Indexed OCR Text
Pages 21-40
العلاقات الاجتماعية الله تعالى أنه لا ينهى المؤمنين عن ذلك مع والإقساط إلى مخالفيه من أي دين، ولو كانوا وثنين مشركين - كمشركي العرب کل المخالفين لهم، بل مع المحاربين لهم، العادين عليهم. الذين نزلت في شأنهم الآيتان السالفتان- فإن الإسلام ينظر نظرة خاصة لأهل الكتاب وينقسم غير المسلمين الذين يعيشون في بلاد المسلمين إلى أهل ذمة ومستأمنین: من اليهود والنصارى، سواء أكانوا في دار الإسلام أم خارجها. تعريف عقد الذمة: الذمة في اللغة العهد، وهو الأمان والضمان والكفالة. وعند الفقهاء: هو التزام تقرير الكفار في ديارنا وحمايتهم والدفاع عنهم ببذل الجزية والاستسلام من جهتهم، ولا يعقدها إلا الإمام أو نائبه؛ لأنها من المصالح العظمى التي تحتاج إلى نظر واجتهاد، وهذا لا يتأتى لغير الإمام أو نائبه(١). وهؤلاء بالتعبير الحديث («مواطنون» في الدولة الإسلامية، أجمع المسلمون منذ العصر الأول إلى اليوم أن لهم ما للمسلمين وعلیهم ما علیهم، إلا ما هو من شؤون الدین والعقيدة، فإن الإسلام یترکهم وما یدینون. والمستأمن: هو الحربي الذي دخل دار الإسلام بأمان دون نية الاستيطان بها والإقامة فيها بصفة مستمرة، بل یکون قصده إقامة مدة معلومة، لا تزيد على سنة، فإن تجاوزها، وقصد الإقامة بصفة دائمة، فإنه يتحول إلى ذمي (٢). وإذا كان الإسلام لا ينهى عن البر (١) انظر: الفقه الإسلامي وأدلته، الزحيلي، ٥٨٧٩/٨، فقه السنة، سيد سابق ٦٦٢/٢ (٢) انظر: فقه السنة، سيد سابق ٢ / ٦٩٧ فالقرآن لا ینادیھم إلا بـ «يا أهل الكتاب)» و ((يا أيها الذين أوتوا الكتاب)) يشير بهذا إلى أنهم في الأصل أهل دين سماوي، فبينهم وبين المسلمين رحم وقربى، تتمثل في أصول الدين الواحد الذي بعث الله به أنبياءه جمیعا: * شَرَعَ لَكُم مِّنَ الِينِ مَا وَصَّى بِهِ، نُوحًا وَالَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا ◌ِهِ إِبْرَهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَىّ أَنْ أَقِيمُواْ الْذِينَ وَلَا نَنَفَرَّقُواْ فِيهِ ﴾ [الشورى: ١٣]. وإذا جادل المسلمون أهل الكتاب فلیتجنبوا المراء الذي یوغر الصدور، ویثیر وَلَا تُحَدِلُواْ العداوات، قال تعالى: أَهْلَ الْكِتَبِ إِلََّّ بِالَّتِ هِىَ أَحْسَنُ إِلََّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمِّ وَقُولُواْ ءَامَنَا بِالَّذِىّ أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأَنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ. مُسْلِمُونَ ﴾ [العنكبوت: ٤٦]. www. modoee.com ١٦٣ حرف العين العلاقة بين الحاكم والمحكوم إن إقامة حكم الله في الأرض مطالب به كل المسلمين، وهذا يتطلب أن تقوم الخلافة لله عز وجل في الأرض، وأن يكون هناك من يرعى هذا الأمر من أمور المسلمين، وهذا الحاكم الذي يقوم بهذا الأمر له حق وعليه حق، أما الحق الذي عليه فهو أن يحكم هؤلاء الناس بحكم الله عز وجل، بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى المسلمين أمر يقابل هذا الأمر، فعليهم الطاعة لهذا الحاكم في حدود طاعة الله تعالى، فإذا لم تكن هناك طاعة لله في طاعته، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. قال تعالى: ﴿﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّواْ اُلْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِّ إِنَّ اللَّهَ نِمَا يَعِظُكُمْ بِّهِ إِنَّاللَّهَ كَانَ سَمِيعً ◌َيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٥٨ بَصِيرًا ، الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَّمِّ مِنْكُمْ فَإِن تَنَزَعْنُمْ فِي شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَّوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾ [النساء: ٥٨- ٥٩]. فالآية في كل أمانة فعلى كل مؤتمن على شيء أن يحفظه ويرعاه حتی یؤدیه إلى صاحبه، والآية تتناول حكام المسلمين أولًا فعليهم أن يحكموا بالقسط، وهو ضد الجور ومعناه: إيصال الحقوق إلى مستحقيها من أفراد الرعايا، والله يريد من أمة الإسلام - حكامًا ومحكومين- بأداء الأمانات والحكم بالعدل وأنه شيء حسن، وهو كذلك إذ قوام الحياة الكريمة هو النهوض بأداء الأمانات والحكم بالعدل. ثم أمر الله تعالى المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله أولًا، ثم بطاعة ولاة الأمور ثانيًا، والطاعة لأولي الأمر مقيدة بما كان معروفًا للشرع، أما في غير المعروف فلا طاعة في الاختيار لحديث: (لا طاعة في معصيةٍ، إنما الطاعة في المعروف)(١). ثم جاء الخطاب العام للولاة والرعية، عند حصول الخلاف في أمر من أمور الدين والدنیا وجب رد ذلك إلى كتاب الله وسنة رسول الله صلی الله عليه وسلم فيما حكما فيه وجب قبوله، حلوًا كان أو مرًّا، وأن الإیمان يستلزم الإذعان لقضاء الله ورسوله، وهو يفيد أن رد الأمور المتنازع فيها إلى غير الشرع قادح في إيمان المؤمن، وأن ذلك الرد والرجوع بالمسائل والقضايا المختلف فيها إلى الكتاب والسنة هو خير حالًا ومآلًا، لما فيه من قطع النزاع والسير بالأمة متحدة (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أخبار الآحاد، باب ما جاء في قبول خبر الواحد، ٨٨/٩، رقم ٧٢٥٧، ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء، ١٤٦٩/٣، رقم ١٨٤٠. ١٦٤ جوبي لِلْقُرآن الكَرِيْمِ العلاقات الاجتماعية متحابة متعاونة (١). ويجب العدل في الأحكام حتی ولو کان المحكوم عليهم من أقرب الناس للحاكم، كما قال تعالى: ﴿﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُواْ قَوَّمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَلِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِنَّ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَّاً فَلَا تَتَّبِعُواْ الْمَوَى أَنْ تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيًا ﴾ [النساء: ١٣٥]. (١٣٥) أي: لیکن من أخلاقکم وصفاتكم أيها المؤمنون القیام بالعدل حین شهادتکم، ولو كانت شهادتكم على أنفسكم، أو على والدين لكم أو أقربيكم، فقوموا فيها بالقسط والعدل، وأقيموها على صحتها بأن تقولوا فيها الحق، ولا تميلوا فيها لغني لغناه على فقير، ولا لفقیر لفقره على غني، فتجوروا. فإن الله الذي سوى بين حكم الغني والفقير فيما ألزمكم -أيها الناس- من إقامة الشهادة لكل واحد منهما بالعدل؛ لأنه أولى بهما وأحق منكم، لأنه مالكهما وأولی بهما دونكم، فهو أعلم بما فيه مصلحة كل واحد منهما في ذلك وفي غيره من