Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ الخِقَةُ ٩ عناصر الموضوع مفهوم العفة ٨ العفة في الاستعمال القرآني ٩ الألفاظ ذات الصلة ١٠ ١٢ أنواع العفة ١٦ الحث على العفة ٢٢ نماذج قرآنية من المتعففين ٣٠ معوقات العفة ٣٨ ثمرات العفة المُجَلَدَ الرّايعِ وَالعشْرُونْ حرف العين مفهوم العفة أولًا: المعنى اللغوي: عف عن الشيء يعف عِفَّةً وعَفَافًا: كف عمَّا لا يحل ولا يجمل ولا ينبغي من قول أو فعل، والعفيف من لا يقذف بريبة، والتعفف والاستعفاف هو تكلف العفة وطلبها (١)، وامرأة عفيفة أي: عفة الفرج (٢)، وتتعدى بالألف فيقال: أعففته عن كذا، أي: كففته(٣). فالعفة في اللغة تدور حول الكف والامتناع عن القبائح القولية والفعلية. ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: المعنى الاصطلاحي لا يبعد عن المعنى اللغوي، فقد عرفها بعض العلماء بأنها: «هيئة للقوة الشهوية متوسطة بين الفجور الذي هو إفراط هذه القوة والخمود الذي هو تفريطها، فالعفيف من يباشر الأمور على وفق الشرع والمروءة» (٤). وعرفها آخرون بأنها: «حصول حالة للنفس تمتنع بها عن غلبة الشهوة، والمتعفف هو المتعاطي لذلك بضرب من الممارسة والقهر))(٥). وعرفها الكفوي بأنها: ((الكف عما لا يحل)) (٦). وعرفت العفة أيضًا أنها الصبر والنزاهة عن الشهوات (٧). فالعفة إذًا: حاجز داخلي يمنع الإنسان من تغليب الشهوة، ويبعده عن عمل القبيح عرفًا وشرعًا، ويدفعه إلى الصبر والنزاهة عن الشهوات الدنيوية والحاجات الإنسانية. (١) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ١٦٩/١٢، مقاييس اللغة، ابن فارس ٣/٤، المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٥٧٣، تاج العروس، الزبيدي ٢٤/ ١٧٤، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٦١١/٢. (٢) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٢٥٣/٩. (٣) انظر: العين، الفراهيدي ١/ ٩٢، القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص٨٣٨. (٤) التعريفات، الجرجاني ص١٥١. (٥) المفردات، الأصفهاني ص ٥٧٣. (٦) الكليات ص٦٥٦. (٧) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٢٥٣/٩. ٨ جَوَنُور القرآن الكريمِ العفة العفة في الاستعمال القرآني وردت مادة (عفف) في القرآن الكريم (٤) مرات (١). والصيغ التي وردت، هي: الصيغة عدد المرات المثال الفعل المضارع ٣ ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ اَلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٣] المصدر ١ ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَامِلُ أَغْنِيَآءُ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: ٢٧٣] وجاءت العفة في الاستعمال القرآني بمعناها اللغوي، وهو: حصول حالة للنفس تمتنع بها عن غلبة الشهوة(٢)، وترك الشيء(٣)، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفٌْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلُّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]، أي: فليستعفف عنه، ولا يأكل منه شيئًا(٤). وقال تعالى: ﴿وَالْقَوَعِدُ مِنَ النِّسَاءِ الَّتِي لَا يَرْجُونَ نِكَحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحُّ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيِّرَ مُتَّبَرِّحَتٍ بِينَةٌ وَأَنْ يَسْتَعْفِقْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ ﴾ [النور: ٦٠]، أي: وترك وضعهن لثیابهن -وإن کان جائزًا - خير وأفضل لهن(٥). (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص٤٦٦. (٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص٣٣٩. (٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٩٤/٥. (٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢١٦/٢. (٥) انظر: المصدر السابق ٨٤/٦. www. modoee.com ٩ حرف العين الألفاظ ذات الصلة السؤال: ١ السؤال لغةً: ومعناه لغة ما يطلبه الإنسان، وسأله سؤله أي: قضى حاجته (١). السؤال اصطلاحًا: استدعاء معرفة أو ما يؤدي إلى معرفة، واستدعاء مال أو ما يؤدي إلى مال(٢). الصلة بين السؤال والعفة: ورد السؤال في القرآن الكريم بمعنى مضاد للعفة، فالمتعفف يمتنع عن طلب المال وأخذه من الآخرين بخلاف السائل الذي يسأل المعونة بإظهاره حاجته إليها(٣). ٢ الفاحشة: الفاحشة لغةً: ((القبيح من القول والفعل)) (٤). الفاحشة اصطلاحًا: هي ما توجب الحد في الدنيا والعذاب في العقبى، وتطلق على فعل الزنا(٥). الصلة بين الفاحشة والعفة: العفة ضد الفاحشة، فهي الكف عن القبيح، أما الفاحشة فهي ممارسة القبح. (١) انظر: القاموس المحيط، الفيروز آبادي ص ١٠١٢. (٢) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص١٩٩. (٣) انظر: غرائب التفسير وعجائب التأويل، الكرماني ١١٤٠/٢. (٤) المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده ٣/ ١١٤. (٥) انظر: التعريفات، الجرجاني ص ١٩٧. ◌َالنَّسَبـ جوبيبو القرآن الكريم ١٠ العفة الإحصان: ٣ الإحصان لغةً: هو الإحكام بحيث لا يوصل إلى ما في جوفه(١)، و((أحصنت المرأة عفت))(٢). الإحصان اصطلاحًا: هو ((العفة وتحصين النفس من الوقوع في الحرام)) (٣)، ويطلق على الوطء الصحيح. الصلة بين الإحصان والعفة: التقارب بين مصطلحي العفة والإحصان بين؛ ففي كليهما بعدٌ عما يحرم، واكتفاءٌ بما يحل، وقطعٌ للشهوة المؤدية إلى الحرام. (١) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ١٤٣/٤. (٢) مختار الصحاح، الرازي ١/ ٧٥. (٣) الكلیات، الكفوي ص٥٥. www. modoee.com حرف العين أنواع العفة العفة سببٌّ للسعادة في الدارين، وارتكاب الفواحش سبب للشقاء في