Indexed OCR Text

Pages 41-50

العقل
ينادي بعضهم بعضا فيقول: يا محمد. بل الأتقياء والصلحاء؛ أسوة بتوقير سيد
الأنبياء)»(٥).
يقولون: يا رسول الله، يا نبي الله))(١).
(﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ
صَوْتِ النَّبِ﴾ يحتمل أن المراد حقيقة رفع
الصوت؛ لأن ذلك يدل على قلة الاحتشام
وترك الاحترام؛ لأن خفض الصوت وعدم
رفعه من لوازم التعظيم والتوقير))(٢).
«هذه آداب أدب الله بها عباده المؤمنين
فيما يعاملون به الرسول صلى الله عليه
وسلم من التوقير والاحترام والتبجيل
والإعظام)»(٣).
(يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله
وعملوا بشرعه، لا ترفعوا أصواتكم فوق
صوت النبي عند مخاطبتكم له، ولا تجهروا
بمناداته کما یجھر بعضكم لبعض، ومیزوه
في خطابه كما تميز عن غيره في اصطفائه
لحمل رسالة ربه، ووجوب الإيمان به،
ومحبته وطاعته والاقتداء به؛ خشية أن تبطل
أعمالكم وأنتم لا تشعرون ولا تحسون
بذلك)) (٤).
العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، وتعظيم
(١) لباب التأويل، الخازن، ١٧٦/٤.
(٢) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل،
٥٢٣/١٧.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٧/ ٣٦٤.
(٤) التفسير الميسر، نخبة من أساتذة التفسير،
١ / ٥١٥.
«فأمرهم الله بتوقيره، وأن يدعوه بالنبوة
والرسالة والكلام اللين، وكره العلماء رفع
الصوت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم
وبحضرة العالم وفي المساجد، وحرمة
النبي صلى الله عليه وسلم ميتًا کحرمته حيًّا،
وكلامه المأثور بعد موته في الرفعة مثل
كلامه المسموع من لفظه)» (٦).
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن
وَرَآءِ الْحُجُزَّتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَمْقِلُونَ ))﴾
[الحجرات: ٤].
((وصفهم بالجهل وقلة العقل))(٧).
﴿أَكْتُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ إذ العقل
يقتضي حسن الأدب ومراعاة الحشمة،
سيما لمن كان بهذا المنصب. لكان الصبر
خيرًا لهم من الاستعجال لما فيه من حفظ
الأدب وتعظيم الرسول الموجبين للثناء
والثواب (٨).
والكتاب العزيز مملوء بدعوة العقلاء
(وفي هذا ما فيه من الحث على توقير إلى الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم،
فإنه الرحمة، وهو المثل، والهادي البشير،
والسراج المنير، كيف لا وهو صلى الله عليه
وسلم القدوة الكاملة والأسوة الحسنة لكل
(٥) أوضح التفاسير، محمد الخطيب، ١/ ٦٣٣.
(٦) الجواهر الحسان، الثعالبي، ٢٦٨/٥.
(٧) لباب التأويل، الخازن، ٤ / ١٧٧.
(٨) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي، ١٣٤/٥.
www. modoee.com
١٣٣

حرفالعین
من كان يرجو الله واليوم الآخر؟!
قال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَّكُمْ فِ رَسُولِ اُللَّهِ
أُشْرَةُ حَسَنَّةُ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُواْ اللّهَ وَالْيَوْمُ الْآَخِرَ وَذَكْرَ
اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: ٢١].
شرح الله صدره، ووضع وزره، ورفع
ذكره، وأوجب طاعته، وحرم خيانته، وما
تخلف ركب الأمة اليوم إلا يوم أن تخلفت
عن الأدب معه صلی الله عليه وسلم، وما
تجرع أفراد الأمة مرارات البعد عن جمال
الحياة وطيب معانيها إلا يوم أن بعدت
نفوسهم عن سيرته الرائعة وعن هديه،
فصاروا يركضون وراء كل من أوتى ظاهرًا
من الحياة الدنيا، يخلعون عليه لباس العظمة
والبهاء باسمه وقوله وشخصه زعمًا وزورًا!
فكم من صفيق وجه صفقوا له، وكتبوا عنه
الأسفار، وتناقلوا أقواله! وكم من سفيهٍ
نصبوه إمامًا یقتدى به، فأضحى الذي أملوه
سرابًا بقيعةٍ وأضغاث أحلام! فالبعد عن
سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم والاهتداء
بغيره هو مستنقع الجهل وهوة الضلال وحياة
الشقاء، وطاعته هداية وسعادة وفوز (١).
يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله، لا
ترفعوا أصواتكم فوق صوت رسول الله
تتجهموه بالكلام، وتغلظون له في الخطاب،
ولا تنادوه كما ينادي بعضكم بعضًا: يا
(١) انظر: موسوعة الأخلاق، خالد الخراز،
٠١٣٧/١
محمد، یا محمد، یا نبي الله، یا نبي الله، یا
رسول الله. نهاهم الله أن ینادوہ کما ینادي
بعضهم بعضا وأمرهم أن يشرفوه ويعظموه،
ويدعوه إذا دعوه باسم النبوة (٢).
«فذمهم الله بعدم العقل؛ حيث لم يعقلوا
عن الله الأدب مع رسوله واحترامه، كما أن
من العقل وعلامته استعمال الأدب)) (٣).
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٧٧/٢٢.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٧٩٩.
١٣٤
جوسين
القرآن الكريم

العقل
الآثار المترتبة على إهمال العقل
زودنا الله سبحانه وتعالى بالعقل، كي
نعبده حق العبادة ونميز به بين الحق والباطل،
وبین ما ینفعنا وما يضرنا، ولم يتركنا هملًا
كالحيوانات، ولم يعط أحدًا منا عذرًا حين
يعطل عقله، بل منع من تناول أي نوع من
الأطعمة أو الأشربة التي تجعل العقل في
غيبوبة عن العالم الذي حوله، أو تؤدي إلى
ضرر في عقله أو صحته، فيمتنع عن العبادة،
لكن بعض الأشخاص لم يستعملوا عقولهم
في التفكر والتدبر في الآيات الكونية كما
أمرنا الله تعالى، بل كانوا كالأنعام بل هم
أضل سبيلًا بتقليدهم لآبائهم أو لكبرائهم
في الكفر.
قال تعالى: ﴿﴿ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِ عِندَ اللّهِ
٢٢# [الأنفال:
اُلُّمُّ الْبُّكُمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ
٢٢].
إن شر ما دب على الأرض من خلق
الله عند الله، الذين يصمون عن الحق لئلا
يستمعوه، فيعتبروا به ویتعظوا به، وینکصون
عنه إن نطقوا به، الذين لا يعقلون عن الله
أمره ونهيه، فيستعملوا بهما أبدانهم)) (١).
((وهذا مطابق لقوله تعالى:
عُنْىٌّ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١].
إلا أنه زاد في هذا وصف العمى وكل هذه
(١) جامع البيان، الطبري، ٤٥٩/١٣.
الأوصاف كناية عن انتفاء قبولهم للإيمان
وإعراضهم عما جاء به الرسول صلى الله
عليه وسلم وظاهر هذه الأخبار العموم(٢).
((إن شر الناس عند الله الصم عن الهدى
البكم، يعني: الخرس الذين لا يتكلمون
بخير، الذين لا يعقلون الإيمان)»(٣).
((سماهم دواب لقلة انتفاعهم
بعقولهم»(٤).
((قوله تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ
يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَّ إِنْ هُمْ إِلَّكَلْأَنْعَمِّ بَلْ هُمْ
أَضَلُّ سَبِيلًا ﴾ [الفرقان: ٤٤].
((أي: ما هم إلا كالأنعام، جعلهم
كالأنعام؛ لأنهم لم يدركوا طريق الحق،
ولم ينتفعوا بما میزهم الله به عن البهائم من
عقولهم وأسماعهم وأبصارهم))(٥).
((أي: لا ينتفعون بما يعقلون)) (٦).
((لم يخلق للأنعام قلوبًا تعقل بها ولا
ألسنة تنطق بها، وأعطى ذلك لهؤلاء ثم لم
ينتفعوا بما جعل لهم من العقول والقلوب
والألسنة والأسماع والأبصار فهم أضل من
البهائم، فإن من لا يهتدي إلى الرشد وإلى
الطريق مع الدليل له، أضل وأسوأ حالاً ممن
(٢) انظر: البحر المحيط في التفسير، أبو حيان،
٣٠٠/٥.
(٣) تفسير السمر قندي، ٢/ ١٤.
(٤) معالم التنزيل، البغوي، ٣٤٣/٣.
(٥) تفسير القرآن، السمعاني، ٢٢/٤.
(٦) تأويلات أهل السنة، الماتريدي، ٢٩/٨.
www. modoee.com
١٣٥

حرف العين
لا یھتدي حیث لا دلیل معه»(١).
(سماع قبول أو يفكرون فيما تقول
فيعقلونه، أي أهم بمنزلة من لا يعقل ولا
يسمع، وقيل: المعنى أنهم لما لم ينتفعوا بما
يسمعون فكأنهم لم يسمعوا))(٢).
((الآية تضمنت النهي عن التقليد؛ لأن
الله تعالى أنكر عليهم متابعة آبائهم، وأمر
(ليس المراد أنهم لا يعقلون بل إنهم لا بمتابعة العقل والهدى)) (٥).
ينتفعون بذلك العقل))(٣).
تابعًا لغيره ومقلدًا له، وقد نهانا الله تعالی
عن الاتباع إلا لله تعالى وللرسول صلی الله
علیه وسلم، فکیف بمن کان متبعًا لجاهل أو
كافر فماذا سيكون مصيره؟ سيكون من أهل
الضلالة والجهالة.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ أَتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ
اللّهُ قَالُواْ بَلْ تَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِءَابَاءَنَاْ أَوَلَوْ كَانَ
ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ
[البقرة: ١٧٠].
١٧٠
((أخبر تعالى عن حال المشركين إذا
أمروا باتباع ما أنزل الله على رسوله، رغبوا
عن ذلك واكتفوا بتقليد الآباء، وزهدوا في
الإيمان بالأنبياء، ومع هذا فآباؤهم أجهل
الناس، وأشدهم ضلالًا وهذه شبهة لرد
الحق واهية، فهذا دليل على إعراضهم عن
الحق، ورغبتهم عنه، وعدم إنصافهم، فلو
هدوا لرشدهم، وحسن قصدهم، لكان
(١) الأمثال في القرآن، ابن القيم ص ٢٠.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٣٦/١٣.
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي، ٢٤/ ٤٦٣.
الحق هو القصد، ومن جعل الحق قصده،
ووازن بينه وبين غيره، تبين له الحق قطعًا،
واتبعه إن كان منصفًا)»(٤).
((أيتبعون ما ألفوا عليه آباءهم في تقاليدهم
كذلك من عطل عقله عن العمل، سيكون وعاداتهم، ولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئًا
من الحق في أمور العقائد والعبادات، بل
ولو تجردوا من أي دليل منطقي، وحادوا
عن الصواب، وهذا يدل على ذم التقليد
بدون دلیل»(٦).
((ومثل الذين كفروا فيما هم فيه من الغي
والضلال، والجهل وتقليد الآباء والرؤساء،
كمثل الدواب السارحة التى لا تفقه شيئا مما
يقال لها، فإذا نعق فيها راعيها فإنها تسمع
صوته، ولكنها لا تفقه ما يقول ولا تفهمه،
فهم صم عن سماع الحق، وبکم لا يتفوهون
به، وعمي عن رؤية طريقه ومسلكه، لا
يعقلون شيئا ولا يفهمون))(٧).
وهكذا بناء على تفسير العلماء للآية نرى
حال من يقلد الآخرين دون تعقل وتمييز بين
الحق والباطل، ويعطل عقله وحواسه عن
الفهم والإدراك، كيف يكون كالدواب التي
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٨١.
(٥) التفسير البسيط، الواحدي ٣/ ٤٩٠.
(٦) التفسير المنير، الزحيلي، ٧٣/٢.
(٧) المصدر السابق، ٢/ ٧٦.
١٣٦
جوسبور
القرآن الكريم

العقل
لا تعقل، نسأل الله الهداية.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَآ
أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا
عَلَيْهِ ءَابَهُنَا أَوَلَوْ كَانَ ءَابَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا
١٠٤ ﴾ [المائدة: ١٠٤].
وَلَا يَهْتَدُونَ ◌َ
«أیتبعون آباءهم وإن كان آباؤهم جهالا،
فنهاهم الله عن التقليد، وأمرهم بالتمسك
بالحق وبالحجة)»(١).
ايكفينا ما وجدنا عليه آباءنا من الدين
والمنهاج أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا
من الدين ولا يهتدون له، أيتبعونهم في
خطئهم»(٢).
((يعني قد اكتفينا بما أخذنا عنهم من
الدين ونحن لهم تبع، ولا يصح الاقتداء
إلا بالعالم المهتدي الذي يبني قوله على
الحجة والبرهان والدليل، وأن آباءهم ما
کانوا کذلك فیصح اقتداؤهم بهم»(٣).
