Indexed OCR Text
Pages 41-50
العفو محسن، ومن كان محسنا فقد استحق موجبًا لشرح الصدر؛ ولكون الإنسان لا ينبغى أن يهمل نفسه من الإحسان الثواب، ومن استحق الثواب نفى بذلك الثواب ما هو دونه من العقاب وأزاله. والمعروف، وينسى الفضل الذي هو أعلى درجات المعاملة؛ لأن معاملة الناس فيما والثاني: أن هذه الصنع يدعوه إلى ترك الظلم الذي هو التقوى في الحقيقة؛ لأن من سمح بحقه - وهو له معرض- تقربا إلى ربه کان أبعد من أن یظلم غيره یأخذ ما ليس له بحق. بينهم على درجتين: إما عدل وإنصاف واجب، وهو أخذ الواجب، وإعطاء الواجب، وإما فضل وإحسان، وهو إعطاء ما ليس بواجبٍ والتسامح في الحقوق، والغض مما في النفس، فلا ينبغي للإنسان أن ینسی هذه الدرجة، ولو في بعض الأوقات، وخصوصًا لمن بينك وبينه معاملة أو مخالطة، فإن الله مجاز المحسنين بالفضل والكرم؛ ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾﴾(٢). ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تَنسَوَأْ اَلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ وليس المراد منه النهي عن النسيان؛ لأن ذلك ليس في الوسع، بل المراد منه الترك، فقال تعالى: ولا تتركوا الفضل والإفضال فیما بینکم، وذلك لأن الرجل إذا تزوج بالمرأة فقد تعلق قلبها به، فإذا طلقها قبل المسيس صار ذلك سببا لتأذيها منه، وأيضًا إذا كلف الرجل أن يبذل لها مهرًا من غير أن ينتفع بها البتة صار ذلك سببا لتأذيه منها. فندب تعالى كل واحد منهما إلى فعل يزيل ذلك التأذي عن قلب الآخر، فندب الزوج إلى أن يطيب قلبها بأن يسلم المهر إليها بالكلية، وندب المرأة إلى ترك المهر بالكلية، ثم إنه تعالى ختم الآية بما يجري مجرى التهديد على العادة المعلومة، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (١). فمن عفا كان أقرب لتقواه؛ لكونه إحسانًا (١) مفاتيح الغيب، الرازي ٦/ ٤٨١. ومن مجالات العفو الاجتماعية التي ينبغي أن تسود بين الرجل وزوجته في حال ارتباطهما: العفو في النفقة وهو ما يمكن أن نطلق عليه ((إنفاق العفو))؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ اَلْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩]. فيجب على الزوج أن ينفق على زوجته حسب قدرته، وعليها أن ترضى بذلك، وإن قصر في ذلك فينبغي لها أن تعفو عنه، وكذلك ينبغي للرجل أن ينفق على أقربائه الفقراء بحسب قدرته، وليس هذا فحسب، بل ينبغي له أن ينفق في وجوه الخير، سواء (٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص١٠٦. www. modoee.com ٨٣ حرف العين کان ذلك واجب علیه أم مندوب إلیه. وهذا هو التكافل الاجتماعي الذي حث القرآن علیه، ورغب فيه، کما دلت على ذلك نصوص كثيرة جدًا. فقد جاء عن بعض السلف: ﴿وَالْعَافِينَ عفو الرجل عن أولاده وزوجته أو عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٤]. زوجاته إذا أخطؤوا في حقه. قال تعالى: ﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التغابن: ١٤]. فقد استدل بها على أنه لا ينبغي للرجل أن يحقد على زوجه وولده إذا جنوا معه جنایة، وأن لا يدعو علیھم(١). ومن مجالات العفو الاجتماعية: عفو الغني عن الفقير، والقريب عن قريبه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ﴾ [النور: ٢٢]. فقد نزلت في حث أبي بكر الصديق رضي الله عنه في مواصلة نفقته على مسطح بعد أن منعها عنه؛ بسبب ولوغه في عرض ابنته الصديقة بنت الصديق رضي الله عنها وعن أبيها، کما