Indexed OCR Text
Pages 21-38
العبادة جمهور السلف (١). ونستخلص مما سبق أن معرفة الله فطر عليها الخلق بأجمعهم، والإقرار بربوبيته سبحانه وتعالى، وأن الانحراف عن هذه المعرفة والإیمان قد تکون من قبل الأبوين، أو المجتمع، أو بسبب الغفلة، أو الشیاطین، كما جاء في الأحاديث الصحيحة. ٢. دافع الحاجة والافتقار. أخبر الله سبحانه وتعالى في كتابه الحكيم عن حقيقة العباد وذواتهم بأنها فقيرة إليه سبحانه، كما أخبر عن ذاته المقدسة، وحقيقته أنه غني حمید. يَأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ قال تعالى: اٌلْفُقَرَآءُ إِلَى اللّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ ﴾﴾ [فاطر: ١٥]. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ((بين سبحانه في هذه الآية أن فقر العباد إليه أمر ذاتي لهم لا ينفك عنهم، کما أن کونه غنيًا حمیدا ذاتي، فغناه وحمده ثابت له لذاته، لا لأمر أوجبه، وفقر من سواه إلیه ثابت له لذاته، لا لأمر أوجبه، فلا يعلل هذا الفقر بحدوث، ولا إمكان - ردًا على الفلاسفة والمتكلمين- بل هو ذاتي للفقير، فحاجة العبد إلى ربه لذاته، لا لعلة أوجبت تلك الحاجة، کما أن غنی الرب سبحانه لذاته، لا لأمر أوجب غناه، كما قال شيخ الإسلام ابن (١) فتح القدير، الشوكاني ٤/ ٢٥٨. تيمية: والفقر لي وصف ذات لازم أبدًا كما أن الغنى أبدًا وصف له ذاتي)»(٢). وعرف تبارك وتعالى ((الفقراء)» في هذه الآية؛ ليريهم شديد افتقارهم إليه، إذ هم جنس الفقراء، وإن كان العالم بأسره مفتقر إليه؛ فلضعفهم جعلوا كأنهم جميع هذا الجنس ولو نكر لكان المعنى: أنتم، يعني: الفقراء(٣). وقال الرازي في سبب نزول هذه الآية: «لما كثر الدعاء من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والإصرار من الكفار، وقالوا إن الله لعله یحتاج إلى عبادتنا حتى يأمرنا بها أمرًا بالغًا، ويهددنا على تركها مُبالغًا، فقال تعالى: ﴿أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ وَاَللَّهُ هُوَ اُلْغَنِىُّ الْحَمِيدُ﴾ فلا يأمركم بالعبادة لاحتياجه إليكم وإنما هو لإشفاقه علیکم» (٤). ثانيًا: دوافع شرعية: ومن تلك الدوافع: ١. دافع الرغبة والرهبة. وهي من أعظم الدوافع الشرعية، فهي من صفات المؤمنين الصادقين، وهي باعث الرجاء والخوف؛ الرغبة في ثواب الله تعالى، والرهبة من عذابه وعقابه سبحانه (٢) طريق الهجرتين وباب السعادتين، ابن القيم ص ٨ بتصرف یسیر. (٣) البحر المحيط في التفسير، أبو حيان ٢٣/٩. (٤) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٦/ ٢٢٩. www. modoee.com ٦١ حرف العين وتعالى، وقد أثنى الله عزو جل علی أُشرف الخلق إلیه، وهم أنبيائه؛ لرغبتهم ورهبتهم. قال تعالى عن زكريا عليه السلام وأهل بيته: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَرِعُونَ فِى الْخَيْرَتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبَّ وَكَانُوا لَنَا خَشِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]. قال الرازي: ((فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَرِعُونَ فِ الْخَيْرَتِ﴾، وأراد بذلك زكريا وولده وأهله، فبين أنه آتاهم ما طلبوه، وعضد بعضهم ببعض من حيث كانت طريقتهم، أنهم يسارعون في الخيرات، والمسارعة في طاعة الله تعالى من أكبر ما يمدح المرء به؛ لأنه يدل على حرص عظيم على الطاعة، أما قوله تعالى: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبَا وَرَهَبَا﴾ قرئ: (رَغْبا ورَهْبا)، وهو كقوله: ﴿يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ،﴾ [الزمر: ٩]. والمعنى: أنهم ضموا إلى فعل الطاعات والمسارعة فيها أمرين: أحدهما: الفزع إلى الله تعالى لمكان الرغبة في ثوابه والرهبة في عقابه. والثاني: الخشوع وهو المخافة الثابتة في القلب، فيكون الخاشع هو الحذر الذي لا ينبسط في الأمور خوفًا من الإثم)).(١) وقال ابن القيم: ((وقد أثنى سبحانه على أقرب عباده إليه بالخوف منه، فقال عن أنبيائه بعد أن أثنى عليهم ومدحهم: ﴿إِنَّهُمْ (١) مفاتيح الغيب، الرازي ١٨٢/٢٢ - ١٨٣. جَوْسُورُ القرآن الكريمِ كَانُواْ يُسَرِعُونَ فِ الْخَيْرَتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ فالرغب: الرجاء والرغبة، والرهب: الخوف والخشية، وقال عن ملائكته الذين قد أمنهم من عذابه: ﴿يَخَافُونَ رَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) [النحل: ٥٠])) (٢). ٢. دافع المحبة والتعظيم. فإن محبة الله تعالی وتعظيمه، دافع من دوافع عبادته، فالله عزو جل أهل لأن يعبد لذاته الجليلة، وأن يطاع لصفاته العظيمة، قال تعالى: ﴿هُوَ أَهْلُ النَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر : ٥٦]. قال السعدي: ((أي: هو أهل أن يتقى ويعبد؛ لأنه الإله الذي لا تنبغي العبادة إلا له، وأهل أن يغفر لمن اتقاه واتبع رضاه)»(٣). وقد مدح الله سبحانه وتعالى المؤمنين الصادقين في كتابه، لمحبتهم إياه، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبٍ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبَّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]. قال القرطبي في هذه الآية: ((وقيل: إنما قال تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبَّا لِلّهِ﴾ لأن الله تعالی أحبھم أولًا ثم أحبوه، ومن شهد له محبوبه بالمحبة كانت محبته أتم، قال الله (٢) طريق الهجرتين وباب السعادتين، ابن القيم ص٢٨٢ - ٢٨٣. (٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٨٩٨. ٦٢ العبادة تعالى: ﴿فَوْفَ يَأْتِى اَللَّهُ بِقَوْمٍ يُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤])) (١). قال الرازي في قوله تعالى: ﴿فَوْقَ یأتی اللّهُ بِقَوْمٍ ثُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (( وفيه دقيقة وهي أنه تعالى قدم محبته لهم على محبتهم له، وهذا حق؛ لأنه لولا أن الله أحبهم، وإلا لما وفقهم حتى صاروا محبین له))(٢). فكلما