Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ الغُرَاب عناصر الموضوع مفهوم العذاب ٢١٢ العذاب في الاستعمال القرآني ٢١٣ الألفاظ ذات الصلة ٢١٤ ٢١٦ أنواع العذاب ٢٢٦ الأسباب الموجبة للعذاب ٢٣١ استعجال العذاب ٢٣٣ موانع العذاب ٢٣٧ الحكمة من العذاب المُجَلَّدَ الثَّالِثِ وَالْعَشْرُونْ حرف العين مفهوم العذاب أولاً: المعنى اللغوي: قال ابن فارس في مادة ((عذب)): ((العين والذال والباء أصل صحيح، لكن كلماته لا تكاد تقاس، ولا يمكن جمعها إلى شيء واحد، العذاب: یقال منه: عذب تعذیًا، وناس يقولون: أصل العذاب الضرب، واحتجوا بقول زهير: وخلفها سائق يحدو إذا خشيت نه العذاب تمد الصلب والعنقا قال: ثم استعیر ذلك في کل شدة))(١). وقال ابن منظور: ((والعذاب: النكال والعقوبة، يقال: عذبته تعذيبًا وعذابًا، وكسره الزجاج على أعذبة، فقال في قوله تعالى: ﴿يُضَعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠]؛ قال أبو عبيدة: تعذب ثلاثة أعذبة؛ قال ابن سيده: فلا أدري، أهذا نص قول أبي عبيدة، أم الزجاج استعمله، وقد عذبه تعذيبًا، ولم يستعمل غير مزيد))(٢). وقال الفيروز آبادي: ((والعذاب: النكال، أعذبة وقد عذبه تعذيبًا، وأصابه عذاب عذبين، كبلغين، أي: لا يرفع عنه العذاب))(٣). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: العذاب: ((هو ألمّ جسديٌ أو نفسيٌّ شديد)»(٤). وقيل: ((كل ما شق على النفس احتماله وآلمها)»(٥). وقيل: ((كل مؤلم للنفس إذا كان جزاء على سوء)) (٦). بعد سرد أقوال علماء اللغة في معنى العذاب، نجد أن معنى العذاب في الاصطلاح لا يبتعد كثيرًا عن المعنى اللغوي، حيث يأتي العذاب بمعنى العقاب والنكال، وكل ما شق على النفس. (١) مقاييس اللغة ٢٦٠/٤. (٢) لسان العرب ٥٨٥/١. (٣) القاموس المحيط ص ١١٣ (٤) معجم اللغة العربية المعاصرة، د.أحمد مختار، ١٤٧٤/٢. (٥) معجم لغة الفقهاء، قلعجي ١/ ٣٠٧. (٦) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص٢٣٩. وانظر: الفروق اللغوية، العسكري ص٢٣٩ جَوَنُو القرآن الكريم ٢١٢ العذاب العذاب في الاستعمال القرآني وردت مادة (عذب) الدالة على ((العذاب)) في القرآن الكريم (٣٧١) مرة (١). والصيغ التي وردت عليها هي: الصيغة عدد المرات المثال الفعل الماضي ٤ ﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا أَنْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ [التوبة: ٢٦] الفعل المضارع ٣٧ يُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَآءُ﴾ [العنكبوت: ٢١] اسم الفاعل ٤ ﴿وَمَا كُنَا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ﴾ [الإسراء: ١٥] اسم المفعول [الشعراء: ٢١٣] الاسم ٣٢٢ ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُونَ إِلَ أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ [البقرة: ٨٥] ذكر بعض أصحاب الوجوه والنظائر أن (العذاب) في القرآن على تسعة أوجه (٢)، وأوصلها بعضهم إلى عشرة أوجه(٣)، ولكن بتدبر هذه الأوجه والرجوع إلى كتب التفسير نجد أن العذاب لم يخرج عن معناه اللغوي: وهو النكال والعقوبة(٤)، أو اسمٌ لما استمر ألمه (٥). قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَهُم بِالْعَذَابِ﴾ [المؤمنون: ٧٦]. أي: ((ولقد أخذنا هؤلاء المشركين بعذابنا، وأنزلنا بهم بأسنا وسخطنا، وضيقنا عليهم معايشهم، وأجدبنا بلادهم، وقتلنا سراتهم بالسيف)) (٦). (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص٢٧٦. (٢) الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص٣٤٣- ٣٤٤. (٣) نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي، ص٤٤٨ - ٤٥١. (٤) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٥٨٣/١. (٥) نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي، ص٤٤٨. (٦) جامع البيان، الطبري ١٧/ ٩٢. www. modoee.com ٢١٣ ٢١٣ فَلَ نَدَعُ مَعَ الَّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ٤ حرف العين ١ الألفاظ ذات الصلة الألم: الألم لغة: أصل مادة (ألم) تدل على الوجع، يقال: وجع أليم(١). الألم اصطلاحًا: هو الوجع الذي يلحق بالجسد، وينتج عن عقاب، أو مرض وما شابه(٢). الصلة بين العذاب والألم: ((أن العذاب أخص من الألم، وذلك أن العذاب هو الألم المستمر، والألم يكون مستمرًا وغير مستمر، ألا ترى أن قرصة البعوض ألم وليس بعذاب، فإن استمر ذلك قلت عذبني البعوض الليلة، فكل عذاب ألم وليس كل ألم عذابًا(٣). العقاب: ٢ العقاب لغة: مادة (عقب) لها أصلان صحيحان: أحدهما: يدل على تأخير شيء وإتيانه بعد غيره. والآخر: يدل على ارتفاع وشدة وصعوبة (٤). العقاب اصطلاحًا: العقاب: جزاء الشر(٥)، أو هو ما يلحق الإنسان بعد الذنب من المحنة(٦). الصلة بين العذاب والعقاب: ((أن العقاب ينبئ عن استحقاق، وسمي بذلك؛ لأن الفاعل يستحقه عقيب فعله، ويجوز أن يكون العذاب مستحقًا وغير متسحق (٧). (١) مقاييس اللغة، ابن فارس ١٢٦/١. (٢) انظر: مختار الصحاح، الرازي ص ٢٠. (٣) الفروق اللغوية، العسكري ص٢٣٩. (٤) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤/ ٧٧. (٥) الكليات، الكفوي ص ٦٥٤. (٦) كشاف اصطلاحات الفنون ١١٩٢/٢ . بتصرف (٧) الفروق اللغوية، العسكري ص٢٤٠. ٢١٤ مَوَسُوع لِلْقُرآن الكَرِيمِ العذاب التنكيل: ٣ التنكيل لغة: قال ابن منظور: ((نكل به تنكيلًا إذا جعله نكالًا وعبرة لغيره، ويقال: نكلت بفلان إذا عاقبته في جرم أجرمه عقوبة تنكل غيره عن ارتكاب مثله، وأنكلت الرجل عن حاجته إنكالًا إذا دفعته عنها)) (١) التنكيل اصطلاحًا: هو العقاب بما يروع ويردع ويجعله عبرةً ودرسًا لغيره(٢). الصلة بين العذاب والتنكيل: التنكيل هو جزء من العذاب، بل هو ناتج عن العذاب نفسه. الجزاء: ٤ الجزاء لغة: المكافأة على الشيء(٣). الجزاء اصطلاحًا: هو الغناء والكفاية والمكافأة بالشيء وما فيه الكفاية من المقابلة إن خيرًا فخير وإن شرا فشر، ومنه قوله تعالى: ﴿لََّيَجْزِى وَالِدُّ عَنْ وَلَدِهِ، وَلَاَ مَوْلُودُ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ [لقمان: ٣٣](٤). الصلة بين الجزاء والعذاب: الجزاء هو ما يناله الإنسان على عمله الشر من عذاب، فالعذاب ناتج عن الجزاء. (١) لسان العرب، ابن منظور ١١ / ٦٧٧. (٢) انظر: معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار، ٢٢٨٤/٣. (٣) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١٤٣/١٤، الكليات، الكفوي ص ٣٥٦، تاج العروس، الزبيدي ٣٥١/٣٧. (٤) انظر: المفردات، الراغب ص ١٩٥، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي ٣٨٠/٢. www. modoee.com ٢١٥ حرف العين أنواع العذاب یمکن تقسیم العذاب إلى نوعين رئيسين: أولًا: عذاب حسي: ذكر القرآن الكريم صورًا من العذاب الحسي الذي لحق وسيلحق بالكفار والعصاة، ومن تلك الصور: ١. الغرق والطوفان. الذين عذبوا بالغرق والطوفان كثر، أذكر بعضًا منهم على سبيل المثال لا الحصر: ١. قوم نوح. فقوم نوح عليه السلام هم أول قوم من الأقوام ينزل بهم هذا النوع من العذاب. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوِْهِ، فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلََّ خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ اُلُوْفَاتُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ١٤]. لقد مكث نوح عليه السلام في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعوهم إلى إخلاص العبادة لله عز وجل، ولكنهم كذبوه، فأخذهم الطوفان، والحال أنهم كانوا مستمرين على الظلم والكفر، دون أن تؤثر فيهم مواعظ نبيهم ونذره، والطوفان: هو ما يطلق على كثرة وشدة السيل والربح والظلام، وقد غلب إطلاقه على طوفان الماء(١). (١) انظر: الكشاف، الزمخشري، ٤٤٥/٣. جوببيو القرآن الكريم وقال تعالى: ﴿مَِّّا خَطِيَّنِهِمْ أُغْرِفُواْ﴾ [نوح: ٢٥]. قال ابن كثير: ((من كثرة ذنوبهم وعتوهم وإصرارهم على كفرهم ومخالفتهم رسولهم أغرقوا فأدخلوا نارًا))(٢) ٢. فرعون وجنوده. ﴿فَأَخَذْنَهُ وَجُنُودَهُ. قال تعالى: فَتَبَذْنَهُمْ فِ اَلْيَوِّ فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٤٠]. أي: فأخذنا فرعون وجنوده بالعقاب الأليم أخذًا سريعًا حاسمًا، فأغرقناه هو وجنوده في البحر فكانت عاقبتهم الإغراق الذي أزهق أرواحهم واستأصل باطلهم (٣). ٣. مملكة سبأ. ﴿فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ قال تعالى: سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَهُمْ بِحَنََّتِهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَقَلٍ وَشَىْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ ﴿ ذَلِكَ جَزَيْنَهُم بِمَا كَفَرُواْ وَهَلْ تُجَرِيّ إِلَّ الْكَفُورَ﴾ [سبأ: ١٦ - ١٧]. والمعنى: فأعرض أهل سبأ عن شكرنا وطاعتنا، فكانت نتيجة ذلك، أن أرسلنا عليهم السيل الجارف، الذي اجتاح أراضيهم، فأفسد مزارعهم، وأجلاهم عن ديارهم، ومزقهم شر ممزق وبدلناهم بالجنان اليانعة التي كانوا يعيشون فيها، (٢) تفسير القرآن العظيم، ٢٣٦/٨. (٣) انظر: لباب التأويل، الخازن، ٣٦٤/٣. ٢١٦ العذاب بساتين أخرى قد ذهبت ثمارها الطيبة اللذيذة، وحلت محلها ثمار مرة لا تؤكل، وتناثرت في أماكنهم الأشجار التي لا تسمن ولا تغنى من جوع، بدلا من تلك الأشجار التي كانت تحمل لهم ما لذ وطاب، وعظم نفعه(١). ٢. الريح. وهذا النوع من العذاب لحق بقوم عاد لما كفروا بربهم. قال تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبُرُواْ فِى اْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَةٌ أَوْلَمْ يَرَوَا أَنَّ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةٌ وَكَانُواْ بِئَايَتِنَا يَجْحَدُونَ ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِيَ أَيَّامٍ شَّحِسَاتٍ﴾ [فصلت: ١٥-١٦]. أي: فأرسلنا على قوم عاد ريحًا شديدة الهبوب والصوت، وشديدة البرودة أو الحرارة في أيام نحسات أو مشؤومات نكدات عليهم بسبب إصرارهم على كفرهم وفعلنا ذلك معهم لنذيقهم العذاب المخزي لهم في الحياة الدنيا (٢). وبنفس المعنى في قوله تعالى: ﴿وَأَمَاعَادُ فَأَهْلِكُواْ بِرِيجَ صَرْصَرٍ عَاتِبَةٍ﴾﴾ [الحاقة: ٦]. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَئِهِمْ قَالُواْ هَذَا عَارِضٌ مُطِرُنَا بَلَ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِّ رِيحٌ فِيَهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤]. (١) انظر: تفسير السمر قندي، ٨٤/٣. (٢) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية، ٧/٥. وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم إذا رأی ریحًا کرهه وظهر ذلك في وجهه، فعن عائشة رضي الله عنها، قالت: (ما رأيت رسول الله صلی الله علیه وسلم مستجمعًا ضاحگا، حتی اری منه لهواته، إنما كان يتبسم، قالت: وكان إذا رأى غيما أو ريحا، عرف ذلك في وجهه، فقالت: يا رسول الله أرى الناس، إذا رأوا الغيم فرحوا، رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عرفت في وجهك الكراهية؟ قالت: فقال صلى الله عليه وسلم: يا عائشة ما يؤمنني أن يكون فیه عذاب، قد عذب قوم بالريح، وقد رأی قوم العذاب، فقالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُّطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤](٣). ٣. الحاصب (٤). الذين عذبوا بهذا النوع من العذاب: ١. قوم لوط. قال تعالى: ﴿فَكُلَّا أَخَذْنَا بِذَئِبِةٍ فَيِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾ [العنكبوت: ٤٠]. أي: فمن هؤلاء الكافرين من أهلكناه، بأن أرسلنا عليه ريحًا شديدة رمته بالحصباء (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة الاستسقاء، باب التعوذ عند رؤية الريح، رقم ٠٦١٦/٢،٨٩٩ (٤) الحاصب: الريح الشديدة تحمل التراب والحصباء. انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ١٧٧/١. www. modoee.com ٢١٧ حرف العين فأهلكته(١). قال القرطبي: ((قوله: ﴿فَمِنْهُم مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾ يعنى: قوم لوط، والحاصب ريح يأتى بالحصباء، وهي الحصى الصغار، وتستعمل في كل عذاب (٢). وَإِنَّ وبنفس المعنى في قوله تعالى: أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّ ءَالَ لُوطٍ لَيْنَهُم بِسَخٍَ﴾ [القمر: ٣٤]. ٢. أصحاب الفيل. قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَكَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَبِ اَلْفِيلِ ) أَلَمْ بَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ ٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًّا أَبَابِيلَ ا تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّنِ سِجِيلٍ ن ◌َجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل: ١ -٥]. قوله تعالى: ﴿تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِيلٍ﴾ أي: من طين متحجر محرق، وعن عكرمة: كانت ترميهم بحجارة معها کالحمصة، فإذا أصاب أحدهم حجر منها، خرج به الجدري، وکان ذلك أول يوم رئي فيه الجدري بأرض العرب (٣). وهو الذي حذر الله المشركين منه، قال تعالى: ﴿أَمْ أَمِنْتُم مَّن فِ السَّمَآِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرٍ﴾ [الملك: ١٧]. أي: بل أأمنتم - أيها الناس- من السماء، (١) انظر: معالم التنزيل، البغوي، ٢٤٣/٦. (٢) الجامع لأحكام القرآن، ٣٤٥/١٣. (٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٩٣٤. وهو اللهعز وجل بسلطانه وقدرته، أن يرسل عليكم حاصبًا أى: ريحًا شديدة مصحوبة بالحصى والحجارة التي تهلك، فحينئذ ستعلمون عند معاینتكم للعذاب، كيف كان إنذاري لكم متحققًا وواقعًا وحقًا (٤)، وبهذا المعنى في قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَحْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ [الإسراء: ٦٨]. ٤. الجوع والعطش وضيق الأرزاق. وهو ما عذب به قوم سبأ، قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةً مُّطْمَيِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا ◌َللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢]. أي: وجعل الله قرية موصوفة بهذه الصفات مثلا لكل قوم أنعم الله عليهم بهذه النعم، فكان موقف أهل هذه القرية من تلك النعم الجلیلة، أنهم جحدوا هذه النعم، ولم يقابلوها بالشكر، وإنما قابلوها بالإشراك بالله تعالى مسدي هذه النعم، فأذاق سبحانه أهلها لباس الجوع والخوف، بسبب ما كانوا يصنعونه من الكفر والجحود والعتو عن أمر الله ورسله(٥). وقال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ (٤) انظر: التفسير المنير، الزحيلي، ٢٤/٢٩. (٥) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٠٩/١٧. ٢١٨ جَوَبُواحَرَ النَّفْسَةْ القرآن الكريم العذاب بِمَا كَسَبَتْ أَيَّدِى النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِى عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١]. قال ابن كثير: ((بان النقص في الثمار وأفسد في الأرض، قال تعالى: ﴿فَسَفْنَا والزروع بسبب المعاصي ليذيقهم بعض الذي عملوا»، وقال: «يبتليهم بنقص الأموال والأنفس والثمرات اختبارًا منه على صنيعهم ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي: عن المعاصي))(١). وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه، قال: (أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (يا معشر المهاجرين خمسٌ إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط، حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون، والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان، إلا أخذوا بالسنين، وشدة المئونة، وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم، إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله، وعهد رسوله، إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، ويتخيروا مما أنزل الله، إلا جعل الله بأسهم بينهم)(٢). (١) تفسير القرآن العظيم، ٣٢٠/٦. (٢) أخرجه ابن ماجه، رقم ٤٠١٩، ١٣٣٢/٢، والحاكم في المستدرك، ٤/ ٥٤٠. قال الحاكم: ((صحيح الإسناد)) ولم يتعقبه الذهبي. ٥. الخسف (٣). وهو العذاب الذي لحق بقارون لما بغى بِهِ، وَيِدَارِهِ اُلْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ، مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾ [القصص: ٨١]. وقوله تعالى: ﴿فَسَفْنَا﴾ من الخسف وهو النزول في الأرض، يقال: خسف المكان خسفا- من باب ضرب- إذا غار في الأرض (٤). قال ابن كثير: ((لما ذكر الله تعالى اختيال قارون في زينته، وفخره على قومه ويغيه عليهم، عقب ذلك بأنه خسف به وبداره الأرض، كما ثبت في الصحيح عند البخاري من حديث الزهري عن سالم أن أباه حدثه: أن رسول الله صلی الله علیه وسلم قال: (بينما رجلٌ يجر إزاره من الخيلاء، خسف به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة)(٥)))(٦). (٣) الخسف: هو الذاهب بالشئ، ومنه خسفت الأرض، أي: غارت بما عليها واختفى بداخلها. انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٢٣٤/١. (٤) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٦٢٣. (٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب حديث الغار، رقم ٣٤٨٥، ٤/ ١٧٧. (٦) تفسير القرآن العظيم، ٢٥٥/٦. www. modoee.com ٢١٩ حرف العين وهو أحد أنواع العذاب التي تكون في آخر الزمان كما في حديث عمران بن حصين حيث سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (في هذه الأمة خسفٌ ومسخٌ وقذفٌ)، فقال رجلٌ من المسلمين: يا رسول الله، ومتى ذاك؟ قال: (إذا ظهرت القينات والمعازف وشربت الخمور)(١). وقد حذر الله العصاة من هذا العذاب، فقال: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخِْفَ اللّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْنِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النحل: ٤٥]. وقال تعالى: ﴿أَفَلَّ يَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم مِّنَ السَّمَآءِ وَالْأَرْضِّ إِن نَّشَأْ تَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفَّامِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُِّيبٍ﴾ [سبأ: ٩]. ومن صور الخسف الزلازل التي تميد بالأرض فتخرب المدن بعد عمارها، وقد ذكر صلى الله عليه وسلم أن الزلازل تكثر بين يدي الساعة، قال صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم الساعة حتى تقتتل ... وتكثر الزلازل)(٢). (١) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الفتن، باب ما جاء في الخسف، رقم ٤٢٢١٢ /٤٩٥. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، ٣٩٣/٤. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الفتن، باب خروج النار، رقم ٥٩/٩،٧١٢١. قال ابن حجر: ((وقد وقع في كثير من البلاد الشمالية والشرقية والغربية كثير من الزلازل، ولکن الذي یظهر أن المراد بکثرتها شمولها ودوامها» (٣) ٦. المسخ. المسخ: هو تحويل صورة إلى ما هو أقبح منها (٤)، أو هو كما قال الراغب الأصفهاني في مفرداته: ((تشويه الخلق والخلق، وتحويلهما من صورة إلى صورة، قال بعض الحكماء: المسخ ضربان: مسخ خاص يحصل في الفينة بعد الفينة وهو مسخ الخلق، ومسخ قد یحصل في كل زمان ومكان، وهو مسخ الخُلُق؛ وذلك بأن یصیر الإنسان متخلقًا بخلق ذميم من أخلاق بعض الحيوانات، نحو أن يصير في شدة الحرص كالكلب، وفي الشرە کالخنزير»(٥). وقد عذب الله عز وجل بني إسرائيل بهذا النوع من العذاب عندما اعتدوا في السبت، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ أَعْتَدَوْاْ مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَسِينَ [البقرة: ٦٥]. يرى مجاهد أنهم لم تمسخ صورهم ولكن مسخت قلوبهم، أى: إنهم مسخوا مسخًا نفسيًا فصاروا كالقردة في شرورها (٣) فتح الباري، ١٣ / ٨٧. (٤) التعريفات، الجرجاني، ص ٢٢٥. (٥) المفردات، ص ٤٦٨ ٢٢٠ مَوَسُو ◌َ النَِّي الْقُرآن الكَرِيْمِ العذاب وإفسادها لما تصل إليه أيديها، ولكن فيبيتهم الله، ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردةً وخنازير إلى يوم القيامة)(٣). جمهور المفسرين على أنهم مسخوا على الحقيقة ثم ماتوا بعد ذلك بوقت قصير (١) وأمر الله نبيه صلی الله عليه وسلم أن يحذر أهل الكتاب - إذا كذبوه وخالفوا أمره - أن يحل بهم ما حل بأسلافهم. قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَّبِّئُكُمْ بِشٍَّ مِّن ذَلِكَ مَتُوبَةً عِنْدَ اللَهِّ مَن لَّعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَازِيَرَ وَعَبَدَ الطَّغُوتَ أُولَكَ شَرِّ مَكَانًا وَأَضَلُ عَن سَوَآَِّ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٦٠]. وهذا النوع من العذاب الذي أحله الله بالسابقين؛ توعد الله به اللاحقين المخالفين من هذه الأمة، فقد أخرج البخاري رحمه الله عن عبد الرحمن بن غنم الأشعري، قال حدثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعري- والله ما كذبني- سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ليكونن من أمتي أقوامٌ، والحرير، والخمر يستحلون الحر (٢) والمعازف، ولينزلن أقوامٌ إلى جنب علم، يروح عليهم بسارحةٍ لهم، يأتيهم - يعنيّ: الفقير - لحاجةٍ فيقولون: ارجع إلينا غدًا، (١) انظر: جامع البيان، الطبري، ١٧٤/٢، التفسير الوسيط، طنطاوي ١ / ١٦٠. (٢) الحر بكسر الحاء هو الفرج، جاء في الحديث كناية عن الزنا. انظر: شرح صحيح البخاري، ابن بطال، ٥١/٦. وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا العذاب یکون في هذه الأمة، ووصف ذنب أولئك الممسوخين والذي بسببه يمسخهم الله، فقال صلى الله عليه وسلم: (سيكون في أمتي خسفٌ ومسخٌّ وقذفٌ) (٤). ٧. الصيحة(٥). وهي عذاب الله الذي عذب به قوم صالح، قال تعالى: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الضَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِ دِيَِّهِمْ جَيْثِينَ﴾ [هود: ٦٧]. والصيحة هي كما قال القرطبي في تفسيرها: ((صيح بهم فماتوا، وقيل: صاح بهم جبريل، وقيل: غيره، وقال أيضًا: كانت صيحة شديدة خلعت قلوبهم))(٦). والمعنى: وأخذ الذين ظلموا من قوم صالح عليه السلام عن طريق الصيحة (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأشربة، باب ما جاء فيمن يستحل الخمر، رقم ٠١٠٦/٧،٥٥٩٠ (٤) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الفتن، باب ما جاء في الخسف، رقم ٢١٥٢، ٤ /٤٥٦. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، ٣٩٣/٤. (٥) الصياح: الصوت، وهو صوت كل شيء إذا اشتد، والصيحة هي العذاب، كعذاب قوم صالح. انظر: لسان العرب، ابن منظور ٢/ ٥٢١. (٦) الجامع لأحكام القرآن، ٧/ ٤٢، ٩/ ٦١. www. modoee.com ٢٢١ حرف العين الشديدة التي صیحت بهم بأمر الله عز وجل فأصبحوا بسببها في ديارهم جاثمين أي: هلكى صرعى، ساقطين على وجوههم، بدون حركة (١)، وبهذا المعنى في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةٌ وَبِدَةً فَكَانُواْ كَهَشِيرِ لْمُخْتَظِرِ﴾[القمر: ٣١ وجاء في السنة ما يوضح ذلك، فعن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: لما مر النبي صلى الله عليه وسلم بالحجر قال: (لا تسألوا الآيات؛ فقد سألها قوم صالح فکانت - يعني: الناقة - ترد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج، فعتوا عن أمر ربهم فعقروها، فأخذتهم الصيحة فأهمد الله من تحت السماء منهم إلا رجلًا واحدًا كان في حرم الله، قيل من هو؟ قال: أبو رغال، فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه)(٢). الدُّنْيَّاً وَلَهُمْ فِ الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة : ٣٣]. والمعنى: إنما جزاء أي: عقاب الذين يحاربون الله ورسوله أي: يخالفونهما ویعصون أمرهما، ويعتدون على أوليائهما ﴿وَيَسْعَوْنَ فِ الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ أي: يعملون بسرعة ونشاط في الأرض لا من أجل الإصلاح وإنما من أجل الإفساد فيها عن طريق تهديد أمن الناس، والاعتداء على أموالهم وأنفسهم، جزاء هؤلاء ﴿أَن يُقَتَّلُواْ﴾ والتقتيل هو القتل، إلا أنه ذكر بصيغة التضعيف لإفادة الشدة في القتل وعدم التهاون في إيقاعه عليهم، لكونه حق الشرع وللإشارة إلى الاستمرار في قتلهم ما داموا مستمرين في الجريمة فكلما كان منهم قتل قتلوا. ﴿أَوْ يُصَلَّبُواْ﴾ والتصليب: وضع ٨. القتل والصلب وتقطيع الأعضاء الجاني الذي يراد قتله مشدودًا على مكان والنفي من الأرض. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَّوْاْ أَلَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيَسْعَوْنَ فِىِ اْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِ يهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَفٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِِّ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْىٌ فِىِ (١) انظر: المصدر السابق. (٢) أخرجه الحاكم في المستدرك، رقم ٣٢٤٨، ٣٥١/٢. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد. مرتفع بحيث يرى بعد القتل ليكون عبرة لغيره، وردعًا له عن ارتكاب المعاصي والجرائم، قالوا: ويكون الصلب لمدة ثلاثة أيام وقيل: لمدة يوم واحد. وجيء هنا أيضًا بصيغة التضعيف لإفادة التشديد في تنفيذ هذه العقوبة وإثبات أنه لا هوادة فيها. ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِ يهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ ﴾ أي: تقطع مختلفة، فلا تكون اليد والرجل المقطوعتان من جانب واحد بل ٢٢٢ مَوَسُولَةُ المَطية القرآن الكريمِ العذاب تکونان من جانبین مختلفین. ﴿أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ﴾ أي: یطردوا من الأرض التي اتفقوا فيها على الإجرام إلى أرض أخرى ليتشتت شملهم، ويتفرق جمعهم، مع مراقبتهم والتضييق عليهم. وفسر بعضهم النفي بالحبس في السجون، لأن فيه إبعادا لهم وتفريقا لجمعهم ثانيًا: العذاب المعنوي : وقد ذكر القرآن الكريم صورًا من العذاب المعنوي، والتي منها: ١. الخزي والصغار. قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءٍ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَرِهِمْ تَظَهَرُونَ عَلَيْهِم بِآلْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَرَىْ تُفَدُوهُمْ وَهُوَ تُحَرَّمُ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ اَلْكِنَبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضَّ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَالِكَ مِنكُمْ إِلَّ خِىٌ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ اَلْقِيَامَةِ يُرَدُونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَّابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٨٥]. يبين الله عز وجل العقاب الذي سيلحق بالذین یفرقون بین أحكام الله عز وجل بقوله تعالى: ﴿فَمَا جَزَّاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِىٌ فِىِ الْحَيَوْةِ الذُّنْيَا﴾ اسم (١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٤٧/٦، فتح القدير، الشوكاني ٣٨/٢. الإشارة (ذلك) مشار به إلى القتل والإخراج من الديار، اللذين نقضوا بهما عهد الله بغيًا وكفرًا والخزي في الدنيا هو الهوان والمقت والعقوبة ومن مظاهره: ما لحق اليهود بعد تلك الحروب من المذلة بإجلاء بنى قينقاع والنضير عن ديارهم، وقتل بنى قریظة وفتح خیبر، وما لحقهم بعد ذلك من هوان وصغار، وتلك سنة الله في كل أمة لا تتمسك بدينها ولا تربط شئونها بأحكام شريعتها وآدابها(٢). وهو العقاب الذي سيلحق بمن منع الذكر والصلاة في مساجد الله عز وجل. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيَهَا أُسْمُهُ, وَسَعَى فِ خَرَابِهَاً أُوْلَكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَيِفِنَّ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْىٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة :٤ ١ قال ابن کثیر: «عندما حج النبي صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع لم يجترئ أحد من المشركين أن يحج أو أن يدخل المسجد الحرام، وهذا هو الخزي في الدنيا لهم، المشار إليه بقوله تعالى: لهم في الدنيا خزيٌ لأن الجزاء من جنس العمل»(٣). وهو العقاب الذي سيلحق بالمتكبر المغرور بنفسه، قال تعالى: ﴿ثَانَِ عِطْفِهِ. (٢) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ١٢٦/١. (٣) تفسير القرآن العظيم، ٣٨٧/١. www. modoee.com ٢٢٣ حرف العين لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ، فِي الدُّنْيَا خِزْىٌّ﴾ [الحج: ٩]. أي: هوان وذلة وصغار (١). وهو ما سيلحق الكفار يوم القيامة على رؤوس الأشهاد، قال تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْنَةٌ، وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [آل عمران: ١٩٢] قال سيد طنطاوي في تفسير الآية: ((وقوله تعالى حكاية عنهم: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ في مقام التعليل لضراعتهم بأن یبعدهم عن النار، أي: أبعدنا يا ربنا عن عذاب النار، فإنك من تدخله النار تكون قد أخزيته أى أهنته وفضحته على رؤوس الأشهاد، والخزي: مصدر خزي يخزى بمعنى ذل وهان بمرأى من الناس، وفي هذا التعليل مبالغة في تعظيم أمر العقاب بالنار))(٢). ٢. الفضيحة. من أسماء سورة التوبة الفاضحة؛ لأنها فضحت المنافقين وبينت نواياهم الخبيثة، وهذه بعض الآيات من السورة تفضحهم. قال تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَفِقُونَ أَنْ تَُزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ نُنِتُهُم بِمَا فِى قُلُوبِهِمْ قُلِ أُسْتَهْزُِوَأَ إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ ) وَلَيْنِ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَ إِنَّمَا كُنَّا تَّخُوضُ وَنَلْعَبُّ قُلْ أَبِاللَّهِ وَءَايَتِهِ، وَرَسُولِهِ، كُنْتُمْ (١) انظر: التفسير الوسيط، الزحيلي، ٢/ ١٦٢٨. (٢) التفسير الوسيط، ٢/ ٣٧٤. تَسْتَهْزِءُونَ ﴿ لَا تَعْنَذِرُواْ قَدْ كَفَرَّتُم بَعْدَ إِيمَنِكُتْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِنَكُمْ نُعَذِّبْ طَيِفَةٌ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٤ -٦٦]. قال صاحب المنار: «هذه الآيات في بیان شأن آخر من شئون المنافقين التي كشفت سوأتهم فيها غزوة