سبق أن ذكرنا ذلك. قال ابن سعدي عند تفسيره لهذه الآية: ((وفي هذه الآية دليل على النفقة على القريب، وأنه لا تترك النفقة والإحسان بمعصية الإنسان، والحث على العفو والصفح، ولو جرى عليه ما جرى من أهل (١) انظر: روح المعاني، الألوسي ٣٢١/١٤. الجرائم))(٢). عفو السيد عن عماله وخدمه، ومنهم تحت یده. قال أبو العالية: يريد المماليك. قال القاضي أبو محمد: وهذا حسن على جهة المثال، إذا هُم الخَدَمة، فهم مذنبون كثيرًا، والقدرة عليهم متيسرة، وإنفاذ العقوبة سهل؛ فلذلك مثل هذا المفسر به(٣). وكذلك عفو الإنسان عن جلسائه وخلطائه عموما، كما تدل على ذلك عمومات سياق الآيات الواردة في الحث على العفو. وبالجملة فإن العفو خلق نبيل ينبغي أن یسود بین الناس جميعًا، وفي الحياة كلها، وإلا لتكدرت الحياة، ولنغصت المعيشة، ولأصبحت جحیمًا لا يطاق. ثانيًا: العفو في مجال العقوبات: شرع الله العقوبات لما يترتب عليها من الفوائد العظمية، والمصالح القويمة؛ كإقامة العدل، وزجر الجاني، وإصلاحه، وحجزه عن غيه، وردع غيره ممن تسول لهم أنفسهم أن يسلكوا مسلكه، وما أشبه ذلك. والعقوبات التي شرعها الله كثيرة، (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ٥٦٥. (٣) المحرر الوجيز، ابن عطية ١/ ٥١٠. ٨٤ الموضو مَوَسُولَة التقنية لِلْقُرآن الكَرِيمِ الحفى ومنها: عقوبة القصاص فيما إذا كان القتل عمدًا. ومع أنالله تبارك أوجب عقوبة القصاص على الجاني الذي قتل عمدًا، فقد حث على العفو عن هذه العقوبة مقابل الدية، سواء كانت هذه العقوبة عقوبة قتل، أو ما دون ذلك من الجراحات فقال تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَانْبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَنَّ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ أُعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ، عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]. قال ابن عباس رضي الله عنه: «أن يقبل الدية في العمد ﴿فَانِبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ أن يطلب هذا بمعروف، ويؤدي هذا بإحسان))(١). وهذا المعنى رجحه كبار أئمة التفسير کابن جرير، فقد قال: «وأولی الأقوال عندي بالصواب في قوله: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُدُ مِنْ أَخِيهِ شىءٌ ﴾ فمن صفح له من الواجب كان لأخيه عليه من القود عن شيء من الواجب على دية يأخذها منه ﴿فَانْبَاعٌ بِلْمَعْرُوفِ ﴾ من العافي عن الدم، الراضي بالدية من دم وليه ﴿وَأَدَاً إِلَيْهِ﴾ من القاتل ذلك ﴿بِإِحْسَنٍ﴾)»(٢). وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ﴾ فيها أربع تأويلات: يراد بها القاتل أحدها: أن (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٣/ ٣٦٧. (٢) المصدر السابق ٣٧١/٣. ﴿عُفِىَ﴾ يتضمن عافيا هو ولي الدم والأخ هو المقتول، ويصح أن يكون هو الولي على هذا التأويل، وهي أخوة الإسلام، و﴿شَىْءٌ﴾ هو الدم الذي يعفى عنه ويرجع إلى أخذ الدية والعفو في هذا القول على بابه والضميران راجعان على ﴿مَنْ﴾ في کل تأويل. والتأويل الثاني: أن ﴿مَنْ﴾ يراد بها الولي، و﴿عُفِىَ﴾ بمعنى يسر لا على بابها في العفو، والأخ يراد به القاتل، و﴿شَىْءٌ﴾ هي الدية، والأخوة على هذا أخوة الإسلام، ويحتمل أن يراد بالأخ على هذا التأويل المقتول أي: يسر له من قبل أخيه المقتول وبسببه، فتكون الأخوة أخوة قرابة وإسلام. والتأويل الثالث: أن هذه الألفاظ في