«تتبعون آباءكم وتقتدون بهم، وإن كنتم
تعلمون أن آباءكم لا يعلمون شيئًا في أمر
الدین ولا يهتدون، وإن جنتکم بأهدی مما
كان عليه آباؤكم؛ يسفههم في أحلامهم في
تقليدهم آباءهم، وإن ظهر عندهم أنهم على
ضلال وباطل)) (٤).
(١) تفسير السمر قندي، ١/ ٤٢٣.
(٢) زاد المسير، الجوزي، ١/ ٥٩٤.
(٣) لباب التأويل، الخازن، ٢/ ٨٤.
(٤) تأويلات أهل السنة، الماتريدي، ٦٣٥/٣.
من یعرف بطلان ذلك ولکن یمنعهم حب
الرياسة وتقليد الآباء أن يعترفوا بها)»(٥).
وينتج عن إهمال العقل عدم إعماله آثارٌ
سیئة، منها:
١. عبادة غير الله تعالى.
فصاحب العقل السليم والفطرة السليمة
لا يصرف عبادته إلا لله الواحد سبحانه (٦).
قَالُواْ ءَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا
قال تعالى:
قَالَ بَلْ فَعَلَهُ.
◌ِثَالِتِّنَا فَإِبْزَهِيمُ
كَبِيرُهُمْ هَذَا فَسْشَلُوهُمْ إِن كَانُواْ
فَرَجَعُواْ إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُواْ
يَتَطِقُونَ (
ثُمَّ تَكِسُواْ عَلَى
إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ
رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ
قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا
٦٥
يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُّكُمْ ) أَنّ لَّكُمْ
وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ
﴾ [الأنبياء: ٦٢ - ٦٧].
قص الله سبحانه علينا كيف أن قوم
إبراهيم عليه السلام كانوا يعبدون الأصنام
ثم قام بدعوتهم لعبادة الله وحده ولما لم
يستجيبوا له قام بتکسیر تلك الأصنام وبعد
ذلك قامت بينهم مشادة فاتهموه بتکسیرها،
قال إبراهيم موبخا لهم ومعلنا بشركهم
((ولكنهم يقلدون كبارهم وفيه أن منهم على رؤوس الأشهاد، ومبينًا عدم استحقاق
(٥) أنوار التنزيل، البيضاوي، ١٤٦/٢.
(٦) البناء العقلي في ضوء القرآن الكريم، ميساء
كمال قلجة، ص ١٣١.
www. modoee.com
١٣٧

حرفالعین
آلهتهم للعبادة، فلا نفع ولا دفع، ما أضلكم إلا افتراء على الله وكذبًا، لا لشرع شرعه
الله لهم ولا لعقل دلهم عليه، وسبحان
وأخسر صفقتكم، وما أخسركم، أنتم وما
عبدتم من دون الله، إن كنتم تعقلون عرفتم
هذه الحال، فلما عدمتم العقل، وارتكبتم
الجهل والضلال على بصيرة، صارت
البهائم، أحسن حالًا منكم(١).
الله العظيم ما أرك عقول هؤلاء وأضعفها!
يفعلون هذه الأفاعيل التي هي محض
الرقاعة ونفس الحمق، وإذا قيل لهم تعالوا
إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما
وجدنا عليه آباءنا وهذه أفعال آبائهم وسننهم
التي سنوها لهم، وصدق الله سبحانه حیث
يقول: ﴿أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا
يَهْتَدُونَ ﴾ أي: ولو كانوا جهلة ضالين)» (٤).
«قبحا لکم وللآلهة التي تعبدون من دون
الله، أفلا تعقلون قبح ما تفعلون من عبادتكم
ما لا يضر ولا ينفع، فتتركوا عبادته، وتعبدوا
الله الذي فطر السماوات والأرض، والذي
بيده النفع والضر)»(٢).
٢. افتراء الكذب على الله.
نجد أن المشركين يشرعون في الدين من
البدع والضلالات ما لم یشرعه الله تعالى،
بينما من أعمل عقله فلا يتبع إلا ما جاء في
القرآن الكريم والسنة النبوية.
قال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيَرَةٍ وَلَا
سَآَيِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَاءٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ
يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ
[المائدة: ١٠٣].
((﴿وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ أراد بالأكثر
الاتباع يعني: أن الاتباع لا تعقل أن هذا كذب
وافتراء من الرؤساء على الله عز وجل))(٣).
