Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
العِزَّة
عناصر الموضوع
مفهوم العزة
٢٤٤
العزة في الاستعمال القرآني
٢٤٥
الألفاظ ذات الصلة
٢٤٦
٢٤٨
الأساليب القرآنية في عرض العزة
٢٥٧
أنواع العزة ومقوماتها
٢٦٧
علاج العزة المذمومة
٢٧١
آثار العزة وعواقبها
المُجَلَّدَ الثَّالِثِ وَالْعَشْرُونْ

حرف العين
مفهوم العزة
أولاً: المعنى اللغوي:
العين والزاي أصلٌ واحد يدل على الشدة والقوة وما ضاهاهما من غلبةٍ وقهر، وعز يعز
عزَّا وعزَّةً وعزازةً، ورجلٌ عزيزٌ من قوم أعزة وأعزاء وعزازٍ، واعتز بي وتعزز: تشرف، وعز
علي يعز عزَّا وعزَّةً وعزازةً: كرم، وأعزّزته: أكرمته وأحببته، ويقال: عز الرجل بعد ضعفٍ،
أي: صار عزيزًا بعد ذلة، وأعززته: جعلته عزيزًا، وعز الشيء: إذا قل، ومنه ناقةٌ عزوزٌ: إذا
كانت ضيقة الإحليل لا تدر إلا بجهد، ويقال: استعز على المريض، إذا اشتد مرضه. واستعز
عليه الشيطان: أي غلب عليه وعلى عقله، واستعز عليه الأمر: إذا لج فيه، والعز من المطر:
الكثير الشديد، وأرض معزوزة: إذا أصابها ذلك (١).
إذن فالعزة تدور حول معاني الغلبة والقهر والشدة والقوة ونفاسة الشيء وعلو قدره.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
قال الراغب الأصفهاني: ((العزة: حالةٌ مانعة للإنسان من أن يغلب))(٢).
وقيل: ((العزة: التأبي عن حمل المذلة، وقيل: الترفع عما تلحقه غضاضة))(٣).
وقيل: العزة صفة تفيد حصول الفوقية والغلبة لله سبحانه وتعالى وعباده الصالحين على
أعدائهم (٤).
وعرفها الدكتور محمد بن عبد الله الهبدان بأنها: ((ارتباط بالله تعالى، وارتفاع بالنفس
عن مواضع المهانة، والتحرر من رق الأهواء ومن ذل الطمع، وعن السير إلا وفق ما شرع
الله تعالى ورسوله صلی الله عليه وسلم»(٥).
وخلاصة القول: إن المتدبر في المعنيين يجد اتصالًا بينهما، حيث إن المعنى الاصطلاحي
يعني أن العزة حالة تعتري الإنسان تمنعه من غلبة غيره عليه، وهذا مرتبط بمعنى العزة في
اللغة التي هي الشدة والقوة والغلبة والقهر
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤١/٤، لسان العرب، ابن منظور ٣٧٤/٥.
(٢) المفردات ص ٥٦٣.
(٣) مقاليد العلوم في الحدود والرسوم، السيوطي ص٢٠٣.
(٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٨/ ١٢٩.
(٥) العزة مصادرها، أسبابها، مواقف وأحداث ص٥.
٢٤٤
مَوْسُور
القرآن الكريم

الحرة
العزة في الاستعمال القرآني
وردت مادة (عزز) في القرآن الكريم (١٢٠) مرة (١).
والصيغ التي وردت عليها هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
٢
﴿إِذْ أَرْسَلْنَآَ إِلَيْهِمُ أَثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ
[يس: ١٤]
الفعل المضارع
١
﴿وَتُصِرُّ مَنْ تَشَآءُ وَتُذِلُ مَنْ تَشَآءُ﴾ [آل عمران: ٢٦]
١٣٩)
المصدر
١٢
﴿أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا
[النساء: ١٣٩]
الصفة المشبهة
٩٩
﴿ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمُ
﴾ [البقرة: ٢٠٩]
٢٠٩)
أفعل التفضيل
٤
قَالَ بَقَوْمِ أَرَ هْطِىَّ أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ﴾ [هود:٩٢]
اسم
٢
﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ﴾
[المائدة : ٥٤ ]
وجاءت العزة في الاستعمال القرآني على ستة أوجه (٢):
الأول: المنعة: ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٥٨] يعني: منيعًا.
الثاني: العظمة: ومنه قوله تعالى: ﴿ قَالَ فَبِعِزَّيِكَ﴾ يعني: فبعظمتك ﴿لَأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْعِينَ
[ص: ٨٢].
الثالث: الحمية: ومنه قوله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِ عِزَّقْ﴾ [ص: ٢] يعني: في حمية.
الرابع: الغلظة: ومنه قوله تعالى: ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤] يعني: غلظاء عليهم.
الخامس: الشدة: ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِبِعَزِيزٍ﴾ [فاطر: ١٧] يعني: بشدید.
السادس: القوة: ومنه قوله تعالى: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِتٍ﴾ [يس: ١٤] يعني: فقويناهما بثالث.
(١) انظر: المعجم المفهرس الشامل لألفاظ القرآن الكريم، عبد الله جلغوم، باب الظاء، ص ٧٦٢ -٧٦٤.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص٣٣٣-٣٣٤، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي، ص ٤٣٤-
٤٣٦.
www. modoee.com
٢٤٥