المعينين الذين نزلت فيهم الآية كلها، وتساقطوا الديات فيما بينهم مقاصة حسبما ذكرناه آنفا، فمعنى الآية فمن فضل له من الطائفتين على الأخرى شيء من تلك الديات، ويكون عفي بمعنى فضل من قولهم: عفا الشيء إذا كثر، أي: أفضلت الحال له أو الحساب أو القدر. والتأويل الرابع: في الفضل بين دية المرأة والرجل والحر والعبد، أي: من کان له ذلك الفضل فاتباع بالمعروف، و﴿عُفِىَ﴾ في هذا الموضع أيضًا بمعنی أفضل، وكأن الآية من أولها بينت الحكم إذا لم تتداخل الأنواع ثم www. modoee.com ٨٥ حرف العين الحكم إذا تداخلت، و﴿شَىْءٌ ﴾ في هذه الآية لا يؤثر في سقوط القود، إلا أن يكون عفوًا عن جميعه، فبين تعالى أن العفو عن جزئه مفعول لم يسم فاعله، وجاز ذلك و﴿عُفِىَ ﴾ لا یتعدی الماضي الذي بنیت منه من حیث تقدير المصدر، كأن الكلام: يقدر عفي له من أخيه عفوٌ، و ﴿شئءٌ ﴾ اسم عام لهذا وغيره، أو من حيث تقدر: ﴿عُقِىَ﴾ بمعنى ترك فتعمل عملها، والأول أجود، وله نظائر في كتاب الله، منها قوله تعالى: ﴿وَلَا تَضُرُّوْنَهُ شَيْئًا﴾ [هود: ٥٧]. کالعفو عن کله في سقوط القود، وعفو بعض الأولیاء عن حقه، کعفو جمیعھم عن حقهم، فلو عرف الشيء کان لا يفهم منه ذلك، فلما نكره صار هذا المعنى مفهومًا منه؛ فلذلك قال تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ﴾(٢). فإن قيل: لم قال: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ﴾ ولم يقل: ((فمن عفا له أخوه شيئا»؟ قيل: العدول إلى هذا البناء للطيفة، وهي قال الأخفش: التقدير: لا تضرونه ضرًا، ومن ذلك قول أبي خراش(١): أنه لا فرق بین أن یکون صاحب الدم واحدًا، فعفا أو جماعة فعفا واحد منهم أنه یبطل حق فعادیت شيئًا والدریس كأنما القصاص ويعدل حينئذ إلى الدية، فقال: یزعزعه وردٌ من الموم مردم ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ﴾ ﴾ ليدل على هذا المعنى. فإن قيل: لِمَ قيل شيء من العفو؟ والجواب: من وجهين: أحدهما: أن هذا إنما يشكل إذا كان الحق ليس إلا القود فقط، فحينئذ يقال: القود لا يتبعض فلا يبقى لقوله: فائدة، أما إذا كان مجموع حقه إما القود وإما المال كان مجموع حقه متبعضًا؛ لأن له أن يعفو عن القود دون المال، وله أن يعفو عن الكل، فلما كان الأمر كذلك جاز أن يقول: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُمِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ ﴾. والجواب الثاني: أن تنكير الشيء يفيد فائدة عظيمة؛ لأنه يجوز أن يتوهم أن العفو (١) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٢٤٥/١ - ٢٤٦، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٥٣/٢ - ٢٥٤. وقيل: ﴿فَاتِبَاعٌ ﴾ هو أمر للعافي بحسن المطالبة، والهاء في قوله: ﴿آخِيهِ ﴾ يجوز أن یکون للمقتول، ویکون لولي المقتول، وجعله أخّا لولي الدم لا للنسبة ولا للموالاة الدينية، ولكن للإحسان الذي أسداه إليه وأجرى العهد مجرى الخطأ في الرضا منه بالدية(٣). وإذا عفا ولي الدم عن القصاص مقابل الدية فله أخذها، وإن لم يرض بذلك القاتل، وهذا مذهب أكثر العلماء من الصحابة (٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٢٧/٥. (٣) تفسير الراغب الأصفهاني، ١/ ٣٨١. ٨٦ جَوَسُوع القرآن الكريمِ الحفى والتابعين(١) ورجح ذلك القرطبي (٢). ولم يقتصر القرآن على الحث على العفو عن عقوبة القصاص مقابل الدیة فیما إذا كان القتل عمدًا، وإنما حث على ما هو أولى وأكمل، وهو العفو عن عقوبة القصاص والدية