Indexed OCR Text
Pages 41-48
العزم من دون أهل دينكم وملتكم، يعني من غير والسلامة. المؤمنين، وإنما جعل البطانة مثلًا لخليل الرجل فشبهه بما ولي بطنه من ثيابه؛ لحلوله منه في اطلاعه على أسراره، وما يطويه عن أباعده وكثيرٍ من أقاربه محل ما ولي جسده من ثيابه، فنھی الله المؤمنين أن يتخذوا من الكفار أخلاء وأصفياء، فإنهم منطوون على الغش والخيانة، وبغيهم إياهم الغوائل، لا يتركون جهدهم في تخبيل المؤمنين وإفسادهم، يتمنون لهم العنت والشر والمضرة لا المسرة(١). والحاصل أنهم لا يدعون للتثبيط عن الخير سبيلاً إلا طرقوه، ولا يبقون غاية في التلبيس على المؤمنين إلا قصدوها. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءُ ثُمَّ لَا نُنصَرُونَ﴾ [هود: ١١٣]. وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ ٢٧ يَقُولُ يَلَيْتَنِ أَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يَنْوَيَلَقَ لَيْنِى لَمْ أَفَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٥) لَّقَدْ أَضَلَّتِى عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْجَآَةَفِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَنِ خَذُولًا ﴾ [الفرقان: ٢٧- فهذه الآيات وأشباهها دالة على أثر الصاحب على صاحبه، فإن كان ممن وفقوا لصاحب الخير فقد رشد، وإن كانت الأخری فقد غوى وهلك. نسأل الله التوفيق (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٧٠٧/٥-٧٠٩. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلی الله عليه وسلم قال: (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل)(٢). قال الغزالي:(( وأما الحريص على الدنيا فصحبته سمٌّ قاتل؛ لأن الطباع مجبولةٌ على التشبه والاقتداء، بل الطبع يسرق من الطبع من حيث لا يدري صاحبه، فمجالسة الحريص على الدنيا تحرك الحرص، ومجالسة الزاهد تزهد في الدنيا؛ فلذلك تكره صحبة طلاب الدنيا، ويستحب صحبة الراغبين في الآخرة)»(٣). حادي عشر: تحصيل ملكة العزم بالمداومة عليه: عن معاوية رضي الله عنه عن رسول الله صلی الله عليه وسلم قال: (الخير عادة، والشر لجاجة)(٤) ومن اعتاد صدق العزم في أموره كلها (٢) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ٨٤١٧، وأبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب من يؤمر أن یجالس، رقم ٤٨٣٣. وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة، رقم ٩٢٧. (٣) إحياء علوم الدين ٢/ ١٧٣. (٤) أخرجه ابن ماجه في مقدمة سننه، باب فضل العلماء والحث على طلب العلم، ١/ ٨٠، رقم ٢٢١. وحسنه الألباني في صحيح الجامع، ١/ ٦٣١، رقم ٣٣٤٨. www. modoee.com ٣٢١ حرفالعین حصلت له ملكة العزيمة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما العلم بالتعلم وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتحر الخير يعطه، ومن يتوق الشريوقه)(١). و کما أن الرجل لا یزال یصدق ويتحری الصدق حتی یکتب عند الله صديقًا، فكذلك الرجل يعزم ويتحرى صدق العزم حتى يكتب عند الله من أهل العزم، ولعل وصف الله عز وجل بعض عباده بأولي العزم شاهدٌ بهذا الاختصاص، وهو يحصل بالدربة والتعود والتكرار، وإلا ما كان لأمر الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم معنى إذ قال له: ﴿فَأَصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥]. فمن وطن نفسه على العزم حتى صار له ملكةً راسخةً حصل له من الكمال الممكن في هذا الباب بقدر تحريه ومصابرته فيعتاد عليه، ويسهل عليه عقده. وهي سمةٌ تميز أهل العزائم. قال ابن القيم: ((تأمل الحكمة في التشديد في أول التكليف ثم التيسير في أخره بعد توطين النفس على العزم والامتثال، فیحصل للعبد الأمران: الأجر على عزمه، وتوطين نفسه على الامتثال، والتيسير والسهولة بما خفف الله عنه))(٢). (١) أخرجه الدار قطني في الأفراد، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة، رقم ٣٤٢. (٢) عدة الصابرين ص ١٨٣. ويحصل له هذه الملكة الراسخة من العزم، فإذا استنفر بعد ذلك إلى خير نفر، وإن استنهض إلی مکرمةٍ نهض. والخبير من أهل العزم أحرى من غيره بالاهتداء إلى معاقد العزم فيمضي في تحصيلها كالسهم، والوقوف على علل العزائم فیتجنبها. قال ابن القيم: ((قوله [الهروي]: فإن العزائم لم تورث أربابها ميراثًا أكرم من وقوفهم على علل العزائم. ومدار علل العزائم: على ثلاثة أشياء: أحدها: فتورها وضعفها. والثاني: عدم تجردها من الأغراض وشوائب الحظوظ. والثالث: رؤية العزائم وشهودها، ونسبتها إلى أنفسهم. فإذا عرف هذه الثلاثة عرف علل العزائم»(٣). (٣) مدارج السالكين ٢/ ٣٤٤. ٣٢٢ القرآن الكريمِ العزم آثار العزم على الفرد والأمة للعزم آثار حميدة، منها ما يعود على الفرد، ومنها ما يعود على الأمة. أولًا: آثار العزم على الفرد: العزم من أهم مقومات تحصيل خيري الدنيا والآخرة، فهو مادة الطموح وعلو الهمة والرجولة والشهامة والمروءة وتحمل المسئولية، وهو أحد ثلاث خصالٍ ما اجتمعت في امرئٍ إلا كان له شأنٌ بين الرجال: العقل والعلم والعزم، فبالعقل يميز وجهته وبغيته، وبالعزم يُغذُّ السير إليها، وبالعلم يستقيم له سيره. وغياب العزم فتورٌ وتوانٍ، وانحطاط الهمم مؤذنٌ بانحطاط الأمم، وضعف العزائم مؤذنٌ بذهاب المكارم. وقد بينا أن العزم أوكد النية، والنية - كما يقول ابن القيم - هي روح العمل ولبه وقوامه، وهو تابع لها يصح بصحتها ويفسد بفسادها، والنبي صلی الله عليه وسلم قد قال كلمتين كفتا وشفتا، وتحتهما كنوز العلم، وهما قوله: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)(١). فبين في الجملة الأولى أن العمل لا يقع إلا بالنية؛ ولهذا لا يكون عملٌ إلا بنية، ثم بين في الجملة الثانية (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي، رقم ١. أن العامل لیس له من عمله إلا ما نواه وهذا يعم العبادات والمعاملات والأيمان والنذور وسائر العقود والأفعال(٢). فلما كان تحقق العمل فرعًا عن العزم وجمع الهمة، كان كل الطاعات والقربات والمكرمات مفتقرةً إلى جمع الهمة؛ ولذا قال أبو محمد المرتعش: ((ما نفعني من العبادات شيءٌ ما نفعني جمع الهمة))(٣). فإذا صحت العبادة كثرت الحسنات، ونال العبد بعزمه ما قد لا يبلغه بعمله لعذرٍ لا يد له فيه، إذا كان صادق العزم. والأدلة على هذا الأصل أكثر من أن تحصى. قال ابن القيم: ((وأما أعمال البر والطاعات فلا ضيق على العباد فيها، فلو اشترك الألوف المؤلفة فى الطاعة الواحدة لم يكن عليهم فيها ضيق ولا