب الثقلين من إنس وجن، فأفاد:
١. أنه علم القرآن وأحكام الشرائع؛ لهداية
الخلق، وإتمام سعادتهم في معاشهم
ومعادهم، ويلاحظ في هذه الآيات
أن الله تعالى أنعم على الإنسان بتعلم
القرآن.
٢. وأنه خلق الإنسان على أحسن تقويم،
وكمله بالعقل والمعرفة.
٣. وأنه علمه النطق وإفهام غيره،
ولا يتم هذا إلا بنفس وعقل؛ لما في
ذلك من إشارة إلى أن الإنسان بعد
أن يهتدي إلى الحق قبل خلقه، ويولد
على تلك الفطرة، فإن أعظم غايةٍ بعدها
هي أن يتواصل مع جميع جنسه من
البشر؛ لدعوتهم إلى ربهم، وتذكيرهم
بهذا الخالق، ومن ثم بيان الأحكام
الشرعية (١).
وقال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ
بِالْحَقِ تَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ٢ خَلَقَ
اَلْإِنسَنَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ))
وَالْأَنْعَمَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَفِعُ
وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴾ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالُ
حِينَ تُرِبِعُونَ وَحِينَ تَتْرَحُونَ (١) وَتَحْمِلُ
أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَلِفِيهِ إِلَّا
بِشِقِّ الْأَنفُسِّ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ
وَاَلْخَيَّلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِّرْكَبُوهَا
وَزِينَةٌ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٣-٨].
فقد بينت الآيات السابقة نعم الله تعالى
في خلق الإنسان، ومراحل ذلك الخلق،
ومن ثم خلق الأنعام وبيان بعض فوائدها،
وتبين هذه الآية الكريمة ثلاثة أصناف من
الدواب وهي: الخيل والبغال والحمير،
حيث خلقت لعلة وهي الركوب؛ ليدفع
الإنسان بواسطتها عن نفسه ضرر الإعياء
والمشقة، وهناك علةٌ أخرى وهي التزين،
الحاصل في نفس الأمر ولكنه غير مقصود
بالذات.
وفي هذه الآية دلالة على أن هذه
الأصناف الثلاثة مخلوقٌ لمصلحة الركوب
في الغالب، ويؤيد هذا إفراد الأنواع الثلاثة
بالذكر، وإخراجها عن الأنعام(٢).
(١) انظر: تفسير المراغي ١٠٥/٢٧، نظم الدرر،
البقاعي ١٤٣/١٩.
(٢) انظر: فتح البيان، صديق حسن خان ٧/ ٢١١.
٢٩٤
جودي
القرآن الكريم

العلى
ثم تأتي الفاصلة القرآنية؛ لتبين أن الله إذا فقد ولاية الله تعالى له.
تعالى يخلق ما لا يحيط على هذا الإنسان
به من المخلوقات التي تصلح لعلة الركوب
غير ما قد عدده (١).
وفي هذه الآية دليلٌ على أن الله تعالى
قادر على أن يخلق كل ما لا يتصور عقل
الإنسان في زمانه أو غير زمانه، مما يصلح
للركوب وغيره، وأنه يتوجب على المخلوق
أن یستیقن أن الله تعالى أكبر وأقدر من
تصور العقل القاصر.
وقال تعالى: ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ أَمْرٍِ مِّنْهُمْ
أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ ﴿ كَلَّ إِنَّا خَلَقْنَهُم مِّمَّا
يَعْلَمُونَ﴾ [المعارج: ٣٨-٣٩].
وقد بينت الآية السابقة الطمع الفارغ
الذي اتصف به أولئك الكفار، حيث طمعوا
في دخولهم جنة النعيم، دون إيمان منهم
بالله تعالى، حيث يقول الله تعالى في هذه
الآية - بأسلوب الردع لهم - إنا خلقناهم مما
يعلمون مراحله التي يعرفونها (٢).
فالكفار - كما كل البشر - خلقوا من نطفة
مذرة؛ فمن أین یتشرفون ويدعون التقدم؟!
ويقولون لندخلن الجنة قبل المؤمنين، وفي
هذه الآية دلالةٌ على أن الإنسان يجب أن
یعرف قدر نفسه، فلا یفتري على الله الكذب
وهو يعلم حقيقة خلقه؛ إذ إنه لا يساوي شيئا
(١) انظر: فتح القدير، الشوكاني ١٧٩/٣.
(٢) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٩/ ٣٤.
وقال تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضَ بِقَدِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمَّ بَلَى وَهُوَ
اْخَلَّقُ اَلْعَلِيمُ﴾ [يس: ٨١].
فقد بينت الآيات السابقة عظيم قدرة الله
تعالى في إحياء العظام وهي رميم، فكما
أنشأها أول مرة فإنه یحییها مرة أخرى، فهو
القادر على كل شيءٍ، وبين دليلًا محسوسًا،
وهو أنه يجعل من الشجر الأخضر نارًا
یوقد الناس منه، وتبين هذه الآية بأسلوب
الاستفهام الذي يفيد التقرير فيقول الله
تعالى: أوليس الذي خلق هذا الكون الكبير
العجيب من سماوات وأرضين مما هو
أعظم من خلق الإنسان وإعادته، بقادرٍ على
أن يخلق مثل البشر بإحياء عظامهم، ومن
ثم دب الروح فيهم؟ وتأتي الإجابة؛ لتقرير
حقيقة.
وذلك بما جاء في قوله تعالى: ﴿بَلَ﴾
وهو كثير الخلق كثير العلم بما يصلح
للخلق، ثم تأتي الآية التي بعدها كنتيجة لما
سلف، من تقرير واسع قدرته، وإثبات عظيم
سلطانه، بقوله: إنما أمر الله سبحانه إذا أراد
خلق شيء أن يقول له: کن فیکون، وتختم
السورة بتنزيه الله تعالى الذي بيده مقالید کل
شيء، وإليه المرجع والمصير(٣).
وقال تعالى: ﴿سُبْحَنَ الَّذِى خَلَقَ الْأَزْوَجَ
(٣) انظر: تيسير التفسير، القطان ١٤٥/٣.
www. modoee.com
٢٩٥

حرفالعین
كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا
لَا يَعْلَمُونَ﴾[يس: ٣٦].