حرف العين
الألفاظ ذات الصلة
١
القوة:
القوة لغةً:
قوي الرجل والضعيف يقوى قوة فهو قويٌّ وقويته تقويةً وقاويته فقويته أي غلبته(١).
القوة اصطلاحًا:
ذكر الراغب أن أكثر استعمال القوة في القدرة (٢)، وقال السيوطي: ((القوة: مبتدأ كل فعل
في البدن))(٣).
الصلة بين القوة والعزة:
يتضح أن العزة دليل على القوة، فلا يعقل أن يكون الإنسان عزيزًا دون أن يكون قويًّا،
سواء كانت القوة معنوية أم مادية.
الشدة :
٢
الشدة لغةً:
قال ابن فارس: ((الشين والدال أصلٌ واحدٌ يدل على قوةٍ في الشيء، وفروعه ترجع إليه.
من ذلك شددت العقد شدًا أشده)) (٤).
الشدة اصطلاحًا:
قال المناوي: ((الشد: العقد القوي)»(٥).
الصلة بين الشدة والعزة:
يظهر أن العزة دليل على الشدة التي تطلق في الأصل على المبالغة في وصف الشيء في
صلابة(٦)، فالإنسان لا يكون عزيزًا إلا إذا كانت فيه صلابة على الحق.
(١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٢٠٧/١٥.
(٢) المفردات ص ٦٩٣.
(٣) مقاليد العلوم في الحدود والرسوم ص ١٧٦.
(٤) مقاييس اللغة ١٧٩/٣.
(٥) التوقيف على مهمات التعاريف ص ٢٠٢.
(٦) انظر: الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري ص٢٩٧.
٢٤٦
جَوَسُولَةُ التقنية
القرآن الكريم

الحرة
الغلبة:
٣
الغلبة لغةً:
من غلب يغلب غلبةً، وهو القهر (١).
الغلبة اصطلاحًا:
لا يخرج عن معناه اللغوي، قال الراغب: ((الغلبة: القهر))(٢). والمقصود هو قهر العدو.
الصلة بين الغلبة والعزة:
يتبين أن الغلبة مظهر من مظاهر العزة.
الرفعة:
٤
الرفعة لغةً:
فلان رفعة ورفاعة، ارتفع قدره وشرف، يقال: رفع في حسبه ونسبه فهو رفيع وهي
رفيعة (٣).
الرفعة اصطلاحًا:
ذكر المناوي أن ((الرفع: يقال تارة في الأجسام الموضوعة إذا أعليتها عن مقرها، وتارة
في البناء إذا طولته، وتارة في الذكر إذا نوهته، وتارة في المنزلة إذا شرفتها))(٤).
الصلة بين الرفعة والعزة:
لا شك أن الرفعة هي العزة، فهما كلمتان مترادفتان.
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٨٨/٤.
(٢) المفردات ص ٦١١.
(٣) انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ص ٣٦٠.
(٤) التوقيف على مهمات التعاريف ص ١٧٩.
www. modoee.com
٢٤٧