ازداد القلب حبا لله ازداد له عبودية، وكلما ازداد له عبودية ازداد له حبًا وحرية عما سواه (٣). ٣. دافع الشكر والعرفان. فإن نعم الله سبحانه وتعالى على بني آدم عظيمة؛ لأن كل النعم على بني آدم منه. قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِّنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]. وهي دافع للعبادة لله سبحانه وتعالى، شكرًا وعرفانًا بعطاياه التي لا تعد ولا تحصی. قال تعالى: ﴿وَءَاتَنْكُمْ مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُخْصُوهَاً إِنَ الْإِنسَنَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم: ٣٤]. فلا يستطيع الإنسان حصر هذه النعم؛ لكثرتها علیه. (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٠٤/٢، معالم التنزيل، البغوي ١/ ١٩٦-١٩٧. (٢) مفاتيح الغيب، الرازي ١٢/ ٣٨١. (٣) الفتاوى الكبرى، ابن تيمية ١٨٨/٥. قال الشنقيطي: ((ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن بني آدم لا يقدرون على إحصاء نعم الله لكثرتها عليهم، وأتبع ذلك بقوله: ﴿إِنَ الْإِنسَنَ لَظَلُوْمُ كَفَّارٌ﴾ فدل ذلك على تقصير بني آدم في شكر تلك النعم، وأن الله يغفر لمن تاب منهم، ويغفر لمن شاء أن يغفر له ذلك التقصير في شكر النعم، وبين هذا المفهوم المشار إليه هنا بقوله: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللهِ لَا تُخْضُوهَاً إِنَ الْإِنسَنَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ وفي هذه الآية الكريمة دليل على أن المفرد إذا كان اسم جنس وأضيف إلى معرفة أنه يعم؛ لأن ﴿نِعْمَتَ اَللَّهِ﴾ مفرد أضيف إلى معرفة فعم النعم)» (٤). وقد أمر الله بالشكر، ونهى عن ضده. قال الله تعالى: ﴿وَأَشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [النحل: ١١٤]. وقال تعالى: ﴿وَأَشْكُرُواْ لِى وَلَا ﴾ [البقرة: ١٥٢]. ووعد أهله بأحسن جزائه. ﴿وَسَيَجْزِى اَللَّهُ تعالى: قال الشَّكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤]. وجعله سببًا للمزید من فضله، وحارسًا وحافظًا لنعمته. قال تعالى: ﴿ وَإِذْ تَذَنَ رَبُّكُمْ لَين شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ﴾ [إبراهيم: ٧]. (٤) أضواء البيان، الشنقيطي ٢/ ٣٦٢. www. modoee.com ٦٣ حرفالعین وقلة أهله في العالمين تدل على أنهم هم خواصه، كقوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣](١). وقد سمع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه رجلا يقول: اللهم اجعلني من القليل، فقال عمر: ما هذا الدعاء؟ فقال الرجل: أردت قوله تعالى: ﴿وَقَلِلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشُّورُ ﴾ فقال عمر رضي الله عنه: کل الناس أعلم منك يا عمر! (٢)، فشكر الله تعالى أصعب عبادة وأشرفها. قال الراغب فى قوله تعالى: ،فَاذْكُرُونِيّ أَذْكُرْكُمْ وَأَشْكُرُواْ لِ وَلَا تَكْفُرُونِ () [البقرة: ١٥٢]. ((وإنما قال تعالى: ﴿وَأَشْكُرُواْ لِ﴾ ولم يقل: (واشكروني) علمًا بقصورهم عن إدراكه، بل عن إدراك الآية، كما قال تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُخْصُوهَا﴾، فأمرهم أن يعدوا بعض أفعاله في الشكر له، وشكر الله عز وجل أصعب عبادة وأشرفها، ولهذا قيل: غاية شكر الله الاعتراف بالعجز عنه، فكل نعمة يمكن شكرها إلا نعمة الله، فإن شکرها نعمة منه)) (٣). (١) مدارج السالكين، ابن القيم ٢٣٢/٢-٢٣٣. (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٤/ ٢٧٧. (٣) تفسير الراغب الأصفهاني، ٣٤٥/١. جوبيه القرآن الكريم صور العبادة من حكمة الله تعالى في شريعته أن نوَّع لهم العبادات، وجعل لها صورًا وأشكالًا مختلفة، ومن تلك الصور: أولًا: عبادات قولية: وتشمل قول اللسان: کالدعوة إلى الله، وتبليغ دينه، وقراءة القرآن، والدعاء إلى الله، ونحو ذلك. ومن أدلة هذا النوع: ﴿أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ قوله تعالى: بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَحَدِلْهُم بِأَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ فَاسْتَعِذْ ﴾ [النحل: ٩٨]. بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ وقوله عز وجل: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ أَدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠](٤). ثانيًا: عبادات قلبية: وتشمل قول القلب: وهو الاعتقاد بما أخبر الله به عن نفسه، وعن ملائكته ولقائه على لسان رسله، ونحو ذلك (٥). ومن أدلة هذا النوع: قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَاَلْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِّ مَنْ ءَامَنَ (٤) المفيد في مهمات التوحيد، عبد القادر صوفي ص ٩٥ بتصرف. (٥) مدارج السالكين، ابن القيم ١/ ١٢٠ بتصرف. ٦٤ العبادة بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِ وَالْمَلَتَكَةِ وَالْكِنَبِ ثالثًا: عبادات بدنية: وَالنَّيْنَ ﴾ [البقرة: ١٧٧](١). إلى أُوْحَیْتُ وَإِذْ وقوله تعالى: اَلْحَوَارِبْنَ أَنْ ءَامِنُواْ بِى وَبِرَسُولِ قَالُواْ ءَامَنًا وَأَشْهَدْ يِأَتَّنَا مُسْلِمُونَ ﴾ [المائدة: ١١١]. وتشمل كذلك عمل القلب: كالتوكل عليه، والإنابة إليه، والصبر على أوامره، وعن نواهيه، والذل له والخضوع، والإخبات إليه وغير ذلك من أعمال القلوب (٢). ومن أدلة هذا النوع: قول الله عز وجل: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣]. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنِيبُواْ إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْلَّهُ﴾ [الزمر: ٥٤]. وقوله عز وجل: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَأَنَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران: ٢٠٠](٣). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَأَخْبَنُواْ إِلَى رَبِّهِمْ أُوْلَكَ أَصْحَبُ اَلْجَنَّةِ هُمْ فِهَا خَلِدُونَ )) [هود: ٢٣]. (١) المفيد في مهمات التوحيد، عبدالقادر صوفي ص ٩٥. (٢) مدارج السالكين، ابن القيم ١/ ١٢١ بتصرف. (٣) المفيد في مهمات التوحيد، عبدالقادر صوفي ص ٩٥. وتشمل أعمال الجوارح: من صلاة، وجهاد، وحج، ونقل الأقدام إلى الجمعة والجماعات، ومساعدة العاجز، والإحسان إلى الخلق، ونحو ذلك (٤). ومن أدلة هذا النوع: قول الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ آرْكَعُواْ وَأَسْجُدُواْ وَأَعْبُدُواْ رَتَّكُمْ وَأَفْعَلُواْ اَلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [الحج: ٧٧]. وقوله جل جلاله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَنَّهُمْ وَلْيُوقُواْ نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُواْ بِأَلْبَيْتِ الْعَتِيقِ ﴾ [الحج: ٢٩]. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَّ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [الجمعة: ٩](٥). وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَاً إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَلِحًا وَقَالَ إِنَِّى مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت: ٣٣]. (٣٣) رابعًا: عبادات مالية: وتشمل إخراج الزكاة من المال؛ امتثالًا لأمر الله، والوفاء بالنذر، والجهاد بالمال في سبيل الله عز وجل. (٤) مدارج السالكين، ابن القيم ١/ ١٢١ بتصرف. (٥) المفيد في مهمات التوحيد، عبدالقادر صوفي ص ٩٦. www. modoee.com ٦٥ حرف العين ومن أدلة هذا النوع: قول الله عز وجل: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةٌ وَمَا نُقَدِّعُواْ لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [البقرة: ١١٠]. بَصِيرٌ وقوله سبحانه وتعالى: ﴿أَنفِرُواْ خِفَانًا وَثِقَالًا وَجَِهِدُواْ بِأَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [التوبة: ٤١]. وقول الله عز وجل: ﴿يُوقُونَ بِالَّذْرِ وَيَضَافُونَ يَوْمَا كَانَ شَرُ مُسْتَطِيرً﴾ [الإنسان: ٧](١). خامسًا: عبادات مشتركة: وهي ما اشتملت على نوعين فأكثر من العبادات، منها على سبيل المثال: الحج: وهي عبادة مركبة من نوعين بدنية ومالية (٢). واتفق الفقهاء على أن من شروط وجوب الحج الاستطاعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى اَلنَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ مَنِ اُسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. والاستطاعة أي: القدرة، وتتحقق بأمور منها: وجود المال الذي یکفی ذهابًا (١) المصدر السابق ص ٩٦. (٢) انظر: المنتقى من فرائد الفوائد، ابن عثيمين ص ٤. وانظر: الفقه الإسلامي وأدلته، الزحيلي ٢٠٩٥/٣. وإيابًا(٣)، فالحج إذًا عبادة لا تقوم إلا بالبدن والمال؛ ولهذا لا يجب إلا عند وجود المال وصحة البدن. وكذلك العمرة فهي عبادة مركبة من نوعين: بدنية ومالية؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنِقُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وقد ذهب الفقهاء إلى أنه يجوز أداء العمرة عن الغير؛ لأن العمرة كالحج تجوز النيابة فيها؛ لأن كلًا من الحج والعمرة عبادة بدنية مالية (٤). والجهاد كذلك عبادة مركبة من نوعين: بدنية ومالية. قال تعالى: ﴿وَجَهِدُواْ بِأَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ [التوبة: ٤١]. قال الشوكاني رحمه الله تعالى: ((قوله: ﴿وَجَهِدُواْ بِأَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فيه الأمر بالجهاد بالأنفس والأموال وإيجابه على العباد، فالفقراء يجاهدون بأنفسهم، والأغنياء بأموالهم وأنفسهم، والجهاد من آكد الفرائض وأعظمها))(٥). ﴿وَالْمُجَهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وقال تعالى: بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٥]. قال ابن عاشور: ((وقوله: ﴿يأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾، لأن الجهاد يقتضي الأمرين: (٣) الموسوعة الفقهية الكويتية ٣٤٨/٣٢ بتصرف. (٤) المصدر السابق ٣٢٨/٣٠. (٥) فتح القدير، الشوكاني ٤١٤/٢. جَوْسُورَةُ النَّفِ القرآن الكريم ٦٦ العبادة بذل النفس وبذل المال»(١). والصلاة تشتمل على عبادات قلبية وقولية وعملية. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِ وَنُشْكِى وَيَحْيَاىَ وَمَمَاقِى لِلَّهِرَبِّ الْعَلَمِينَ (٦)﴾ [الأنعام: ١٦٢]. فالصلاة في الشرع يراد بها: العبادة المُبتدئَة بالتكبير المُخْتتمَة بالتسليم، التي تشتمل على عبادات قلبية وقولية وعملية، فالصلاة تشتمل على أنواع العبادة في القلب: من الخشوع، والخشية، والإقبال على الله سبحانه وتعالى، وباللسان: من التكبير، والتحميد، والثناء على الله، وتلاوة كتابه الكريم، ومناجاة الرب سبحانه وتعالى، وبالجوارح: من القيام، والركوع، والسجود، والجلوس، فالصلاة عبادة عظيمة، يجتمع فيها ما لا يجتمع في غيرها من أنواع العبادات؛ ولذلك جعلها الله عمود الإسلام، وجعلها الركن الثاني من ٠٠(٢) أركان الإسلام (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٧١/٥. (٢) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد، صالح الفوزان ١/ ١٦٥ بتصرف یسیر. عبادة غير الله تعالى كان الناس أمة واحدة على دين واحد بعد أبينا آدم عليه السلام، واستمروا على ذلك فترة من الزمن، حتى عبدوا الأصنام، فبعث الله الرسل لدعوتهم إلى عبادة الله وترك عبادة ما سواه، وكان أول الرسل نوح عليه السلام. وقد تحدث القرآن الكريم عن عبادة غير الله عز وجل كثيرًا، ويمكن إيجازها في النقاط الآتية: أولًا: النهي عن عبادة غير الله: لقد بعث الله سبحانه وتعالى في كل أمة من الأمم رسولًا يدعوهم إلى عبادة الله وحده، وينهاهم عن عبادة ما زينه الشيطان لهم وأوقعهم فيه من عبادة ما سواه. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِ كُلِّ أُنٍَّ رَّسُولًا أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَجْتَنِبُواْ اَلَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. قال السعدي: ((يخبر تعالى أن حجته قامت على جميع الأمم، وأنه ما من أمة متقدمة أو متأخرة إلا وبعث الله فيها رسولًا، وكلهم متفقون على دعوة واحدة ودين واحد، وهو عبادة الله وحده لا شريك له ﴿أَنْ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَجْتَنِبُواْ الطَّاغُونَ﴾))(٣). والطاغوت: كل ما عبد من دونه إما بقهر (٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٤٠. www. modoee.com ٦٧ حرف العين منه لمن عبده، وإما بطاعة ممن عبده له، اَللَّهِمَا لَا يَنفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ. ظَهِيرًا ﴾ [الفرقان: ٥٥]. سواء کان إنسانًا ذلك المعبود، أو شیطانًا، أو وثنّاً، أو صنمًا، أو كائنًا ما كان من شيء(١). وقد أخبر الله تعالی نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أن دعوته إلى عبادة الله تعالى وحده والنهي عن عبادة ما سواه، هي دعوة الرسل من قبله. قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ [الأنبياء: ٢٥]. 40 وقد قام الأنبياء والرسل جميعًا بذلك، فما منهم من أحد إلا قال لقومه: ﴿أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَالَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيِّرُهُ﴾ [المؤمنون: ٣٢]. وقد احتدم الصراع بين دعاة الحق وأنصار الباطل بين الرسل وأممهم، وخلال هذا الصراع الرهيب تحطمت الأصنام وتهاوت الأوثان، وانخذل الشرك وأهله، وانتصر الحق ودعاته (٢). لعابدیھا: أخبر الله عزو جل في کتابه عن جهل المشركين في عبادتهم لمن لا يملك لهم نفعًا، ولا ضرًا، ولا نصرًا، ولا رزقًا، في أكثر من آية. ويعبدون مِن دون منها: قوله تعالى: (١) جامع البيان، الطبري ٤١٩/٥ بتصرف. (٢) منهج القرآن الكريم في دعوة المشركين إلى الإسلام، حمود الرحيلي ١/ ١٧ بتصرف. قال ابن كثير في هذه الآية: ((يخبر تعالى عن جهل المشرکین في عبادتهم غیر الله من الأصنام، التي لا تملك لهم نفعًا ولا ضرًا، بلا دليل قادهم إلى ذلك، ولا حجة أدتهم إليه، بل بمجرد الآراء والتشهي والأهواء، فهم يوالونهم، ويقاتلون في سبيلهم؛ ولهذا قال: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَىرَبِّهِ، ظهرًا ﴾ أي: عونا في سبيل الشيطان على حزب الله، وحزب الله هم الغالبون، كما قال تعالى: ﴿وَأَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ ءَالِهَةٌ لَّعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (١) لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنٌْ تُحْضَرُونَ (٥)﴾ [يس: ٧٤ - ٧٥]. أي: آلهتهم التي اتخذوها من دون الله لا تملك لهم نصرًا، وهؤلاء الجهلة للأصنام جند محضرون يقاتلون عنهم، ويذبون عن حوزتهم، ولكن العاقبة والنصرة لله المعبودات من دون الله لا تملك شيئًا ولرسوله في الدنيا والآخرة)»(٣). وفي قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَمْ جُنٌّ تُحْضَرُونَ﴾ معنى لطيف ذكره الرازي: ((وهو أنه تعالى لما قال: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾ أكدها بأنهم لا يستطيعون نصرهم حال ما يكونون جندًا لهم ومحضرون لنصرتهم، فإن ذلك دال (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١١٨/٦ باختصار یسیر. ٦٨ جوسين القرآن الكريمِ العباد على عدم الاستطاعة، فإن من حضر واجتمع ثم عجز عن النصرة يكون في غاية الضعف بخلاف من لم يكن متأهبًا ولم يجمع أنصاره)»(١). وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ ﴿ فَلَا تَضْرِبُواْلِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ ﴾ [النحل: ٧٣-٧٤]. يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ وفي هذه الآيات تقريع للكفار وتوبيخ لهم، وإظهار لفساد نظرهم فهذه الأصنام لا تملك توفير الرزق لعبدتها ولا تستطيع فعل شيء، فآية: ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ نفي الملك وتحصيل الملك، ومن لا يملك شيئا وهي الأصنام، ليس في استطاعتها تحصیل الملك، أي: إنها لا تملك شيئاً، ولا تستطيع تمليك شيء، والنتيجة لذلك أنكم أيها الوثنيون لا تجعلوا لله أندادًا وأشباهًا وأمثالًا، ولا تشبهوه بخلقه، فمعنى قوله تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُواْلِلَّهِ اَلْأَمْثَالَ﴾ لا تمثلوا لله الأمثال، وإن الله يعلم ويشهد أنه لا إله إلا هو، وأنتم أيها البشر الوثنيون بجهلکم تشرکون به غیرہ (٢). وقد ضرب الله الأمثال في القرآن لبيان حال هذه المعبودات، وأنها ضعيفة وعاجزة. ومن هذه الأمثال، قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا (١) مفاتيح الغيب، الرازي ٣٠٧/٢٦. (٢) التفسير الوسيط، الزحيلي ٢/ ١٢٨٣. النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُدَّإِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَابًا وَلَوٍ أَجْتَمَعُواْ لَهُ، وَإِن يَسْلُّهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهٌ ضَعْفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ [الحج: ٧٣]. قال ابن القيم رحمه الله تعالى حول هذا المثل: ((حقيق على كل عبد أن يستمع لهذا المثل، ويتدبره حق تدبره، فإنه يقطع موارد الشرك من قلبه، وذلك أن المعبود أقل درجاته أن يقدر على إيجاد ما ينفع عابده، وإعدام ما يضره، والآلهة التي يعبدها المشركون من دون الله لن تقدر على خلق ذباب، ولو اجتمعوا كلهم لخلقه فكيف ما هو أكبر منه، ولا يقدرون على الانتصار من الذباب، وإذا سلبهم الذباب شيئًا مما علیهم من طيب ونحوه فیستنقذونه منه، فلا هم قادرون على خلق الذباب الذي هو من أضعف الحيوان، ولا على الانتصار منه، واسترجاع ما يسلبهم إياه فلا أعجز من هذه الآلهة، ولا أضعف منها فكيف يستحسن عاقل عبادتها من دون الله تعالى؟! وهذا المثل من أبلغ ما أنزله الله سبحانه في بطلان الشرك وتجهيل أهله وتقبيح عقولهم»(٣). (٣) إعلام الموقعين عن رب العالمين، ابن