تبوك، أخرج ابن أبى شيبة وابن أبى حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَفِقُونَ أَنْ تُغَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ ﴾ قال: كانوا يقولون القول فيما بينهم ثم يقولون: عسى أن لا يفشي علينا هذا، وعن قتادة قال: كانت هذه السورة تسمى الفاضحة، فاضحة المنافقين، وكان يقال لها المنبئة، أنبأت بمثالبهم وعوراتهم»(٣). الآيات التي فضحت المنافقين في القرآن الكريم كثيرة، أذكر بعضًا منها: قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ◌َامَنًا بِاَللَّهِ وَ بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَاهُم بِمُؤْمِنِينَ يُحَدِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُونَ ) فِي قُلُوبِهِمْ فَرَضٌ فَزَادَ هُمُ اللَّهُ مَرَضَّاً وَلَّهُمْ عَذَابٌ أَلِيٌُّ بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ ﴾ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُواْ فِ الْأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ )) أَلََّ إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَّا يَشْعُونَ ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُواْ كَمَآ ءَامَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَآ ءَامَنَ الشُّفَهَاءُ أَلَّ إِنَّهُمْ هُمُ (٣) تفسير المنار، محمد رشيد رضا ١٠/ ٤٥٣. جَوَسُولَةُ النَّفِي القرآن الكريمِ ٢٢٤ العذاب الشُّفَهَاءُ وَلَكِن لَّا يَعْلَمُونَ () وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُواْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُ ونَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ (١٤ بِهِمْ وَيُّهُمْ فِي ◌ُغْيَيْهِمْ يَعْمَهُونَ ( أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَشْتَرُواْ الصَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تَّجَرَتُهُمْ وَمَا كَانُواْمُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: ٨-١٦] قال الزمخشري: ((وصف الله عز وجل حال الذين نافقوا في ثلاث عشرة آية، نعی علیھم فیها خبثهم، ومکرهم، وفضحهم، وسفههم، واستجهلهم، واستهزأ بهم، وتهكم بفعلهم، وسجل طغيانهم، ودعاهم صما بكمًا عميا، وضرب لهم الأمثال الشنيعة))(١). فالآيات السابقة فضحت المنافقين بشكل واضح وصريح على رؤوس الأشهاد، وأظهرتهم على حقيقتهم. وفي موطن آخر يفضح الله المنافقين ويكذبهم، قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَفِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَّسُولُهُ، وَاَللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَكَذِبُونَ اَخَذُواْ أَيْمَنَهُمْ جُنَّةٌ فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِّ إِنَّهُمْ سَلَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ذَلِكَ بِأَّهُمْ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ فَطْبَعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ١- ٣]. أي: إذا حضر المنافقون إلى مجلسك یا محمد صلی الله عليه وسلم، قالوا لك على (١) الكشاف، ١/ ٥٣. سبيل الكذب والمخادعة والمداهنة، نشهد أنك رسول من عند الله تعالی، وأنك صادق فیما تبلغهعن ربك، فیفضحهم الله ویكذبهم ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَكَذِبُونَ﴾ والله تعالى يشهد إن المنافقين لكاذبون في قولهم: نشهد إنك لرسول الله، لأن قولهم هذا يباين ما أخفته قلوبهم المريضة، من كفر ونفاق وعداوة لك وللحق الذي جئت به(٢). ٣. الإهانة. جاء في مادة (هون): ((الهون: الخزي، والهون، بالضم: الهوان، والهون والهوان: نقيض العز))(٣)، ورجل فيه مهانة أي ذلِّ وضعف (٤). وأذكر بعض الآيات التي تحدثت عن هذا النوع من العذاب: قال تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ٣٧]. المهين؛ هو العذاب الذي يقترن به الخزي والذل، وهو أنكى وأشد على المعذب(٥). وقال تعالى: ﴿يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ اٌلْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان: ٦٩]. يعني: أنه يبقى في العذاب والهوان (٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٨٦٤. (٣) لسان العرب، ابن منظور، ٤٣٨/١٣. (٤) انظر: تاج العروس، الزبيدي، ٢٩٠/٣٦. (٥) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٢/ ٥٢. www. modoee.com ٢٢٥ حرف العين صاغرًا حقيرًا إلى ما لا نهاية(١). وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي ◌َهْ لِيَزْدَادُوا إِقْمَّاً وَلَمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨]. أي: عذاب يوقعهم في الذل والمهانة والصغار في الدنيا والآخرة (٢). ٤. الذل. وهو العقاب الذي سيلحق بمن اتخذ آلهة أخرى غير الله عز وجل، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ أَتَّخَذُواْالْعِجْلَ سَيَنَاهُمْ غَضَبُ مِّن رَّبِّهِمْ وَزِلَّةٌ﴾ [الأعراف: ١٥٢]. والمعنى: إن الذين اتخذوا العجل معبودًا، واستمروا على ضلالتهم سيصيبهم ذل وهوان وصغار في الحياة الدنيا، وبمثل هذا الجزاء في الآخرة أيضًا (٣). وهو العقاب الذي لحق ببني إسرائيل؛ لأنهم كفروا بآيات الله عز وجل، وقتلوا أنبيائهم فكان الذل والهوان جزاؤهم، قال تعالى: ﴿وَصُّرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَهُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُو بِغَضَبٍ مِّنَ اَللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِثَايَتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبْنَ بِغَيْرِ الْحَقُّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٦١]. [انظر: الإهلاك: وسائل الإهلاك] (١) انظر: تفسير السمر قندي، ٢٤٥/٢. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري، ٢/ ٣٤٧. (٣) انظر: الدر المصون، السمين الحلبي ٤٧٠/٥. الأسباب الموجبة للعذاب الأسباب التي توجب العذاب على المعذب كثيرة، سنتعرض لأهمها في هذا المبحث. أولًا: الشرك والكفر: مما يوقفنا على عظم جريمة الشرك لُواْ أَتَخْذَ الرَّحْمَنُ قَـ والكفر قوله تعالى: وَلَدًّا ◌َ لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِذَّا تَكَادُ اُلسَّمَوَاتُ يَنَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَّخِرُ اَلْجِبَالُ هَذَّا أَنْ دَعَوْاْ لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ [مريم: ٨٨-٩١]. وقال تعالى محذرًا من الشرك الذي أحل العقوبة بالأمم السابقة: ﴿وَتِلْكَ اَلْقُرَىِّ أَهْلَكْنَهُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا﴾ [الكهف: ٥٩]. قال ابن كثير: «الأمم السالفة والقرون الخالية أهلكناهم بسبب كفرهم وعنادهم، وكذلك أنتم أيها المشركون: احذروا أن يصيبكم ما أصابهم، فقد كذبتم أشرف رسول وأعظم نبي، ولستم بأعز علينا منهم، فخافوا عذابي ونذر»(٤). لقد جعل الله العقوبة للأمم الكافرة سنة له في خلقه، فقال: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلََّّسُنَّتَ الْأَوَّلِينَّ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًاٌ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اُللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: ٤٣]. (٤) تفسير القرآن العظيم، ١٦٩/٤. ٢٢٦ جوبيه لِلْقُرآن الكَرِيْمِ العذاب فهل ينتظر هؤلاء المشركون من قومك يا محمد إلا سنة الله بهم في عاجل الدنیا علی کفرهم به أليم العقاب، يقول: فهل ينتظر هؤلاء إلا أن أحل بهم من نقمتي على شركهم بي وتكذيبهم رسولي مثل الذي أحللت بمن قبلهم من أشكالهم من الأمم)) (١). وقد جاءت الآيات تتوعد الأمم الكافرة بسنة الله الماضية في أهل الشرك والكفر، قال تعالى: ﴿وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِ الْكِتَبِ مَسْطُورًا﴾ [الإسراء: ٥٨]. قال ابن كثير: ((هذا إخبار من الله عز وجل بأنه قد حتم وقضی بما قد كتب عنده في اللوح المحفوظ أنه ما من قرية إلا سيهلكها بأن يبيد أهلها جميعهم أو يعذبهم عذابًا شديدًا إما بقتل أو ابتلاء بما يشاء، وإنما يكون ذلك بسبب ذنوبهم وخطاياهم كما قال تعالى عن الأمم الماضين: ﴿وَمَا ظَلَمْنَهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوْأَنْفُسَهُمْ﴾ [هود: ١٠١]. وقال تعالى: ﴿وَكَيْنِ مِّن قَرْيَةٍ عَنَتْ عَنْ أَمَرِ دَيِهَا وَرُسُلِهِ، فَحَاسَبْنَهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَهَا عَذَابًا تَكْرَا فَذَاقَتْ وَبَلَ أَمْيِهَا وَكَانَ عَقِبَةُ أَمْرِهَا خُْرًا﴾ [الطلاق: ٨-٩]))(٢). وقال القرطبي: ((أجرى الله العذاب على (١) جامع البيان، ٤٨٤/٢٠. (٢) تفسير القرآن العظيم، ٤٧/٣. قال الإمام الطبري: ((يقول تعالى ذكره: الكفار، وجعل ذلك سنة فيهم، فهو يعذب بمثله من استحقه لا يقدر أحد أن يبدل ذلك ولا أن يحول العذاب عن نفسه إلى غیر»(٣). ثانيًا: الطغيان والظلم: ذكر القرآن الكريم أن سبب مصرع كثير من الأمم، الظلم والطغيان، كقوم عاد وثمود وفرعون، فقال تعالى: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُواْ الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِى الْأَوْنَادِ * الَّذِينَ طَفَوْاْ فِىِ الْبِلَدِ * فَأَكْثَرُواْ فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِاَلْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ٩- ١٤]. وقال تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَتِ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمَاءَ اخَرِينَ﴾ [الأنبياء: ١١]. وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيْرً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِرُواْمَا يِأَنْفُسِهِمٌّ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٥٣]. قال الطبري: ((يقول تعالى ذكره: إن الله لا يغير ما بقوم من عافية ونعمة؟ فيزيل ذلك عنهم ويهلكهم حتى يغيروا ما بأنفسهم من ذلك بظلم بعضهم بعضًا واعتداء بعضهم على بعض، فتحل بهم حينئذ عقوبته و تغییرہ)) (٤) والظلم من المعاصي التي يعجل الله (٣) الجامع لأحكام القرآن، ٣٦٠/١٤. (٤) جامع البيان، ٣٨٢/١٦. www. modoee.com ٢٢٧ حرفالعین عقوبتها في الدنيا قبل الآخرة، فعن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلی الله علیه وسلم: (ما من ذنب أجدر أن یعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم) (١). وقد تتأخر عقوبة الظلم إلى حين وأجل يعلمه الله، فعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته) قال ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيِّكَ إِذَا أَخَذَ اَلْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَّةُ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢](٢). ثالثًا: كثرة المعاصي والمنكرات وقلة الأمر بالمعروف: من الأسباب التي تحل العذاب العاجل في الأمم فشو المنكرات وشيوعها، وذلك عندما تقصر الأمة بواجبها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال تعالى: ﴿وَأَثَّقُواْ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَةٌ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [الأنفال: ٢٥]. (١) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ٢٠٣٧٥، ١٠/٣٤، والترمذي في سننه، رقم ٢٥١١، ٤ / ٦٦٤. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، ٥٨٨/٢. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: (وكذلك أخذ ربك)، رقم ٦،٤٦٨٦ / ٠٧٤ والمراد بالفتنة هنا العذاب الدنيوي، كالأمراض، والقحط، واضطراب الأحوال، وتسلط الظلمة، وعدم الأمان وغير ذلك من المحن والمصائب والآلام التي تنزل بالناس بسبب غشيانهم الذنوب، وإقرارهم للمنكرات، والمداهنة في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر(٣). عن زينب بنت جحشٍ رضي الله عنها: (أن النبي صلی الله عليه وسلم، دخل عليها فزعًا يقول: (لا إله إلا الله، ويلٌ للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه) وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها، قالت زينب بنت جحشٍ فقلت يا رسول الله: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: (نعم إذا كثر الخبث) (٤). وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه، قال: (أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (يا معشر المهاجرين خمسٌ إذا ابتلیتم بهن، وأعوذ بالله أن تدر کوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط، حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون، والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا)(٥). (٣) انظر: تفسير الشعراوي، ٨/ ٤٦٥٤. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قصةٌ يأجوج ومأجوج، رقم ٣٣٤٦، ١٣٨/٤. (٥) أخرجه ابن ماجه في سننه، رقم ٤٠١٩، ١٣٣٢/٢، والحاكم في المستدرك، ٤/ ٥٤٠. جَوْسُورَةُ النَّفِيَّة لِلْقُرْآن الكَرِيمِ ٢٢٨ العذاب رابعًا: كفران النعم: قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَپن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَيِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِ لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧]. قال الإمام الطبري: ((ولئن كفرتم أيها القوم نعمة الله فجحدتموها بترك شكره عليها وخلافه في أمره ونهيه وركوبكم معاصيه إن عذابي لشديد، أعذبكم كما أعذب من كفر بي من خلقي))(١). وقد ذكر القرآن الكريم مصارع الأمم التي كفرت بنعم الله عز وجل فقال: ﴿وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلَا قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةً مُّطْمَيِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اَللَّهُ لِيَاسَ الْجُوعِ وَاَلْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢]. قال المناوي: ((ما زال شيء عن قوم أشد من نعمة لا يستطيعون ردها، وإنما ثبتت النعمة بشكر المنعم عليه للمنعم، وفي الحكم: من لم يشكر النعمة فقد تعرض لزوالها، ومن شکرها فقد قیدها بعقالها، وقال الغزالي: والشكر قيد النعم، به تدوم وتبقى، وبتركه تتحول»(٢). قال الحاكم: ((صحيح الإسناد)) ولم يتعقبه الذهبي. (١) جامع البيان، ١٣ /١٨٦. (٢) فيض القدير ٤١٨/٣. خامسًا: ترك الصلاة: من تهاون بالصلاة وضيعها فهو متوعد بأشد أنواع العذاب في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ. مَعِيشَةً ضَنكًا وَغَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [ طه: ١٢٤]. والصلاة من أعظم الذكر. وقد جاءت آيات عديدة في القرآن الكريم تتحدث عن العذاب الذي أعده الله لتاركي الصلاة، فقال تعالى: ﴿فَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفُّ أَضَاعُواْ الصَّلَوَةَ وَأَتَّبَعُواْ الشَّهَوَتِّ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم : ٥٩]. وقال أيضًا: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَائِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤-٥]. وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أمته بالعذاب الذي يلقاه في قبره المتهاون بالصلاة، ففي الصحيح عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل رأى أحد منكم من رؤيا؟ قال: فيقص عليه من شاء الله أن يقص. وإنه قال ذات غداة: إنه أتاني الليلة آتيان، وإنهما ابتعثاني، وإنهما قالالي: انطلق، وإني انطلقت معهما، وإنا أتينا على رجل مضطجع، وإذا آخر قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه، فيثلغ رأسه فيتدهده الحجر ها هنا، فيتبع الحجر www. modoee.com ٢٢٩ حرف العين فیأخذه، فلا يرجع إليه حتى يصح رأسه كما كان، ثم يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل به المرة الأولى، قال: قلت لهما سبحان الله! ما هذان؟ قال قالا لي: انطلق انطلق إلى أن قال: أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر؛ فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه، وينام عن الصلاة المكتوبة)(١)، ومعنى يثلغ رأسه: أي یشقه، ویتدهده: يتدحرج. سادسًا: منع الزكاة: قاتل الصديق رضي الله عنه من فرق بين الصلاة والزكاة، وأقره على ذلك الصحابة رضوان الله عليهم، وما ذاك إلا لعظيم مكانتها في هذا الدین. فإذا كانت الزكاة بهذه المكانة فلا عجب أن رتب الشارع العقوبات العظيمة على من منعها، ومن تأمل العذاب المترتب على منع الزكاة أدرك تمام الحكمة الإلهية في المناسبة بين الذنب وبين العقوبة، فإذا كان من معاني الزكاة البركة والنماء، فإن من عقوبة منعها منع المطر الذي تنمو به الخيرات، وتخرج الأرض بركتها، ومن عقوبتها أيضًا أن يبتلى الناس بالسنين وهي الجدب والقحط، فلما منعوا فضول أموالهم؛ شدد الله عليهم في أرزاقهم. (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التعبير، باب تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح، رقم ٩،٧٠٤٧ / ٤٤. قال ابن القيم رحمه الله: «وتأمل حكمة الله في حبس الغيث عن عباده وابتلائهم بالقحط إذا منعوا الزكاة وحرموا المساكين؛ كيف جوزوا على منع ما للمساكين قبلهم من القوت بمنع الله مادة القوت والرزق وحبسها عنهم، فقال لهم بلسان الحال: منعتم الحق فمنعتم الغيث، فهلا استنزلتموه ببذل ما لله قبلكم»(٢). أما العذاب الذي سيلحق مانعي الزكاة في الآخرة يتضح من خلال قول الحق تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَاَلْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ اَللَّهِ فَبَشِّرُهُم بِعَذَابٍ أَلِمِ ﴿ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِى نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمّ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٤ -٣٥]. سابعًا: ترك الجهاد في سبيل الله: بين النبي صلى الله عليه وسلم مكانة الجهاد في سبيل الله بأنه ذروة سنام هذا الإسلام؛ وبين أيضًا العاقبة المترتبة على تركه، وهذا على سبيل المقابلة، فلما كان الجهاد سبیل العز والسؤدد؛ کان تر که سبيل الذلة والمسكنة. فعن ابن عمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلی الله علیه وسلم يقول: (إذا (٢) مفتاح دار السعادة، ٣١٥/١. ٢٣٠ جَوْنُو ◌َرَ النَّفِيَّ القرآن الكريم