فقد بينت الآيات السابقة أن الله تعالى من
آياته إحياء الأرض بإمطارها، ومن ثم إخراج
الثمرات منها، وتفجير العیون بالماء؛ لیأکل
الناس من ثمرات النخيل والأعناب، وما
تنتجه البساتين من فاكهة، وثمار، وما عملته
أيديهم، كل هذا لأجل الشكر لله تعالى
وحده، وتأتي هذه الآية؛ لتنزه الله تعالى
الذي خلق الأصناف والأنواع -باختلاف
الألوان والطعوم والأحجام- والذي خلق
أزواجًا من البشر ذكورًا وإناثًا، طوالًا
وقصارًا، سمانًا وعجافًا، سودًا وبيضًا، حمرًا
وصفرًا، والذي خلق مما لا يعلمه البشر من
مخلوقاته جل شأنه في البر والبحر والأرض
والسماء وغير ذلك(١).
وفي هذه الآية دلالة على أن خلق الله
تعالی غیر محصورٍ في أي عقل من العقول،
ولا تصور من التصورات؛ إذ إن البشر مهما
وصلوا من علم فإنهم لن يتعرفوا على أقل
القلیل من علم الله تعالی وخلقه.
العلم صفة الله تعالى
إن الله تعالى وصف نفسه في كتابه
العزيز بأكثر من صفة دالة على علمه، منها:
(«عالم، والعليم، والعلام، وأعلم، وعلمناه،
ويعلم، وغير ذلك))، كما أن علم الله تعالى
لا یشابهه علم، ولا يتخيله عقل؛ إذ إنه مطلق
محيط، ينفرد بكنهه رب العزة والجبروت،
ومن ثم فإن المتدبر بآيات القرآن الكريم
التي بينت علم الله تعالى المطلق ينبغي أن
یسلم أمره إلى ربه، لا سيما بعد إذعانه بما
لا طاقة له پإدراکه، مما هو مسندٌ إلی ربه من
صفات العلم، وغير ذلك.
وسیمثل هذا المبحث توضیحًا لكل ما
سبق من خلال النقاط الآتية:
أولًا: إسناد العلم إلى الله تعالى:
وردت آیات عديدة تبين كثيرًا من صفاته
جل شأنه مما اختصت بالعلم، ومن هذه
الآيات:
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِىَّ أَقَرِيبٌ مَّا
تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّ أَمَدَّالْ عَلِمُ
اُلْغَيْبِ فَلَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ: أَحَدًا﴾ [الجن:
٢٥ - ٢٦].
وقد بينت الآية السابقة أن الله تعالى أمر
نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يقول
للمشركين -المطالبين بالعذاب استخفافًا
وعنادًا- ما أدري أقریبٌ ما وعدكم ربكم
(١) انظر: أوضح التفاسير، محمد الخطيب
ص٥٣٨.
٢٩٦
القرآن الكريم

العلمى
به من العذاب أم یجعل له ربي غایةً وأجلّا
بعيدا یعلمه هو ولا يعلمه غيره، وتأتي هذه
الآية؛ لتقرر حقيقةً ألا وهي أن الله تعالى
عالم الغيب وحده، ولا يطلع على غيبه
أحدًا من عباده إلا من رضي ربنا سبحانه
وتعالى من رسول أن يبلغ عنه، فإنه يطلعه
مع الاحتياط الكافي؛ حتى لا يتسرب الخبر
الغيبي إلی الناس(١).
وفي هذه الآية دلالةٌ على أن الله تعالى
من أخص خصوصياته علم الغيب؛ إذ إن
ذلك العلم لا یمکن أن يصل إليه مخلوق من
المخلوقات مهما علت رتبته عند الله تعالى،
إلا إذا ارتضى من رسول فإن من خلفه رصدًا
من الملائكة، ثم يطلعه ضمن الوحي الذي
یوحی إلیه.
وهذا خلاف لما يمكن أن يقال من بعض
الصوفية: إن بعض الصالحين ممن يدعي أنه
له مدد الولاية من الرسول صلى الله عليه
وسلم يعطيه الله تعالى الكرامة لأن يطلع
علی الغيب، ولا شك أن هذا باطل؛ إذ إن
ظاهر الآية لا يحتمل ما ذهب إليه أصحاب
هذا القول، ولا بوجهٍ من وجوه هذا المعنى،
والله أعلم.
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَتِكَةِ
إِنِّي جَاعِلٌ فِ الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ قَالُواْ أَتَجْعَلُ
فِيَهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ وَنَحْنُ
(١) انظر: أيسر التفاسير، الجزائري ٤٥٤/٥.
نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَّ قَالَ إِنَّ أَعْلَمُ
مَا لَا تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَ ءَادَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا
ثُمَّ عَضَهُمْ عَلَى الْمَلَئِكَةِ فَقَالَ أَنَِّشُونِ بِأَسْمَاءِ
هَؤُلَاءٍ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴿ قَالُواْ سُبْحَتَكَ لَا
عِلْمَ لَنَّا إِلَّ مَا عَلَّمْتَنَاْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾
[البقرة: ٣٠-٣٢].
حیث إن هذه الآيات تأتي في سياق بيان
قدرة الله تعالى المطلقة، فيقول الله عز وجل
فيها: ﴿إِنِ جَاعِلٌ فِ الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، فقالت
الملائكة: يا ربنا أتجعل في هذه الأرض
من يرتكب الفساد بأنواعه، ويقتل بسفك
الدماء، والحال أننا نصلي لك، ونبرئك من
السوء، ونعظمك ونعمل لك كل خير أردتنا
له، ونطهر أنفسنا لك، وعندها جاءت الآية
القرآنية؛ لترد على قول الملائكة بأن الله
تعالى قطع كلامهم، بأنه علم أنه سينشأ من
ذلك الخليفة أنبياء ورسل، وقوم صالحون،
وأنه لا يقدر إلا الخير، وهو الذي لربما
یغفل عنه المخلوقات، ولربما الملائكة فهو
الأعلم بخلقه مما لا تعلمه الملائكة.
ثم يعلمهم الله سبحانه تعالى درسًا
عمليًا في الإذعان له جل جلاله ولأمره،
فعلم هذا الخليفة الذي هو آدم عليه السلام
أسماء الخلق كلهم دون أن تعلم الملائكة،
ثم حشر الله تعالى الدواب كلها، والسباع
والطير وما ذرأ في الأرض.