معًا. وهذا فيما إذا كان القتل عمدًا، أما إذا كان أهلًا للعفو فلا يعفى عنه. القتل خطأ فإنه لا يجب القصاص ((والحالة هذه)»، بل الواجب الدية فقط، وقد حث القرآن أيضًا على العفو عنها فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْ مِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأْ وَمَن قَثَلَ مُؤْمِنَا خَطًَا فَتَحْرِيُ رَقَّبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِهِ: إِلَّ أَنْ يَضَدَّقُواْ﴾ [النساء: ٩٢]. قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: (وقوله: ﴿وَدِيَةٌ تُسَلَّمَةُ﴾ إلى أهله هو الواجب الثاني فيما بين القاتل وأهل القتيل عوضا لهم عما فاتهم من قتيلهم وقوله: ﴿إِلَّاَ أَنْ يَصَدَّقُواْ﴾ أي: فتجب فيه الدية مسلمة إلى أهله إلا أن يتصدقوا بها فلا تجب»(٣). والعفو عن عقوبة القصاص في قتل العمد مقابل الدية، أو عنهما جميعا أيضًا، أو العفو عن الدية في قتل الخطأ مقيد بما (١) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٢٠٩/١. (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٥٣/٢. (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٣١- ٣٣٢. إذا كان الجاني أهلا لذلك، وأما إذا لم يكن أهلا لذلك فالأولى أن لا یعفی عنه، بل يعاقب على فعله؛ حتى يرتدع؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ, عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ، لَا يُحِبُّ التَّكْلِمِينَ﴾ [الشورى: ٤٠]. فقيد العفو بالصلاح، أما إذا كان ليس وبعد هذا كله ننبه إلى أن العفو المندوب إليه في مجال العقوبات مقتصر على العقوبات المختصة بالأبدان والأموال، كعفو أولياء الدم عن عقوبة القصاص مقابل الدية، أو عنهما معا؛ لما في العفو عن ذلك من المصالح العظيمة التي تعود على الفرد والمجتمع في الدنيا والآخرة، وأما العقوبات المتعلقة بالأعراض فلا يعفى عنها كعقوبة الزنا، أو عقوبة القذف، فلا یعفی عنها بحال من الأحوال، بل يجب أن تقام مثل هذه العقوبات حتى يرتدع الناس؛ لقوله تعالى: ﴿الَّنِيَّةُ وَالزَِّ فَأَجْلِدُواْ كُلَّ وَيَجِدٍ مِنْهُمَامِاتَةً جلدةٍ ولا تُذْكُم بِهِمَا رَأْغَةٌ فِدِینِ اللّهِإِنكُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِّ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَيِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢]. فهذه الآية بينت حكم الزاني والزانية البكرين، أنهما يجلد كل منهما مائة جلدة، وأما الثيب، فقد دلت السنة الصحيحة المشهورة، أن حده الرجم، ونهانا تعالى أن تأخذنا رأفة بهما في دين الله، تمنعنا www. modoee.com ٨٧ حرف العين من إقامة الحد عليهم، سواء رأفة طبيعية، أو لأجل قرابة أو صداقة أو غير ذلك، وأن الإيمان موجب لانتفاء هذه الرأفة المانعة من إقامة أمر الله، فرحمته حقيقة بإقامة حد الله عليه، فنحن وإن رحمناه لجريان القدر عليه فلا نرحمه من هذا الجانب، وأمر تعالی أن يحضر عذاب الزانيين طائفة، أي: جماعة من المؤمنين؛ ليشتهر ويحصل بذلك الخزي والارتداء؛ وليشاهدوا الحد فعلا، فإن مشاهدة أحكام الشرع بالفعل مما يقوي بها العلم، ويستقر به الفهم، ويكون أقرب الإصابة الصواب فلا يزاد فيه ولا ينقص (١). فهذه العقوبات لا يعفى عنها بحال من الأحوال بل يجب أن تقام؛ لأنه لا فائدة من العفو عنها بل في العفو عنها والتساهل في إقامتها مفاسد عظيمة، وعواقب وخيمة على الفرد والمجتمع في الدنيا