Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ العَقْدُ عناصر الموضوع مفهوم العقل ٩٤ العقل في في الاستعمال القرآني ٩٥ الألفاظ ذات الصلة ٩٦ العقل نعمة ٩٩ ١٠١ ضوابط العقل ١٠٣ مجالات استعمال العقل ١١٨ ثمار استعمال العقل ١٣٥ الآثار المترتبة على إهمال العقل المُجَلَدَ الرّايعِ وَالعشْرُونْ حرف العين مفهوم العقل أولًا: المعنى اللغوي أصل مادة (عقل) تدل على حُبسةٍ في الشيء أو ما يقارب الحبسة. من ذلك العقل، وهو الحابس عن ذميم القول والفعل (١). والعقل أيضًا: نقيض الجهل، يقال: عَقِلَ يعقل عقلًا فهو عاقل، والمعقول: ما تعقله في فؤادك، ويقال: هو ما يُفهم من العقل (٢). وأصل العقل: الإمساك والاستمساك، كعقل البعير بالعقال، وعقل الدواء البطن(٣). قال الزبيدي: العقل هو العلم بصفات الأشياء من حسنها وقبحها، وكمالها ونقصانها (٤). وهو مأخوذ من عقال الدابة، فكذلك العقل يمنع صاحبه من الكفر والجحود(٥). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي عرفه ابن عطية بأنه: الإدراك المانع من الخطأ (٦). ويقول الأصفهاني: هو القوة المتهيئة لقبول العلم، ويقال للعلم الذي يستفيده الإنسان بتلك القوة عقل (٧). ((وقيل: إن العقل هو المدرك للأشياء على ما هي عليه من حقائق المعاني))(٨). ((وأُسمِيَ العقلُ عقلًا؛ لأنه يعقل به ما ينفعه من الخير، وينعقل به عما يضره))(٩). فالعقل يميز به الحق والباطل، ويمنع صاحبه من ارتكاب ما يضر. (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ٦٩/٤، مجمل اللغة، ابن فارس، ١/ ٦١٧. (٢) انظر: العين، الفراهيدي، ١٥٩/١، جمهرة اللغة، أبو بكر الأزدي، ٩٣٩/٢، المحكم والمحيط الأعظم، ابن سیده المرسي، ١ / ٢٠٥. (٣) انظر: المفردات، الأصفهاني، ص٥٧٨. (٤) انظر: تاج العروس ١٨/٣٠. (٥) انظر: معالم التنزيل، البغوي، ٨٨/١. (٦) انظر: المحرر الوجيز، ١ / ١٣٧. (٧) انظر: المفردات ص٥٧٧. (٨) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٣٧٠/١. (٩) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٥١. مُوسُوبَة التقنية القرآن الكريمِ ٩٤ العقل العقل في في الاستعمال القرآني وردت مادة (عقل) في القرآن الكريم (٤٩) مرة (١). والصيغ التي وردت، هي: الصيغة عدد المرات المثال ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ الفعل الماضي ١ [البقرة: ٧٥] الفعل المضارع ٤٨ ﴿ذَلِكُمْ وَصَّنَّكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُوْنَّمْقِلُونَ (٥)﴾﴾ [الأنعام: ١٥١] وجاء العقل في القرآن الكريم بمعنى الفهم (٢)، قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِيُّهَا لِلنَّاسِّ وَمَا يَعْقِلُهَاْ إِلَّ الْعَلِمُونَ ﴾ [العنكبوت: ٤٣]. أي: وما يفهمها ويتدبرها إلا الراسخون في العلم المتضلعون منه (٣). (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص٤٦٨ - ٤٦٩. (٢) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٤٥٨/١١، بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي ٤ /٨٥. (٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٧٩/٦. www. modoee.com ٩٥ حرف العين الألفاظ ذات الصلة اللب: ١ اللب لغةً: ((لُبُّ: لُبُّ كُلِّ شيءٍ: داخلُه، وُبابُه أيضًا. وكذلك الخالص الخيار من كل شيءٍ))(١). ((واللُّبُّ: خُلاصة الشيء وقلبُه، ولُبُّ الرجل: ما جعل في قلبه من العقل. وشيءٌ لبابٌ: خالصٌ. ابن جني: هو لباب قومه، وهم لباب قومهم، وهي لباب قومها، ولبيبٌ: عاقلٌ ذو لبٍّ))(٢). ((لبب: الألباب: العقول))(٣). اللُّبُّ اصطلاحًا: ((وأطلق هنا على عقل الإنسان؛ لأنه أنفع شيء فيه، ولب الرجل: ما جعل في قلبه من العقل))(٤)، وقيل: ((هو ما زكى من العقل، فكل لب عقل وليس كل عقل نُبًّا))(٥). الصلة بين العقل واللب: كل لبيب له عقل حصيف، يعقل به خالص الأمور وأنفعها. النهي: ٢ النهى لغة: (نَهَيَ: النون والهاء والياء أصلٌ صحيحٌ يدل على غايةٍ وبلوغ)) (٢)، و((النُّهية: العقل؛ لأنه ينهى عن قبيح الفعل والجمعُ نُهى)»(٧)، وهو ((الزجر عن الشيء))(٨)، ((وجُعل اسمًا للعقل الذي انتهى من المحسوسات إلى معرفة ما فيه من المعقولات))(٩). النُّهَى اصطلاحًا: (١) المحيط في اللغة، الصاحب بن عباد، ٤٥١/٢. (٢) جمهرة اللغة، الأزدي ١/ ٧٦، المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده ١٠/ ٣٦٦، وانظر: لسان العرب، ابن منظور ٧٢٩/١. (٣) تحفة الأريب بما في القرآن من الغريب، أبو حيان الأندلسي، ١/ ٢٧٤. (٤) لسان العرب، ابن منظور، ٧٢٩/١. (٥) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٧٣٣. (٦) مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٥٩/٥. (٧) المصدر السابق. (٨) المفردات، الراغب الأصفهاني ص٨٢٦. (٩) الذريعة إلى مكارم الشريعة، الراغب الأصفهاني، ١/ ١٣٧. جَوَنُور القرآن الكريم ٩٦ العقل ذكر السعدي: ((النُّهَى، أي: العقول السليمة والفطر المستقيمة والألباب التي تزجر أصحابها عما لا ينبغي»(١). الصلة بين العقل والنُّهَى: العقل والنهى مترادفان فبالعقل يُمْنَعُ الشخص عن ارتكاب المعصية، وبالنهى ينزجر وينتهى عن المحرمات والمعاصي. الحجا: ٣ الحجالغة: ((الحاء والجيم والحرف المعتل أصلان متقاربان، أحدهما إطافة الشيء بالشيء وملازمته، والآخر القصد والتعمد))(٢)، ((الحجا: الستر والعقل))(٣)، ((حجا: مفرد، الجمع أحجاء، وأحجية: عقل وفطنة، من ذوي الحجا: ذكيٌّ حكيمٌ)) (٤). الحجا اصطلاحًا: ((الحجا هو ثبات العقل من قولهم: تَحَجَّى بالمكان إذا أقام فيه))(٥). الصلة بين العقل والحجا: بالعقل يتم الفهم والحفظ، وبالحجة يقوى على الاستنباط وإظهار المعاني. الذهن: ٤ الذهن لغة: ((الذال والهاء والنون أصل يدل على قوة، وهو الفطنة للشيء والحفظ له)) (٦). الذهن اصطلاحًا: ((هو قوة للنفس معدة لاكتساب العلوم، تشمل الحواس الظاهرة والباطنة))(٧)، وقيل: هو ((قوة للنفس تشمل الحواس الظاهرة والباطنة معدة لاكتساب العلوم، وهو الاستعداد التام لإدراك العلوم والمعارف بالفكر)» (٨). (١) تيسير الكريم الرحمن، ص٥١٦. (٢) مقاييس اللغة، ابن فارس، ١٤١/٢. (٣) المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ١٥٩/١. (٤) معجم اللغة العربية المعاصرة، د.أحمد مختار - ٤٥١/١. (٥) الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري، ص ٨٥. (٦) مقاييس اللغة، ابن فارس، ٢/ ٣٦٣. (٧) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي، ص١٧١. (٨) الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري،ص٨٥. www. modoee.com ٩٧ حرف العين الصلة بين الذهن والعقل: بالعقل والذهن يتم الفهم والحفظ وإدراك العلوم والمعارف، وذلك باشتراك الحواس الظاهرة والباطنة. الحجر: ٥ الحجر لغة: ((الحاء والجيم والراء أصل واحد مطرد، وهو المنع والإحاطة))(١). الحجر اصطلاحًا: هو ((قوله تعالى لذي حجر أي: عقل ولب، فمن كان ذا عقل ولب علم، قال الحسن: لذي حجر، أي: لذي حلم. وقال أبو مالك: لذي ستر من الناس. وقال الجمهور: الحجر: العقل. قال الفراء: الكل يرجع إلى معنى واحد، لذي عقل ولذي حلم ولذي ستر، الكل بمعنى العقل. والعرب تقول: إنه لذو حجر إذا كان قاهرًا لنفسه ضابطًا لها)) (٢). الصلة بين العقل والحجر: صاحب العقل السليم والفطرة السوية يكون ذا حِجْر، حيث يمنع صاحبه ويحجره عن الوقوع في ما لا يحل له، ولا يليق به من القبائح. (١) مقاييس اللغة، ابن فارس، ١٣٨/٢. (٢) فتح القدير، الشوكاني، ٥٢٨/٥. ٩٨ جَوَبُوبَةُ النَّفي القرآن الكريمِ العقل العقل نعمة إن من أفضل نعم الله على عباده نعمة العقل، فلولا العقل لما عَرَفَ الإنسانُ دين الإسلام والنبوة، والخير والشر، والحق والباطل، والمعروف والمنكر. قال تعالى: ﴿﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِيّ ءَادَمَ وَحَلْنَهُ فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَهُم مِّنَ الطَّيِّبَتِ وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مَِّّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا [الإسراء: ٧٠]. ٧٠ فاللَّهُ سبحانه وتعالى فضل بني آدم على غيرهم من الجمادات والحيوانات، والنباتات بهذا العقل. فإذا فقد الإنسان العقل السليم الذي يقوده إلى الخير ويبعده عن الشر، فقد أصبح کالبهيمة التي تأكل وتشرب ولا تعقل شيئًا، بل إنها خيرٌ منه كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِّ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌّ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَمْ ءَذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَاْ أُوْلَكَ كَالْأَنْعَمِ بَلَّ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَكَ هُمُ الْغَفِلُونَ (٣)﴾ [الأعراف: ١٧٩]. قال ابن حزم: وَحَدُّ العقل ينطوي فيه فعل الطاعات والفضائل، واجتناب المعاصي والرذائل، وقد نص الله تعالى في كتابه على أن من عصاه لا يعقل. قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْكُنَّا نَسْمَعُ أَوْنَعْقِلُ مَاكُنَافِ أَصْحَبِ السَّعِيرِ ﴾ [الملك: ١٠]. وَحَدُّ الحمق: استعمال المعاصي والرذائل، وهو ضد العقل، ولا واسطة بين الحمق والعقل إلا السخف (١). وأفضل مواهب الله لعباده العقل، ولقد أحسن الذي يقول(٢): أفضل قسم الله للمرء عقله فليس من الخيرات شيء يقاربه إذا أكمل الرحمن للمرء عقله فقد كملت أخلاقه ومآربه يعيش الفتى فى الناس بالعقل إنه على العقل يجري علمه وتجاربه يزيد الفتى في الناس جودة عقله وإن كان محظورًا عليه مكاسبه قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَّْ يَجْعَلِ اللّهُلَهُ نُورًا فَمَا لَهُمِنْ ﴾ [النور: ٤٠]. ((وقد جُعِلَ للعقل نَظَرَّ وإدراك ورؤية وإبصار، وجعل له أضداده من العمى وغيره، قال الله تعالى: ﴿وَتَرَدُهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٨]))(٣). ((إنما العاقل من وَخَّدَ الله تعالى وعمل بطاعته، وقال تعالى حكاية عن أهل النار: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَاكُنَا فِ أَعْخَبِ السَّعِيرِ ( (١) انظر: الأخلاق والسير في مداواة النفوس، ص٥٨. (٢) روضة العقلاء ونزهة الفضلاء، ابن حبان، ص١٧ . (٣) الذريعة إلى مكارم الشريعة، الأصفهاني، ص١٣٥. www. modoee.com ٩٩ حرف العين [الملك: ١٠](١). ((قيل لابن المبارك: ما خير ما أُعطي الرجل؟ قال: غريزة عقل، قيل: فإن لم یکن؟ قال: أدبُّ حسن، قیل: فإن لم یکن؟ قال: أخ صالح يستشيره، قيل: فإن لم یکن؟ قال: صمت طويل، قيل: فإن لم يكن؟ قال: موت عاجل»(٢). وفي الصحيحين من حديث النعمان ابن بشير رضي الله عنهما: (ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد کله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)(٣). فإذا آمن القلب، آمنت الجوارح بفعل المأمورات وترك المنهيات؛ لأن القلب أمير البدن، وذلك يدل دلالة واضحة على أن القلب ما كان كذلك إلا لأنه محل العقل الذي به الإدراك والفهم. وقد حشد القرآن الکریم عشرات الآيات القرآنية الداعية إلى استعمال العقل والتفكر والتدبر في آيات الله الكونية، وآيات الله القرآنية، وجعل الله سبحانه وتعالى التفكير (١) المصدر السابق ص١٣٦. (٢) روضة العقلاء ونزهة الفضلاء، ابن حبان، ص١٧. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، فضل من استبرأ لدينه، ١/ ٢٠، رقم ٥٢، ومسلم في صحيحه، كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات، ١٢١٩/٣، رقم ١٥٩٩. فريضة إسلامية فقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]. وقد خص أصحاب العقول الصافية، والقلوب النيرة أولي الألباب، وأصحاب الفطرة السليمة بهذا التفكر والتدبر، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ أَلَيْلِ وَالنَّهَارِ لَيَتٍ لِّأُوْلِى الْأَلْبَبِ [آل عمران: ١٩٠]. ((وخَصَّ اللهُ بالآيات أولي الألباب، وهم أهل العقول؛ لأنهم هم المنتفعون بها، الناظرون إليها بعقولهم لا بأبصارهم» (٤). والواجب علينا أن نقوم بالمحافظة عليه؛ كي يبقى سليمًا بعيدًا عن الشبهات التي تتسبب في نقص الإيمان أو انعدامه كلية، كذلك الابتعاد عن تعاطي كل ما يخامر العقل ویؤدي بالإنسان إلى ارتكاب حماقات أو جرائم هو والمجتمع في غنى عنها، عدا ذلك الأضرار الصحية وما ينجم عنها من خسائر وأضرار مادية ومعنوية تعود على الشخص وعائلته وكذلك المجتمع. لذا فقد حدد الشارع الحكيم أمورًا لابد من الابتعاد عنها للمحافظة على العقل سليمًا منها، قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنََّا الْخَتُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [المائدة: (٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٦١. ١٠٠ القرآن الكريم العقل ٩٠]. فالعقل نعمة عظيمة وهبة كبيرة من الله عز وجل، يجب أن نشكر المولى عليها شكرًا عمليًا، وذلك بحفظ العقل مما يكدر صفوه، ويعكر فهمه، ويفسد صلاحه، ويطمس نوره، إنه أمانة يجب حفظها، وعطية يتحتم رعايتها، وذلك بالبعد عن الشبهات، والحذر من الشهوات. إنَّ حماية العقل وحراسة الفكر واجب فردي، وواجب جماعي، وواجب حكومي. يجب على الفرد أن يحمي عقله من مهاوي الردى، ودروب الزلل، ومرائع الخلل، يجب على أفراد المجتمع أن يتعاونوا على حراسة العقول، وحماية الأذهان، ورعاية الأفكار، يجب على المسؤولين أن يتقوا الله في عقول رعاياهم، فَيَحُولُوا بينهم وبين ما يُفسِد هذه العقول، ويشوش أذهانهم، ويطمس بصائرهم، من کتب مضللة، وأفكار هدامة، وأفلام ماجنة، ومسلسلات هابطة، وبرامج ساخرة، وأغانٍ محرمة. اللهم متعنا بعقولنا ما أحييتنا، اللهم عمر قلوبنا وعقولنا بحبك وطاعتك وحب من يحبك، اللهم نَوِّر أبصارنا، وَزَكِّ نفوسنا، واحفظ من الزيغ أفكارنا وعقولنا، اللهم آمین. ضوابط العقل لقد اهتم الإسلام بالجانب العقلي بما يتفق مع الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وقد أحاط العقل بسياج من العناية والرعاية، فالإسلام فتح المجال للعقل للتفكر، والتدبر في آيات الله المسطورة والمنظورة، فلا نكاد نجد سورة من سور القرآن، تخلو من دعوة للتفكر والتدبر في هذا الكون الفسيح، بكل ما فيه من دلائل على قدرة الله سبحانه، قال تعالى: ﴿كِتَبُ أَنْزَلْنَهُ إِلَيْكَ مُبَزَكٌ لِيَّبَرُوا ءَايَتِهِ، وَلِسَتَذَّكْرَ أُوْلُوَالْأَلْبَبِ ﴾ [ص: ٢٩]. ولكنَّ هذه الدعوة ليست مفتوحة على مصراعيها، بل وُضِعَ لها حدود وقیود، لا بد من الأخذ بها تجنبًا للوقوع في الأخطاء، إن العقل يُسَلِّمُ بمحدودية معارفه وانحصارها في عالم الشهادة، أما عالم الغيب فلا سبيل إلى معرفته والإلمام بأسراره وخصائصه إلا بالوحي، ومن هنا أدركت العقول الصحيحة أن الإنسان في حاجة ماسة إلى الوحي الإلهي للوصول إلى المعرفة الصحيحة حول الكون وخالقه والإنسان ودوره في التعمير وخلافة الله في الأرض ومصيره في الآخرة، والإحساس بالحاجة إلى الوحي ليس فيه غمط للعقل والحس ودورهما في المعرفة، ذلك أنَّ الوحي يهدي هذه الوسائل ويصحح مسارها ويرشدها إلى الحقائق www. modoee.com ١٠١ حرف العين التي لا سبيل أن يصل إليها العقل والحس بمفردهما، لا يمكن بحال أن يغني العقل عن النبوة والرسالة، وطالما أن الإنسان مُحاسَبٌ مجازى على أعماله فإن مبعث الرسل للشعوب والأمم وللخليقة أجمعين يعد واجبًا، قال تعالى: ﴿لِثَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]. كما يعد الوحي حقيقة لا ينكرها إلا متفلت من ضوابط العقل والحس وثوابت النقل وكُلِّ سبل المعرفة وتحصيل العلم(١). وقد حدد العلماء مجال استعمال العقل بعدد من الضوابط منها: أن لا يتعارض مع النصوص الصحيحة. ((العقل والوحي لا يتعارضان فهما متکاملان، وهما يوصلان إلى طريق واحد، وهو معرفة الله تعالى والإقرار بوحدانيته، وهو ما يَثْبُتُ بالعقل وهو ما يؤيده قوله تعالى: ﴿مَا أَتَّخَذَ اَللَّهُ مِن وَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ، مِنْ إِلَهٍّ إِذَا لَّذَهَبَ كُلَّ إِلَمٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضَِّ عَلِم سُبْحَنَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ) الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ فَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ٩٢ [المؤمنون: ٩١ - ٩٢]. ثم يأتي دور الوحي