ثم قال للملائكة: ﴿فَقَالَ أَنُونِى بِأَسْمَآءِ
www. modoee.com
٢٩٧

حرفالعین
هَؤُلاءِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴿ قَالُواْ سُبْحَنَكَ
لَا عِلْمَ لَنَّا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَّا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ
الْحَكِيمُ﴾(١).
وفي هذه الآية دلالة على أن الإنسان
المسلم ينبغي أن يترجم إسلامه باستسلامه
لربه تعالى ولعلمه المطلق، فكلما ازداد
العبد ایمانًا وتقویّ وطاعةً كلما ازداد إِذعانًا
وتسليمًا، فمهما علم فإنه ما أوتي من العلم
إلا القليل، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَمَّا
أُوْ تِيْتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [الإسراء: ٨٥].
وقال تعالى: ﴿وَعَلَّتْنَهُ صَنْعَةَ لَبُوُسِ
لَّكُمْ لِنُحْصِنَكُم مِّنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ
شَكِّرُونَ ﴿ وَلِسُلَيْمَنَ الرّيحَ عَاصِفَةُ تَّجْرِى بِأَمْرِ
إِلَى الْأَرْضِ اٌلَّتِ بَرَكْنَا فِيَهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَىْءٍ
عَلِمِينَ ﴾[الأنبياء: ٨٠-٨١].
إن هذه الآية تأتي في سياق ذكر قصة
النبي داود عليه السلام فتذكر أن الله تعالى
علم ذلك النبي صناعة دروع الحديد؛ لتحفظ
أنفسهم في المعارك عند قتال عدوهم، ثم
تأتي الفاصلة القرآنية؛ لتسأل سؤالًا غرضه
الأمر، فيقول تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شَكِرُونَ﴾
أي: اشکروا رب هذه النعم ووحدوه، وتأتي
الآية الثانية؛ لتبين أن الله تعالى أعطى لنبيه
سليمان عليه السلام نعمة تسخير الريح،
حيث كانت تشتد إذا أراد، وتلين إذا أراد،
(١) انظر: تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين
٢٣٢/١.
فتسير بأمر الله تعالى إلى الأرض التي بارك
فيها بالماء والشجر والقدسية، وتأتي فاصلة
الآية؛ لتبين أن الله تعالى كان بكل شيء من
أمر سليمان عليه السلام وغيره عالمًا (٢).
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اَللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ
مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُواْ لَا عِلْمَ لَنَّا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّهُ
اٌلْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١٠٩].
فقد بينت الآيات الكريمة أن الله تعالى
يجمع الرسل يوم القيامة على صعيدٍ واحدٍ،
فيسألهم ماذا أجبتم من قبل الناس الذين
أرسلتم إليهم، فتكون إجابتهم بکل أدبٍ
ونسبٍ للعلم لله تعالى وحده: لا علم لنا إلا
علمٌ أنت أعلم به منا (٣).
وفي هذه الآية دليلٌ على أن الله تعالى
سیسأل الجمیع رسلا کانوا أو مرسلا إليهم،
قال تعالى: ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ
وَلَنَسْتَكَنَّ الْمُرْسَلِينَ ، فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ
وَمَا كُنَّا غَيِينَ﴾ [الأعراف: ٦، ٧].
ثانيًا: علم الله المطلق المحيط:
وقد برز ذلك واضحًا في آياتٍ، منها:
قال تعالى: ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَلَتِ
رَبِهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَىْءٍ عَدَدًا﴾
[الجن: ٢٨].
وقد بينت الآيات السابقة أنه تعالى
(٢) انظر: تفسير السمر قندي ٢/ ٤٣٥.
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم
٠١٢٣٦،١٢٣٥/٤
٢٩٨
جوسين
القرآن الكريم

العلم
لا يظهر على غيبه أحدًا، وأنه يختص من وَأَنْتُمْ عَلَكِفُونَ فِى الْمَسَجِدُ تِلْكَ حُدُودُ اَللَّهِ
فَلَا تَقْرَبُوهَأُ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ ءَايَتِهِ لِلنَّاسِ
لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٧].
ارتضى من الرسل، فيعطيهم من الغيبيات
ما يكفيهم لهداية الناس، وإبلاغ شرع الله
تعالى، وتأتي هذه الآية؛ لتبين علة إعطاء
الرسل هذه المساحة من علم الغيب، وهي
إبلاغ رسالات ربهم، فإذا بلغوا علم الله
تعالى ذلك، وإن الله تعالى قد أحاط بما
لدى هؤلاء الرسل من علم ما عندهم، وعلم
عدد كل شيء فلم يخف عليه شيء (١).
وقال تعالى: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِ السَّمَوَّتِ
وَاْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلََّ اللَّهُ وَمَا يَنْعُ ونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾
[النمل: ٦٥].
أي: قل يا محمد لمن سألك عن الساعة
متی هي: لا یعلم غيبها إلا الله تعالی.
وقد أثر عن أم المؤمنين عائشة رضي الله الآية ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى
عنها أنها قالت: «من زعم أنه یخبر بما یکون
في غدٍ فقد أعظم على الله الفرية، والله
يقول: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ﴾ الآية))(٢).
وقال تعالى: ﴿أُِّلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ
الَّفَثُ إِلَى نِسَآَيِكُمْ مُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنّ
عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ
فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالْتَنَ بَشِرُوهُنَّ
وَأَبْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمَّ وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ حَقَّ
يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَنْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ
الْفَجْرِّ ثُمَّأَيِّقُواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِّ وَلَا تُبَشِرُوهُنَّ
(١) انظر: الوجيز، الواحدي ص ١١٤٣.
(٢) الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب
٨/ ٠٥٤٥٧
عن البراء رضي الله عنه قال: كان
أصحاب محمد صلی الله علیه وسلم إذا
كان الرجل صائمًا، فحضر الإفطار فنام قبل
أن یطعم لم یأکل ليلته ولا یومه حتى يمسي،
وإن قيس بن صرمة الأنصاري کان صائمًا،
فلما حضر الإفطار أتى امرأته، فقال: هل
عندك طعام؟ قالت: لا، ولكن أنطلق فأطلب
لك، وکان یومه یعمل، فغلبته عيناه، وجاءته
امرأته، فلما رأته قالت: خيبةٌ لك، فأصبح
صائمًا، فلما انتصف النهار غشى عليه، فذكر
ذلك للنبي صلی الله عليه وسلم فنزلت هذه
نِسَآَيِكُمْ﴾ ففرحوا بها فرحًا شديدًا(٣).