القيم ١٣٩/١. www. modoee.com ٦٩ حرف العين ثانيًا: إنكار المعبودات من دون الله ما عندي أني دعوتكم إلى مرادي وزينته لكم، لعابدیھا: أخبر الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم أن هذه المعبودات التي عبدت من دون الله، سواءً كانت من الحجر، أو من البشر، أو من الملائكة، أو من الجن، سوف تنکر عابدیھا يوم القيامة وتتبرأ من ذلك. قال تعالى في شأن إبليس: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِىَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَلَكُمْ وَعْدَ لْتِ وَوَعَدَّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمٌّ وَمَا كَانَ لِىّ عَلَيْكُمْ مِن سُلْطَانٍ إِلَّ أَنْ دَعْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ ◌ِ فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنْفُسَكُمْ مَّآ أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِىَّ إِنِ كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلٌ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [إبراهيم: ٢٢]. قال السعدي في هذه الآية: ((أي: ﴿ وَقَالَ الشَّتْطَنُ ﴾الذي هو سبب لكل شر يقع ووقع في العالم، مخاطبًا لأهل النار ومتبرئًا منهم ﴿لَمَّا قُضِىَ الْأَمْرُ﴾ ودخل أَهلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وأهلُ النَّارِ النَّارَ ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَلَكُمْ وَعْدَ لَلَقِّ﴾ على ألسنة رسله، فلم تطيعوه ﴿وَوَعَدَتُّكُمْ﴾ الخير ﴿فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ أي: لم يحصل ولن يحصل لكم ما منيتكم به من الأماني الباطلة ﴿وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ﴾ أي: من حجة على تأييد قولي، ﴿إِلَّ أَنْ دَعَوْتُمْ فَاسْتَجَبْتُمْلِيِ﴾ أي: هذا نهاية فاستجبتم لي اتباعًا لأهوائكم وشهواتكم ﴿فَلَا تَلُومُونِ وَلُومُواْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ فأنتم السبب وعليكم المدار في موجب العقاب، ﴿مَّا أَنَا بِمُصْرِحِكُمْ﴾ أي: بمغيثكم من الشدة التي أنتم بها ﴿وَمَآ أَنتُم بِمُصْرِخِىَ كل له قسط من العذاب ﴿إِنِ كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾ أي: تبرأت من جعلکم لي شریگا مع الله، فلست شریگًا لله ولا تجب طاعتي))(١). والإشراك الذي كفر به إشراكهم إياه في العبادة بأن عبدوه مع الله؛ لأن من المشركين من يعبدون الشياطين والجن، فهؤلاء يعبدون جنس الشيطان مباشرة، ومنهم من يعبدون الأصنام فهم يعبدون الشياطين (٢) بواسطة عبادة آلهته قال ابن عاشور: ((والمقصود من وصف هذا الموقف إثارة بغض الشيطان في نفوس أهل الكفر ليأخذوا حذرهم بدفاع وسواسه؛ لأن هذا الخطاب الذي يخاطبهم به الشيطان، مليء بإضمار الشر لهم فيما وعدهم في الدنيا مما شأنه أن يستفز غضبهم من کیده لهم وسخريته بھم، فیورثهم ذلك كراهية له وسوء ظنهم بما يتوقعون إتيانه إليهم من قبله، وذلك أصل عظيم في (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٢٤ باختصار يسير. (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٢١/١٣. ٧٠ مَشْوَةُ الْتَفْسِيْ لِلْقُرآن الكَرِيمِ العبادة الموعظة والتربية))(١). وقال تعالى في شأن الأولياء والصالحين وغيرهم: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ ءَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى قَالُواْ هَؤُلَاءِ أَمّ هُمْ ضَلُّواْ السَّيِلَ @ سُبْحَنَكَ مَا كَانَ يَلْبَغِى لَنَا أَنْ تَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَءَابَآءَ هُمْ حَتَّى نَسُواْ الذِّكْرَ وَكَانُوْ قَوْمًا بُورًا ﴾ فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا نَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًّا وَلَا نَصْرَّأْ وَمَن يَظْلِمِ مِنْكُمْ تُلِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا ﴾ [الفرقان: ١٧ - ١٩]. قال السعدي في هذه الآية: ((يخبر تعالى عن حالة المشركين وشركائهم يوم القيامة وتبريهم منهم، وبطلان سعيهم فقال: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ أي: المكذبين المشركين ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ ﴾الله مخاطبًا للمعبودین على وجه التقريع لمن عبدهم: ﴿أَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى هَؤُلَاءِ أَمّ هُمْ ضَلُّواْ السَّبِيلَ ﴾ هل أمرتموهم بعبادتکم وزینتم لهم ذلك أم ذلك من تلقاء أنفسهم؟ ﴿ قَالُواْ سُبْحَنَكَ﴾ نزهوا الله عن شرك المشركين به وبرؤوا أنفسهم من ذلك ﴿ما كانيلبَغِىلنآ ﴾ أي: لا يليق بنا ولا یحسن منا أن نتخذ من دونك من أولياء نتولاهم ونعبدهم وندعوهم، فإذا كنا محتاجين ومفتقرين إلى عبادتك متبرئين من عبادة (١) المصدر السابق ٢١٨/١٣. غيرك، فكيف نأمر أحدًا بعبادتنا؟! هذا لا يكون، أو سبحانك عن ﴿أَنْ تَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ﴾ فلما نزهوا أنفسهم أن يدعوا لعبادة غير الله، ذكروا السبب الموجب ﴿وَلَكِن لإضلال المشركين، فقالوا: مَّتَّعْتَهُمْ وَءَابَآءَ هُمْ﴾ في لذات الدنيا وشهواتها ﴿حَتَّى نَسُواْ اللَّكْرَ﴾ اشتغالًا في لذات الدنيا، وإكبابًا على شهواتها . ﴿وگانُوا قَوْمًا بُورًا ﴾ أي: بائرین لا خیر فیھم، فلما تبرؤوا منهم قال الله توبيخًا وتقريعًا للعابدين ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا نَقُولُونَ﴾ إنهم أمروكم بعبادتهم ورضوا فعلكم، وأنهم شفعاء لكم عند ربكم، كذبوكم في ذلك الزعم وصاروا من أكبر أعدائكم، فحق عليكم العذاب ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا للعذاب عنکم بفعلکم، أو بفداء أو غير ذلك ﴿وَلَانَصْرًا﴾ لعجزكم وعدم ناصر كم، هذا حكم الضالين المقلدين الجاهلين، وأما المعاند منهم الذي عرف الحق وصدف عنه، فقال في حقه: ﴿وَمَن يَظْلِمِ مِّنكُمْ﴾ بترك الحق ظلما وعنادًا ﴿نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ لا يقادر قدره ولا يبلغ أمره)) (٢). وقال تعالى في شأن الأصنام: ﴿وَمَنْ أَضَلُ مِمَّن يَدْعُوا مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَيْهِمْ غَفِلُونَ (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٥٨٠ باختصار. www. modoee.com ٧١ حرف العين وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَاءُ وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَفِينَ ﴾ [الأحقاف: ٥- ٦]. ٣ أي: لا أحد أضل منه ولا أجهل، فإنه دعا من لا يسمع، فتبين بهذا أنه أجهل الجاهلين، وأضل الضالين والاستفهام للتوبيخ والتقريع ﴿وَهُمْ عَنْ دُعَيْهِمْ غَفِلُونَ الضمير الأول للأصنام، والثاني لعابديها. والمعنى: أن الأصنام التي يدعونها غافلون عن ذلك لا يسمعون ولا يعقلون، لكونهم جمادات، فالغفلة مجاز عن عدم الفهم فيهم، وأجرى على الأصنام ما هو للعقلاء؛ لاعتقاد المشركين فيها أنها تعقل ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ﴾ العابدون للأصنام ﴿كَانُواْ﴾ أي: كان الأصنام ﴿لَمْ﴾ أي: العابديهم ﴿أَعْدَاءَ﴾ يتبرأ بعضهم من بعض، ويلعن بعضهم بعضًا، وقد قيل: إن الله يخلق الحياة في الأصنام فتكذبهم، وقيل: المراد إنها تكذبهم وتعاديهم بلسان الحال لا بلسان المقال ﴿وَكَانُواْ بِبَادَتِهِمْ كَفِرِينَ﴾ أي: كان المعبودون بعبادة المشركين إياهم جاحدين مكذبين، وقيل: الضمير في كانوا للعابدين، كما في قوله: ﴿وَاللَّهِ رَيِّنَا مَاكُنَّاً مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، والأول أولى(١). مقاصد العبادة وآثارها لقد فرض الله تعالى عن الناس عبادات لها مقاصدها وآثارها في إصلاح الفرد والمجتمع، وفي تزكية الأنفس وإصلاح القلوب، ولها آثار ونتائج مفيدة. وسيتم الحديث عنها في النقاط الآتية: أولًا: مقاصد العبادة: إن المقصد الأعظم والباعث الأساسي للعبادة هو استحقاق الله تعالى لذلك، فنحن نعبد الله جل وعلا؛ لأنه مستحق للعبادة؛ وتحقيقًا للغاية التي من أجلها خلق الإنس والجن. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ • [الذاريات: ٥٦]. فالمقصد الأصلي للعبادات هو تحقيق العبودية لله والانقياد له سبحانه وتعالى. قال الشاطبي: ((إن مقصود العبادات الخضوع لله، والتوجه إليه، والتذلل بين يديه، والانقياد تحت حكمه، وعمارة القلب بذكره، حتى يكون العبد بقلبه وجوارحه حاضرًا مع الله، ومراقبًا له غیر غافل عنه، وأن يكون ساعيًا في مرضاته وما يقرب إليه على حسب طاقته))(٢) ونجد أن هذا المعنى قد تقرر في القرآن (١) فتح البيان في مقاصد القرآن، صديق خان ١٣: ١١ - ١٢ باختصار. (٢) الموافقات، الشاطبي ٣٨٣/٢. ٧٢ مَوَسُولَةُ التَّقيمة جوبيبو لِلْعُرآن الكَرِيمِ العبادة بأساليب مختلفة، منها ما جاء بصيغة الأمر. قال تعالى: ﴿وَأَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِ، شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]. ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَعْبُدُواْ وقال تعالى: [البقرة: ٢١]. ﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾ وقال تعالى: [الزمر: ٦٦]. إلى غير ذلك من الآيات(١). وهناك بعض المقاصد للعبادات قد نص الله تعالی علیها في کتابه، وبین ثمرتها وفائدتها، ومن ذلك:(٢) أنه قال في الصلاة: ﴿فَعْبُدْنِ وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ﴾ [طه: ١٤]. لِذِكْرِىّ قال السعدي: ((وقوله: اللام للتعليل أي: أقم الصلاة لأجل ذكرك إياي؛ لأن ذكره تعالى أجل المقاصد، فشرع الله للعباد أنواع العبادات، التي المقصود منها إقامة ذكره، وخصوصًا الصلاة. قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوَةُ إِنَّ الضَّلَوَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِّ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]. أي: ما فيها من ذكر الله أكبر من نهيها عن الفحشاء والمنكر، ثم خص الصلاة بالذكر وإن كانت داخلة في العبادة؛ لفضلها وشرفها، وتضمنها عبودية القلب واللسان (١) مقاصد الشريعة الإسلامية وعلاقتها بالأدلة الشرعية، محمد اليوبي ص ٤٨٥ بتصرف. (٢) انظر: المصدر السابق ص ٤٨١ بتصرف. والجوارح)»(٣). وقال في الزكاة: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَةٌ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِِّهِم بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]. والصدقة تطلق على الفرض والنفل وسمى الله تعالى الزكاة صدقة؛ لأن المال بها يصح ويكمل، فهي سبب إما لكمال المال وبقائه، وإما لأنه يستدل بها على صدق العبد في إيمانه و کماله فیه (٤). وقدبين الله تعالى الحكمة في الزكاة وبيان مصالحها العظيمة، فقوله: ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ أي: من الذنوب ومن الأخلاق الرذيلة، وتطهر المال من الأوساخ والآفات، وأما قوله: ﴿وَتُزَكِِّهِم بِهَا﴾ فالزكاة هي النماء والزيادة، فهي تنمي المؤتي للزكاة، تنمي أخلاقه، وتحل البركة في أعماله، وتنمي المال بزوال ما به ضرره وحصول ما فيه خيره، وتحل فيه البرکة من الله(٥). ونسبت التزكية إلى رسول الله؛ لأنه هو المربي للمؤمنين على ما تزكو به نفوسهم (٦). وفي الآية دلالة على أن الزكاة إنما يتولى أخذها الإمام أو نائبه؛ لأنه تعالى جعل للعاملين سهمًا منها(٧). (٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٥٠٣ بتصرف واختصار. (٤) مفاتيح الغيب، الرازي ٧/ ٦١. (٥) تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن، السعدي ص٧٦-٧٧ باختصار. (٦) تفسير المراغي ١٦/١١-١٧ بتصرف. (٧) غرائب القرآن ورغائب الفرقان، النيسابوري www. modoee.com ٧٣ حرف العین وفيها دلالة على وجوب الزكاة في جميع الأموال، وأن العبد لا يمكنه أن يتطهر ويتزكى حتى يخرج زكاة ماله، وأنه لا يكفرها شىء سوى أدائها؛ لأن الزكاة والتطهير متوقف على إخراجها (١). ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ وقال في الصيام: ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ ﴾ [البقرة: ١٨٣]. قال أبو زهرة: ((وقد بين الله تعالى حكمة شرعيته بقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ ﴾ أي رجاء منكم لأن تصلوا إلى درجة المتقين، فتتقوا المعاصي، وسيطرة الأهواء والشهوات على نفوسكم، وذلك لأن الصوم يربي النفس على الضبط، والاستيلاء على أهوائها وشهواتها، وحيث قويت الإرادة قوي سلطانها على الالتواء وعلى الشهوات))(٢). وفي الآية تأكيد للحكم، وترغيب في الفعل، وتطييب لأنفس المخاطبين فإنه عبادة شاقة، والأمور الشاقة إذا عمت کثیرًا من الناس سهل تحملها ورغب كل أحد في عملها(٣). ٤٩٢/٣. (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٣٥٠. (٢) زهرة التفاسير، أبو زهرة ١/ ٥٥١ باختصار یسیر. (٣) تفسير المراغي ٦٨/٢. وقال في الحج: ﴿وَأَذِّنْ فِ النَّاسِ بِالَّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْنِينَ ◌ِيَشْهَدُواْ مَنَفِعَ لَهُمْ مِن كُلِّ فَجْ عَمِيقٍ (٢) وَيَذْكُرُواْ أَسْمَ اَللَّهِ فِيَ أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَّهُم مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَمِ﴾ [الحج:٢٧ - ٢٨]. قال الرازي: ((لما أمر بالحج في قوله: ﴿وَأَذِّن في النَّاسِ يالحَجّ﴾ ذکر حكمة ذلك الأمر في قوله: ﴿لِيَشْهَدُواْ مَنَفِعَ لَهُمْ﴾ واختلفوا فيها فبعضهم حملها على منافع الدنيا، وهي أن يتجروا في أيام الحج، وبعضهم حملها على منافع الآخرة، وهي العفو والمغفرة، وبعضهم حملها على الأمرين جميعًا وهو الأولى، ثم نكر المنافع؛ لأنه أراد منافع مختصة بهذه العبادة دينية ودنيوية لا توجد في غيرها من العبادات)» (٤). ولأن العبادات شرعت للابتلاء بالنفس كالصلاة والصوم أو بالمال كالزكاة، وقد اشتمل الحج عليهما مع ما فيه من تحمل الأثقال وركوب الأهوال(٥). وكنى عن الذبح والنحر بذكر اسم الله تعالى؛ لأن أهل الإسلام لا ينفكون عن ذكر اسمه إذا نحروا وذبحوا، وفيه تنبيه على أن الغرض الأصلي فيما يتقرب به إلى الله تعالی أن یذکر اسم الله تعالى، وأن يخالف (٤) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٢١/٢٣. (٥) مدارك التنزيل وحقائق التأويل، النسفي ٤٣٦/٢. جَوَسُولَةُ النَّقتني القرآن الكريمِ ٧٤ العبادة المشركين في ذلك، فإنهم كانوا يذبحونها وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦]. للنصب والأوثان (١). ثانيًا: آثار العبادة: إن الإسلام قد فرض على الناس عبادات لها أثر حسن في إصلاح القلوب وتهذيب النفوس (٢)، فأثرها يتمثل في تقويم أخلاقهم، وتزكية نفوسهم، وتوجيههم الوجهة النافعة، وقد أوصى الله عباده بالفضائل، وحذرهم إِنَّ اللَّهَ من الرذائل، فقال سبحانه: يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَاَلْإِحْسَنِ وَ إِيتَآٍ ذِى الْقُرْفَى وَيَنْعَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغِيَّ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل: ٩٠](٣). ومن الآثار المترتبة على العبادات: انشراح الصدر، وراحة البال، وسعة الرزق، وسلامة الإنسان وارتياحه واطمئنانه، وقد جاء في القرآن آياتٌ كثيرة تدل على تلك الآثار، وعلى أن تقوى الله عز وجل والأعمال الصالحة يترتب عليها سعادة الدنيا وسعادة الآخرة. قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىّ ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْاْ لَفَنَحْنَا عَلَيْهِم بَرَّكَتٍ مِّنَ السَّمَآءِ (١) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٢١/٢٣. (٢) العبادات في الإسلام وأثرها في إصلاح المجتمع، محمود السید شیخون ص ٨٩. (٣) العبادات في الإسلام وأثرها في تضامن المسلمين، علي عبد اللطيف منصور ص ١١٩ باختصار. فإن هذه الآية الكريمة تدل على أن من اتقى الله عز وجل وآمن به، فإن الله تعالى يثيبه ويعطيه في الحياة الدنيا من الرزق، ويفتح عليه من بركات السماء والأرض وما ذكره الله في هذه الآية عن أهل القرى، هو من الثواب الدنیوي على الإيمان والتقوى، وأما الثواب الأخروي للمؤمنين المتقين، فقد ذكره الله تعالى في قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَبِ ءَامَنُوا وَاتَّقَوْ لَكَفَرْنَا عَنْهُمْ سَبِيَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَهُمْ جَنَّتِ النَّعِيمِ ٦٥ [المائدة: ٦٥]. وقال عز وجل: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا ﴾ [الأحزاب: ٧٠]. وهذه عبادة، ثم ذكر الأثر المترتب على ذلك بقوله: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ، فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: ٧١]. فإن إصلاح الأعمال في الدنيا، ومغفرة الذنوب في الآخرة، من الآثار المترتبة على العبادة، فقد اشتملت هذه الآية الكريمة على ذكر آثار تترتب على العبادة في الدنيا وفي الآخرة. وقال تعالى فيما حكاه عن نوح وقومه: ﴿فَقُلْتُ أُسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَُّ كَانَ غَفَّارًا ١٠ يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا (٥) وَيُعْدِدَكُ بِأَنَوَلِ وَبَنِينَ وَيَجْعَل ◌َّكُتْ جَنَّتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَرًّا ١٢ www. modoee.com ٧٥ حرف العين [نوح: ١٠- ١٢]. فإن هذه الأمور من الآثار المترتبة على العبادة، فالعبادة هنا هي الاستغفار والآثار المترتبة عليها في هذه الآية هي أنه يرسل السماء عليهم مدرارًا، ويمددهم بالأموال والبنين، ويجعل لهم جنات ويجعل لهم أنهارًا، ومثل هذه الآية (١). وقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْبِيَنَّهُ حَيَوَةٌ طَيِّبَةٌ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ ﴾ [النحل: ٩٧]. يَعْمَلُونَ) قال القاسمي في هذه الآية: ((فضمن لأهل الإيمان والعمل الصالح الجزاء في الدنيا بالحياة الطيبة، والحسنى