لنتعرف من خلاله على ما یجب لله، وما يستحيل في حقه، وما (١) انظر: السنة النبوية وحي من الله محفوظة كالقرآن الكريم، أبو لبابة بن الطاهر حسين، ١٤/١ - ١٦. يُرضيه وما يُسخطه، وكيف نعبده))(٢). أن لا يكون استعمال العقل في القضايا الغيبية التي يعتبر الوحي هو المصدر الصحيح والوحيد لمعرفتها. أن يقدم النقل على العقل في الأمور التي لم تتضح حکمتها، وهو ما يعرف بالأمور التوقيفية. ولا شك أن احترام الإسلام للعقل وتشجيعه للنظر والفكر لا يقدمه على النصوص الشرعية الصحيحة، خاصة أن العقول متغيرة، وتختلف وتتأثر بمؤثرات كثيرة تجعلها لا تصلح لأن تكون الحكم المطلق في كل الأمور(٣). مما سبق نجد أن الله تعالى لم يحجر على العقل، بل أمرنا بالتدبر والتفكر في آلائه سبحانه وتعالى لنزداد يقينًا وإيمانًا بوحدانيته سبحانه وبقدرته على الخلق والإيجاد والرزق والإحياء والإماتة، لكنه لم يترك المجال للعقل على مصراعيه؛ لأن العقل له قدر محدود من الفهم والإدراك خاصة في علوم الغيب التي لا يعلمها إلا الله وحده، بينما الأمور الأخرى التي (٢) العقل في القرآن والسنة، سالم عبد الجليل، أبحاث ووقائع المؤتمر العام الثاني والعشرين، ص٩. (٣) الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة، الندوة العالمية للشباب الإسلامي، ١/ ٧٠. ١٠٢ جوية القرآن الكريمِ العقل تتعلق بأمورنا الدنيوية من مصالح مرسلة أو العمل بالقياس والاجتهاد، فسمح للعلماء المتعلمين القادرين على الاستنباط بالقيام بمثل تلك الأمور، كذلك عند تعارض النقل والعقل يقدم النقل على العقل، لأن العقل حدود معرفته وتصوره محدودة. مجالات استعمال العقل الله سبحانه وتعالى أكرم الإنسان وخلقه في أحسن صورة، وميزه بالعقل ليتدبر أمره ويتعرف على الكون من حوله، فالله سبحانه وتعالى لم يحجر على عقولنا بل جعل التدبر والتفكر عبادة، فهو سبيلنا للتعرف على موجد الكون بصفاته وقدرته، لكن توجد ضوابط معينة يعمل من خلالها العقل، فلا نستطيع الخوض في ذات الله سبحانه أو تأويل الصفات وتشبيهها وتمثيلها وتكييفها، فالله سبحانه هو أعلم بذاته، وهو أعلم بصفاته فنحن نمررها كما وردت، كذلك الغيبيات العقل لا يستطيع الاطلاع عليها، لذا علينا أن نستعمل عقولنا في النطاق المسموح لنا استعماله فيه بل ونؤجر على استعمالنا لعقولنا، اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك على نعمة العقل. أولًا: دلائل وحدانية الله: خلق الله تعالى البشر لعبادته سبحانه وتعالى وإفراده وحده بهذه العبادة. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: ٥٦]. وأرسل لهم الرسل مبشرين ومنذرين، قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُّبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ لِثَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ www. modoee.com ١٠٣ حرف العين [النساء: ١٦٥]. قال تعالى: ﴿قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا [الشعراء: ٢٨]. بَيْنَهُمَ إِن كُمْ تَعْقِلُونَ )﴾ ((قال مقاتل: إن كنتم تعقلون توحيد الله))(١). «قال موسى: إنه الرب الذي تشاهدون آثاره کل یوم، فيأتي بالشمس من المشرق، ويحركها على مدار غير مدار اليوم الذي قبله، حتی یبلغها إلى المغرب على وجه نافع ینتظم به أمور الكائنات. إن كنتم تعقلون إن كان لكم عقل علمتم ألا جواب لكم فوق ذاك)»(٢). («هو الذي جعل المشرق مشرقا تطلع منه الكواكب، والمغرب مغربا تغرب فيه الكواكب، ثوابتها وسياراتها، مع هذا النظام الذي سخرها فيه وقدرها، فإن كان هذا الذي يزعم أنه ربكم وإلهكم صادقًا فليعكس الأمر، وليجعل المشرق مغربًا، والمغرب مشرقًا (٣). ((﴿إِن كُمُ تَعْقِلُونَ﴾ أي إن كان لكم عقل علمکم أنه لا تمکن معرفته إلا بهذا الطريق)» (٤). ((﴿إِن كُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: إن كان لكم عقول تعقلون بها ما يقال لكم، وتفهمون (١) التفسير البسيط، الواحدي، ١٧/ ٤٦. (٢) التفسير المنير، الزحيلي، ١٣٧/١٩. (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ١٣٩/٦. (٤) مدارك التنزيل، النسفي، ٢ / ٥٦٠. بها ما تسمعون مما يعين لكم؛ فلما أخبرهم موسى عليه السلام بالأمر الذي علموا أنه الحق الواضح)» (٥). «قال موسی: رب المشرق والمغرب وما بینهما وما يكون فيهما من نور وظلمة، وهذا يستوجب الإيمان به وحده إن كنتم من أهل العقل والتدبر!))(٦). وهكذا نجد كيف تتجلى وظيفة العقل في هذه الآية، وهي الاستدلال بمظاهر قدرة الله وعظمته على توحيده وعدم الإشراك به. قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُحِ، وَيُمِتُ وَلَهُ أَخْتِلَفُ اَلَيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ٨٠ [المؤمنون: ٨٠]. ((أفلا تعقلون﴾، كنه قدرته وربوبيته و وحدانيته، وأنه لا يجوز أن يكون له شريك من خلقه، وأنه قادر على البعث))(٧). ((﴿وَهُوَ الَّذِى يُِّي، وَيُمِيتُ﴾، أي: يحيي الموتى ويميت الأحياء. ﴿وَلَهُ أَخْتِلَفُ اَلَيْلِ وَالنَّهَارِ﴾، أي: ذهاب الليل ومجيء النهار، ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أمر الله؟ ويقال: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ توحید ربكم فيما ترون من صنعه فتعتبرون؟))