وأما قوله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ
كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ ﴾ فإن ذلك يبين
أن الله تعالى يعلم السر وما هو أخفى منه،
وما يجول في النفس، وما يجتهد الإنسان أن
يفعله بسبب أو بآخر فإن الله تعالی یعلمه،
وقد كان من الصحابة رضي الله عنهم من
يختان نفسه بجماع امراته في اللیل، أو في
المطعم والمشرب في الوقت الذي كان
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصوم،
باب قول الله جل ذكره: (أحل لكم ليلة
الصيام)، ٢٨/٣، رقم ١٩١٥، أسباب
النزول، الواحدي ص ٥٤.
www. modoee.com
٢٩٩

حرف العين
حرامًا ذلك علیهم(١).
ثالثًا: المجالات التي ينفرد بها العلم
الإلهي:
لقد بين القرآن الكريم كثيرًا من
المجالات التي ينفرد بها العلم الإلهي،
ولعل أوضح هذه الآيات قوله تعالى: ﴿إِنَّ
اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُغَزِّكُ الْغَيْثَ وَيَعْلَؤُ
مَا فِى الْأَرْحَاءِ وَمَا تَدْرِى نَفْسُ مَّاذَا تَكْسِبُ
غَدًاٌ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَبِ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمُ
خَبِيرٌ ﴾ [لقمان: ٣٤].
فإن هذه الغيبيات الخمسة اختص الله
تعالى بعلمها، فلا يعلم أحدٌ غير الله تعالى
عن علم الساعة ومتى تقوم، وليس أدل على
ذلك من قوله تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيََّنَ
مُنْ سَهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا ◌ِنْدَ رَبِّ لَا يُحَلِّهَا لِوَقِهَا إِلَّا
هُوَّ ثَقُلَتْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْنَةُ
يَسْتَلُونَكَ كَنَّكَ حَفِىُّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ
وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧].
فقيام الساعة مختصّ بعلمه، وموقوف
على إرادته (٢).
ثم تبين هذه الآية اختصاصه جل جلاله
بعلم نزول الغيث وتقديره؛ إذ إن الله سبحانه
له طلاقة القدرة التي لا تخضع لقوانين
الكون، بل يخضعها الله تعالى لتقديره
وأمره، فقد تكون كل الظروف مهيأة لنزول
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٩٤/٣.
(٢) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٣٤٩/٤.
الغيث، ولا يقدر الله تعالى ذلك، فلم تلبث
أن تكون السماء صافية، وقد يحدث عكس
ذلك، وعلى هذا فإن المؤمن یجب أن یوقن
من قلبه ويعترف بلسانه ويعمل بجوارحه
بمقتضى التسلیم لعلم الله تعالی وتقديره.
وتبين الآية الكريمة الغيبية الثالثة، والتي
اختصها الله تعالی بعلمه، وهي علمه بما في
الأرحام، وهذا لا يعني أن يعلم الله تعالى
كون ما في الأرحام ذكرًا أو أنثى فحسب؛ إذ
إن علم الأرحام أعم من ذلك، فلا يعلم أحدٌ
من الخلق هل الجنين شقيٍّ أو سعيد؟ وما
هو عمله؟ ومتى رزقه؟ ومتى أجله؟ وهل
سيولد حيًا أو ميتًا؟ حتى معرفة الجنين فقد
يقدر الله تعالى خلاف ما يتوقعه أهل العلم،
من خلال الأجهزة المتطورة، وما شابه.
ويبين الله تعالى الغيبية الرابعة التي لربما
لا ينتبه لها بعض الناس، وهي علم كسب
الرزق، وكيف سيكون؟ فالله تعالى قد أقسم
في القرآن الکریم أعظم قسم في حق الرزق،
فقال تعالى: ﴿وَفِ السَّمَلِ رِزْقُكُمْوَمَا تُوعَدُونَ )
فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌ مِثْلَ مَآ أَنَّكُمْ
تَنطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢ -٢٣].
وعلى هذا فإن المسلم يجب أن يستيقن
من قضية رزقه، وأنه آتٍ لا محالة -وفق ما
يقدره الله- غير أن الكمية ومدی کفایتها،
ومن أين ستكون؟ وهل ستجعله شقيًا أم
سعيدًا؟ وهل سيكون في ذلك حرجٌ أم
٣٠٠
جَوَسُولَةُ النَّفِيَة
القرآن الكريمِ

العلى
لا؟ وغير ذلك من علم الرزق إنما هو من القاسم ما تقول في الروح؟ فسكت، ثم قام
اختصاص الذات الإلهية.
ثم تبين الآية الغيبية الخامسة وهو علم
موعد موت الإنسان، وبأي أرض سيموت؟
وهل سيموت على الطاعة أم المعصية؟
وهل سيخلف بعده عملاً صالحًا أم سيئًا؟
وهل سيترك لأولاده ما يتقوون به أم لا؟
وغير ذلك من القضايا المتعلقة بالموت،
فإنها كلها من اختصاص علم الله تعالى
وتقديره.
ثم تأتي الفاصلة القرآنية ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ
خَبِيرٌ ﴾ لتقرر أن الله تعالى متصفٌ بالعلم
الذي لا يحده وصفٌ، وبالخبرة التي لا
يحدها قدرٌ(١).
وقد وردت آیة کريمة ذات صلة بموضوع
اختصاص الذات الإلهية بعلم ما في النفس،
وهي قوله تعالى: ﴿ وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الرُّوحّ
قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِ وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا
قَلِيلًا ﴾[الإسراء: ٨٥].
عن عبد الله رضي الله عنه، قال: (إني
لمع رسول الله صلی الله عليه وسلم في
حرثٍ بالمدينة، وهو متكئٌّ على عسيبٍ،
فمر بنا ناسٌ من اليهود، فقالوا: سلوه عن
الروح، فقال بعضهم: لا تسألوه فيستقبلكم
بما تكرهون، فأتاه نفرٌ منهم فقالوا له: يا أبا
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٥٩/٢٠، تفسير
القرآن العزيز، ابن أبي زمنين ٣٧٩/٣.