الأمور کلها منکم، فلذلك أمركم بالتسوية بينهما في الشهادة لهما فلا تتبعوا أهواء أنفسكم في الميل في شهادتكم إذا قمتم بها فتقولوا (١) انظر: أيسر التفاسير، أبو بكر الجزائري ٤٩٨،٤٩٧/١ غير الحق، ولكن قوموا فيه بالقسط، وأدوا الشهادة على ما أمركم الله بأدائها بالعدل لمن شهدتم له وعليه(٢). ولقد نفى المولى عز وجل صفة الإيمان عن الذين يرفضون حكم الله فقال تعالى: فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَقَّى يُحَكْمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا ٦٥ [النساء: ٦٥]. إن الناس لا يؤمنون -ابتداء- إلا أن يتحاكموا إلى منهج الله ممثلًا في أحكام الرسول، وباقيًا بعده في مصدريه القرآن والسنة بالبداهة، ولا يكفي أن يتحاكموا إليه - ليحسبوا مؤمنين- بل لا بد من أن يتلقوا حكمه مسلمين راضين، فهذا هو شرط الإيمان وحد الإسلام(٣). ومن أجمل مظاهر الحكم في الإسلام هو التزام مبدأ الشورى بين المسلمين حكامًا ومحكومين، كما قال تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ أُسْتَجَابُوا لِرَبِهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ﴾ [الشورى: ٣٨]. ٣٨ وَمِمَّا رَزَقْتَهُمْ يُفِقُونَ لَ أي: يتشاورون فيما بينهم في الأمور الخاصة والعامة، ولا ينفردون برأي في كل أمر من القضايا العامة، كتولي الحكم وشؤون تدبير الدولة والتخطيط لمصالحها، (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٠١/٩، ٣٠٢ (٣) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢/ ٦٨٧ www. modoee.com ١٦٥ حرف العين وإعلان الحرب، وتولية الولاة والحكام رأيهم، ثم كان ما كان منهم من أن طائفتين همتا بأن تفشلا، ثم ما كان من خروج الرماة عن مواقفهم، ولو بقوا في المدينة ما وقع هذا، ولكن الله سبحانه مع ذلك أمره بمشاورتهم للإعلان عن سماحته المطلقة، ولأن المشاورة إن أخطأت فيها النتيجة مرة، فصوابها كثير. والقضاة وغيرهم. وكان النبى صلى الله علیه وسلم أكثر الناس مشاورة لأصحابه، وسلك الصحابة طريقه ومنهجه في عظائم الأمور كتولية الخلافة، وحروب الردة، واستنباط الأحكام الشرعية للقضايا والحوادث المستجدة، وشاور عمر رضي الله عنه الهرمزان حين وفد عليه مسلمًا، ولما طعن عمر جعل الأمر بعده شوری في ستة نفر، وهم عثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم، فاتفقوا على تقديم عثمان رضي الله عنه للخلافة الثالثة (١). والشورى أصل من أصول الحكم في الإسلام، قد التزمها النبي صلى الله عليه وسلم في كل أمر كان يمس أمور المسلمين العامة فقد استشار في غزوة بدر قبل وقوعها، واستشار في أسرى بدر، واستشار في أحد، واستشار في غزوة الأحزاب، وكان من نتائج الشورى حفر الخندق والتحصن وراءه، واستشار في القتال يوم الحديبية، والتزم أبو بكر ومن بعده عمر الشورى، وما اضطرب حبل الأمور من بعد إلا عندما منعت أمر أي: أمر الله نبيه بأمر ثالث، وهو أن الشورى (٢). بل جاء الأمر الإلهي لنبيه بالشورى في قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمِّ فَإِذَا عَبْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَِّينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. يشاورهم، وإن المشاورة من بعد ما كان منهم دليل على عفو النبي صلى الله عليه وسلم بعد عفو الله تعالى وغفرانه؛ لأن مما أخطؤوا فيه في الماضي أن النبي صلى الله علیه وسلم شاورهم في أمر الخروج إلى لقاء المشركين في أحد، وأنه كان يميل إلى البقاء حتى يدخلوا المدينة، وشبابهم كان يريد الخروج، فنزل عليه الصلاة والسلام عند (١) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٨٢،٨١/٢٥ (٢) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ١٤٧٦/٣ فَضْو مَشَرُ النَّفْسِيَةْ القرآن الكريم ١٦٦ العلاقات الاجتماعية التكافل الاجتماعي يقصد بالتكافل الاجتماعي أن يكون أفراد المجتمع مشاركين في المحافظة على المصالح العامة والخاصة، ودفع المفاسد والأضرار المادية والمعنوية، بحيث يشعر كل فرد فيه أنه إلى جانب الحقوق التي له، وأن عليه واجبات للآخرين، وخاصة الذين ليس باستطاعتهم أن يحققوا حاجاتهم الخاصة، وذلك بإيصال المنافع إليهم ودفع الأضرار عنهم (١). والتكافل الاجتماعي جزء من عقيدة المسلم والتزامه الديني، وهو نظام أخلاقي يقوم على الحب والإيثار ويقظة الضمير ومراقبة الله عز وجل، ولا يقتصر على حفظ حقوق الإنسان المادية، بل يشمل أيضًا المعنوية؛ وغايته التوفيق بين مصلحة المجتمع ومصلحة الفرد. وقد عني القرآن بالتكافل ليكون نظامًا لتربية روح الفرد وضميره وشخصيته وسلوكه الاجتماعي، وليكون نظامًا لتكوين الأسرة وتنظيمها وتكافلها، ونظامًا للعلاقات الاجتماعية، ومن هنا فإن مدلولات البر والإحسان والصدقة تتضاءل أمام هذا المدلول الشامل للتكافل. إن المجتمع المسلم هو الذي يطبق فيه (١) انظر: مقال التكافل الاجتماعي في الإسلام، عادل الصعدي، موقع الإسلام اليوم. الإسلام عقيدة وعبادة وشريعة ونظامًا وخلقًا وسلوكًا، وفقا لما جاء به الكتاب والسنة، واقتداءً بالصورة التي طبق بها الإسلام في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدین من بعده. وعندما يلتزم المجتمع بهذه القاعدة يجد التكافل الاجتماعي مكانه بارزًا في المجتمع بحیث تتحقق فيه جميع مضامینه، ذلك أن الإسلام قد اهتم ببناء المجتمع المتكامل وحشد في سبيل ذلك جملة من النصوص والأحكام لإخراج الصورة التي وصف بها الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك المجتمع، فعن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلی الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)(٢). قال سيد قطب: ((جعل الإسلام التكافل في محيط الأسرة هو حجر الأساس في بناء التكافل الاجتماعي العام، وجعل الإرث مظهرًا من مظاهر ذلك التكافل في محيط الأسرة، فوق ما له من وظائف أخرى في النظام الاقتصادي والاجتماعي العام، فإذا عجزت هذه الخطوة أو قصرت عن استيعاب جميع الحالات المحتاجة (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم، ١٩٩٩/٤، رقم ٢٥٨٦. www. modoee.com ١٦٧ حرفالعین إلى التكافل جاءت الخطوة التالية في كل مسلم، وهي حق مقدر بتقدير الشارع الحكيم في المال بشروط معينة، وهي تدل على معنى أخص من الصدقة التي لا تتحدد بمال معين أو قدر بذاته. محيط الجماعة المحلية المتعارفة لتكملها وتقويها. فإذا عجزت هذه جاء دور الدولة المسلمة لتتولى كل من قصرت في إعالتهم وكفالتهم الكاملة، جهود الأسرة، وجهود الجماعة