(٨). ١. دلائل الآفاق. (٥) جامع البيان، الطبري، ٣٤٥/١٩. (٦) التفسير الميسر، نخبة من أساتذة التفسير، ص٣٦٨. (٧) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٢/ ١٤٤. (٨) تفسير السمر قندي، ٢/ ٤٨٧. ١٠٤ جَوَسُ بَةُ النَّفِي القرآن الكريمِ العقل لقد خلق الله الإنسان وميزه عن سائر (( أخبر عن عباده الصالحين بأنهم المخلوقات الأرضية بالعقل، بل وأمره بعدم يتفكرون في خلق السموات والأرض تعطيل هذا العقل، فأمر المكلفين بعبادة التفكر في خلق الله سبحانه وتعالى. قال تعالى: ﴿إِنَّ فِ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ أَلَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَيَتٍ لِأُوْلِىِ الْأَلْبَبِ ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِ خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا سُبْحَنَكَ فَقِنَا عَذَابَالنَّارِ (٣١)﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١]. ((وإذا عرف بهذا البرهان قصور عقله لم يبق معه إلا الاعتراف بأن الخالق أجل من أن يحيط به وصف الواصفين ومعارف العارفين بل يسلم أن في كل ما خلقه الله تعالى حكمًا بالغة وأسرارًا عظيمة ولا سبیل له إلى معرفتها، فعند هذا يقول: ربنا ما خلقت هذا، أي: المخلوق العجيب باطلًا، أي: بغير حكمة، بل خلقته بحكمة عظيمة، -سبحانك- وهذا إقرار بعجز العقول عن الإحاطة بآثار حكمة الله تعالی في خلق السموات والأرض، أي: إن الخلق يعرفوا منها إلا هذا القدر. وهو أن خالقها ما خلقها باطلًا، بل خلقها لحكم عجيبة وأسرار عظيمة، وإن كانت العقول قاصرة عن معرفتها))(١). (١) مراح لبيد، محمد الجاوي، ١/ ١٧٦. وما أبدع الله فيهما من عجائب مصنوعاته وغرائب مبتدعاته ليدلهم ذلك على كمال قدرة الصانع سبحانه وتعالى ويعلموا أن لهما خالقًا قادرًا مدبرًا حكيمًا؛ لأن عظم آثاره وأفعاله تدل على عظم خالقها سبحانه وتعالى، کما قيل: وفي کل شيء له آية تدل على أنه واحد» (٢). ومما ذكر في القرآن الكريم من آيات دالة على التفكر في الآفاق حيث يقول تعالى: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ اَلَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِى تَّخْرِى فِ الْبَعْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّآءِ فَأَعْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الْرِّيَجِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَآءِ وَالْأَرْضِ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ()﴾ [البقرة: ١٦٤]. ((هذه الآيات الست الكونية أكبر برهان وأقوی دلیل على وجود الله سبحانه وتعالى وعلمه وقدرته ورحمته بعباده، ولذلك إذا تفكروا في هذه الأجسام العظيمة لم هو رب العالمين وإله الأولين والآخرين، ولا رب غيره ولا إله سواه. «والحاصل، أنه كلما تدبر العاقل في هذه المخلوقات، وتغلغل فکره في بدائع المبتدعات، وازداد تأمله للصنعة، وما أودع فيها من لطائف البر (٢) لباب التأويل، الخازن، ٣٣٢/١. www. modoee.com ١٠٥ حرفالعین والحكمة، علم بذلك، أنها خلقت للحق اتفاقهما على أمر واحد، ولامتنع في أفعالهما التساوي في صفة الكمال، فثبت بذاك أن خالق هذا العالم والمدبر له واحد قادر مختار)) (٤) قال تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ، يُرِيِكُمُ الْبَّقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَ يُنَزِّلُ مِنَ السَّمَآءِ مَآءَ فَيُخْى، بِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَاْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتِ وإليه صامدون، وأنه الغني بالذات عن لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ [الروم: ٢٤]. (﴿لَّيَتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ بعیون عقولهم، ویعتبرون فيستدلون بهذه الأشياء على قدرة موجدها وحكمة مبدعها ووحدانية منشئها»(٢). («أما قوله تعالى: ﴿لَيَتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ فإنما خص الآيات بهم؛ لأنهم الذين یتمکنون من النظر فيه، والاستدلال به على ما يلزمهم من توحيد ربهم وعدله وحكمه لیقوموا بشكره، وما يلزم عبادته وطاعته))(٣). ((علمه كيفية الاستدلال على وحدانية الصانع، وردهم إلى التفكر في آياته والنظر في عجائب مصنوعاته وإتقان أفعاله ففي ذلك دليل على وحدانيته إذ لو كان في الوجود صانعان لهذه الأفعال، لاستحال (١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٧٨. (٢) مدارك التنزيل، النسفي، ١٤٨/١. (٣) مفاتيح الغيب، الرازي، ٤/ ١٧٤. وبالحق، وأنها صحائف آيات، وكتب دلالات، على ما أخبر به الله عن نفسه و وحدانيته، وما أخبرت به الرسل من اليوم الآخر، وأنها مسخرات، ليس لها تدبير ولا استعصاء علی مدبرها ومصرفها. فتعرف أن العالم العلوي والسفلي کلهم إليه مفتقرون، جميع المخلوقات، فلا إله إلا الله، ولا رب سواه(١). ((﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَتِ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ يستعملون عقولهم في استنباط أسبابها ينظرون وكيفية تكونها؛ ليظهر لهم كمال قدرة الصانع وحکمته»(٥). (يقول الحق جل جلاله ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ﴾ الدالة على باهر قدرته ﴿خَلْقٍ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾))(٦). (( دلالات واضحة، وبراهين بينة، تدل على الخالق سبحانه. ويقول تعالى: ﴿وَأَخْلَفِ أَلَِّلِ وَالنََّارِ وَمَاً أَنزَ اَللَّهُ مِنَ السَّمَلِ مِن رِّزْقٍ فَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَجِ ءَايَنْتُ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ [الجاثية: ٥]. ((إن المنصفين من العباد إذا نظروا في هذه الدلائل النظر الصحيح علموا أنها مصنوعة، وأنه لا بد لها من صانع فآمنوا به، وأقروا أنه الإله القادر على كل شيء، (٤) لباب التأويل، الخازن، ١/ ٩٩. (٥) التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي، ٢٠٥/٤. (٦) البحر المديد، ابن عجيبة، ٣٣٤/٤. ١٠٦ جَوَسُور القرآن الكريم العقل ثم إذا أمعنوا النظر ازدادوا إيقانًا وزال عنهم اللبس، فحينئذ استحکم علمهم وعدوا في زمرة العقلاء الذين عقلوا عن الله مراده في أسرار كتابه)»(١). ((﴿مَنْتُ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ل ◌ِلْكَ مَإِنَتُ اَللَّهِ﴾ تِلَّكَ ءَايَتُ اللَّهِ﴾ يعني: هذه دلائل الله، وعلامة وحدانيته))(٢). التفكر في خلق الله عبادة، لابد لنا من القيام بها لنزداد إيمانًا مع إيماننا، بل ونصل لدرجة اليقين، كذلك نستشعر عظمة الله سبحانه وقدرته و وحدانيته، فهو إله واحد بلا شریك، مدبر للکون بلا قصور. ٢. دلائل النفس. لقد أمرنا الله سبحانه وتعالى بالنظر والتفكر في أنفسنا، كيف خلقنا الله من العدم فبدأ بخلقنا من الطين، ثم جعل الخلق بعد ذلك من نطفة، ثم خلق النطفة علقة، وخلق العلقة مضغة، ثم خلقها عظامًا، و کساها بعد ذلك لحمًا، ثم تدرج في الخلق وبعد حينٍ أماته، وهذه دلائل قدرته سبحانه على الإيجاد والإماتة، ليختبرنا ماذا سنفعل في هذه الحياة الدنيا. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن ثُمَّ جَعَلْنَهُ نُعْطِفَةٌ فِ قَرَارِ سُلَلَتِيِّن طِينٍ ) فُرّ خَلَقْنَا الْنُطْفَةَ عَلَقَةٌ فَخَلَقْنَا تَكِينٍ ) (١) لباب التأويل، الخازن، ١٢٢/٤. (٢) تفسير السمر قندي، ٢٧٦/٣. اُلْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَمَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَهُ خَلْقَا ءَاخَرَ فَتَبَارَكَ اَللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ } ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَسِّتُونَ ﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٥]. (( هذا شروع في الاستدلال على انفراد الله تعالى بالخلق وبعظيم القدرة التي لا يشاركه فيها غيره، وعلى أن الإنسان مربوب لله تعالى وحده، والاعتبار بما في خلق الإنسان وغيره من دلائل القدرة ومن عظيم النعمة)»(٣). (( يخبر تعالى عن خلقه الإنسان آدم وذريته وفي ذلك تتجلى مظاهر قدرته وعلمه وحكمته، والتي أوجبت عبادته وطاعته ومحبته وتعظيمه وتقدیره»(٤). قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنَفَكَّرُواْ فِىَ أَنفُسِهِمُ مَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَّا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَتَّىٌّ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَآٍ رَبِّهِمْ لَكَفِرُونَ ﴾ [الروم: ٨]. (( وهو الدلالة على توحيده وقدرته))(٥). ((وهذا حث لهم على إعمال الفكر السليم الموصل إلى معرفة الله و وحدانيته بالنظر في أنفسهم وما حولهم من مشاهد الكون»(٦) . ((أي: يعلمون الله بدلائل الأنفس في (٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٢٢/١٨. (٤) أيسر التفاسير، أبو بكر الجزائري، ٥٠٧/٣. (٥) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٨/١٤. (٦) التفسير المنير، الزحيلي، ٢١/ ٥٤. www. modoee.com ١٠٧ حرف العين سائر الأحوال ويتفكرون في خلق السماوات ذلك من الناس فقد اهتدى إلى ما أريد منه، ومن لم يعقل ذلك فهو بمنزلة عديم العقل (٥). والأرض بدلائل الآفاق))(١). ((والمعنى: أن أسباب التفكر حاصلة لهم، وهي أنفسهم لو تفكروا فيها كما ينبغي، لعلموا وحدانية الله، وصدق أنبيائه)»(٢). قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّيُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخَاً وَمِنْكُمْ مَّن يُنَوَلَّ مِن قَبْلٌ وَلِنَبْلُغُواْ أَجَلًا مُسَنََّ وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ [غافر: ٦٧]. ((﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: ما في هذه الأحوال العجيبة من القدرة الباهرة الدالة على توحيده وقدرته هو الذي يحيي ويميت، فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فیکون، أي: يكونه من غير كلفة ولا معاناة ولا تعب و کل ذلك من كمال قدرته على الإحياء والإماتة وسائر ما ذكر من الأفعال الدالة على قدرته)) (٣). ((أي: لكي تعقلوا توحيد ربكم وقدرته)»(٤). ((دلالة على وجود هذا الخالق الخلق البديع، وعلى انفراده بالإلهية، وعلى أن ما ومولاها، اللهم آمين. عداه لا يستحق وصف الإلهية، فمن عقل (١) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل، ٣٨٩/١٥. (٢) فتح القدير، الشوكاني، ٢٤٨/٤. (٣) لباب التأويل، الخازن، ٨٠/٤. (٤) معالم التنزيل، البغوي، ١٥٨/٧. (دعوة القرآن للتفكر في الأنفس لتفتح مغاليق القلوب لتتدبر هذا الخلق العجيب، فهذا الإنسان بجميع خصائصه وسماته كان كامنًا في تلك النقطة الصغيرة الدقيقة التي لا تراها العين المجردة بعد أن أنستهم الألفة هذا الأمر العجيب»(٦). وهكذا نجد أن الله سبحانه وتعالى لم يحجر على عقولنا، بل أمرنا بالنظر والتفكر والتدبر في آيات الله الكونية، وفي أنفسنا لنزداد إيمانًا ويقينًا بوحدانيته سبحانه وتعالى، وبالتالي نزداد خشوعًا وتعظيمًا