فأمسك بيده على جبهته، فعرفت أنه ينزل
عليه. فأنزل الله عليه: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ
الرُّوحِّ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِ وَمَا أُوتِيتُمِمِنَ الْعِلْمِ
إِلَّا قَلِيلًا﴾(٢).
والمعنى: ويسألك يا محمد صلى الله
علیه وسلم قومك -بإیعازٍ من اليهود- عن
حقيقة الروح، قل لهم: الروح من علم ربي،
الذي استأثر به، وما أوتيتم من العلم إلا شيئًا
قليلاً في جانب علم الله تعالى(٣).
رابعًا: الآثار المترتبة على علم الله
المطلق:
يترتب على علم الله تعالى المطلق آثارٌ،
منها:
٤. معرفة حسن تقدير الله تعالى لما
ينفع العباد.
وقد برز ذلك واضحًا في قوله تعالى:
﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُّكْمُ الَّذِينَ
لَا يَعْقِلُونَ ﴿ وَلَوْ عَلِمَ اَللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًّا لَّأَسْمَعَهُمَّ
وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم ◌ُعْرِضُونَ﴾
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم،
باب قول الله تعالى: (وما أوتيتم من العلم
إلا قليلا)، ٣٧/١، رقم ١٢٥، ومسلم في
صحيحه، كتاب صفة القيامة والجنة والنار،
باب سؤال اليهود النبي صلى الله عليه وسلم
عن الروح ٤/ ٢١٥٢، رقم ٢٧٩٤.
وانظر: أسباب النزول، الواحدي ص٢٩٩.
(٣) انظر: المنتخب في تفسير القرآن الكريم، لجنة
من علماء الأزهر ص ٤٢٢.
www. modoee.com
٣٠١

حرف العين
[الأنفال: ٢٢ - ٢٣].
حیث تبین هذه الآية الكريمة أن شر الناس
عند الله تعالى من يصم أذنيه عن الهدى،
ویخرس لسانه التكلم بخير، ویکون ليس
متعقلًا للإيمان وحقيقته، وقد وردت تلك
الآية في بني عبد الدار، وغيرهم من الكفار،
الذين لم يسلموا بعد، ثم تأتي الآتية؛ لتبين
أنه جل جلاله لو علم فيهم صدقًا لأعطاهم
الإیمان وأكرمهم به، ولو أکرمهم بالإسلام
لأعرضوا عن الإيمان، بما سبق في علم الله
تعالی فیھم(١).
وفي هذه الآية دليلٌ على أن الدعوة
تقتضي الإعراض والانشغال عمن طبع
الله تعالی علی قلبه؛ فلا يصغي ولا يتكلم
بالحق، فهو لا يسمع آيات الله تعالى سماع
تفهم وتبصر، وإن سمعها فإنه يبحث في
سماعه هذا عن ثغرةٍ ينال من خلالها من
الإسلام.
٥. الحذر من عقاب الله تعالى.
وقد برز ذلك واضحًا في قوله تعالى:
﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ، مِنْ خِطْبَةِ
اُلْنِسَآِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنْفُسِكُمّْ عَلِمَ اَللَّهُ أَنَّكُمْ
سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّ
أَن تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًاً وَلَا تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ
اَلنَّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ اُلْكِتَبُ أَجَلَهُ، وَأَعْلَمُواْ أَنَّ
(١) انظر: تفسير السمر قندي ٢/ ١٤، تفسير القرآن
العظيم، ابن أبي حاتم ١٦٧٧/٥.
اُللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِيَ أَنفُسِكُمْ فَأَحْذَرُوهُ وَأَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ
غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٣٥].
فبعد أن بين الله تعالى في رأس هذه
الآية رفع الحرج عن التعريض بخطبة النساء
اللاتي في عدة وفاة أزواجهن دون تصريحٍ
لهن، وذلك بالنهي عن المواعدة سرّاً،
وتحريم عقدة النكاح قبل انقضاء العدة،
ثم عقب ذلك بما جاء في قوله تعالى:
((واعلموا)» علمًا يزول الشك من خلاله أن
الله تعالى يعلم ما في أنفسكم فاحذروا أن
تتعدوا ما حد لكم؛ فإنه مطلع على ما تسرون
وما تعلنون، ثم بينت فاصلة الآية الكريمة أنه
لولا مغفرته وحلمه لعنتم غاية العنت؛ فإنه
سبحانه مطلعٌ علیکم، يعلم ما في قلوبكم،
ويعلم ما تعملون(٢).
وفي هذه الآية دليل أن الإنسان المؤمن
يجب أن يستشعر علم الله تعالى المطلق؛
فيحذر من عقابه وغضبه، فلا يكتم في نفسه
إلا كل خير، وفق شرع الله تعالی فضلًا عن
القول والعمل.
٦. الاعتقاد الجازم أن الشدائد المقدرة
من الله تعالى خيرٌ للمسلمين.
وقد ورد ذلك في قوله تعالى: ﴿ كُتِبَ
عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَكُزَهُ لَّكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُواْ
شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّواْ شَيْئًا
وَهُوَ شَرٌّلَّكُمُّ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
(٢) انظر: التفسير القيم، ابن القيم ص ١٥٠.
مَؤُوالَرُ الْتَفْسِيْ
الْقُرآن الكَرِيمِ
٣٠٢

العلمى
[البقرة: ٢١٦].
حيث يبين الله تعالى في هذه الآية فرضية
الجهاد، فيأمر - بأسلوب الإلزام الذي يلحق
تاركه إثم - المؤمنين أن يقاتلوا أعداء الله
تعالى من الكفار، والحال أن هذا الفرض
مكروه في الطباع النفسية، لكن عسى أن
يكرهوا ما في الجهاد من مشقة، وهو خيرٌ
كله، فالمؤمنون بالتزامهم الجهاد يغلبون
ويغنمون ويؤجرون، ومن مات فهو شهيد،
وعسى أن يحبوا الدعة وترك القتال وهو
شر کله، في کون المؤمنین یغلبون ويذلون
ويذهب أمرهم(١).