الدارين، ولهذا لم يفترض الله على الأمة إلا ما يصلحها، ولم يمنعها إلا مما يفسدها، فأحل الحلال وحرم الحرام، وكل ذلك من أجل سعادة البشرية. وقد تحدث القرآن الكريم عن أنواع من العفة نوجزها في النقاط الآتية: أولًا: العفة عن المحرمات: قال الماوردي: ((العفة نوعان(١): أحدهما: العفة عن المحارم، وتعني: الكف عن محارم المسلمين، من الدم والمال والعرض، وهي نوعان: أحدهما: ضبط الفرج عن الحرام، کالزنا واللواط. قال تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ [النور: ٣٣]. «أي: أن يبتعد الإنسان عما حرم عليه من الزنا ووسائله وذرائعه؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ الزِّفَ إِنَّهُ، كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلًا ﴾ [الإسراء: ٣٢]. ولذا فقد أمر الله في كتابه الكريم بحفظ وَيَحْفَظُواْ فَرَوْجَهَم الفرج حيث قال: (١) أدب الدنيا والدين، الماوردي ص ٣٢٩ بتصرف. [النور: ٣٠]. قال الماوردي: ((فيها قولان: أحدهما: أنه يعنى بحفظ الفرج عفافه، والعفاف يكون عن الحرام دون المباح))(٢). والثاني: كف اللسان عن الأعراض، كالقذف والنميمة والغيبة والكذب والاستهزاء ونحو ذلك. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَّمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَوْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةٍ شُهَدَّةُ فَأَجْلِهُ وهُمْ ثَمَنِينَ جَلْدَةً وَلَا نَقْبَلُوْ لَمْ شَهِدَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [النور: ٤]. أي: يقذفون العفائف المسلمات بأن يرموهن بالزنا كيدًا وظلمًا(٣). قال الطبري: ((أي: والذين يشتمون العفائف من حرائر المسلمين فيرمونهن بالزنا ثم لم يأتوا على ما رموهن به من ذلك بأربعة شهداء عدول يشهدون عليهن أنهن رأوهن يفعلن ذلك فاجلدوا الذين رموهن بذلك ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا، وأولئك هم الذين خالفوا أمر الله وخرجوا من طاعته ففسقوا عنها)»(٤). و الداعي إلى ذلك شيئان: أحدهما: إرسال الطرف، فقد نهى الله عن ذلك، كما في قوله تعالى: ﴿قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَدِهِمْ وَتَحْفَظُواْ (٢) النكت والعيون، الماوردي ٤ /٨٩. (٣) أوضح التفاسير، محمد الخطيب ص ٤٢٣. (٤) جامع البيان، الطبري ١٧/ ١٦١. ١٢ جَوَسُو القرآن الكريمِ العفة فُرُوجَهُمَّ ذَلِكَ أَزَّكَ لَهُمْ﴾ [النور: ٣٠] يعني: ((يحفظوا أبصارهم عما لا يحل لهم النظر إليه (١)؛ لأن النظر بالبصر يحمله على الزنا في الفرج؛ ومنه یکون بدء الفجور (٢). والثاني: اتباع الشهوات والانكباب علیھا. قال عز وجل: ﴿فَلْفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفُ أَضَاعُواْ الصَّلَوَةَ وَأَتَّبَعُواْ الشَّهَوَتِّ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيَّاللَ﴾ [مريم: ٥٩]. قال ابن تيمية: ((إن المتبعين لشهواتهم من الصور والطعام والشراب واللباس يستولي على قلب أحدهم ما يشتهيه حتى يقهره ويملكه ويبقى أسيرًا، ما يهواه يصرفه))(٣). ثانيًا: العفة عن المآئم. وتنقسم إلى نوعين (٤): الأول: الكف عن المجاهرة بالظلم، وهذا يعني أن تظلم جهارًا. قال تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّبِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣]. في هذه الآية إخبار منه تعالى بحقيقة يجهلها الناس، وهي أن عاقبة المكر السيئ تعود على الماكرين بأسوأ العقاب وأشد (١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم ٢٥٧١/٨. (٢) تأويلات أهل السنة، الماتريدي ٣/ ٤٥٠. (٣) الزهد والورع والعبادة، الدمشقي ص ٣٤. (٤) انظر: أدب الدنيا والدين، الماوردي ص ٣٣٢. العذاب(٥). والثاني: زجر النفس عن الإسرار بخيانة. وردت الخيانة في القرآن الكريم بعدة معانٍ، منها (٦): * الزنا: كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَلَا يَهْدِى كَيْدَ الْغَايِنِينَ﴾ [فاطر: ٥٢]. * الاختيان: مراودة الخيانة، أي: تحرك شهوة الإنسان لتحري الخيانة. قال تعالى: ﴿عَلِمَ اَللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ ◌َّثْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]. مما قيل في تفسير هذه الآية أن كل واحد منهم یرید خيانة نفسه، سواء كان ذلك في جماع النساء أو في المأكل والمشرب في الوقت الذي كان ذلك حرامًا عليهم، وسمي خائنا؛ لأن الضرر عائد عليه (٧). ومما سبق نستطيع تقسيم العفة عن المحرمات بحسب جوارح المسلم: ١. عفة الجوارح. المسلم يعف يده ورجله وعينه وأذنه وفرجه عن الحرام فلا تغلبه شهواته، وقد أمر الله كل مسلم أن يعف نفسه ويحفظ فرجه حتى يتيسر له الزواج، فقال تعالى: ﴿وَلْيَسْتَغْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ (٥) أيسر التفاسير، الجزائري ٤ / ٣٦١. (٦) التصاريف، ابن سلام ص ١٧٨. (٧) جامع البيان، الطبري ٤٩٣/٣ بتصرف. www. modoee.com ١٣ حرف العين اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾﴾ [النور: ٣٣]. ٢. عفة الجسد. المسلم يستر جسده ويبتعد عن إظهار عوراته، فعلى المسلم أن يستر ما بين سرته إلى ركبتيه، وعلى المسلمة أن تلتزم بالحجاب؛ لأن شيمتها العفة والوقار. وقد قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلْيَضْرِيْنَ ◌ِخُمُرِ هِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]. وقال تعالى: ﴿بَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَنِكَ وَبَنَائِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِنَ عَيْهِنَّ مِن جَبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْفَ أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَّ وَكَانَ اَللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴾ [الأحزاب: ٥٩]. ٣. عفة البصر. فقد حرم الإسلام النظر إلى المرأة الأجنبية، وأمر الله المسلمين أن يغضوا أبصارهم، فقال: ﴿قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَدِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠]. وقال تعالى: ﴿وَقُل لِلْمُؤْمِنَتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِ مِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: ٣١]. ٤ . عفة اللسان. المسلم يعف لسانه عن السب والشتم، فلا يقول إلا طيبًا، ولا يتكلم إلا بخير، والله تعالى يصف المسلمين بقوله: ﴿وَهُدُوَأ إِلَى اللَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوَاْ إِلَى صِرَاطِ لَلَمِيدِ ﴾ [الحج: ٢٤]. ٢٤ ويقول عز وجل عن نوع الكلام الذي يقبله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلُِّ الَّيْبُ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]. ويأمرنا الله سبحانه أن نقول الخير دائمًا، فيقول تعالى: ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]. ٥. عفة الفرج. ومنه الثناء على عفاف الصديقة مريم عليها السلام، قال تعالى: ﴿وَلَّتِّ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن ◌ُّوحِنَا وَجَعَلْتَهَا وَأَبْنَهَاَ ءَايَةٌ لِلْعَلَمِينَ ﴾ [الأنبياء: ٩١]. ٦. عفة المأكل والمشرب. المسلم يعف نفسه ويمتنع عن وضع اللقمة الحرام في جوفه، لأن من وضع لقمة حرامًا في فمه لا يتقبل الله منه عبادة أربعین یومًا، وکل لحم نبت من حرام فالنار أولى به، يقول تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ وَأَشْكُرُواْ لِلَّهِ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٧)﴾ [البقرة: ١٧٢]. ثانيًا: العفة عن المباحات: عرض القرآن الكريم إلى صور من العفة عن المباحات، منها: ١. التعفف عن سؤال الناس. المسلم يعف نفسه عن سؤال الناس إذا احتاج، فلا يتسول، ولا يطلب المال بدون عمل، وقد مدح الله أناسًا من الفقراء لا ١٤ الْقُرآن الكَرِيْمِ العفة يسألون الناس لكثرة عفتهم، في قوله تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَامِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَهُمْ لَا يَسْتَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٣) ولهذا فقد حرم الشرع السؤال على من يملك ما یغنیه من مالٍ أو قدرة على التكسب، سواءٌ كان ما يسأله زكاةً أو تطوعًا أو كفارةً، ولا يحل له أخذ ذلك إن أعطي بالسؤال أو إظهار الفاقة، فلو أظهر الفاقة وظنه الدافع متصفًا بها لم يملك ما أخذه، لأنه قبضه من غير رضا صاحبه، إذ لم يسمح له إلا على ظن الفاقة. بينما من كان محتاجًا إلى الصدقة وممن يستحقونها لفقرٍ أو عجزٍ عن الكسب يجوز له السؤال بقدر الحاجة، وبشرط أن لا یذل نفسه، وأن لا يؤذي المسؤول، فإن أذل نفسه أو آذى المسؤول بإلحاح أو إحراجٍ لم تجز له المسألة وأخذ الصدّقة وإن كان محتاجًا إليها، وحرم أخذها، ووجب ردها، إلا إذا كان مضطرًا بحيث يخشى الهلاك إن لم يأخذ الصدقة. لکن من خاف هلاكًا وکان عاجزًا عن التكسب وجب عليه السؤال، فإن ترك السؤال في هذه الحالة أثم لأنه ألقى بنفسه إلى التهلكة، والسؤال في هذه الحالة في مقام التكسب؛ لأنها الوسيلة المتعينة لإبقاء النفس، ولا ذل فيها للضرورة، والضرورة تبيح المحظورات كأكل الميتة. ٢. التعفف عن مال اليتيم. إذا كان يرعى اليتيم ويقوم على شؤونه فإن كان غنيا فلا يأخذ منه شيئًا، بل ينميه ویحسن إليه طلبًا لمرضاة الله عز وجل، قال تعالى: ﴿وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ [النساء: ٦]. ٣. عفة القواعد من النساء. بأن تحافظ علی حجابها فذلك خيرٌ لها. قال تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ الَّتِى لَا يَرْجُونَ نِكَحَا فَلَيْسَ عَيْهِرَ جُنَاحُّ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَ غَرَ مُتَبَرِحَتٍ بِينَةٌ وَأَنْ يَسْتَعْفِقْنَ خَيْرٌ لَّهُنٌَّ وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ [النور: ٦٠]. جاء في الآية الندب إلى الاستعفاف بالنسبة للقواعد من النساء وهن اللاتي قعدن عن المحيض وعن الولد بسبب كبر السن والعجز؛ ولأنهن صرن بذلك غير مرغوبات للزواج، أذن لهن بوضع ما تؤمر به المرأة عادة من اللباس الساتر لعورتها، من دون مبالغة في التبرج وإظهار الزينة، وجاء التعقيب بعد هذا الجواز بالترغيب في الاستعفاف، أي: طلب العفة بالتخلي عن هذه الرخصة، وذلك لما في الاستعفاف من خير. وهذه الآية الكريمة تندرج في سياق آيات أخر حددت شروط اللباس الشرعي www. modoee.com ١٥ حرف العين للمرأة والقوانين التي تحكم زينتها الظاهرة والباطنة، وبعد بيان طبيعة هذه الزينة وما ينبغي أن يظهر منها ولمن يمكن إظهارها له جاءت هذه الآية بالترخيص للمرأة في وضع خاص وهو كبر السن بالتخفيف عليها في التحفظ في اللباس، مع التنبيه على أن الاستعفاف خير لها، حيث يفهم من هذا التعقيب في ختام الآية أن الاستعفاف هنا نظير الستر الكامل الذي يحسن بالمرأة التجمل به في كل مراحل عمرها (١). (١) انظر: العفة والاستعفاف في القرآن، د.فريدة زمرد، موقع ميثاق الرابطة، العدد ١٨٩ بتصرف. الحث على العفة يتميز القرآن بجماله البياني الذي لا يمكن قياسه على غيره، فالقرآن له لغته الخاصة، البينة بنفسها، المكتملة بدون نقصان، والوافية التي لا تحتاج إلى إتمام. وقد حث القرآن الكريم على العفة بأساليب متنوعة، منها: أولًا: أسلوب الطلب: قال تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ اَلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٣]. ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ﴾ أي: ليجتهد في العفة وصون النفس، وهو استفعل بمعنى طلب العفة من نفسه وحملها عليها. فالمأمور بالاستعفاف هو من عُدِمَ المال الذي يتزوج به ويقوم بمصالح الزوجية. والظاهر أنه أمر ندبٍ لقوله قبل: ﴿إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اللّهُ مِن فَضْلِ﴾ [النور: ٣٢](٢)، ولهذا جاء التعبير عنه بقوله تعالى: ﴿وليستعففٍ﴾، ولو كان للإلزام والوجوب لكان النظم هكذا: (وليعف)؛ لأن في الاستعفاف تردد ومعاودة للفعل بعد الترك، والترك بعد الفعل، وهكذا(٣). قال الطاهر بن عاشور: «أمر كل من تعلق به الأمر بالإنكاح بأن يلازموا العفاف في (٢) البحر المحيط في التفسير، أبو حيان ٣٨/٨. (٣) التفسير القرآني للقرآن، الخطيب ٧٠٤/٢. ١٦ جوبيبو القرآن الكريمِ العفة مدة انتظارهم تيسير النكاح لهم بأنفسهم ((للصوم تأثير عجيب في حفظ الجوارح الظاهرة، والقوى الباطنة، وحميتها عن أو بإذن أوليائهم ومواليهم، والسين والتاء للمبالغة في الفعل، أي: وليعف الذين لا یجدون نکاحًا. التخليط الجالب لها المواد الفاسدة التي إذا استولت عليها أفسدتها، واستفراغ المواد الرديئة المانعة لها من صحتها، فالصوم ووجه دلالته على المبالغة أنه في الأصل استعارة. وجعل طلب الفعل بمنزلة طلب السعي فيه؛ ليدل على بذل الوسع))(١) . يحفظ على القلب والجوارح صحتها، ويعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشهوات، فهو من أكبر العون على التقوى (٤). والسين والتاء إذا دخلتا الفعل فهما للطلب، أي: ليطلب العفة، فهؤلاء الفقراء إن أصروا على عدم الزواج للفقر فليكونوا عفيفين عن النظر والسمع والزنا والفرج فيما لا یحل لهم، عسى الله أن یغنیھم ویکفیھم، فإن الله قد تعهد بذلك من قبل. وهذه الآية في حق الأحرار(٢)، حيث أمر الله الذين لا يجدون ما يتزوجون به أن يجتهدوا في العفة عن إتیان ما حرم الله علیهم من الفواحش إلى أن يغنيهم الله من سعته، ويرزقهم ما به يتزوجون. وفي ذلك عدة كريمة بالتفضل عليهم بالغنى تأميلًا لهم وتطمينًا لقلوبهم(٣). وأمر الله بالعفة يقتضي تحميل الفرد المسؤولية عن نفسه في عفته وصيانته لعرضه، فلا يتذرع بطرقه أبواب الحرمات بأنه لم يعط ما يعينه على النكاح، ولذا فإن (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢١٨/١٨. (٢) روضة المحبين، ابن القيم ص ٢٢٥-٢٢٦. (٣) تفسير آيات الأحكام، محمد علي السايس ص ٥٩٧. قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن ﴾ [البقرة: ١٨٣]. ١٨٣ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ قال الرازي: ((اعلم أنه سبحانه لما ذكر تزويج الحرائر والإماء، ذكر حال من يعجز عن ذلك فقال: ﴿وليستعفِفِ﴾ أي: وليجتهد في العفة، كأن المستعفف طالب من نفسه العفاف وحاملها علیه»(٥). والاستعفاف: هو طلب العفاف والاجتهاد في العفة وصون النفس، كأنه قال: يطلب الأسباب التي تمنعه عن الزنا وتجعله عفيفًا حتى يغنيه الله من فضله، وأسباب العفة تكون في أشياء: أحدها: ما روي عنه صلى الله عليه وسلم: (يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه (٤) زاد المعاد، ابن القيم ٢٨/٢. (٥) مفاتيح الغيب، الرازي ٣٧٢/٢٣. www. modoee.com ١٧ حرف العين له وجاء)(١). یکن عنده ما ينكح ارتفع عنه إبقاء النسل فيطلب أسباب العفة إن لم يكن عنده ما والتوالد. ینکح حتی لا یقع في الزنا إلی أن یغنیه الله. وجائز أن يكون قوله: ﴿وَلْيَسْتَمْفِفِ﴾ أي: ليتعفف الذين لا يجدون نكاحًا ما ينكحون به النساء عن إتيان ما حرم الله عليهم من الفواحش، حتى يغنيهم الله من سعة فضله ویوسع عليهم من رزقه(٢). ولذا لم يجعل الله عز وجل للذي عجز عن النكاح استباحة الفروج والاستمتاع بها زنا إذا لم يكن عنده ما ينكح، كما جعل في الأموال وغيرها رخصة التناول في ملك غيره عند الحاجة والضرورة ببدل؛ لوجوه: الأول: أن رخصة التناول في ملك غيره إنما تكون عند الضرورة، والضرورات لا تقع في الفروج، وفي الاستمتاع بها بحال؛ لذلك لم تبح. والثاني: الاستمتاع بالنساء في الأصل كأنه إنما جعل وأبيح لبقاء النسل والتوالد، لا لحاجة أنفسهم وقضاء الشهوة، فإذا لم (١) أخرجه البخاري في صحيحه، کتاب النكاح، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من استطاع منكم الباءة فليتزوج، لأنه أغض للبصر وأحصن للفرج)، وهل يتزوج من لا أرب له في النكاح، رقم ٥٠٦٥، وباب من لم يستطع الباءة فليصم، رقم ٥٠٦٦، ومسلم في صحيحه، كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد مؤنة، رقم ١٤٠٠. (٢) جامع البيان، الطبري ٢٧٥/١٧-٢٧٦. جومبو القرآن الكريم والثالث: أن السعة والغناء وأنواع النعم هي الداعية إلى الحاجة وقضاء الشهوة، فإذا کان فقيرًا لا يجد ما ینکح زالت عنه الأسباب التي تدعو إلى ذلك؛ لذلك لم يبح، وأما الحاجات والضرورات وما ذكرنا كلها تقع في الأموال، وإنما الحاجة في التناول منها لأنفسهم ولإبقائها؛ لذلك افترقا (٣). والخلاصة أن الله جل جلاله أخبر في هذه الآية الكريمة بأنه لا رخصة لمن لم يجد النكاح في الزنا، وأمر بالتعفف للذي لا امرأة له حينما قال: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ﴾ وليطلب العفة عن الحرام والزنا الذين لا يجدون ما لا ينكحون به للصداق والنفقة (٤)، كأن المستعفف طالب من نفسه العفاف وحاملها (٥) عليه حتی یغنیه الله من رزقه (٦). . قال القشيري: ((يغنيهم الله في الحال أولًا بالنفس، ثم غنى القلب، وغنى القلب غنى عن الشيء، فالغنى عن الدنيا أتم من الغنی بالدنیا»(٧). ولذا فإن المعاني التي نستخلصها