والآخرة. وأيضًا لا يعفى عن العقوبات المتعلقة بحقوق الله تعالى، أو حقوق رسوله صلی الله عليه وسلم، كعقوبة حد الردة، وما أشبه ذلك، فليس لأحد من البشر كائناً من كان أن يعفو عنها، بل يجب على أولياء الأمور تنفيذها؛ لأن الله سبحانه قد استخلفهم في الأرض ليقوموا بذلك حق القيام، وعليهم أن يحذروا من التهاون في ذلك. آثار العفو للعفو آثار جليلة في الدنيا والآخرة نتحدث عنها فيما يلي: أولًا: آثار دنيوية: للعفو آثار عظيمة دنيوية وأخروية، فمن آثار العفو الدنيوية: ١. سقوط القصاص. فإذا عفا جميع أولياء المجني عليه، أو عفا بعضهم، وذلك فيما إذا كان القتل عمدًا. وبذلك يكونون قد عصموا دمه، وأنقذوه من القتل كما دل على ذلك قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِيّ إِسْرَّهِيلَ أَنَّهُ. مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَخْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]. قال بعض المفسرين: ((ومن أحياها بالعفو عن القاتل أعطاه الله من الأجر مثل ما لو أحيا الناس جميعًا)) (٢). وإذا عفا أولياء المجني عليه أو بعضهم عن القصاص من الجاني وجب على عاقلة الجاني أن يدفعوا لأولياء المجني عليه الدية؛ لقوله: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَأَنَّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: (٢) النكت والعيون، الماوردي ٣٢/٢. (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ٢٣٤. مَوَسُولَةُ النَّفِيَ لِلْقُرآن الكَرِيمِ ٨٨ الحفى ١٧٨]. وكذلك إذا عفوا عن القصاص والدية معا في العمد سقط ذلك كله، وكذلك لو عفوا عن الدية في الخطأ سقط ذلك. ٢. التيسير والتخفيف. والتيسير اختص الله به هذه الأمة دون ما سواها من الأمم السابقة؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ تَّخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ لأن أهل التوراة کان لهم القتل ولم یکن لهم غير ذلك، وأهل الإنجيل كان لهم العفو ولم يكن لهم قود ولا دية، فجعل الله تعالى ذلك تخفيفا لهذه الأمة، فمن شاء قتل، ومن شاء أخذ الدية، ومن شاء عفا (١). قال سعيد بن جبير: «کان حکم الله علی أهل التوراة أن يقتل قاتل العمد، ولا يعفى عنه، ولا يؤخذ منه دية، فرخص الله لأمة محمد، فإن شاء ولي المقتول عمدًا قتل، وإن شاء عفا، وإن شاء أخذ الدية))(٢). فإذا عفا أولياء المجني عليه عن القصاص مقابل الدية فقد حققوا هذا المقصد العظيم من مقاصد الشريعة. ٣. إصلاح المعتدي والمسامح. فالمعتدي حين يشعر بأن العفو جاء سماحة، ولم يجئ ضعفًا فإنه سيخجل ويستحي، ويحس بأن خصمه الذي عفا عنه (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٥٥/٢. (٢) زاد المسير، ابن الجوزي ١/ ١٣٧. هو الأعلى، والمسامح حينما يعفو تصفو نفسه وتعلو، فالعفو عندئذ خير لهما معًا. ٤. حل المشاكل الأسرية. قال تعالى: ﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التغابن: ١٤]. قال الشنقيطي: ((أي: إن عداوة الزوجة والأولاد لا ينبغي أن تقابل إلا بالعفو والصفح والغفران، وأن ذلك يخفف أو يذهب أو يجنب الزوج والوالد نتائج هذا العداء، وإنه خير من المشاحنة والخصام» (٣). ٥. تطهير النفس من الحقد. بوب الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الصحيح بابا بعنوان: ((باب الانتصار من الظالم؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَاأَصَابَهُمُ الْبَغْىُ هُمّ يَنْنَصِرُونَ﴾)) [الشورى: ٣٩]. قال إبراهيم النخعي: «کانوا یکرهون أن يستذلوا فإذا قدروا عفوا))(٤). ٦. التغلب على النفس. قال تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَّرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزِمِ اَلْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣]. فالذي يعفو يتغلب على نفسه، ولا يستجيب لرغبتها في الانتقام والانتصار. فإِذا عفا الإنسان فقد ارتقى بنفسه إلى (٣) أضواء البيان، الشنقيطي ٢٠٤/٨. (٤) علقه البخاري في صحيحه، - ١٢٩/٢. وانظر: تفسير ابن أبي حاتم ٣٢٧٩/١٠. www. modoee.com ٨٩ حرف العين المراتب العلية، وإلى الأخلاق النبيلة، الظالم بالعفو ﴿فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]. والمثل الفاضلة. ٧. حفظ الدماء. فالعفو يقضي على النعرات الجاهلية، والعصبيات المقيتة، ويخمد فتنة الثأر. ٨. حصول التقوى. قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧]. قال الفضيل بن عياض رحمه الله: ((إذا أتاك رجل يشكو إليك رجلا، فقل: يا أخي، اعف عنه فإن العفو أقرب للتقوى، فإن قال: لا يحتمل قلبي العفو ولكن أنتصر كما أمرني الله عز وجل، فقل له: إن كنت تحسن أن تنتصر وإلا فارجع إلى باب العفو، فإنه باب واسع، فإنه من عفا وأصلح فأجره على الله، وصاحب العفو ینام على فراشه بالليل، وصاحب الانتصار يقلب الأمور))(١). ٩. يصلح بين المتخاصمين. قال تعالى: ﴿أَدْفَعْ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَأَذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَوَةٌ كَأَنَّهُ وَإِىُّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤]. (١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم ١٠/ ٣٢٨٠. أي: إن الله يأجره على ذلك، قال مقاتل: («فكان العفو من الأعمال الصالحة)» (٢). ١١ . نيل محبة الله. قال تعالى: ﴿وَلَا نَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَبِنَةِ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمَّ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأَصْفَحَ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ١٣]. قال ابن عباس رضي الله عنهما: ((إذا عفوت فأنت محسن، وإذا كنت محسنا فقد أحبك الله))(٣)؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَلْعَافِينَ عَنِ النَّاسُِ وَاَللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]. فإذا عفا الإنسان عمن أساء إليه، وهو قادر على إنفاذ العقوبة؛ نال بذلك محبة الله تبارك وتعالى، فهو تبارك وتعالی عفو یحب العافين، وإذا أحب الله العبد وضع الله القبول في الأرض. ثانيًا: آثار أخروية: للعفو آثار أخروية منها: ١. تكفير ذنوب العافي. فإذا عفا عن الجاني جنايته، وخاصة إذا عفا عن القصاص؛ لقوله: ﴿فَمَنْ ١٠ . الأجر والمثوبة. العفو من الأعمال الصالحة التي يأجر تَصَدَّفَ بِهِ، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ﴾ [المائدة: ٤٥] شرط وجوابه، أي: تصدق بالقصاص الله العبد عليها، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ((من ترك القصاص وأصلح بينه وبين (٢) المصدر السابق ٤٠/١٦ (٣) مفاتيح الغيب، الرازي ٣٢٦/١١. ٩٠ جَوَسُو ◌َرَ النَفسِير القرآن الكريم العفو فعفا فهو كفارة له، أي: لذلك المتصدق. وقيل: هو كفارة للجارح فلا يؤاخذ بجنايته في الآخرة؛ لأنه يقوم مقام أخذ الحق منه، وأجر المتصدق عليه. قال ابن العربي: «والذي يقول: إنه إذا