وتأتي الفاصلة القرآنية؛ لتبين أن العاقل
هو من يستسلم لعلم الله تعالى وتقديره؛ إذ
إن علم الإنسان قاصرٌ مهما بلغ من تطور،
وفي الآية دليلٌ على أن المسلم ينبغي أن
يستشعر بالعجز والتسليم لعلمه تعالى من
جهة، وأن يلتزم أمره جل جلاله مهما ظهرت
في قشوره الهلكة؛ لأن باطن ذلك الرحمة
والخير، ثم إن من رضي بعلم الله تعالى
وبما قسمه له فهو من الراضين بقضاء الله
تعالى، الذين يستحقون أن يبلغوا المنازل
العليا في الجنة.
٧. تحصين المجتمع المسلم من
الفاحشة.
وقد ورد ذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَحِشَةُ فِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
لَّمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَؤُّ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ
لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: ١٩].
وهذه الآية عامة لکل من يحب أن تذيع
وتشتهر الفاحشة والرذيلة في الذين آمنوا
وإن کان ظاهر الآية يتحدث عن أم المؤمنين
عائشة وصفوان وآل أبي بكر رضي الله
عنهم أجمعين، حينما قال بعض الناس من
المؤمنین لبعضهم: أما بلغك كذا وكذا من
خبر عائشة، فإن هذه الآية تبين أن هذا له
عذاب حد القذف في الدنيا، وعذابٌ في
الآخرة وهو النار، وهذا خاصِّ بمن أحب
إشاعة الفاحشة، ثم تأتي الفاصلة القرآنية؛
لتبين أن الله تعالى يعلم براءة عائشة رضي
الله عنها، وأنه خلقها طاهرة طيبة؛ حتى إن
لم يعلم الجميع فإن الله تعالى وحده هو
الذي يعلم(٢).
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٣٨/٣ - ٣٩.
(٢) انظر: تفسير القرآن، السمعاني ٥١٢/٣.
www. modoee.com
٣٠٣

حرف العين
العلم وصف للمخلوقات
إن الله تعالى قد وصف المخلوقات
من الملائكة والرسل والمؤمنين والجن
والشياطين بأنهم يعلمون؛ فمنهم يَعْلَمُ ويُعَلِّمُ
سواء أكان هذا العلم خيرًا كما عند الملائكة
والنبيين والمؤمنين، أو كان هذا العلم شرًا
كعلم الشياطين، أو كان متوقفًا على ضابطٍ
يحله أو يحرمه، كعلم الجن، ثم جاء في
وصف المخلوقات من الحيوانات والطيور
أنهم يسبحون ولا يعلم أحدٌ تسبيحهم إلا
الله تعالى.
وسيتم الحديث عنها من خلال النقاط
الآتية:
أولًا: الملائكة:
وقد برز ذلك واضحًا في آیات، منها:
قال تعالى: ﴿قَالُواْ سُبْحَنَكَ لَا عِلْمَ لَنَآَ
إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَاْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة:
٣٢].
فإن هذه الآية الكريمة تبين عظيم تأدب
الملائکة مع ربهم جل شأنه؛ حیث ینزهون
الله تعالى عن أن يعلم الغيب أحدٌ سواه،
وهذا جوابٌ عن قوله: ﴿أَنَُّّونِ﴾ في الآية
السابقة، فقد أجابوا بأنهم لا يعلمون إلا بما
أعلمهم به، ولا يتعاطون بما لا علم لهم به
كما يفعله بعض الجهال(١).
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
جوية
القرآن الكَرِيمِ
وفي الآية دليلٌ على أنه يتوجب على
من يسأل عن علمٍ لا يعلمه أن يقول: الله
أعلم ولا أدري، اقتداءً بالملائكة(٢)، كما
أنه يستفاد بأن الملائكة لما علمت عجزها
عن الإنباء بأسماء الخلق كلهم من دواب،
وطيور وغيرهم، عندها بدأت الملائكة
جوابها لله تعالى بتنزیھه عن کل نقص، فهو
الذي لا يعجزه شيء، ومن ثم فإن أي علم
أو قدرة أو تقدیرٍ وصلت الملائکة إلیه، إنما
هو مما علمهم الله تعالی وقدرهم له، ومما
أعطاهم الله تعالى به من وجوه الاستطاعة.
وقال تعالى: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامُ مَّعْلُومٌ}
[الصافات: ١٦٤].
وفي هذه الآية إخبارٌ عن الملائكة، بأنه
ما منهم ملكٌ إلا له مكانٌ في السماوات
مخصوص، یعبد الله تعالی فیه، وعلى هذا
فإن المعلوم هنا يعني المخصوص؛ حيث
يضاف إلى استعمالات العلم في القرآن
الكريم هذا المعنى(٣).
وفي الآية دليلٌ على أن الملائكة لهم
تخصصات في العمل، ومقامات في
المرتبة، وهم جنود الله تعالى العظماء
الذين هم أكثر الخلق -فيما نعلم - عبادةً
لله تعالى، والتزامًا بأوامره، وانضباطًا بما
یوضعون به من مكان، أو مهام.
١/ ٢٨٥.
(٢) انظر: المصدر السابق.
(٣) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٥٥٥/٣.
٣٠٤

العلم
١٠
وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَتْفِظِينَ وَ
كِرَامًا كَئِينَ ﴿ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾[الانفطار:
١٢].
وفي هذه الآية تعجب من حال المكذبين
بیوم الدین، فکیف یکذبون بيوم الدين،
وهو يوم الحساب والجزاء؟! وملائكة الله
تعالی موکلون بکم، یکتبون أعمالکم حتی
تحاسبوا عليها يوم القيامة (١).
وفي هذه الآيات دلالةٌ على وجوب
الاستشعار بجنود الله تعالی مما يحمل ذلك
المسلم على مزيد من الخوف من الله تعالى،
فإذا كان على يقينٍ بأنه ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا
لَدَيّهِ رَقِيبٌ عَنِيدٌ﴾ [ق: ١٨]، فعندها يتقرب إلى
الله تعالى، ويرتدع عن فعل المنكرات فضلًا
عن القول بها، فلا يتفاجأ ذلك المسلم الذي
يراقب الله تعالی في كل حركة من حركاته،
وفي كل سكنة من سكناته حينما ينصب
الميزان، ويوضع الكتاب، فيقول أولئك
الموحدون الذين استحقوا دخول الجنة
برحمةٍ من الله تعالى حال ندائهم لأصحاب
النار: ﴿قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبَّنَا حَقَّا فَهَلْ وَجَدْتُم مَّا
وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُواْنَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَّمْنَةُ
اللَّهِ عَلَى النَّْلِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٤].