له سبحانه، أما الذين عطلوا عقولهم وألغوها فهم لا یقلون عن الحیوانات، بالإضافة إلى العقوبة التي تنتظرهم يوم القيامة، لأنهم لو أعملوا عقولهم لاهتدوا، فكل الأنفس قابلة للإيمان والاهتداء وكل شيء بيد الله سبحانه وتعالى. اللهم ألهم نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها (٥) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١٩٦/٢٤-١٩٧. (٦) البناء العقلي في ضوء القرآن الكريم، رسالة ماجستیر، میساء قلجة، ص ٥٥. ١٠٨ القرآن الكريمِ العقل ثانيًا: الأحكام الشرعية: القرآن الكريم احترم العقل وأولاه اهتمامًا بالغًا، وسمح له بالتفكر والتدبر في الآيات الكونية المرئية المنظورة، والآيات المسطورة في القرآن الكريم وذم من يعطل عقله عن التفكر والتدبر، لكن في الأحكام الشرعية، فالعقل لا يستطيع أن يحيط بكل شيء علمًا، بعض الأحكام التي شرعت لا يعلم كنهها إلا الله وحده، فلا يستطيع العقل فهم الحكمة المرادة منها، وقد جعلها الله تعالى من الأمور الغيبية، فلا يجوز للعقل الخوض في أمور الغيب، بينما أمور الاجتهاد والقياس والأمور التي في إمكانية العقل القيام بها، فهذا مسموح الخوض فيه، وعند تعارض العقل والنقل يقدم النقل على العقل. تعرف الأحكام الشرعية بأنها ما يصدر عن الإنسان من الأقوال والأفعال بالنسبة للآخرة، فتبین ما يجب فعله وما یجب ترکه، وما يترتب على الفعل والترك من استحقاق الثواب والعقاب في الحياة الأخرى، لذلك فان الأحكام الشرعية تتصف بالشمولية، فهي موقوفة من الله سبحانه وتعالى لتراعي الحياتين كلتيهما، الآخرة والدنيا، أما واضع الأحكام الشرعية فهو الله سبحانه وتعالى، وهو الذي يوجب ما يشاء بيده الأمر وهو على كل شيء قدير. الأحكام الشرعية التي تتعلق بالعقيدة لیس للعقل فيها أي دور فلا يسمح بالاجتهاد في أمور العقيدة؛ لأن الدليل فيها قطعي الثبوت، قطعي الدلالة، فلا مجال لإعمال العقل فيها. (العقل هو الذي دلنا على وجود الخالق، وصحة رسالة رسوله الذي أيده بالمعجزات، تلك المعجزات التي تدل على صدق نبوة الأنبياء باستعمال الفكر والنظر. ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ((المعقول الصريح لا يخالف المنقول الصحيح))(١). العقل لن يهتدي إلا بالشرع، والشرع لم يتبين إلا بالعقل، فالعقل كالأس والشرع کالبناء، ولن یغني أس ما لم یکن بناء، ولن يثبت بناء ما لم يكن أس، وأيضًا فالعقل كالبصر والشرع كالشعاع، ولن يغني البصر ما لم يكن شعاع من خارج، ولن يغني الشعاع ما لم یکن بصر. وقَدْ جَاءَ كُمـ فلهذا قال تعالى: مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَبُ تُبِينٌ (٥) يَهْدِى بِهِ اَللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَنَهُ، سُبُلَ السَّلَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ، وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطِ مُسْتَقِيمٍ ﴾﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦]. فالعقل لا يهدي إلى تفاصيل الشرعيات (١) درء تعارض العقل والنقل، ابن تيمية، ٨/ ٩١، العقل والنقل عند ابن رشد، أبو أحمد جامي علي، ١/ ٧٨. www. modoee.com ١٠٩ حرفالعین والشرع تارة يأتي بتقرير ما استقر عليه العقل، وتارة بتنبيه الغافل وإظهار الدليل حتى يتنبه لحقائق المعرفة، وتارة بتذكير العاقل حتى يتذكر ما فقده، وتارة بالتعليم وذلك في الشرعيات وتفصيل أحوال المعاد، فالشرع نظام الاعتقادات الصحيحة والأفعال المستقيمة والدال على مصالح الدنيا والآخرة، ومن عدل عنه فقد ضل سواء السبيل، وإلى العقل والشرع أشار بالفضل والرحمة بقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحَتُهُ لَأَ تَّبَعْتُمُ الشَّيْطَنَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣]. ((وعنى بالقليل المصطفين الأخيار)) (١). دور العقل في إدراك الغيبيات: إن أول ركن بني عليه الإسلام، صقل العقول بصقال التوحيد، وتطهيرها من لوث الأوهام، وسعادة الأمم لا تتم إلا بصفاء العقول من كدرات الخرافات وصدا الأوهام بل إن خرافة قد تقف بالعقل عن الحركة الفكرية، فيسهل عليه قبول كل وهم وتصديق کل ظن، وفوق ذلك ما تجلبه من الأوهام على النفوس من الوحشة وقرب الدهشة، والخوف مما لا يخيف، والفزع مما لا يفزع (٢). (١) معارج القدس في مدراج معرفة النفس، أبو حامد الغزالي ، ١/ ٥٩. (٢) انظر: مقام العقل في الإسلام، د.محمد عمارة، ص ٤٩. أما في الغيبيات فإن دور العقل منفي تمامًا، ولهذا لا يقبل حكم العقل على غيبيات، وجعل الشرع موطن التصديق بالغيبيات الإيمان المطلق وليس العقل، ولا غرابة في ذلك، إذ أن جميع الناس يتفقون على أن العقل حادث ومخلوق، ويتغير بتغير المعلومات التي تدخل إليه، وأيضًا يتغير بالقدرة علي الاستفادة من تلك المعلومات، ولا قدرة للمخلوق أن يحيط بالخالق سبحانه، والغيب من اختصاصات الخالق، لذا فلا يدرك الغیب أصلًا، وبعض ما يعلم عنه إنما يكون من خلال النصوص الصحيحة. دور العقل في الأحكام الشرعية: والأصل أن العقل لا سلطان له في تغيير الأحكام الثابتة بالكتاب والسنة، هذا إذا افترضنا أصلًا أن هناك تناقضًا بين أحكام الشريعة وما يتوصل إليه العقل السليم، مع أن هذا الافتراض مدفوع، فالعقل السليم ينتهي دائمًا عند مراد الشرع، حتى بالنسبة لأحكام العبادات التي قد لا ينهض العقل لإدراك الحكمة من فرضيتها، فإنه بالعقل يمكن إدراك العديد من الحكم الجليلة التي تتخفى