تزاحم ووسعتهم كلهم، وإن قدر التزاحم فى عمل واحد أو مكان لا یمکن أن يفعله الجمیع بحیث إذا فعله واحد فات على غيره، فإن فى العزم والنية الجازمة على فعله من الثواب ما لفاعله، كما ثبت عن النبی صلی الله علیه وسلم فی غیر حدیث، فإذا قدر فوت مباشرته له فلا يفوت عليه عزمه ونيته لفعله))(٤). والعزم يورث التأهب لكل أمرٍ جليلٍ، فإذا عزم الأمر ألفيت العازم مبادرًا متفانيا (٢) إعلام الموقعين ٣/ ٩١. (٣) انظر: ذم الهوى ص ٩٠. (٤) طريق الهجرتين ص ٢٩٩. www. modoee.com ٣٢٣ حرف العين غير متوانٍ، فكان حقيقًا بنجاح المسعى، ضعف عزمه، ولم يقتصر تأثير ذلك على آدم وزوجه فحسب، بل تعدی أثره إلی ذریته؛ وجديرًا بنيل طلبته. وفي المبادرة حفظٌ للأوقات، وقطعٌ لآفات التأخر والتباطؤ. ولذا قال له موسى عليه السلام: (يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة) (٤). ويدل على أثر العزم وتأثير فقده قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ تَجِدْ لَهُ، عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥]. أي: لم نجد له صبرًا عن الأكل من الشجرة(١). قال ابن جرير: ((وأصل العزم اعتقاد القلب على الشيء، يقال منه: عزم فلان علی کذا: إذا اعتقد عليه ونواه، ومن اعتقاد القلب: حفظ الشيء، ومنه الصبر على الشيء؛ لأنه لا يجزع جازع إلا من خور قلبه وضعفه. فإذا كان ذلك كذلك، فلا معنى لذلك أبلغ مما بينه الله تبارك وتعالى، وهو قوله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ فیکون تأويله: ولم نجد له عزم قلبٍ على الوفاء لله بعهده، ولا على حفظ ما عهد إليه))(٢). قال ابن زيد: «ولو كان له عزمٌ ما أطاع عدوه الذي حسده، و أبی أن يسجد له مع من سجد له، وعصى الله الذي کرمه وشرفه»(٣). فما كان من أمر آدم عليه السلام مع إبليس، وخروجه من الجنة إنما كان بسبب (١) وهو قول قتادة مقاتل. انظر: تفسير مقاتل ٤٣/٣، جامع البيان، (٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الدعوات، باب ليعزم المسألة فإنه لا مکره له، الطبري ١٦ / ١٨٣. رقم ٦٣٣٨. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٨٥/١٦. (٣) انظر: المصدر السابق ١٦/ ١٨٢. ومن آثار العزم استجابة الدعاء عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دعا أحدكم فليعزم المسألة، ولا يقولن: اللهم إن شئت فأعطني فإنه لا مستكره له)(٥). ومن آثار العزم حسن الخاتمة ذلك أن الثبات على الأمر والعزيمة على الرشد يورثان المواظبة على الطاعة، ومن واظب على الطاعة مخلصًا كل أوقاته فحريٌ أن توافيه منيته وهو مقيمٌ على الطاعة. قال ابن كثير: ((وقوله: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَآَتُم ◌ُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] أي: حافظوا على الإسلام في حال صحتكم وسلامتكم؛ لتموتوا عليه، فإن الكريم قد أجرى عادته بكرمه أنه من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بعث علیه، فعیاذًا بالله من خلاف ذلك»(٦) . (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب القدر، باب تحاج آدم وموسى عند الله، رقم ٦٦١٤، ومسلم في صحيحه، كتاب القدر، باب حجاج آدم وموسى عليهما السلام، رقم ٢٦٥٢. (٦) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٨٧/٢. فَضْو جوبيبو القرآن الكريم ٣٢٤ العزم ومن آثار العزم أن يفتح للمرء باب الفهم في دين الله، فالمواظبة على شحذ القلب بالعزم الصادق يشحذ ملكة الفهم وآلته. والفهم من بركات الطاعة كما قال تعالى: [البقرة: ﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اَلَهُ﴾ ٢٨٢]. الضمائر تغفر الكبائر، وإذا عزم العبد على ترك الآثام أمه الفتوح)»(١). ومن آثار العزم على ترك الذنوب وعدم العودة إليها أن تقبل التوبة فيختم له بالصالحات، وتبدل السيئات حسناتٍ، وتفتح له الجنات، وترفع له الدرجات. وكفى بذلك لصاحب العزم منزلةً ومثوبةً. ثانيًا: آثار العزم على الأمة: إن سقوط الهمم وخساستها حليف الهوان وقرين الذل والصغار، وهو أصل الأمراض التي تفشت في أمتنا فأورثتها قحطًا في الرجال، وجفافًا في القرائح، وتقلیدا أعمى، وتواكلًا، وکسلًا، واستسلامًا لما یسمی بالأمر الواقع(٢). ولا ريب أن طريق هذه الأمة في الأرض يبدأ بصناعة الجيل الذي وصفه ربنا عز وجل: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِى اللَّهُ بِقَوْمٍ مُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُمْ أَذِلٍَّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ يَُّهِدُونَ فِسَبِيلِ (١) انظر: حلية الأولياء ٢٣٠/٣. (٢) علو الهمة ص ٣٢٥. اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآيِرٍ﴾ [المائدة: ٥٤]. قومٌ صلاب في دينهم، إذا شرعوا في أمر من أمور الدين من إنكار منكر أو أمر بمعروف، مضوا فيه كالمسامير المحماة، لا یرعبھم قول قائل، ولا اعتراض معترض، ولا لومة لائم، ممن يشق عليه جدهم في ولذا قال أبو حازم: ((عند تصحيح إنكارهم وصلابتهم في أمرهم. وهذان الوصفان: الجهاد والصلابة في الدين هما نتيجة الأوصاف السابقة؛ لأن من أحب الله لا یخشی إلا إياه، ومن کان عزیزًا على الكافر جاهد في إخماده واستئصاله (٣). قال السعدي: ((فهم للمؤمنين أذلةٌ من محبتھم لهم، ونصحهم لهم، ولینھم ورفقهم ورأفتهم، ورحمتهم بهم وسهولة جانبهم، وقرب الشيء الذي يطلب منهم وعلى الكافرين بالله المعاندين لآياته المكذبين لرسله، أعزةٌ قد اجتمعت هممهم وعزائمهم علی معاداتهم، وبذلوا جهدهم في کل سبب يحصل به الانتصار عليهم فالغلظة والشدة على أعداء الله مما يقرب العبد إلى الله، ويوافق العبد ربه في سخطه عليهم، ولا تمنع الغلظة عليهم والشدة دعوتهم إلى الدين الإسلامي بالتي هي أحسن. فتجتمع الغلظة عليهم، واللين في دعوتهم، وكلا الأمرين من مصلحتهم ونفعه عائد إليهم. (٣) انظر: الكشاف، الزمخشري ١/ ٦٤٨، البحر المحيط، أبو حیان ٢٩٩/٤. www. modoee.com ٣٢٥ حرف العين یجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، بأقوالهم وأفعالهم، ولا يخافون لومة لائم بل يقدمون رضا ربهم والخوف من لومه على لوم المخلوقين، وهذا يدل على قوة هممهم وعزائمهم، فإن ضعيف القلب ضعيف الهمة، تنتقض عزيمته عند لوم اللائمين، وتفتر قوته عند عذل العاذلين، وفي قلوبهم تعبد لغير الله، بحسب ما فيها من مراعاة الخلق وتقديم رضاهم ولومهم على أمر الله، فلا يسلم القلب من التعبد لغیر الله، حتى لا يخاف في الله لومة لائم)»(١). وقال ابن عاشور: ((وهذا