المحلية المحدودة، وبذلك لا يلقى العبء كله على عاتق الجهاز العام للدولة)) (١). ومن صور التكافل الاجتماعي التي تعرض لها القرآن الكريم: أولًا: الزكاة والصدقات: وسميت زكاة لما يكون فيها من رجاء البركة وتزكية النفس وتنميتها بالخيرات، فإنها مأخوذة من الزكاة، وهو النماء والطهارة والبركة. قال الله تعالى: ﴿خُذُّ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَةٌ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكْبِهِم بِهَا وَصَلّ عَلَيَّهِمَّ إِنَّ صَلَوْتَكَ [التوبة: ١٠٣] (٢). سَكَنُ لَُّمْ وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلِيهُ ﴾ والزكاة فريضة إلزامية فرضها الله على المسلم دينًا، وجعل للدولة الحق في أخذها منه قهرًا إذا هو امتنع عن أدائها. وتظهر الزكاة التي هي أحد أركان الإسلام وفريضته الاجتماعية أول صور التكافل الاجتماعي في الإسلام، وهي فريضة على (١) في ظلال القرآن ١/ ٥٨٧. (٢) انظر: فقه السنة، سيد سابق ١/ ٣٢٧. الصدقة متروكة لاختيار الأفراد في قدرها، وفي من توجه إليه من المحتاجين، وذلك على خلاف الزكاة التي فرضها الله في أنواع المال التي حددها الشارع، وبين نصاب کل نوع، ومقدار الزكاة فیه.(أین المرجع لهذا الكلام؟» قال تعالى: ﴿﴿ لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ أَلْبِّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِ وَالْمَلَتِكَةِ وَالْكِنَبِ وَالنَّبيِّنَ وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبْهِ ذَوِى الْقُرْبَ وَاَلْيَتَلَى وَالْمَسَكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآيِلِينَ وَفِي الْرِقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَاتَى الزَّكَوَةَ وَالْمُؤْقُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُواْ وَالصَّبِينَ فِ الْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّآءِ وَحِينَ أَلْبَأْسِنُ أُوْلَيْكَ الَّذِينَ صَدَقُوا [البقرة: ١٧٧]. ١٧٧ وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُنَّقُونَ وقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى أَلْبِّ وَالنَّقْوَىّ وَلَا نَعَاوَنُواْ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِّ وَأَتَّقُواْ اللَّهُ إِنَّ اللّهُ شَدِيدُ اَلْمِقَابِ﴾ [المائدة: ٢]. تخاطب الآيات السابقة في وضوح لا لبس فيه أصحاب الأموال ممن أعطاهم الله شيئا سعة في الرزق، وتذكرهم بأن لهم إخوانًا من الأقارب واليتامى والمساكين والسائلين وفي الرقاب كل أولئك بحاجة ١٦٨ جوب القرآن الكريم العلاقات الاجتماعية ماسة إلى مد يد العون لهم ليعيشوا حياة ناعمة في ظلال الإسلام الوارفة، وتشير الآيات إلى أن أصحاب الأموال إذا فعلوا ذلك فهم يحققون دعوة الإسلام التي جاء بها لتحقيق التكافل العام بين جميع أفراد الأمة وأبناء المجتمع؛ ليعيش الجميع حياة آمنة هادئة ينعمون فيها بالأمن والرخاء والتعاون الصادق في ظل العقيدة الإسلامية السمحة(١). ولهذا اعتبر القرآن الكريم المؤمنين أخوة ينبغي التراحم والتكافل فيما بينهم فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيَّكُمْ وَأَنَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [الحجرات: ١٠]. وبين المولى عز وجل أن هذه الأموال تؤخذ من الأغنياء ممن لديهم فضل زاد كما قال تعالى: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوُّ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الْآَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَنَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢١٩]. وحدد الشارع الكريم مقادير الزكاة وشروطها والأصناف التي تنفق فيها، باعتبار الزكاة ركن من أركان الإسلام ومظهر من مظاهر التكافل الاجتماعي بين أفراد المجتمع المسلم، والذي يسوده الحب والوئام والتناصح والتكافل. قال تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَّ قُلْ (١) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٢/ ٩٧. مَآ أَنْفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْبَ وَاْسَلِكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلُ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِ عَلِيمٌ (١٥)﴾ [البقرة: ٢١٥]. كما حذر المولى عز وجل من الإمساك عن النفقة في سبيل الله وجعل ذلك سببا في الهلاك فقال تعالى: ﴿وَأَنفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوَا بَيْدِيَكُمْ إِلَى النَُّكَةِ وَأَحْسِنُواْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [البقرة: ١٩٥]. ولقد توعد الله عز وجل الذين يكنزون الذهب والفضة ويبخلون بأموالهم ولا يؤدون حق الله فيها بالعذاب الأليم في الآخرة، فقال تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَنُهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ- هُوَ خَيْرَُّ بَلِّ هُوَ شَرٌّلَهُمَّ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَحِلُواْ بِهِ، يَوْمَ الْقِيَامَةُ وَإِلَّهِ مِيرَثُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [آل عمران: ١٨٠]. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضََّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرُهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤]. أي: ولا يظن الذين يبخلون، أي: يمنعون ما عندهم مما آتاهم الله من فضله من المال والجاه والعلم وغير ذلك مما منحهم الله وأحسن إليهم به، وأمرهم ببذل ما لا يضرهم منه لعباده، فبخلوا بذلك وأمسكوه وضنوا به علی عباد الله، وظنوا أنه خير لهم، بل هو شر لهم، في دينهم ودنياهم، وعاجلهم وآجلهم، وسيجعل ما بخلوا به طوقا في www. modoee.com ١٦٩ حرف العين أعناقهم، يعذبون به، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من آتاه الله مالا فلم يؤد ز كاته مثل له ماله يوم القيامة شجاعًا أقرع له زبيبتان پطوقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزمتيه - يعني بشدقیه - ثم يقول أنا مالك أنا كنزك. ثم تلا: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾) الآية(١). فهؤلاء حسبوا أن بخلهم نافعهم ومجد عليهم، فانقلب عليهم الأمر، وصار من أعظم مضارهم وسبب عقابهم؛ لأنه هو تعالى مالك الملك، وترد جميع الأملاك إلى مالكها، وينقلب العباد من الدنيا ما معهم درهم ولا دينار ولا غير ذلك من المال (٢). . ثانيًا: التوزيع العادل للثروات: يؤكد القرآن الكريم أن الناس متساوون في حق الكفاية والعدل، ولكنهم ليسوا متساوين في العلم والمعرفة والقدرات التي تترتب على ذلك، وبمعنى آخر يؤكد القرآن تكافؤ الفرص لجميع أفراد المجتمع، وحق كل فرد في حد أدنى من المعيشة يتمثل في الضروريات التي لابد من توفرها له وفقًا لتطور مستويات المعيشة ونفقاتها، وكذلك حقه في أن يشكو الظلم وأن يحصل على (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة، باب إثم مانع الزكاة، ١٠٦/٢، رقم ١٤٠٣. (٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٥٨. العدالة التي تناسب شكواه. وبالرغم من هذه الحقوق المختلفة التي يتساوى فيها الجميع، فإن الناس لا يتساوون في العلم والمعرفة والقدرات والمهارات والمواهب، وهم لذلك طبقات يجب التمييز بينها، لعل في هذا التمييز ما يحفز على التسابق في سبيل استغلال موارد الطبيعة وكشف أسرار الكون وفهم القواعد التي تحكم هذه الأسرار، وبذلك يكون التسابق طريق العلم والمعرفة والعمل الجاد والوصول بذلك إلى مجتمع الرفاهية الشاملة المتكاملة عندما تكون دعائمه الأخوة والتقوى والبر والتعاون والعدل. لذلك جاء القرآن كتاب دين وأخلاق وبيانٍ لكل شيء، ثم من خلال هذا الإطار العام الذي يتصف بالقيم الأخلاقية الحميدة تضمن الأسس والمبادئ العامة التي يجب أن يقوم عليها بقاء المجتمع سياسيا واقتصاديًا، ذلك أن القرآن تضمن نصوصًا كثيرة تشير إلى حرية الفرد، وإلى جعل المشورة والعدل والكفاية دعائم الحكم، وإلى انتظام علاقات الناس على أساس الأخوة الصادقة والتعاون والبر المتبادل، منع المنافع العامة من أن تكون ملكًا لشخص واحد وجعلها ملكًا للدولة وحدها أمر لا شك فيه، إذ ورد في معنى الحديث عن ابن عباسٍ، قال: قال رسول الله صلى الله ١٧٠ THE جَوَسُولَة النفسي القرآن الكريمِ العلاقات الاجتماعية عليه وسلم: (المسلمون شرکاء في ثلاثٍ: في الماء، والكلأ، والنار)(١)، وهذا من قبيل التمثيل للأمور التي لا يجوز احتكارها، إذ أن حاجة جماهير الناس إليها سواء، فلا یصح تمکین ید واحدة من الاستيلاء عليها. إن مشكلة المشاكل في عالمنا اليوم هو غياب أي توزيع عادل للثروات، وتركز الثروات عند فئة قليلة من الناس في حين تعيش الأغلبية في فقر مدقع، وبذلك يزداد الغني غنى والفقير فقرًا !! ويشجع النظام الرأسمالي على تكوين الطبقات المتباعدة بين أفراد المجتمع، فنرى فئات من المجتمع تنام على مليارات -وهي الغالبة- تعيش إما بقدر الكفاية أو تحت خط الفقر. ويحذر القرآن الكريم الذين يجمعون الأموال الطائلة ولا ينفقون منها ما يجب عليهم فيها من واجبات مالية بعذاب أليم، يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْتِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِ سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [التوبة: ٣٤]. (١) أخرجه أبو داود في سننه، أبواب الإجارة، باب في منع الماء، ٢٧٨/٣، رقم ٣٤٧٧، وابن ماجه في سننه، كتاب الرهون، باب المسلمون شركاء في ثلاث، ٨٢٦/٢، رقم ٢٤٧٢. صححه الألباني في إرواء الغليل، ٦/ ٧، رقم ١٥٥٢. كما ينهى القرآن الكريم عن أكل أموال الناس بالباطل. قال تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ إِلَّ أَنْ تَكُونَ تَجَرَةً عَن تَرَاضٍ مِّنَكُمّ وَلَا نَقْتُلُواْ ﴾ [النساء: أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢)﴾ ٢٩]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَّكُمْ بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَلِ النَّاسِ بِآلْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: ١٨٨]. فالثراء إن لم يكن بطريق مشروع كالتجارة أو الصناعة أو العمل المنتج فهذا الدولارات، في حين أنه توجد فئات أخرى أكل لأموال الناس بالباطل، وهو ما يعبر عنه في عصرنا بـ (الثراء غير المشروع) أو الثراء غير القانوني الناتج عن غسيل الأموال، أو الاستيلاء على أموال الآخرين بالغصب والاستیلاء على ممتلكات الناس دون حق. وفي مقابل تحذير القرآن الكريم من تراكم الثروات دون وجه شرعي أو أكل أموال الناس بالباطل يدعو الأغنياء والموسرين إلى دفع جزء من أموالهم للفقراء والمحتاجين والمساکین، وذلك من خلال الزكاة والخراج والصدقات والكفارات والنذور وغيرها من وجوه الإنفاق الواجب أو المندوب. كما قال تعالى: ﴿وَفِّ أَمْوَلِهِمْ حَقٌّ لِّلِسَّآيِلِ www. modoee.com ١٧١ حرف العين وَاْحْرُومِ ﴾ [الذاريات: ١٩]. ء ◌َيْسَ أَلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وقال تعالى: وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِ وَالْمَلِكَةِ وَالْكِنَبِ وَالنَِّيْنَ وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِى الْقُرْبَى وَاَلْيَتَمَىِ وَالْمَسَكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآيِلِينَ وَفِى الْرِقَّابِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَاتَى الزَّكَوَةَ وَالْمُوقُّونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُواْ وَالصَّنِيِينَ فِ الْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ أَلْبَأْسِنُ أُوْلَكَ الَّذِينَ [البقرة : (١٧٧) صَدَقُواْ وَأُوْلَكَ هُمُّ الْمُنَّقُونَ ١٧٧]. وأمر القرآن المجيد بالإنفاق كي لا تتراكم الثروات بيد مجموعة قليلة من الأغنياء. قال تعالى: ﴿مَّ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِّذِى الْقُرْبَ وَالْبَنَّمَى وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ كَى لَا يَكُونَ دُوْلَةٌ بَيْنَ اَلْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ وَمَآ ءَاتَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَّكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُواْ وَأَتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْمِقَابِ ﴾ [الحشر: ٧]. كما حذر القرآن المبذرين للأموال، يقول تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَنَ الشَّيَطِينِّ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ، كَفُورًا )﴾ [الإسراء: ٢٧]. فالإنسان مسؤول عن اكتسابه للأموال كما أنه مسؤول عن طريقة إنفاقه لها، وتزداد المسؤولية عندما يكون الإنسان مسؤولًا عن بيت مال المسلمين؛ لأن هذا المال هو حق لكل المسلمين، ويجب صرفه في الوجوه الشرعية، ووفق تعاليم الشرع والدين. ثالثًا: حقوق الضعفاء: موضوع الضعفاء والمستضعفين في القرآن الكريم، ورد ذكره في القرآن أكثر من ثلاثين مرة باللفظ أما بالمعنی فالآيات أكثر من ذلك. وقد تحدث القرآن الكريم في آيات كثيرة عن بعض صفات الإنسان التي تبين مظاهر الضعف البشري، وتحدثت آیات عن صور من الضعف تعتري بعض الخلق كسنة فطرية تجري عليهم دون اختيار، وهي بحاجة إلى رعاية واهتمام خاص بهم، كضعف الطفولة، والأنوثة، والشيخوخة. وتحدثت أيضًا عن نوع آخر من أنواع الضعف البشري، هو الضعف بسبب الفقر أو المرض، وقد حث القرآن الكريم على دفع أسبابه، وحث المسلمين على القيام بواجب التكافل والتعاون. ولم يكتف بالحث على الإنفاق الطوعي، ولم يترك أمر هؤلاء الضعفاء لحاكم ولا لمتسلط ولا لطامع ولا لصاحب هوى، بل فرض لهم فريضة تولى الله تعالى بيان أصناف مستحقيها وتفصيلهم، لتقطع تلك الآيات المطامع ويعرف كل ذي حق حقه. ١٧٢ جوي القرآن الكريم العلاقات الاجتماعية وإن الناظر في كتاب الله الكريم لنحتاج مرة أخرى إلى إعانة الآخرين واهتمامهم ورعايتهم. والمتعمق فيه يرى وبكل وضوح مدى اهتمام المولى عز وجل بالفقراء والمساكين والمحتاجين، فقد أعطى هؤلاء الفقراء والضعفاء والمساكين من أرامل وأيتام عظیم العناية وشدید الاهتمام، حيث نجد أن الله تعالی قد ذکرهم في کثیر من سور القرآن الكريم، وما ذلك إلا لعلو منزلتهم عنده سبحانه وتعالى، وحتى يلفت أنظار المسلمین إليهم فلا يتساهلون في أمورهم ويبخسوا حقوقهم، وخصوصًا قاصر الجناح ومن لم يوجد له مطالب منهم. إن من أهم ألوان الحفاظ على الكرامة حسب حاله وحسب ما يعينه ويحفظ له هذه الإنسانية في الإسلام الحفاظ على حق الضعفاء، فإن کان للقوي جسد يحميه وید یبطش بها فلیس للضعيف ذلك، بل له دين قویم یستحق بسببه أن نحفظ له کرامته مهما بلغ ضعفه. والقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة ووصايا الخلفاء الراشدين كلها مليئة بالوصية بالضعفاء. فكلنا نولد ضعفاء نحتاج إعانة الآخرين واهتمامهم ورعايتهم، ثم يرزقنا الله القوة ويمنحنا إياها لنقوم برد الجميل وشكر النعمة فتؤدي نفس الدور الذي قام به غیرنا معنا، فنعین الآخرين من الضعفاء ونهتم بهم ونرعاهم، ثم نرد مرة أخرى إلى الضعف وقد يطرأ علينا الضعف أثناء مراحل قوتنا لأسباب قد تكون طارئة ووقتية مآلها إلى الزوال بعد فترة، كحال ابن السبيل، والرجل الذي ضل طريقه في أرض الضلال، ومن لزمه دين، وقد تطول فترات الضعف لتبقى شهورًا وأعوامًا، کحال من ابتلي بالمرض العضال، وحال من ابتلي بإعاقة جسدية أو ذهنية مزمنة، وحال الأرملة الثكلى واليتيم، إلى آخره، وكل هؤلاء الضعفاء يحتاجون إلى الرعاية والاهتمام حفظا لكرامتهم كل الکرامة التي هي ماء حياة المسلم. ١. حقوق الأيتام. ولقد اهتم الإسلام باليتيم اهتمامًا بالغًا، من ناحية تربيته ومعاملته والحرص على أمواله وضمان معيشته، حتى ينشأ عضوًا بارزًا في المجتمع، ويقوم بمسؤولياته على أحسن وجه. فمن اهتمام القرآن الكريم بشأن اليتيم: عدم قهره، والحط من كرامته، والغض من شأنه. قال تعالى: ﴿أَرَءَيْتَ الَّذِى يُكَذِّبُ بِالّذِينِ ﴿ فَذَلِكَ الَّذِى يَدُغُ الْبَقِيمَ ٢)﴾ [الماعون: ١- ٢] كما أمر الله سبحانه وتعالى بالمحافظة www. modoee.com ١٧٣ حرف العين على أموال اليتيم وعدم الاقتراب منها إلا حكيم في خلقه وتدبيره وتشريعه))(٢). بالتي هي أحسن. قال تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ الْيَنِيِ إِلَّا بِأَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَقَّ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]. أي: هل عرفت الذي يكذب بالبعث والجزاء؟ فذلك الذي يدفع اليتيم بعنف ويرده بزجر وخشونة (١). ومن مظاهر العناية التي أولاها الإسلام في بطونهم يوم القيامة، وسيدخلون نارا للأيتام حفظ أموالهم والسعي في تنميتها والابتعاد عن کل تصرف ضار بها. قال تعالى: ﴿وَيَسَْلُونَكَ عَنِ الْبَثَمَىَّ قُلْ إِصْلَاحٌ لَُّمْ خَيْرٌّ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمَّ وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحَّ وَلَوْ شَآءَ اَللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [البقرة: ٢٢٠]. ((ويسألونك -أيها النبي- عن اليتامى الذين مات آباؤهم وهم دون سن البلوغ كيف يتصرفون معهم في معاشهم وأموالهم؟ قل لهم: إصلاحكم لهم خير، فافعلوا الأنفع لهم دائمًا، وإن تخالطوهم في سائر شؤون المعاش فهم إخوانكم في الدين، وعلى الأخ أن يرعى مصلحة أخيه، والله يعلم المضيع لأموال اليتامى من الحريص على إصلاحها. ولو شاء الله لضيق وشق عليكم بتحريم المخالطة، إن الله عزيز في ملكه، (١) انظر: أوضح التفاسير ٧٦٣/١. مَوَسُوعَر النفسية الوضوي القرآن الكريم كما نهى عن أكل أموال اليتيم ظلمًا، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اَلْيَتَمَى كُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾ [النساء: ١٠]. إن الذين يعتدون على أموال اليتامى فيأخذونها بغير حق إنما يأكلون نارًا تتأجج يقاسون حرها(٣). ومن اهتمام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بشأن التیم أنه رغب في كفالته، والاهتمام برعايته، وبشر الأوصياء أنهم سيكونون معه بالجنة. عن سهلِ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا، وأشار بالسبابة والوسطى، وفرج بينهما شيئًا)(٤). ورعاية اليتيم وكفالته واجبة في الأصل على ذوي الأرحام والأقرباء، ويجب على المسلمين أن يتعاونوا فيما بينهم لإقامة دور لرعاية الأيتام، لتشرف المؤسسات الإسلامية على تربيتهم والإنفاق عليهم، ويكون ذلك أبعد لهم عن الانحراف (٢) التفسير الميسر ٣٥/١. (٣) المصدر السابق: ١/ ٧٨. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الطلاق، باب اللعان، ٥٣/٧، رقم ٥٣٠٤، ومسلم في صحيحه، كتاب الزهد والرقائق، باب الإحسان للأرملة، ٤ /٢٢٨٧، رقم ٢٩٨٣. ١٧٤ العلاقات الاجتماعية والمساكين، والفرق بينهما أن الفقراء هم الذین لهم شيء لا يقوم بهم. والتشرد والضياع، وتساهم كفالة اليتيم في بناء مجتمع سليم خالٍ من الحقد والكراهية الذين لا شيء لهم أصلا والمساكين هم تسوده روح المحبة والود. ٢. رعاية المنكوبين والمكروبین. حثت الشريعة الإسلامية على إغاثة المنكوب والتفريج عن المكروب. قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُشْرَةِ فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَكُمَّ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: ٢٨٠]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربةً فرج الله عنه كربةً من کربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة)(١). ولا شك أن المجتمع المسلم حين يتربى على هذه المعاني فإن أفراده ينطلقون في مضمار التعاون الكامل والتكافل الشامل والإيثار الكريم، ويأخذون بيد من أصابته مصيبة في ماله ونفسه. ٣. الفقراء والمساكين. قد استفاض كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم في الاهتمام بالفقراء (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المظالم والغصب، باب لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلمه، ١٢٨/٣، رقم ٢٤٤٢، ومسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة، باب تحريم الظلم، ١٩٩٦/٤، رقم ٢٥٨٠. ولقد ذكرهم الله تبارك وتعالى عند بيان أصناف المستحقين للزكاة وللصدقات، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَكِينِ وَالْعَمِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ فُلُوبُهُمْ وَفِي الْرِقَابٍ وَالْفَرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اَللَّهِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهُّ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: ٦٠]. فكان الفقراء والمساكين هم أُولى الفئات المستحقة للزكاة والصدقات. ٤. الوالدان عند الكبر. وهم طائفة خاصة من المسنين يجب إفرادها لعظيم قدرها ولضرورة التنبيه عليها، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوَاْ إِلَّ إِنَّهُ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَّأَ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل ◌َهُمَا أُنٍ وَلَا نَنْهُرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا [الإسراء: ٢٣]. ٥. يتامى النساء خاصة. وقد قال الله تبارك وتعالى في حقهن وفي التحذير من عدم إيتائهن ما كتب لهن: ﴿ وَيَسْتَقْتُونَكَ فِىِ النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِ اَلْكِتَبِ فِ يَتَمَى النِّسَآءِ الَّتِى لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَاكُتِبَ لَهُنَّ www. modoee.com ١٧٥ حرفالعين وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ كانت استدانته لشراء أرض تكون مصدر ثراء له، أو لشراء سيارة ليكون من أهل اُلْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَمَى بِالْقِسْطُّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ، عَلِيمًا ١٢٧ ١ # السعة أو الترف، فلا يستحق أن يعطى من [النساء: ١٢٧]. الزكاة)»(١). ٦. الأسرى. ويكفينا قوله تعالى: ﴿وَيُطْمِمُونَ اَلَّعَامَ عَلَى حُبِِّم مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ﴾ [الإنسان: ٨]. وهنا لابد أن نوصي بالاهتمام بعوائل الأسرى في كل مكان وخاصة في أرض الرباط أرض الجهاد والفداء أرض فلسطين الحبيبة، الذين يقبعون في سجون الاحتلال الإسرائيلي، والذين ضحوا بحريتهم من أجل عقيدتهم ووطنهم، فنقدم لهم كل عون ومساعدة ورعاية لهم ولأسرهم وتفقدهم في المناسبات، والعمل الجاد على فك أسرهم وأسری المسلمین في کل مکان. ٧. الغارمون. والغارم هو: المدین دینًا يستحق به الزكاة وليس دينًا للترفه، أو ليكون مصدرًا للثراء ((إذا استدان إنسان مبلغا مضطرا إليه؛ لبناء بیت لسكناه، أو لشراء ملابس مناسبة، أو لمن تلزمه نفقته؛ کأبيه ولأولاده أو زوجته، أو سيارة يكد عليها لينفق من كسبه منها على نفسه، ومن تلزمه نفقته مثلًا، وليس عنده ما يسدد به الدين استحق أن يعطى من مال الزكاة ما يستعين به على قضاء دينه، أما إذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ وَاُلْغَرِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٠]. ٨. ابن السبيل. هو من كان في سفر وضاق به الحال وغدا بلا مال، وإن كان في الأصل ربما من أهل اليسار، ولكنه صار بحالته الجديدة من أهل الصدقات، ومن الضعفاء المستحقين للمساعدة والمعونة. قال تعالى: ﴿ يَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونٌ قُلْ مَآ أَنْفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْبَ وَاْسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلُ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: ٢١٥](٢). ٩ . السائلون. والسائل يحمل ضعفًا بين جنباته بما جعل به يده هي السفلى، فإن كان فقيرًا فضعفه واضح، وإن کان غنيًا فیما یظهر لك فلعل لديه ما ألجأه إلى ذلك، فلا تزيدن عليه بعد ذل السؤال ذلا آخر من الانتهار، ولذلك يكفينا في حق السائل قول الله تبارك وتعالى: (١) فتاوى اللجنة الدائمة ١ المجموعة الأولى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ٨/١٠. (٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٩٦. ١٧٦ ◌َةُ النَّفِيَة جَوْسُو القرآن الكريمِ العلاقات الاجتماعية ﴿ وَمَّا السَّآئِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ١٠]. وكان من خصاله صلی الله عليه وسلم أنه لا يرد سائلا، ولعل الحديث المروي في الصحيحين من أبلغ ما يضرب مثلاً لهذه الحالة عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (قال رجلٌ: لأتصدقن بصدقةٍ، فخرج بصدقته، فوضعها في يد سارقٍ، فأصبحوا يتحدثون: تصدق على سارقٍ فقال: اللهم لك الحمد، لأتصدقن بصدقةٍ، فخرج بصدقته فوضعها في يدي زانية، فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على زانيةٍ، فقال: اللهم لك الحمد، على زانيةٍ؟ لأتصدقن بصدقةٍ، فخرج بصدقته، فوضعها في يدي غني، فأصبحوا يتحدثون: تصدق على غني، فقال: اللهم لك الحمد، على سارقٍ وعلىّ زانيةٍ وعلى غني، فأتي فقيل له: أما صدقتك على سارقٍ فلعله أن يستعف عن سرقته، وأما الزانية فلعلها أن تستعف عن زناها، وأما الغني فلعله يعتبر فينفق مما أعطاه الله)(١). (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة، باب إذا تصدق على غني وهو لا يعلم، ١١٠/٢، رقم ١٤٢١، ومسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب ثبوت أجر المتصدق، ٧٠٩/٢، رقم ١٠٢٢. الانحراف المجتمعى وعلاجه شغلت مشكلة الانحراف عن السلوك السوي علماء الاجتماع منذ فترات طويلة خاصة أن الانحراف يشكل ظاهرة اجتماعية خطيرة تخرج بالفرد أو الأفراد المنحرفين عن معايير المجتمع وقيمه. والجريمة في حقيقة أمرها لا تعدو إلا أن تكون شكلا من أشكال الانحراف عن السلوك السوي إلا أن القانون الجنائي وضع لها طابع الجريمة أو السلوك الانحرافي أو السلوك غير المشروع وذلك لمخالفتها لنص معين في القانون الجنائي السائد في المجتمع. وقد أصبحت ظاهرة الانحراف والجريمة في الفترة