وراء الحكم الشرعي والتي تدرك بالممارسة والتأمل. وآفة الناس أنهم تركوا المساحة الواسعة التي أفردها الشرع لعقولهم ولم يسعوا إلا ١١٠ جوسين القرآن الكريم العقل للكلام في المناطق التي ملأها الشرع على نحو تفصيلي، وهذا مما يطعن في سلامة نوایا هؤلاء الناس. وليس للعقل دور في كل العلوم على سواء، فالعلوم ثلاثة أقسام: ٨. العلوم الضرورية: وهي التي لا يمكن التشكيك فيها، إذ أنها تلزم جميع العقلاء ولا تنفك عنهم، کعلم الإنسان بوجوده وأن اثنين أكثر من الواحد، وكالسماء فوقنا والأرض تحتنا إلى غير ذلك مما يسمى بقوانين العقل الضرورية. ٩. العلوم النظرية: وهي التي تكتسب بالنظر والاستدلال، وهذا النظر لابد في تحصيله من علم ضروري يستند إليه حتى يعرف وجه الصواب فيه، ويدخل في هذا القسم كثير من العلوم كالطبيعيات والطب والصناعات، فهذه العقلُ له مجال رحب في معرفتها وإدراكها والتوسع فيها. ١٠. العلوم الغيبية: وهذه لا تعلم بواسطة العقل المجرد وحده، بل لابد للعقل إذا أراد أن يعلمها أن یکون له طريق آخر للعلم به؛ کعلمه بما يكون في البلد القاصي عنه، وعلمه بما في اليوم الآخر من بعث وحساب وجزاء، وهذا لا يعلم إلا عن طريق الخبر، ويدخل في هذا القسم كثير من مسائل الاعتقاد لا سيما التفصيلية منها، فهذه لا يستقل العقل بمعرفتها؛ بل لابد من اعتماده على الوحي، هذا الموقف الوسط بخلاف ما عليه أصحاب الفرق الضالة، فمنهم من اعتمد على العقل وأعرض عن الوحي بالكلية كالفلاسفة، أو أسقط حكم الوحي عند التعارض المفترض كما هو حال أكثر المتكلمين، ومنهم من جعل الحق والصواب فيما تشرق به نفسه وتفيض به روحه، وإن خالف هذا أحكام العقل الصريحة أو نصوص الوحي الصحيحة، كما هو حال بعض المتصوفة، والعقل كذلك له طاقة وقدرة محدودة ولا يستطيع أن يخضع كل المعارف وحقائقها لقدرته. ثالثًا: التمييز بين الحق والباطل: من فضل الله علينا أَنْ مَنَّ علينا بنعمة العقل كي نميز به بين الحق والباطل والصواب والخطأ، وبين ما ينفعنا وما يضرنا فلله الحمد على هذه النعمة، ومن الآيات القرآنية الدالة على ذلك نذكر بعضًا منها. قال تعالى: ﴿وَ إِذَا لَقُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُواْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُواْ أَتُّحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اَللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَابُوكُمْ بِهِ، عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلَا نَعْقِلُونَ ﴾ [البقرة: ٧٦]. www. modoee.com ١١١ حرف العين ((عن ابن عباس: ﴿وَ إِذَا خَلَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾، يعني: بما أمركم الله به. فيقول الآخرون: إنما نستهزئ بهم ونضحك)»(١). محمد صلی علیه وسلم قالوا لهم: آمنا بالذي آمنتم به، نشهد أن صاحبكم صادق، وأن قوله حق، ونجده بنعته وصفته في كتابنا، ثم إذا خلا بعضهم إلى بعض قال الرؤساء - كعب بن الأشرف، وكعب بن أسد، ووهب بن یهودا وغیرهم- أتحدثونهم بما فتح الله عليكم في كتابه من نعته وصفته لیحاجو کم به»(٢). ((﴿أَفَلَا نَعْقِلُونَ﴾ متصل بكلامهم من التوبيخ والعتاب، أي: ألا تلاحظون فلا تعقلون هذا الخطأ الفاحش، وهو أن ذلك حجة لهم عليكم، فالمنكر عدم التعقل ابتداء، أو أتفعلون ذلك فلا تعقلون بطلانه مع وضوحه حتی تحتاجون الى التنبيه عليه، فالمنكر حينئذ عدم التعقل بعد الفعل))(٣). فهم كانوا يعرفون الحق وينكرونه، من أقوال المفسرين يتبين أن بالعقل يستطيع الإنسان التمييز بين الحق والباطل. قال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيَرَةٍ وَلَّا (١) جامع البيان، الطبري، ٢/ ٢٥١. (٢) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل، ٢/ ١٩٧. (٣) روح البيان، إسماعيل حقي، ١/ ١٦٧. سَيَِّةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍِ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ اَلْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ١٠٣ [المائدة: ١٠٣]. ((﴿وَلَكِنَّالَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ (روي عن ابن عباس رضي الله عنه أن بتحريم ذلك ونسبته إلى الله سبحانه منافقي أهل الكتاب كانوا إذا لقوا أصحاب وتعالى، ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ أي: الحلال من الحرام والمبيح من المحرم، أو الآمر من الناهي، ولكنهم يقلدون كبارهم، وفيه أن منهم من يعرف بطلان ذلك، ولكن يمنعهم حب الرياسة وتقليد الآباء أن يعترفوا به)) (٤). فهم يعرفون الحلال والحرام ویمیزونه، لكن حبهم لتقليد الآباء هو الذي أعمى بصائرهم عن اتباع الحق. قال تعالى: ﴿ قُل لَّوْ شَآءَ اَللَّهُ مَا تَلَوَّتُهُ: عَلَكُمْ وَلَّ أَدْرَنَكُمْ بٍِ، فَقَدْ لَبِئْتُ فِيكُمْ عُمُرًاً مِن قَبْلِهَة أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ [يونس: ١٦]. ((وأنكم تعلمون صدقي وأمانتي منذ نشأت بینکم إلی حین بعثني الله عز وجل، لا تنتقدون علي شیئا تغمصوني به؛ أفليس لكم عقول تعرفون بها الحق من الباطل))(٥). ((وقل لهم: إنني إنما جئتكم بهذا القرآن بإذن الله ومشيئته، ولو شاء الله أن لا أتلوه عليكم ما تلوته، ولو شاء أن لا يعلمكم به بإرسالي إليكم، لما أرسلني، ولما أدراكم (٤) أنوار التنزيل، البيضاوي، ١٤٦/٢. (٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٢٥٣/٤. ١١٢ القرآن الكريمِ