((وصفهم الله سبحانه بأنهم ما قالوا ذلك
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص٥٢٦.
(٢) جامع البيان، الطبري، ٤٦٤/١٨.
(٣) لباب التأويل، الخازن، ٨٤/٢.
(وصفهم الله سبحانه بأنهم ما قالوا ذلك
إلا افتراء على الله و كذبًا لا لشرع شرعه الله
لهم، ولا لعقل دلهم الله عليه، وسبحان
الله العظيم ما أرك عقول هؤلاء وأضعفها!
يفعلون هذه الأفاعيل التي هي محض
الرقاعة ونفس الحمق، وهذا شأن علمائهم
ورؤسائھم و کبرائھم»(٥).
٣. تقليد الآباء السادة في ضلالهم.
بينما العاقل يعلم أنه لا طاعة لمخلوق في
معصية الخالق فلا يتبع إلا الدين الصحيح
دين الإسلام.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَتَّبِعُواْ مَآ أَنْزَلَ
اللّهُ قَالُواْبَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِءَ ابَآءَنَاْ أَوْلَوْ كَانَ
ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ
﴾ [البقرة: ١٧٠].
١٧٠
(٤) فتح القدير، الشوكاني، ٢/ ٩٤.
(٥) فتح البيان، صديق خان، ٦٦/٤.
١٣٨
فَضْو
القرآن الكريمِ

العقل
«فکیف أيها الناس تتبعون ما وجدتم
عليه آباءكم فتتركون ما يأمركم به ربكم،
وآباؤكم لا يعقلون من أمر الله شيئًا، ولا
هم مصيبون حقًا، ولا مدركون رشدًا؟ وإنما
يتبع المتبع ذا المعرفة بالشيء المستعمل له
في نفسه، فأما الجاهل فلا يتبعه فيما هو به
جاهل إلا من لا عقل له ولا تمييز(١).
((أيتبعون آباءهم وإن كانوا جهالًا
فيتابعوهم بغير حجة؟ فكأنه نهاهم عن
التقليد وأمرهم بالتمسك بالحجة»(٢).
((فاكتفوا بتقليد الآباء، وزهدوا في
الإيمان بالأنبياء، ومع هذا فآباؤهم أجهل
الناس، وأشدهم ضلالًا وهذه شبهة لرد
الحق واهية، فهذا دليل على إعراضهم عن
الحق، ورغبتهم عنه، وعدم إنصافهم»(٣).
«رد عليهم، وبيان لبطلان الاعتماد في
الدين على مجرد تقليد الآباء»(٤).
٤. تحريف كلام الله.
فهم بعد ما عقلوه وفهموه، يؤولونه تبعًا
لأهوائهم لکن المسلم العاقل لا یحرف ولا
یؤول بل يتبع ما أنزل على سيدنا محمد
صلى الله عليه وسلم من قرآن أو سنة.
قال تعالى:
﴿ أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ
وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَمَ اللَّهِ ثُمَّ
(١) انظر: جامع البيان، الطبري، ٣٠٨/٣.
(٢) تفسير السمر قندي، ١١٢/١.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٨١.
(٤) التفسير الوسيط، طنطاوي، ٣٤٦/١.
يُحَرِفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
﴾ [البقرة: ٧٥].
« في ذلك قولان:
أحدهما: أنهم علماء اليهود والذين
يحرفونه التوراة فيجعلون الحلال حرامًا
والحرام حلالاً اتباعًا لأهوائهم وإعانة
لراشیھم، وهذا قول مجاهد والسدي.
والثاني: أنهم الذين اختارهم موسى من
قومه، فسمعوا كلام الله فلم يمتثلوا أمره
وحرفوا القول في إخبارهم لقومهم، وهذا
قول الربيع بن أنس وابن إسحاق)» (٥).
((ومعنى الآية الكريمة: أفتطمعون- أيها
المؤمنون- بعد أن وصفت لكم من حال
اليهود ما وصفت من جحود ونكران، أن
يدخلوا في الإسلام. والحال أنه كان فريق
من علمائهم وأحبارهم يسمعون كلام
الله ثم يميلونه عن وجهه الصحيح من
بعد ما فهموه، وهم يعلمون أنهم كاذبون
بهذا التحريف على الله تعالى، أو يعلمون
ما يستحقه محرفه من الخزي والعذاب
الأليم» (٦).