يوم القيامة، فلهم أطيب الحياتين وهم أحياء في الدارين))(٢)، ثم إن من العبادات الصلاة والزكاة والصيام والحج، وكل واحدة منها لها آثار طيبة في حياة المسلم. فالصلاة هي عمود الإسلام، وهي التي تنهى عن الفحشاء والمنكر. قال الله عز وجل: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوَّة إِنَ الضَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]. وهي صلةٌ وثيقةٌ بين العبد وبين ربه، فإذا حافظ الإنسان على الصلوات في المساجد (١) أثر العبادات في حياة المسلم، عبد المحسن البدر ص ١١ - ١٦ بتصرف واختصار. (٢) محاسن التأويل، القاسمي ٧/ ١٥٩. جماعة مع المسلمين فإنه تقوی صلته بالله عز وجل؛ لأنه يكون على صلة بالله دائمًا وأبدًا في اليوم والليلة (٣)؛ لذلك حث الله تعالى على إقامة الصلاة في الجماعة، قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْالزَّكَوَةَ وَأَزْكَعُواْ مَعَ الزَّكِينَ ﴾ [البقرة: ٤٣]. ومن آثارها أنها تمد المؤمن بقوة روحية تعينه على مواجهة المشقات والمكاره في الحياة الدنيا، قال تعالى: ﴿أَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةُّ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّبِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣](٤). ثم إن الزكاة آثارها عظيمة فهي تطهر النفس من الشح والبخل، وتطهر المال، وتكون سببًا في نمائه وكثرته، وبذلك يحصل الخير والفلاح والفوز ٠ قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَّةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكْبِهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمَّ إِنَّ صَلَوْتَكَ سَكَنُ لَُّمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيهُ ١٠٣ [التوبة: ١٠٣]. وقال ابن عاشور في قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُواْ خَيْرًا لِّأَنْفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ، فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [التغابن: ١٦]. ((والمعنى: أن الإنفاق يقي صاحبه من (٣) أثر العبادات في حياة المسلم، عبد المحسن البدر ص ٢٠ بتصرف. (٤) العبادات في الإسلام وأثرها في إصلاح المجتمع، محمود السيد شيخون ص ٩٠ بتصرف. (٥) أثر العبادات في حياة المسلم، عبد المحسن البدر ص ٢١ بتصرف. ٧٦ جوسين لِلْقُرآن الكَرِيمِ العبادة الشح المنهي عنه، فإذا يسر على المرء الإنفاق فیما أمر الله به فقد وقي شح نفسه، وذلك من الفلاح وإضافة الشح إلى النفس؛ للإشارة إلى أن الشح من طباع النفس، فإن النفوس شحيحة بالأشياء المحببة إليها، قال تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ اَلْأَنفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: ١٢٨]))(١). وأما الصيام فإن آثاره عظيمة، ونتائجه كبيرة، قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْضِيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ (٣)﴾ [البقرة: ١٨٣]. قال المراغي: ((فرضه عليكم ليعدكم لتقوى الله بترك الشهوات المباحة الميسورة؛ امتثالا لأمره واحتسابًا للأجر عنده، فتتربی بذلك العزيمة والإرادة على ضبط النفس وترك الشهوات المحرمة والصبر عنها، وإعداد الصوم لتقوى الله يظهر من وجوه كثيرة، منها: أنه يُعوِّدُ الإنسان الخشية من ربه في السر والعلن، ويكسر حدة الشهوة، ويجعل النفس مصرفة لشهواتها بحسب الشرع، ويعود الشفقة والرحمة الداعيتين إلى البذل والصدقة، فهو عند ما يجوع يتذكر من لا يجد قوتًا من أولئك البائسین، فیرق قلبه لهم ویشفق علیهم، وفي ذلك تكافل للأمة وشعور بالأخوة الدینیة»(٢). (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٨٩/٢٨. (٢) تفسير المراغي ٦٨/٢-٧٠ بتصرف واختصار. وأما الحج فإنه عبادة عظيمة، ولها آثار طيبة، ونتائج حميدة في حياة الإنسان. قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَ رَفَتَ وَلَا فُوقَ وَلَا جِدَالَ فِ الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اَللَّهُ وَتَزَّوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ النَّقْوَىَّ وَأَتَّقُونِ يَتَأُولِىِ الْأَلْبَبِ ﴾ [البقرة: ١٩٧]. فالحج غذاء روحي كبير تمتلئ فيه جوانح المسلم خشية وتقى لله رب العالمین، ففي كل منسك من مناسكه غذاء للروح، فما الإحرام إلا تجرد من شهوات النفس والهوى، وحبس للنفس عما سوى الله عز وجل، وحث على التفكير في عظمة الله جل جلاله، وحث على تذكر الموت والاستعداد له بالعمل الصالح فالحاج في لباس إحرامه يذكر الميت في أکفانه، وما التلبية إلا استجابة وذکر وطاعة وامتثال، وما الطواف بعد التجرد إلا استحضار لعظمة الله تعالى حول بيته، وامتثال لأمره قُوَأْ ◌ِاَلْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]. وما السعي بين الصفا والمروة إلا تردد بينهما التماسا لرحمة الله تعالى وطلبا لمغفرته، وما الوقوف بعرفة إلا بذل للمهج في الضراعة إلى الله بقلوب مملوءة بالخشية وأيد مرفوعة بالرجاء وألسنة لاهجة بالدعاء وآمال صادقة في أرحم الراحمين، وما الرمي بعد ذلك إلا رمز www. modoee.com ٧٧ حرفالعین الاحتقار عوامل الشر ونزعات الشيطان، وما الذبح إلا إراقة للدم الذي أمر الله به أن يراق ورمز للتضحية والفداء ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاقِ وَنُسُكِى وَيَحْيَاىَ وَمَمَاتٍ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ (١٦٢ [الأنعام: ١٦٢].(١). والحاصل أن هذه العبادات العظيمة التي شرعها الله عز وجل، وبنى عليها دينه الحنيف، تترتب عليها آثار طيبة في حياة المسلم الدنيوية، وآثار عظيمة في حياته الأخروية(٢). موضوعات ذات صلة: الحج، الزكاة، الصبر، الصلاة، الصيام، الطهارة (١) العبادات في الإسلام وأثرها في إصلاح المجتمع، محمود السيد شيخون ص ٩٧ بتصرف. (٢) أثر العبادات في حياة المسلم، عبد المحسن البدر ص ٣٠. ٧٨ جَوَسُولَة التقيـ القرآن الكريمِ