أما المجرمون فإن المفاجأة تتملكهم
حين ينصب الميزان، ويوضع الكتاب؛ إذ
إنهم كانوا لا يستشعرون جنود الله تعالى
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٧٧/٣١.
الملائكة الحافظين، وعندها يقول هؤلاء
المجرمون: ﴿يَوَيْلَنَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَبِ لَا
يُغَادِرُ صَغِيرَةٌ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَنَهَاً وَوَجَدُواْ
مَا عَمِلُواْ حَاضِرًاً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴾ [الكهف:
٤٩].
ولا شك أن هذا الكتاب قد أحصى كل
شيء بتقدير الله تعالى وعلمه؛ إذ إن الله
تعالى سخر جنودًا لذلك، هم الملائكة
الذين هم موكلون بذلك.
ثانيًا: الرسل:
وقد ورد في القرآن الكريم نماذج من
الأنبياء والمرسلين الذين آتاهم الله تعالى
علمًا یکفیھم لتبليغ رسالة الله تعالى، ومن
هؤلاء الأنبياء الذين ورد ذكرهم ما يأتي:
٨. أبو البشر آدم صلی الله عليه وسلم.
ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ الْأَسْمَآءَ
كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَئِكَةِ فَقَالَ أَنْيُونِ
بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءٍ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴾ [البقرة:
٣١].
حيث تفصل هذه الآية الكريمة ما أجمله
قوله تعالى: ﴿إِنِّيَّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾
[البقرة: ٣٠].
في الآية السابقة حين أجاب الملائكة
عن حكمة خلق آدم؛ فتبين هذه الآية أن
الله تعالى علمه الأسماء كلها مما فيه معرفة
للخلق من حيوان ودواب وكافة المخلوقات
www. modoee.com
٣٠٥

حرف العین
على الأرض، ثم عرضهم على الملائكة؛ [الأنبياء: ٧٤].
لیظهر بذلك کمال فضل آدم عليه السلام،
وقصور الملائكة عنه في العلم الذي أعطاه
الله لهم، فيتأكد ذلك الجواب الإجمالي في
الآية السابقة بهذا الجواب التفصيلي في هذه
الآية(١).
٩. أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام.
ومنه قوله تعالى: ﴿يابتِإِنِّ قَدْ جَآءَنِی
مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَتَِّعْنِىّ أَهْدِكَ صِرَطًاً
سَوِيًّا﴾ [ مريم: ٤٣].
أي: إني قد آتاني الله تعالى من العلم
-أي: من الیقین والمعرفة بالله وما یکون بعد
الموت- ما لم يؤتك به فاقبل مني نصيحتي؛
حتى تبصر هدي الطريق المستوي، الذي
لا تضل فیه إن لزمت، وهو الدين الذي لا
اعوجاج فيه(٢).
وفي هذه الآية دليلٌ على أن الداعية إذا
كان عالما في مسائل الدين ينبغي أن ينبه
الناس بهذه المسائل، ويحذرهم من مغبة
الحيد عنها، واتباع الشيطان.
١٠. لوط عليه السلام.
ومنه قوله تعالى: ﴿وَلُوطًا ءَانَيْنَهُ حُكْمًا
وَعِلْمًا وَنَجَيْنَهُ مِنَ الْقَرْبَةِ الَّتِى كَانَتْ تَعْمَلُ
الَِّْتَُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْمٍ فَسِقِينَ﴾
(١) انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل
٥١١/١- ٥١٢.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٨/ ٢٠٣، ٢٠٤،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١١/ ١١١.
حيث تأتي هذه الآية الكريمة في سياق
الحديث عن الأنبياء عليهم السلام؛ فبينت
أن الله تعالى آتى نبيه لوطًا عليه السلام
القول الفصل والسداد في الحكم، والعلم
النافع، ونجاه من القرية التي أهلها يعملون
الأعمال الشاذة الخبيثة، وجاءت فاصلة
الآية؛ لتبين أن قوم لوط عليه السلام كانوا
أهل سوء وخروج عن حد الإنسانية؛ فهم
بهيميون في إتيانهم الذكران، وهي فاحشةٌ ما
سبقهم بها أحدٌ من العالمين(٣).
١١. يوسف عليه السلام.
ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ{ ءَاتَّيْنَهُ
شَكْمًا وَعِلْمَّا وَكَذَلِكَ نَجْرِى الْمُحْسِنِينَ﴾[يوسف:
٢٢].
حيث إن النبي يوسف صلى الله عليه
وسلم لما بلغ منتهى قوته وشبابه أعطاه الله
تعالی فهمًا في الحکم وعلمًا نافعًا، وإن مثل
هذا الجزاء الذي جوزي به النبي يوسف
عليه السلام إنما هو لإحسانه، وفي هذا
تسلیةٌ للنبي محمد صلی الله عليه وسلم؛
فالله تعالى معه، يؤيده وینصره، ویعطیه من
مدعمات انتشار الدعوة، والحفاظ عليها، ما
یکفیه للاستمرار في ذلك(٤).
(٣) انظر: المنتخب في تفسير القرآن الكريم، لجنة
من علماء الأزهر ص٤٨١.
(٤) انظر: التفسير الميسر، نخبة من أساتذة التفسير
ص٢٣٧.
جَوَنُوالَهُ النَّفْسِّ
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
٣٠٦

العلى
١٢. داود عليه السلام.
ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَهُ صَنْعَةً
لَبُوُسِ لَّكُمْ لِنُحْصِنَكُمْ مِّنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ
شَكِّرُونَ ﴾ [الأنبياء: ٨٠].
فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ، لَمَّتْ طَّابِفَةٌ
مِنْهُمْ أَن يُضِلُوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلََّ أَنْفُسَهُمّ
وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَىْءٍّ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ
الْكِتَبَ وَاَلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمَّ
حيث ألهمه الله تعالى بصناعة اللبوس وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ﴾ [النساء:
الذي تعنيه العرب بأنه السلاح كله، درعًا ١١٣].