((والمراد من التحريف أنهم عمدوا إلى
ما سمعوه من التوراة، فجعلوا حلاله حرامًا
أو نحو ذلك مما فيه موافقة لأهوائهم،
کتحریفهم صفة رسول الله صلى الله عليه
(٥) النكت والعيون، الماوردي، ١٤٨/١.
(٦) التفسير الوسيط، طنطاوي، ١٧٩/١.
www. modoee.com
١٣٩

حرفالعین
وسلم وإسقاط الحدود عن أشرافهم، أو وقيل: إنهم كانوا إذا أذن المؤذن للصلاة
تضاحكوا فيما بينهم وتغامزوا على طريق
السخف والمجون، تجهيلا لأهلها، وتنفيرا
للناس عنها وعن الداعي إليها. وقيل: إنهم
كانوا يرون المنادي إليها بمنزلة اللاعب
الهازئ بفعلها، جهلا منهم بمنزلتها)» (٣).
سمعوا كلام الله لموسی فزادوا فیه ونقصوا،
وهذا إخبار عن إصرارهم على الكفر وإنکار
على من طمع في إيمانهم وحالهم هذه
الحال: أي ولهم سلف حرفوا كلام الله
وغيروا شرائعه وهم مقتدون بهم متبعون
سبيلهم))(١).
٥. الاستهزاء بدين الله تعالى
وشعائره.
قال تعالى: ﴿يَهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ
اَّخَذُواْ دِيتَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن
قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءُ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ إِنْ كُمْ مُؤْمِنِينَ
وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ أَتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبَّأْ ذَلِكَ
بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ ﴾ [المائدة: ٥٧-٥٨].
((الكفار، إذا سمعوا الأذان استهزؤوا
به. وإذا رأوهم ركعا وسجدا ضحكوا
واستهزؤوا بذلك. ذلك الاستهزاء بأنهم قوم
لا يعقلون یعني: لا يعلمون ثوابه» (٢).
((قال الكلبي: كان إذا أذن المؤذن وقام
المسلمون إلى الصلاة قالت اليهود: قد
قاموا لا قاموا، وكانوا يضحكون إذا ركع
المسلمون وسجدوا وقالوا في حق الأذان:
لقد ابتدعت شيئا لم نسمع به فيما مضى من
الأمم، فمن أين لك صياح مثل صياح العير؟
فما أقبحه من صوت، وما أسمجه من أمر،
(١) فتح القدير، الشوكاني، ١/ ١٢٠.
(٢) تفسير السمر قندي، ٤٠١/١.
وكذلك ما كان عليه المشركون والكفار
المخالفون للمسلمين، من قدحهم في
دين المسلمين، واتخاذهم إياه هزوا ولعبًا،
واحتقاره واستصغاره، خصوصًا الصلاة
التي هي أظهر شعائر المسلمين، وأجل
عباداتهم، إنهم إذا نادوا إليها اتخذوها
هزوًا ولعبًا، وذلك لعدم عقلهم ولجهلهم
العظيم، وإلا فلو كان لهم عقول لخضعوا
لها، ولعلموا أنها أكبر من جميع الفضائل
التي تتصف بها النفوس. فكيف تدعي
لنفسك دينًا قيمًا، وأنه الدين الحق وما سواه
باطل، وترضى بموالاة من اتخذه هزوًا
ولعبًا، وسخر به وبأهله، من أهل الجهل
والحمق؟!
وهذا فیه من التھییج علی عداوتهم ما هو
معلوم لكل من له أدنى مفهوم (٤).
مما سبق يجب علينا جميعًا أن نحرص
على استعمال عقولنا في التقرب إلى الله
تعالى، بعبادة التفكر والتدبر في آيات الله
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٦/ ٢٢٤.
(٤) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص٢٣٧.
١٤٠
جوببيو
القرآن الكريم

العقل
تعالى المنظورة والمسطورة، عسى الله
تعالى أن ينفعنا بهذه العبادة، ويزداد إيماننا،
ولا نترك عقولنا معطلة عن العمل فتصداً
وتتعطل حواسنا، فضل عن سبيل الله
ونتعرض لسخط الله، باتباعنا الشيطان أو
نقلد الضالين المعاندين لدين الله.
نسأل الله الهدى والتقى، والحمد لله
الذي تتم بنعمته الصالحات.
موضوعات ذات صلة:
الآيات الكونية، التدبر، التفكر، الحكمة،
الحوار، الغفلة
www. modoee.com
١٤١