من (٣) تأويلات أهل السنة، الماتريدي ٤٥٩/٣. (٤) معالم التنزيل، البغوي ٦/ ٤٠. (٥) الكشاف، الزمخشري ٣/ ٢٣٧. (٦) تفسير السمرقندي ٢/ ٤٣٩، النكت والعيون، الماوردي ٤ / ٩٩ بتصرف. (٧) لطائف الإشارات، القشيري ٣٦٦/٢. ١٨ العفة الآية تؤكد دلالة لفظ الاستعفاف على تجنب اشتغالهم بالجهاد، أو بسبب ضعفهم وقلة ذات یدهم. الفاحشة بالنسبة لمن لم يجد طولا للنكاح. ثانيًا: الثناء على المتعففين: امتدح الله في كتابه الكريم طائفة من المؤمنين هي أولى الناس بالعون والمساعدة، ووصف هذه الطائفة بست صفات من شأنها أن تحمل العقلاء على المسارعة في إكرام أفرادها وسد حاجتهم. قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحْصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَامِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَهُمْ لَا يَسْتَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]. لقد وصفهم الله تعالى بالفقراء، أي: الذين هم في حاجة إلى العون والمساعدة؛ لفقرهم واحتياجهم إلى ضرورات الحياة. ثم ذكر أن من صفاتهم الإحصار، وهو في اللغة أن يعرض للرجل ما يحول بينه وبين ما يريده بسبب مرض أو شيخوخة أو عدو أو ذهاب نفقة أو ما يجري مجرى هذه الأشياء. لا أما صفتهم الثالثة فقال فيها: يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى الْأَرْضِ﴾، والضرب في الأرض هو السير فيها للتكسب والتجارة وغيرهما، أي: أنهم عاجزون عن السير في الأرض لتحصيل رزقهم بسبب والصفة الرابعة من صفاتهم هي قوله تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَامِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ التَّعَقُّفِ﴾ والتعفف: ترك الشيء والتنزه عن طلبه بقهر النفس والتغلب عليها. يقال: عف عن الشيء يعف إذا كف عنه. والحسبان بمعنى الظن، أي: يظنهم الجاهل بحالهم أو الذي لا فراسة عنده يظنهم أغنياء من أجل تجملهم وتعففهم عن السؤال، أما صاحب الفراسة الصادقة والبصيرة النافذة فإنه يرحمهم ويعطف عليهم؛ لأنه يعرف ما لا يعرفه غيره. الصفة الخامسة من صفاتهم فهي قوله تعالى: ﴿تَعْرِفُهُم بِسِيمَهُمْ﴾، والسيما والسيماء: العلامة التي يعرف بها الشيء، وأصلها من الوسم بمعنى العلامة. والمعنى: تعرف فقرهم وحاجتهم بما ترى في هيئتهم من آثار تشهد بقلة ذات يدهم. قال الرازي: ((إن لعباد الله المخلصين هيبة ووقعًا في قلوب الخلق، وكل من رآهم تأثر منهم وتواضع لهم، وذلك له إدراکات روحانية لا علامات جسمانية))(١). أما الصفة السادسة من صفاتهم فهي قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَلُونَ النَّاسَ إِلَحَافًا﴾ والإلحاف كما يرى الزمخشري هو الإلحاح (١) مفاتيح الغيب، الرازي ٧/ ٨٧. www. modoee.com ١٩ حرف العين بأن لا يفارق السائل المسئول إلا بشيء إلحافًا)(٣). يعطاه(١). وخلاصة ما سبق أن هؤلاء الفقراء ليسوا والذي عليه المحققون من العلماء أن من الطفيليين الذين يعيشون عالة على النفي منصب على السؤال وعلى الإلحاف، أي: أنهم لا يسألون أصلًا تعففا منهم؛ لأنهم لو كانوا يسألون ما ظنهم الجاهل أغنياء من التعفف، ولو کانوا یسألون ما كانوا متعففین، ولو كانوا يسألون ما احتاج صاحب البصيرة النافذة إلى معرفة حالهم عن طريق التفرس في سماتهم؛ لأن سؤالهم کان یغنیه عن ذلك(٢). وإنما جاء النفي بهذه الطريقة التي يوهم ظاهرها أن النفي متجه إلى الإلحاف وحده للموازنة بينهم وبين غيرهم، فإن غيرهم إذا كان يسأل الناس إلحافا فهم لا يسألون مطلقًا لا بإلحاف ولا بدونه، والنفي بهذه الطريقة فيه تعريض بالملحفين وثناء على المتعففين. هذا وقد وردت أحاديث متعددة تمدح المتعففين عن السؤال وتذم الملحفين فیه. ومن ذلك ما جاء عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان، ولا التمرة والتمرتان، إنما المسكين الذي يتعفف، اقرؤوا إن شئتم: لا يسئلون الناس (١) الكشاف، الزمخشري ١/ ٥٠٣. (٢) التفسير الوسيط، طنطاوي ٨١٨/١-٨١٩. کسب غيرهم، وإنما هم أزهد الناس فيما في أيدي الناس، وقد بذلوا أنفسهم وخرجوا عن ديارهم وأموالهم في سبيل المبدأ والعقيدة، ومن أجل هذا فهم -على فقرهم وحاجتهم- متجملون بالتعفف والقناعة والصبر، حتى ليحسبهم من لا نفاذ لبصره في حقائق الأمور أنهم أغنياء لا حاجة بهم إلى شيء من مال أو متاع، وقد يكون أحدهم طاويًا لأيام لم يذق طعامًا. ولكن البصير الذي يتفرس في وجوههم فینفذ إلی دخيلة أمرهم يجد منهم ما يخفيه تعففهم وتجملهم من ضر الجوع وأذى المسغبة، ومن هنا كان واجبا على المحسن أن یتحسس حاجة المحتاجین، وأن یتعرف على ذوي الحاجة المتسترين الذين يمنعهم الحياء والتعفف عن أن يسألوا، فهؤلاء هم أحق الناس بالعون والإحسان! (٤). ثالثًا: وعد المتعففين بالتوسعة عليهم: إذا التزم المسلم بعفته وطهارته فإن له (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتابٍ تفسير القرآن، باب (لا يسألون الناس إلحافًا)، رقم ٤٥٣٩، ومسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب المسكين الذي لا يجد غنى، ولا يفطن له فیتصدق علیه، رقم ٢٣٤٨. (٤) التفسير القرآني للقرآن، الخطيب ٣٤٨/٢. ٢٠ بَرُ النَِّّيَّـ جوب القرآن الكريمِ لحفة عظيم الأجر ووافر الثواب عند الله. قال تعالى: ﴿إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ◌ُلَّهُ مِن فَضْلِهُ وَاَللَّهُ وَمِعُ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٢]. الضمير في ﴿يَكُونُواْ﴾ يعود إلى المذکورین في الآية من ﴿الأمى﴾، ویشیر من طرف خفي إلى العبيد والإماء، أي: إن يكن هؤلاء المذكورون صالحين للزواج وراغبين فيه طلبًا للتعفف ولكن يمنعهم خوف الفقر والحاجة وعدم