الأخيرة التي تحول فيها المجتمع الدولي إلى قرية صغيرة بسبب انتشار وسائل الاتصال والتقدم التكنولوجي السريع ظاهرة خطيرة جديرة بالرصد والدراسة والتحليل خاصة إذا ما تعلق الانحراف بالأحداث الذين يشكلون عماد المستقبل للمجتمع. إن مجتمعا تكثر فيه الأمراض الاجتماعية؛ كالعنف والجريمة والإدمان والانحرافات الجنسية واستغلال الطفولة، سيكون هو حتمًا مريضًا، وبحاجة إلى إعادة تنظيم من خلال تفعيل الرعاية الاجتماعية، وتأمين الاحتياجات الخاصة www. modoee.com ١٧٧ حرف العين بالفرد وبالمجتمع؛ تأمينًا لحالات الاكتفاء والعلاقات بين الناس. والإشباع. الطبقية: تباينت المواقف البشرية من هذه الظاهرة الإنسانية، فذهبت الماركسية إلى إنكار مفهوم الطبقات على مستوى التنظير، ودعت إلى إلغاء الفوارق بين الناس على مستوى التطبيق، واعتبرت أن هذا التفاوت يستدعي صراعًا على مستوى الفرد وعلى مستوى المجتمع، وقررت أن ((الصراع الطبقي)) هو الحاكم والمتحكم في علاقات الإنسان على المستويات كافة؛ ومن ثم رأت أن ((الصراع الطبقي)) صراع حتمي في المجتمعات، ويفضي في النهاية إلى زوال الطبقات من تلك المجتمعات، وسيادة طبقة واحدة هي طبقة العمال. والرأسمالية تعاملت مع هذه الظاهرة من منظور آخر، فهي من جانب أقرت هذا التفاوت على مستوى التنظير، وعملت على ترسيخه على مستوى التطبيق، فأطلقت للأفراد حرياتهم دون قيد أو شرط، وجعلتهم المالكين الوحيدين لما يكتسبون، ولا حق فيه لغيرهم. ومنعت الدولة من القيام بأي تدخل في سلوك الأفراد، واعتبرت أن سيطرة القوي على الضعيف والغني على الفقير هو القانون الذي يحكم المجتمعات وأما نظام الإسلام الاقتصادي والاجتماعي: فهو العدل الوسط بين النظامين السابقين، أو بتعبير أدق: هو نظام قائم بذاته، له فكره الاجتماعي الخاص به، فهو يعترف بقيمة الإنسان، كما يعترف بحقوق المجتمع، فیقیم توازنًا بينهما، بل إنه جعل الفرد للجماعة، والجماعة للفرد من طريق التضامن العام بين الأفراد، فهو إذن لیس فردیًا فقط یؤدي إلی الرأسمالية، ولیس جماعيًا يؤدي إلى الماركسية، وإنما يمنح الفرد قدرًا من الحرية بحيث لا يطغى على كيان الآخرين، ويمنح المجتمع أو الدولة التي تمثله سلطة واسعة في تنظيم الروابط الاجتماعية والاقتصادية على أساس من الحب المتبادل بين الفرد والجماعة، لا على أساس الحقد وإيجاد العداوات بين الناس(١). موقف القرآن من ظاهرة التفاوت الطبقي: المتأمل في القرآن الكريم يقف على العديد من الآيات القرآنية، التي ألمحت إلى ظاهرة التفاوت الطبقي بين الناس؛ (١) انظر: الفقه الإسلامي وأدلته، الزحيلي ٦/ ٤٥٧٤ وما بعده، المذاهب الفكرية المعاصرة ودورها في المجتمعات وموقف المسلم منها: د.غالب بن علي عواجي ٢/ ٧٢٧. ١٧٨ جوبيع القرآن الكريم العلاقات الاجتماعية من ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَمَنَّوْأُ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضَِّ لِلْرِجَالِ نَصِيبٌ ◌ِمَّا أُكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ عِمَا أَكْفَسَبْنَّ وَسْشَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا ﴾ [النساء: ٣٢]. أي: ألزموا الطاعة، وتمسكوا بأهداب القناعة؛ ولا تطمحوا بأعينكم إلى ما خص الله تعالى به غيركم؛ فهو جل شأنه مالك الملك؛ يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء؛ بيده الخير کله وهو حث على عدم الحقد والحسد (١). وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِّ فَمَا الَّذِينَ فُضِلُواْ بِآدِى رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَآءُ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾ [النحل: ٧١]. فمنکم غني وفقير ومالك ومملوك، أي: فجعلکم متفاوتین فیه فوسع على بعض عباده وبسط حتى جعل له من الرزق ما یکفي ألوفًا مؤلفة من بني آدم، وضيقه على بعض عباده وقتر حتى صار لا يجد القوت إلا بسؤال الناس والتكفف لهم، وكثر لواحد وقلل على واحد، وذلك لحكمة بالغة تقصر عقول العباد عن تعقلها والاطلاع على حقيقة أسبابها. وكما جعل التفاوت بين عباده في (١) انظر: أوضح التفاسير، محمد الخطيب ٩٨/١. المال جعله بينهم في العقل والعلم والفهم والجهل وقوة البدن وضعفه والحسن والقبح والصحة والسقم وغير ذلك من الأحوال (٢). وقوله تعالى: ﴿أَنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضَِّ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَحَتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا ﴾ [الإسراء: ٢١]. وقال تعالى: ﴿أَهُرْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِنَّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَا يَجْمَعُونَ [الزخرف: ٣٢]. فهذه الآيات ونحوها تقرر حقيقة واقعة وهي: أن الله سبحانه قد فضل الناس بعضهم على بعض بشتى أنواع التفضيل، والقرآن الكريم حين يقرر ظاهرة التفاوت بين الناس إنما يفعلها لحكمة وهي الامتحان والاختبار، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ اَلَّذِى جَعَلَكُمْ خَيْفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِى مَآ ءَاتَنَكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [الأنعام: ١٦٥]. أي: ورفع بعضکم فوق بعض درجات في العلم، والعمل، والغنى والفقر، ليبلوكم جميعا، كل بما عنده، فيختبر الغني، هل يؤدي زكاة ماله؟ هل يتصدق بالفضل من (٢) انظر: فتح البيان، صديق خان ٢٧٩/٧. www. modoee.com ١٧٩ حرف العين ماله؟ هل يعطف على الفقير والمحتاج الحسنى كلها ذاتية فيه وموهوبة منه لنا، والدليل على ذلك أن القوي فينا يصير إلى والمسکین أم هو نهم جشع صلد صلب كالحجر؟ نعم ويبلو الفقير هل يصبر ويرضى أم يشكو ويكفر؟ ضعف، والغني منا قد یصیبه الفقر؛ حتى لا نفهم أن هذه الصفات ذاتية فينا، وأن الحق سبحانه وتعالى قد أعطانا من صفاته قدرة لنفعل. وإذا كان الله سبحانه قد رفع بعضنا فوق بعض، فما علينا إلا العمل والجد والصبر والرضا بقضاء الله وقدره، واعتقاد أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وعلى الجملة فهذا علاج نفسي لسل السخائم والتحاسد(١). ومن الحكم لهذا التفاوت هو إعمار الأرض، ولا يمكن أن تستقيم الحياة إلا بهذا التفاوت؛ وذلك أن التفاوت ضروري لتنوع الأدوار المطلوبة لعمارة هذه الأرض، كما قال تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَأَسْتَعْمَرَكُ فِيهَا﴾ [هود: ٦١]. أي: طلب منكم عمارتها، وهذا يتطلب أمرين اثنين: أن يبقي الناس الأمر الصالح علی صلاحه، أو یزیدوہ صلاحًا. وهكذا نفهم معنى استعمار الأرض، ومن عظمة الحق سبحانه وتعالى أنه تجلى على الخلق بصفات من صفاته، فالقوي يعين الضعيف، والحق سبحانه له مطلق القوة، ويهب الخلق من حکمته حكمة، ومن قبضه قبضًا، ومن بسطه بسطًا، ومن غناه غنىً؛ ولكن الصفات ومن أعطاه الله تعالى قدرة ليفعل؛ عليه أن يلاحظ أنه انتفع بفعل من سبقه، فإن أکل اليوم تمرًا على سبيل المثال فعليه أن يتذكر أن الذي زرع له النخلة هو من سبقه، فلیزرع من يأكل البلح الآن نخلة لتفيده بعد سبع سنين وهو الزمن اللازم لتطرح النخلة بلحًا وليستفيد بها من يأتي من بعده(٢). ولو كان جميع الناس نسخًا مكررة ما أمكن أن تقوم الحياة في هذه الأرض على النحو المطلوب، ولبقيت أعمال كثيرة لا نجد لها من يقوم بها. ومع أن القرآن قد أقر هذه الظاهرة الإنسانية -ظاهرة التفاوت بين الناس- إلا أنه سعى للحد قدر المستطاع من هذا التفاوت، وهذا بيان ذلك: على مستوى التفاوت الاقتصادي بين الناس، طلب من الغني الإنفاق على الفقير، ومد يد العون له، كما قال تعالى: ﴿وَأَنفِقُواْ مِزْقَّارَزَقْنَكُمْ﴾ [المنافقون : . (١) انظر: التفسير الواضح، محمد الحجازي ١/ ٦٩٢. (٢) انظر: التفسير الواضح، محمد الحجازي ١/ ٦٩٢. ١٨٠ جوسين القرآن الكريم العلاقات الاجتماعية بالمقابل، طلب من الفقیر أن لا یتمنی ما فضل الله به غيره من الناس، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ، بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضِ لِلْرِجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا أُكْتَسَبُواْ وَلِلنَّسَآءِ نَصِيبُ مِمَا أَكْفَسَبْنُّ وَسْئَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهُ: إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا ﴾ [النساء: ٣٢]. ومدح المتعففين من الفقراء، فقال: لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحْصِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَهُمْ لَا يَسْتَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ، عَلِيمٌ ()﴾ [البقرة: ٢٧٣]. وعلى مستوى التفاوت الفكري، طلب القرآن من العالم أن يظهر علمه، ولا يكتمه عن الناس، وتوعد من يفعل ذلك أشد الوعید. قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيْنَتِ وَالْمُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيِّشَهُ لِلنَّاسِ فِ الْكِنَبِّ أُوْلَئِكَ يَلْعَنَّهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنَّهُمُ اللَّعِنُونَ [البقرة: ١٥٩]. وبالمقابل، حض القرآن غير المتعلم على طلب العلم، وميز بين العالم وغير العالم، ما یفید مدح الأول وذم الثاني، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونُّ إِنَّمَا يَتَذَّكَّرُ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ ﴾ [الزمر: ٩]. فغير العالم مطالب بأن يتعلم ولا ينبغي أن یبقی جاهلاً. وينبغي ألا يفهم من قوله تعالى: ﴿أَهُرْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَابَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِى اٌلْحَيَوْوِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِنًا وَرَحْمَثُ رَيِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ [الزخرف: ٣٢]. استعلاء طبقة على طبقة، أو استعلاء فرد على فرد، كلا! إن كل البشر مسخر بعضهم لبعض، ودولاب الحياة يدور بالجميع، ويسخر بعضهم لبعض في كل وضع، وفي كل ظرف، فالله فاضل بينهم فجعل بعضهم أفضل من بعض في الدنيا بالرزق والرياسة والقوة والحرية والعقل والعلم. ثم ذكر العلة لرفع درجات بعضهم على بعض وهي ليستخدم بعضهم بعضًا فیستخدم الغني الفقير، والرئيس المرؤوس والقوي الضعيف، والحر العبد، والعاقل من دونه في العقل والعالم الجاهل وهذا في غالب أحوال أهل الدنيا، وبه تتم مصالحهم وينتظم معاشهم، ويصل كل واحد منهم إلى مطلوبه. فإن کل صناعة دنيوية يحسنها قوم دون آخرين فجعل البعض محتاجًا إلى البعض لتحصل المواساة بينهم في متاع الدنيا ويحتاج هذا إلى هذا ويصنع هذا لهذا www. modoee.com ١٨١ حرف العين ويعطي هذا هذا(١). والقرآن إِذ يقرر هذا التفاوت بين البشر وفي كل جانب من جوانب الحياة. وأقرب لا يدعو إلى ترسيخ هذا التفاوت وتنظيمه، بل غاية ما في الأمر أنه يقرر الحقائق الخالدة المركوزة فى فطرة هذا الوجود؛ الثابتة ثبات السماوات والأرض ونواميسها التي لا تختل ولا تتزعزع. فالقرآن الکریم کما يقول سيد قطب: ((يرسي القواعد الأساسية والحقائق الكلية التي لا تضطرب ولا تتغير؛ ولا تؤثر فيها تطورات الحياة، واختلاف النظم، وتعدد المذاهب، وتنوع البيئات، فهناك سنن للحياة ثابتة، تتحرك الحياة في مجالها؛ ولكنها لا تخرج عن إطارها، والذين تشغلهم الظواهر المتغيرة عن تدبر الحقائق الثابتة، لا يفطنون لهذا القانون الإلهي، الذي يجمع بين الثبات والتغير، في صلب الحياة وفي أطوار الحياة؛ ويحسبون أن التطور والتغير، يتناول حقائق الأشياء كما يتناول أشكالها، ويزعمون أن التطور المستمر يمتنع معه أن تكون هناك قواعد ثابتة لأمر من الأمور؛ وينكرون أن يكون هناك قانون ثابت غير قانون التطور المستمر، فهذا هو القانون الوحيد الذي يؤمنون بثباته! فأما نحن أصحاب العقيدة الإسلامية فنرى في واقع الحياة مصداق ما يقرره الله من وجود الثبات والتغير (١) انظر: تفسير الشعراوي ١١/ ٦٥٣٠، ٦٥٣١. متلازمین في كل زاوية من زوايا الكون، ما بين أيدينا من هذا التلازم ثبات التفاوت في الرزق بين الناس، وتغير نسب التفاوت وأسبابه في النظم والمجتمعات»(٢). الخلاصة: مما تقدم يتبين أن القرآن الكريم أقر ظاهرة التفاوت بين الناس، واعتبر ذلك من المقتضيات الملازمة لاستمرار هذه الحياة، ودعا في الوقت نفسه إلى تقليل هذه التفاوت قدر المستطاع، لكنه لم يسع إلى إلغائه؛ لأن في ذلك إلغاء لسنة من سنن الحياة، ما يعني التناقض بين ما قرره القرآن وبين السنن التي أقام الله عليها هذا الكون. الجرائم المجتمعية: إن المجتمع المریض الذي يحول دون إشباع حاجات أفراده والذي يفيض بأنواع الحرمان والإحباطات والصراعات، والذي يشعر فيه الفرد بنقص الأمن وبعدم الأمان، وإن التنافس الشديد بين الناس وعدم المساواة والاضطهاد والاستغلال، يضاف إلى ذلك وسائل الإعلام غير الموجهة التي تؤثر تأثيرا سيئًا على أخلاقيات أفراد المجتمع، وغيرها من الأسباب قد يدفع بالعديد إلى ممارسة بعض أنواع السلوك (٢) انظر: فتح البيان، صديق خان ٣٤٩/١٢، ٣٥٠. جَوَسُولَةُ النَّة لِلْقُرآن الكَرِيمِ ١٨٢