دلیل، فلا معنى له)) (١). عفا عنه المجروح عفا الله عنه لم يقم عليه العمل)) (٤). ﴿فَمَن تَصَدَّقَ يِهِ﴾ أي: بالقصاص في النفس، وما دونها من الأطراف والجروح، بأن عفا عمن جنى، وثبت له الحق قبله. ﴿فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ﴾ أي: كفارة للجاني؛ لأن الآدمي عفا عن حقه والله تعالى أحق وأولى بالعفو عن حقه، وكفارة أيضًا عن العافي، فإنه كما عفا عمن جنى علیه، أو على من يتعلق به فإن الله يعفو عن زلاته و جنایاته. وقد سئل عبد الله بن عمرو بن العاص عن قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّفَ بِهِ، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ﴾ [المائدة: ٤٥]. فقال: «یهدم عنه من ذنوبه بقدر ما تصدق به»(٢). ويؤيد ذلك ما جاء في حديث المحرر ابن أبي هريرة، عن رجل من أصحاب النبي صلی الله عليه وسلم، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أصيب بشيء في (١) أحكام القرآن، ١٣٦/٢. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٦٢/١٠ رقم ١٢٠٧٣. جسده فتركه لله كان كفارة له)(٣). وقال تعالى: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ ﴾ [النور: ٢٢] ففيها ((دليل على أن العفو والصفح على المسيء المسلم من موجبات غفران الذنوب، والجزاء من جنس ٢. الفوز بالأجر العظيم والثواب الجزيل. قال تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ, عَلَى اَللَّهِ إِنَّهُ، لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى: ٤٠ ]يجزيه أجرا عظيما، وثوابا كثيراً(٥). فقد تولى سبحانه بنفسه مجازاة من تحلی بهذا الخلق النبيل، وتكفل بذلك سبحانه. ٣. عفو الله في الآخرة. فمن عفا عن أخيه المسلم في الدنيا عنا الله عنه في الآخرة. قال تعالى: ﴿وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اَللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]. ((إن الجزاء من جنس العمل، فكما تغفر ذنب من أذنب عليك يغفر الله لك، وكما تصفح يصفح عنك))(٦). (٣) أخرجه أحمد في مسنده، رقم٢٧٥٣٤. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، رقم ٢٤٦١. (٤) أضواء البيان، الشنقيطي ٤٨٨/٥. (٥) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٧٦١. (٦) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٨٦/٣. www. modoee.com ٩١ حرف العين ٤. دخول الجنة. قال تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِى الْحَسَنَّةُ وَلَا السِّئَةُ أَدْفَعْ بِلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَذَ الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَوَّةٌ كَأَنَّهُ وَإِىُّ حَمِيمٌ ﴿ وَمَا يُلَقَّنِهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّنَهَا إِلَّ ذُو حَظٍ عَظِيمٍ ﴾ [فصلت: ٣٤]. ٣٥ قال ابن عباس رضي الله عنهما: ((أمره الله تعالى في هذه الآية بالصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإساءة، فإذا فعل الناس ذلك عصمهم الله من الشيطان، وخضع لهم عدوهم)). وقال قتادة ومجاهد -رحمها الله -: ((الحظ العظيم: الجنة)). وقال الحسن رحمه الله: ((والله ما عظم حظ قط دون الجنة». وقيل: الكناية في ﴿يُلَقَّهَا﴾ عن الجنة، أي: ما يلقاها إلا الصابرون، والمعنى متقارب (١). موضوعات ذات صلة: الجزاء، الحساب، الرحمة، السماحة (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٥/ ٣٦٢ - ٣٦٣. ٩٢ جوسيس القرآن الكريم