القدرة على حمل أعباء الزوجية وما تجيء به من ذرية إن یکن هذا صارفًا لهم عن التزوج فليتزوجوا، والله سبحانه وتعالى يعدهم سعة الرزق ودفع الضر الذي يتوقعونه من الزواج ما دامت نيتهم قائمة على طلب مرضاة الله وحفظ الفروج بهذا الزواج (١). قال الطبري: إن يكن هؤلاء الذين تنکحونهم من أیامی رجالکم ونسائكم وعبيدكم وإمائكم أهل فاقة وفقر فإن الله يغنيهم من فضله، فلا يمنعنكم فقرهم من إنكاحهم(٢). فوعد الله للمتزوج من هؤلاء إن كان فقيرًا أن يغنيه الله، فإغناؤه تيسير الغنى إليه إن كان حرًا، وتوسعة المال على مولاه إن کان عبدًا، فلا عذر للولي ولا للمولی أن يرد خطبته في هذه الأحوال. وإغناء الله إياهم توفيق ما يتعاطونه من أسباب الرزق التي اعتادوها مما يرتبط به سعيهم الخاص من مقارنة الأسباب العامة أو الخاصة التي تفيد سعیھم نجاحًا وتجارتهم رباحًا. والمعنى: أن الله تكفل لهم أن يكفيهم مؤنة ما يزيده التزوج من نفقاتهم. وصفة الله (الواسع) مشتقة من فعل وسع باعتبار أنه وصف مجازي؛ لأن الموصوف بالسعة هو إحسانه. قال الغزالي في شرح الأسماء الحسنى: مشتق من السعة، والسعة تضاف مرة إلى العلم إذا اتسع وأحاط بالمعلومات الكثيرة، وتضاف أخرى إلى الإحسان وبسط النعم وكيف ما قدر وعلى أي شيء نزل، فالواسع المطلق هو الله سبحانه وتعالى؛ لأنه إن نظر إلی علمه فلا ساحل لبحر معلوماته، بل تنفد البحار لو كانت مدادًا لكلماته، وإن نظر إلى إحسانه ونعمه فلا نهاية لمقدوراته، وكل سعة وإن عظمت فتنتهي إلى طرف، والذي لا ينتهي إلى طرف فهو أحق باسم السعة، والله سبحانه وتعالى هو الواسع المطلق (٣). والذي يؤخذ من استقراء القرآن وصف الواسع المطلق إنما يراد به سعة الفضل والنعمة. وذكر عليم بعد واسع إشارة إلى أنه يعطي فضله على مقتضى ما علمه من (١) التفسير القرآني للقرآن، الخطيب ١٢٧١/٩. (٣) المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى، أبو حامد الغزالي ص ١١٩. (٢) جامع البيان، الطبري ٢٧٤/١٧. www. modoee.com ٢١ حرفالعین الحكمة في مقدار الإعطاء (١). وهذا وعد كريم من الله سبحانه لا بد أن يتحقق؛ وذلك لأمرين: أولهما: أنه وعد من الله، والله سبحانه وتعالى لا يخلف وعده. وثانيهما: أن هذا الوعد يحمل معه أسباب الغنى (٢). وقد نصت السنة النبوية على ذلك الوعد، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاثةٌ حقٌّ على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف)(٣). قال ابن كثير: ((فأما ما يورده كثير من الناس على أنه حديث: (تزوجوا فقراء يغنكم الله) فلا أصل له، ولم أره بإسناد قوي ولا ضعيف إلى الآن، وفي القرآن غنية عنه)» (٤). (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢١٨/١٨ بتصرف. (٢) التفسير القرآني للقرآن، الخطيب ٩/ ١٢٧٢. (٣) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب فضائل الجهاد، باب ما جاء في المجاهد والمكاتب والناكح وعون الله إياهم ٤٦٢/٣، رقم ١٦٥٥، والنسائي في سننه، كتاب النكاح، باب عون الناكح الذي يريد العفاف، ١٥٢/٥، رقم ٥٣٠٧، وابن ماجه في سننه، كتاب العتق، باب المكاتب، ٨٤١/٢-٨٤٢، قال رقم ٢٥١٨. الترمذي: حديث حسن. وحسنه الألباني في صحيح الجامع، ٥٨٥/١، رقم ٣٠٥٠. (٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٢٧/١٠. نماذج قرآنية من المتعففين عرض القرآن الكريم إلى نماذج من المتعففين اختاروا طريق العفة وآثروا العفة رغم المشاق التي فيها، ومن تلك النماذج: أولًا: يوسف عليه السلام: لقد أوتي يوسف عليه السلام نصف الجمال، فكان بهي الطلعة، جميل الوجه، جذاب الشخصية، حسن القامة والهيئة، ففتنت به امرأة عزيز مصر، وغازلته ولاطفته للوصول إلى غرض معين، ولكن الله عصم نبيه يوسف من الوقوع في الفاحشة، ونجاه من الافتراء وسوء الاتهام، وحماه من تلفيق التهمة، وأبعده عن مظان السوء، والتصقت التهمة بامرأة العزيز، وثبت الخطأ عليها. وهذا ما عبر عنه القرآن المجيد بصورة قاطعة وبرهان حسي عقلي(٥). قال تعالى: ﴿وَرَوَدَتَّهُ الَِّىِ هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ، وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَبَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَّ قَالَ مَعَاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِ أَحْسَنَ مَثْوَاءٌ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ، وَهَمَّ يِهَالَوْلاً أَنْ زَّمَا بُرْهَنَ رَبِّهِ، كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ الشُّوَّهَ وَالْفَحْشَآءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ وَأُسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ, مِن ◌ُبُرٍ ٢٤ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَذَا الْبَابِّ قَالَتْ مَا جَزَّآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ قَالَ (٥) التفسير الوسيط، الزحيلي ٢/ ١١٠١. جَوَسُولَةُ النفسية القرآن الكريم ٢٢ العفة هِىَ رَوَدَتْنِى عَن نَّفْسِىُّ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا الامتناعِ(٣). إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَذِبِينَ ﴿ وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ،قُدَّ مِن ◌ُبٍُّ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّدِقِينَ * فَلَمَّارَهَا قَمِيصَهُ. قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَأَسْتَغْفِرِى ◌ِذَنْبِكِّ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ وَقَالَ نِسْوَةٌ فِ الْمَدِينَةِ أَمْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُزَوِدُ فَنَتِهَا عَنِ نَّفْسِهِ، قَدْ شَغَفَهَا حُبّا إِنَّا لَنَهَا فِ ضَلَلٍ شُّينِ ﴾ [يوسف: ٢٣ -٣٠]. أخبر تعالى عن امرأة العزيز التي كان يوسف عليه السلام في بيتها بمصر، وقد أوصاها زوجها به وبإكرامه(١)، وكان له من الجمال والكمال والبهاء ما أوجب أن ﴿وَرَوَدَتْهُ الَّتِ هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ﴾ [یوسف: ٢٣]، وهو غلامها وتحت تدبيرها، والمسكن واحد، فيتيسر إيقاع الأمر المكروه من غير إشعار أحد ولا إحساس بشر، والمراودة: طلب الفعل، والمراد هاهنا أنها دعته إلى نفسها ليواقعها (٢). وأكثر استعمال هذه اللفظة إنما هو في هذا المعنى الذي هو بين الرجال والنساء، ویشبه أن یکون من راد يرود إذا تقدم لاختبار الأرض والمراعي، فكان المراود يختبر أبدًا بأقواله وتلطفه حال المراود من الإجابة أو (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٧٩/٤. (٢) معالم التنزيل، البغوي ٤ / ٢٢٧. وزادت المصيبة بأن ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَبَ﴾ وصار المحل خاليًا، وهما آمنان من دخول أحد عليهما، بسبب تغليق الأبواب، وقد دعته إلى نفسها ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ أي: افعل الأمر المكروه وأقبل إلي، ومع هذا فهو غریب، لا يحتشم مثله ما یحتشمه إذا كان في وطنه وبین معارفه، وهو أسير تحت يدها، وهى سيدته، وفيها من الجمال ما يدعو إلى ما هنالك، وهو شاب عزب، وقد توعدته إن لم يفعل ما تأمره به بالسجن أو العذاب الأليم. وهنا يرسم يوسف عليه السلام معالم العفة والحياء ويعلن موقفه الرفض للوقوع في الفحشاء، فلم يبال بزينة امرأة العزيز وسفورها، ولم يلتفت إلى منصبها وجمالها، إنما استحضر مراقبة الله واطلاعه، فرد عليها: ﴿مَعَاذَ الَّهِ إِنَّهُ رَبٍِّ أَحْسَنَ مَثْوَاىَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [يوسف: ٢٣] (٤). فقد صبر عن معصية الله مع وجود الداعي القوي فيه، لأنه قد هم فيها هما تركه لله، وقدم مراد الله على مراد النفس الأمارة بالسوء، ورأی من برهان ربه -هو ما معه من العلم والإيمان الموجب لترك كل ما حرم الله- ما أوجب له البعد والانكفاف عن (٣) المحرر الوجيز، ابن عطية ٢٣٢/٣. (٤) انظر: العفاف أريد، قصص وأحداث العفيفين والعفيفات، أبو الحسن الفقيه ص ١٧. www. modoee.com ٢٣ حرف العين هذه المعصية الكبيرة (١)، ومع هذه الدواعي کلها آثر مرضاة الله وخوفه(٢)، وبعد أن رآها مصرة على غیها وشهوتها ذهب لیھرب عنھا ویبادر إلى الخروج من الباب ليتخلص ويهرب من الفتنة (٣) بعدما أعلن براءته وعفته. ولشدة حرص امرأة العزيز على الفاحشة تبعت يوسف وأمسكت بقميصه فتمزق، وفي اللحظة نفسها دخل العزيز عليهما في تلك الصورة الغامضة، فرأى أمرًا شق علیه، وقبل أن يسأل أو يستفسر سبقته امرأته بمکر ودهاء، فادعت أن یوسف راودها عن نفسها وطلب منها الفاحشة، وظهرت لزوجها بمظهر العفيفة المظلومة وقالت: ﴿مَا جَزَّآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٥]. ولم تقل «من فعل بأهلك سوءا» تبرئة لها، وتبرئة له أيضًا من الفعل، وإنما النزاع في الإرادة والمراودة ﴿إِلََّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، فقال بارًا صادقًا: ﴿هِىَ رَوَدَتْنِى عَن نَفْسِى﴾، وذکر أنها اتبعته تجذبه إليها حتى قدت قميصه(٤)، فحينئذ احتملت الحال صدق كل واحد منهما ولم يعلم أيهما. (١) انظر: الجواب الكافي، ابن القيم ص ٢٠٨. (٢) انظر: المصدر السابق ص ٤٨٧. (٣) التفسير الموضوعي لسور القرآن، مجموعة مؤلفين ٣/ ٥٢٠. (٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٨٣/٤. ولكن الله تعالى جعل للحق والصدق علامات وأمارات تدل عليه، قد يعلمها العباد وقد لا يعلمونها، فمن الله في هذه القضية بمعرفة الصادق منهما، تبرئة لنبيه وصفیه یوسف علیه السلام، فانبعث شاهد من أهل بيتها يشهد بقرينة من وجدت معه فهو الصادق، فقال: ﴿إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَذِبِينَ﴾ [يوسف: ٢٦]؛ لأن ذلك يدل على أنه هو المقبل عليها المراود لها المعالج، وأنها أرادت أن تدفعه عنها فشقت قميصه من هذا الجانب. ﴿وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ، قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّدِقِينَ ﴾ [يوسف: ٢٧]؛ لأن ذلك يدل على هروبه منها، وأنها هي التي طلبته فشقت قميصه من هذا الجانب (٥) وحينما تفقد العزیز قمیص یوسف وجده ممزقًا من خلفه، فأيقن ببراءة یوسف وعفته، وعلم ما دبرته زوجته من المكر والخديعة والقذف، فصوب إصبع الاتهام إليها وقال: ﴿إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٨]. وحتی لا يفتضح الأمر ویهتك بيت العزیز أمر يوسف عليه السلام بالإعراض عن هذه القضية وكتمانها، ثم أمر زوجته بالتوبة والرجوع عن الخطأ (٦) ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ (٥) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٥٧. (٦) انظر: العفاف أريد، قصص وأحداث للعفيفين والعفيفات، أبو الحسن بن محمد الفقيه ص جَوَسُ بَةُ الَّ القرآن الكريم ٢٤ العفة هَذَاً وَأَسْتَغْفِرِى لِذَنْبِكِّ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ ﴾ [يوسف: ٢٩]. ٢٩ شاع ذلك الحديث في مصر حتی تحدث بذلك النساء(١) يلمنها، فجعلن يلمنها ويقلن: ﴿أَمْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُزَوِدُ فَنَهَا عَن نَّفْسِهِ، قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ [يوسف: ٣٠]. أي: هذا أمر مستقبح، هي امرأة كبيرة القدر، وزوجها کبیر القدر، ومع هذا لم تزل تراود فتاها الذي تحت يدها وفي خدمتها عن نفسه! ومع هذا