الوصف علامة على صدق إيمانهم حتى خالط قلوبهم بحيث لا يصرفهم عنه شيء من الإغراء واللوم؛ لأن الانصياع للملام آية ضعف اليقين والعزيمة. ولم يزل الإعراض عن ملام اللائمين علامة على الثقة بالنفس وأصالة الرأي»(٢). وليس ذلك بسبيل الإمعة ضعيف العزيمة المتردي في أسر الشهوات والعادات، المتهاوي في حبائل عدوه، وقد یکون من الموقنين بأنه عدوه، وأنه أحرص الناس على مضرته، ولكن وهنه، وانحطاط عزيمته، وهوانه على نفسه وعلى الناس يثبطه عن قطع الحبل الذي يربطه بالمذلة، (١) تيسير الكريم الرحمن ص ٢٣٥. (٢) التحرير والتنوير ٢٣٨/٦. ويجلب عليه بالمعرة. ومن آثار العزم على الأمة الاستقرار الأسري، فإن عزم الرجل أمر النكاح والطلاق يحسم مادة الجور، فيقوم المرء لله بالقسط، إن أحب أمسك بالمعروف، وإن کره سرح بإحسانٍ، وهذا وحده كفيلٌ بحسم مئات الآلاف من قضايا الأحوال الشخصية، التي تهدر فيها الأموال، وتضيع فيها الأوقات، فضلًا عن إراقة ماء الوجه، وقطيعة الأرحام، وفسخ أواصر العلاقات الاجتماعية مع ما فيه من فساد ذات البين. ومن آثار العزم على الأمة صناعة الفرسان في كل ميادين الحياة، بين عالم ومخترعٍ وطبيب ومهندسٍ وزارعٍ وصانعٍ إلخ، وإقامة القدوات للنشء، وصناعة المواهب، وتوريث الإبداع، فضلًا عن استجلاب الرخاء العميم، والخير المقيم ببركة الطاعات. إن المتدبر في قوله تعالى: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضَِّ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَّرِّ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ﴾ [التوبة: ٧١]. حَكِيمٌ ليرى أن مكونات تلك الصورة الكلية الرائعة لا تتحقق إلا بالعزم الماضي، والهمة الأكيدة، فموالاة المؤمنين ليست كلمةً ٣٢٦ مَقَ الَرَ النَفسِيِ الوَصوي القرآن الكريمِ العزم تقال، وإنما جهادٌ ومناصرةٌ ومؤازرةٌ بالنفس والنفيس، تتجاوز الكلمات الشفوية، وبیانات الشجب والاستنكار. وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وطاعة الله ورسوله، کل ذلك من عزم الأمور. والتعبير بالأفعال المضارعة إشارةٌ إلى أن ذلك دينهم وعادتهم وديدنهم، ولا شك أنه مما يحتاج إلى مثابرة ومرابطةٍ، ومكابدة للمشاق والعقبات، ومجاهدة للنفس المحبة للدعة والراحة. والصورة المقابلة لتلك الصورة هي للمنافقين: ﴿اَلْمُنَفِقُونَ وَالْمُنَفِقَتُ بَعْضُهُم مِنْ بَعْضَِّ يَأْمُرُونَ بِالْمُكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ • [التوبة: ٦٧]. ولما وصف المؤمنين بكون بعضهم أولياء بعضيٍ ذكر بعده ما يجري كالتفسير والشرح له، وهي الخمسة التي يميز بها المؤمن على المنافق. فالمنافق يأمر بالمنكر، وينهى عن المعروف ولا يقوم إلى الصلاة إلا وهو كسلان، ويبخل بالزكاة، ويتخلف بنفسه عن الجهاد، وإذا أمره الله تثبط وثبط غيره. والمؤمن بضد ذلك كله من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والجهاد (١). فهذه صورة المجتمع المؤمن إذا حضره الإيمان وانحسر عنه النفاق، وتصدره أولو العزم، وتبدد عنه التثبيط والمثبطون. والله المستعان. موضوعات ذات صلة: التوكل، الثبات، الشورى، الصبر، الضعف، الوهن (١) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٤٥٩/٥. www. modoee.com ٣٢٧