كان، أو سيفًا، أو رمحًا، أو غير ذلك(١).
١٣. موسى عليه السلام.
ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ، وَاُسْتَوَى
ءَانَيْنَهُ حُكْمَا وَعِلْمَاً وَكَذَلِكَ نَجْرِ الْمُحْسِنِينَ﴾
[القصص: ١٤].
فإن هذه الآية الكريمة تبين أنه لما اشتد
بدن النبي موسى صلى الله عليه وسلم
وأعطاه الله تعالى من القوة، وتناهي مرحلة
التكوين الشبابیة، وتم خلقه، واستحکم في
سنين معدودة - ذكر بعضهم أنها أربعون
عامًا(٢) - عندها آتاه الله تعالی حكمًا وعلمًا،
أي: عقلا وفهمًا في الدین، فعلم و حکم قبل
أن یبعث نبيًّا.
وتأتي الفاصل القرآنية؛ لتبين العلة من
هذه المكرمة الربانية لموسی صلی الله عليه
وسلم، وهي أن هذه الكرامة جزاء المحسنين
الذين أحسنوا وأطاعوا(٣).
١٤. محمد صلی الله عليه وسلم.
﴿ وَلَوْلًا
فقد قال الله تعالى في حقه:
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٨ / ٤٨٠.
(٢) انظر: المصدر السابق ٥٣٥/١٩.
(٣) انظر: لباب التأويل، الخازن ٣٥٩/٣.
وردت هذه الآية في معرض الحديث
القرآني عن قصة بني أبيرق، حيث تبين
عظیم فضله سبحانه وتعالی علی نبيه محمد
صلی الله علیه وسلم، ومن ثم رحمته به؛ إذ
لولا فضل الله تعالى عليه ورحمته لهمت
فرقةٌ من هؤلاء الذين يختانون أنفسهم، وإن
كانوا أهل إيمان، أن يزلوك عن طريق الحق؛
وذلك لتلبسهم أمر الخائن على النبي محمد
صلى الله عليه وسلم، وشهادتهم أن هذا
الخائن ادعي علیه ظلمًا، بل وسألوا رسول
الله صلى الله عليه وسلم أن يعذره، وأن
يقوم بمعذرته في أصحابه.
لكن الله تعالى يبين أن هؤلاء المختانين
يأخذون أنفسهم في غير ما أباح الله تعالى
لهم الأخذ بها فیه من سبله.
ثم تبين الآية على وجه التسلية للرسول
صلى الله عليه وسلم أن هؤلاء الناس لا
يضرون الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن
الله تعالى مثبته ومسدده في أموره، ومبينٌ له
أمر من سعوا في إضلاله عن الحق في أمره،
وأمرهم، ففاضح من ارتكب جريمة السرقة،
www. modoee.com
٣٠٧

حرفالعین
وفاضحٌ من ستر هذا السارق.
وتبين الآية أيضًا أن الله تعالى أنزل على إلى مصير حالهم، حيث قال لهم -بعد ما
نبيه صلى الله عليه وسلم القرآن والسنة،
بما في ذلك من حلال وحرام، وأمٍ ونھيٍ
وأحكام، ووعدٍ ووعيد، وأن الله تعالى
علم نبيه ما لم يكن يعلم من خبر الأولين
والآخرين، وما كان وما هو كائنٌ، فكل ذلك
من فضل الله تعالى العظيم عليه(١).
ثالثًا: المؤمنون:
وقد ورد ذلك في آياتٍ، منها:
قال تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ
قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُونَ مَلِكًاً قَالُواْ أَنَّى
يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَتَحْنُ أَحَقُّ بِلْمُلْكِ
مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ
أُصْطَفَنَّهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةٌ فِىِ الْعِلْمِ
وَالْجِسْمِّ وَاَللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ, مَن يَشَآءُ
ج
وَاَللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٧].
إن هذه الآية خبرٌ عن قوم بني إسرائيل
-كما بينت الآية السابقة - نالتهم ذلةٌ وغلبة
عدوٍ، فطلبوا الإذن في الجهاد، وأن يؤمروا
به، فلما أمروا نكص أكثرهم على أعقابهم،
وصبر الأقل، وهذا كله مثالٌّ للمؤمنين؛
ليحذروا المكروه منه، ويقتدوا الحسن(٢)،
وتأتي هذه الآية؛ لتفصل ما جرى بين نبيهم
صلى الله عليه وسلم وبين قوم بني إسرائيل
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٩/ ٢٠٠.
(٢) انظر: الجواهر الحسان، الثعالبي ٤٨٨/١.
من الأقوال والأفعال، إثر الإشارة الإجمالية
أوحي إليه- إن الله تعالى أوحى إلي أن
يكون طالوت ملكًا عليكم، وتستأنف الآية؛
لتبين حقيقةً ألا وهي أنهم ردوا بقولهم: من
أین یکون و کیف یکون ذلك؟
والحال أنه لا يستحق التملك علينا؛
لوجود من هو أحق منه؛ ولعدم ما يتوقف
عليه الملك من المال، فلما استبعدوا تملكه
بسقوط نسبه، وبفقره، رد نبيهم علیهم بأن
ذلك اصطفاء من الله تعالى، وزيادةٌ منه
جل جلاله لطالوت بوفور العلم؛ ليتمكن
من معرفة أمور السياسة، وزيادة في جسامة
البدن؛ ليعظم خطره في القلوب، ويقدر على
مقاومة الأعداء، ومكابدة الحروب، وقد
خصه الله تعالى في العلم والجسم بحظٍ
وافر(٣).
وفي هذه الآية دليلٌ على أن وفرة العلم
منحةٌ من الله تعالى يمنحها من يشاء من
عباده، ومن ثم فإن تقدير العلماء ليس
مربوطًا بنسب ولا حسب.
وقال تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا
فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَأَسْتَغْفَرُواْ
◌ِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّ اللَّهُ وَلَمْ
يُصِرُواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾[آل
(٣) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود
١/ ٢٤٠.
مَوَسُولَة النفسية
القرآن الكريم
٣٠٨