فإن حبه قد بلغ من قلبها مبلغًا عظيمًا(٢)! قال الواحدي: قد دخل حبه في شغاف قلبها، وهو موضع الدم الذي یکون داخل القلب ﴿إِنَّا لَهَا فِ ضَكَلِ مِينٍ ﴾ عن طريق الرشد بحبها إياه ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ﴾ امرأة العزيز ﴿پمګْهِنَ﴾ مقالتهن، وسمیت مکرًا لأنهن قصدن بهذه المقالة أن تريهن يوسف ليقوم لها العذر في حبه إذا رأين جماله، وكن مشتهين ذلك؛ لأن يوسف وصف لهن بالجمال(٣). لم يكن أمامها إلا أن تبحث عن مخرج يرسم للتاريخ معالم العفة وآفاقها وطرقها يخفف من وطأة فضيحتها ويسد منافذ ملامة ١٩. (١) زاد المسير، جمال الدين ابن الجوزي ٦٩٣/١. (٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٥٨، التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم، مجموعة مؤلفين ٥٢٢/٣. (٣) الوجيز، الواحدي ٢/ ٥٤٤. النسوة لها، فدبرت مكيدة جديدة تضع بها حدًا لانتقادها، لقد كانت تدرك أكثر من غيرها جمال يوسف وتأثيره على أولئك النسوة، ولذلك: ﴿أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَكُنَا وَمَاتَتْ كُلَّ وَجِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكْنَا وَقَالَتِ أَخْرُجْ عَلَتِهِنَّ فَلَمَا رَأَيْنَهُ: أَكْبٌنَهُوَقَطّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًّا إِنْ هَذَا إِلََّ مَلَكُ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١]. فقالت: ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِى لُمْتُنَِّ فِيَّةٍ وَلَقَدْ رَوَدِلُ عَن نَّفْسِهِ، فَأَسْتَعْصَمٌ وَلَيِن لَّمْ يَفْعَلّ مَآ ءَامُرُهُ: لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّنْغِرِينَ ٣٢ [يوسف: ٣٢](٤). فلامتهن في لومهن لها، وأخبرتهن أنه مع جماله الظاهر جميل الباطن، فقد استعصم وأبى الخيانة والفاحشة، وأن كمال جماله هذا هو الذي يزيدها شغفًا وحبًا وتعلقًا به، فلا تقوى على تركه! ثم قالت: ﴿وَلَيْنِ لَّمْ يَفْعَلْ مَآ ءَامُرُهُ، لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوْنَا مِنَ الصَِّغِرِينَ﴾ [يوسف: ٣٢]. وهنا يقف يوسف عليه السلام شاهدا بعفته على إيمانه، وثابتا على حيائه ويقينه، وأسبابها. فلجأ إلى الله بقلبه خاشعًا متضرعًا: قَالَ رَبِّ السّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيَّةٌ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنُ مِّنَ (٤) التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم، مجموعة مؤلفين ٣/ ٥٢٣. www. modoee.com ٢٥ حرف العين اَلْجَهِلِينَ ﴾ [يوسف: ٣٣]. المنام، فبادر إلى دعوتهما إلى التوحيد وهذا يدل على أن النسوة جعلن يشرن ومعاني الإسلام وسعة علمه الذي علمه الله على يوسف عليه السلام بمطاوعة سيدته، إياه ﴿قَالَ لَا يَأْتِكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَائِهِ: إِلَّا بَأْتَكُمَا فاعترف لبارئه بضعف الحيلة والخوف من سوء المنقلب، وتضرع يسأله الثبات والفرج، ولو أدى ذلك إلى سجنه وحبسه، فحبس الذات عن الذوات أهون عليه من حبس الفؤاد بالفاحشة عن رب الأرض والسماوات. وكثر كلام الناس من جديد على ما يدور في خاطر امرأة العزيز نحو یوسف، فما كان من العزيز إلا أن أدخل يوسف السجن ظلمًا وعدوانًا، ليعلم الناس عفاف زوجته وخيانة یوسف کما زعم! كتمانًا للقصة ألا تشيع في العامة، وللحيلولة بينه وبينها، فكان السجن آية عفته وطهارته! عاش يوسف عليه السلام في سجنه برعاية الرحمن عابدًا ساجدًا شاكرًا حامدًا، يدعو إلى الله على نور وبصيرة! ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ اَلْسِّجْنَ فَتَيَانٍ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنَّ أَرَبِىّ أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآَخَرُ إِلَّ أَرَبِيّ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِ خُبْزًا تَأْكُلُ اُلَّيْرُ مِنَّةً نَّيِّئْنَا بِتَأْوِيلِ: إِنَّا نَرَئِكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [يوسف: ٣٦]. انتهز عليه السلام اعتراف رفيقيه في السجن بإحسانه وصحة دعوته وجميل استقامته وحاجتهما إلى تأويل ما رأياه في بِتَأْوِيلِهِ، قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمِ رَبِّ إِّ تَرَّكْتُ مِنَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُم بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَفِرُونَ ﴿ وَأَتَبّعْتُ مِنَّةَ ءَابَآءِىّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَّ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَىْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اَللَّهِ عَلَيْنَا وَ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٥)﴾ [يوسف: ٣٧ - ٣٨]. وبعد أن قدر لهما دعوة التوحيد أول رؤياهما فقال: ﴿أَمَّا أَحَدُّ كُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ. قُضِىَ الْأَمْرُ الَّذِى فِيهِ تَسْئَفْتِيَانِ﴾ [يوسف: ٤١]. وكان عليه السلام قد طلب من السقاء الذي كان معه في السجن أن يذكره عند الملك، ولكن السقاء نسي الطلب وتشاغل عنه، ويشاء الله جل وعلا أن ينصر يوسف العفیف، وأن يعزه ویرفع شأنه، ویذل من اتبع شهوته وهواه، فلقد رأى الملك فيما یری النائم رؤیا قضت منامه وبعثت فيه من القلق والفزع ما دفعه إلى إحضار العلماء والكهنة والعرافين يستفتيهم في شأنها! فعرض عليهم رؤياه فقالوا: ﴿قَالُوا أَضْغَاتُ أَعْلَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَعْلَمِ بِعَلِينَ [يوسف: ٤٤]. وفي تلك اللحظة تذكر السقاء شأن جَوَسُـ القرآن الكريمِ ٢٦