حرف العين
الأساليب القرآنية في عرض العزة
لقد عرض القرآن الكريم موضوع العزة
بأسلوب مميز، تطرق فيه إلى نواح مختلفة،
منها:
أولًا: وصف الله سبحانه بالعزة:
إن اسم الله تعالى (العزيز) ورد ضمن
مجموعة من أسمائه الحسنى الواردة في
قوله تعالى: ﴿هُوَ اَللَّهُ الَّذِى لَآَ إِلَهَ إِلََّّ هُوَ
الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْسِكُ
الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَنَ اَللَّهِ
عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [الحشر: ٢٣].
ویکمن معنى هذا الاسم الجلیل-كما
ذكر الزجاج-في أن الله تعالى هو الغالب
لکل شيء، فهو سبحانه العزيز الذي ذل کل
عزيز لعزته جل جلاله (١).
وقال الغزالي: ((العزيز: هو الخطير
الذي يقل وجود مثله، وتشتد الحاجة إليه،
ويصعب الوصول إليه، فما لم يجتمع عليه
هذه المعاني الثلاثة لم يطلق عليه اسم
العزيز))(٢).
وبين السعدي أن العزة لها معانٍ ثلاثة
متمثلة في عزة القوة، وعزة الغلبة، وعزة
الامتناع، فالله جل جلاله يمتنع عن أن
يناله أحد من المخلوقات، وأنه سبحانه
(١) انظر: تفسير أسماء الله الحسنى ص٣٤.
(٢) المقصد الأسنى ص٧٣.
قهر جميع الموجودات، ودانت له الخليقة
كلها، وخضعت لعظمته وجبروته، ثم
قال: ((فمعاني العزة الثلاث كلها كاملة لله
العظيم، عزة القوة الدال عليها من أسمائه
القوي المتين، وهي وصفه العظيم الذي لا
تنسب إليه قوة المخلوقات وإن عظمت،
وعزة الامتناع فإنه هو الغني بذاته فلا يحتاج
إلی أحد، ولا يبلغ العباد ضره فیضرونه، ولا
نفعه فينفعونه، بل هو الضار النافع المعطي
المانع، وعزة القهر والغلبة لكل الكائنات
فهي كلها مقصورة لله خاضعة لعظمته
منقادة لإرادته، فجميع نواصي المخلوقات
بيده، لا يتحرك منها متحرك ولا يتصرف
متصرف إلا بحوله وقوته وإذنه، فما شاء الله
کان، وما لم يشأ لم يكن، ولا حول ولا قوة
إلا به))(٣).
هذا وقد وصف الله تعالى نفسه بالعزة
في آيات عديدة من القرآن الكريم، منها-
على سبيل المثال لا الحصر -قوله تعالى:
﴿وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا
هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [يونس: ٦٥].
فالله سبحانه وتعالى ينهى نبيه محمدًا
صلى الله عليه وسلم عن الحزن من قول
المشركين في الله عز وجل ما يقولون من
كلام باطل، وإشراكهم معه الأوثان والأصنام
في العبادة، فإن الله سبحانه وتعالى هو
(٣) تفسير أسماء الله الحسنى ص٢١٤.
٢٤٨
جوبيع
القرآن الكريم

الحرة
المنفرد بعزة الدنيا والآخرة، لا يشاركه
فيها أحد، كما أنه هو المنتقم من هؤلاء
المشركين، فلن ينصرهم أحد عند انتقام
الله تعالى منهم؛ لأنه لا يُعَازُّهُ شيء، فهو
تعالی لهم بالمرصاد، یسمع ما يفترون علیه،
ويعلم ما يضمرونه في أنفسهم، وما يعلنونه
من شرك وعداء للإسلام والمسلمين (١).
منها قوله تعالى: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ
الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠].
والمعنى: أن من يطلب القوة والمنعة
والرفعة فإنها تكون بعبادة الله تعالى وطاعته،
فبالله عز وجل یکون عز الدنيا والآخرة لا
بالأصنام التي عبدها المشركون من دونه
سبحانه وتعالى؛ وذلك لأن المشركين كانوا
يعبدون هذه الأصنام طلبًا للعز، كما في
قوله تعالى: ﴿وَأَخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ ءَالِهَةً
◌ِيَكُونُواْلَهُمْ عِزَّا ﴾ [مريم: ٨١].
وطلبًا للمنعة والقوة أيضًا، كما في قوله
تعالى: ﴿وَأَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ ءَالِهَةُ لَّعَلَّهُمْ
يُنصَرُونَ ﴾ [يس: ٧٤](٢).
وعليه فإن العزة لا تكون إلا لله تعالى
وحده، فهو صاحبها ومالكها، كما بين ذلك
عن نفسه حين قال: ﴿سُبْحَنَ رَيْكَ رَبِّ الْعِزَّةِ
عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ [الصافات: ١٨٠].
فهو سبحانه نزه ذاته العلية عما وصفه
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٥ / ١٤٢.
(٢) انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي
٤٧٣/٨.
به المشرکون مما لا يليق بجلاله وكماله،
ثم أضاف الرب إلى العزة؛ ليفيد اختصاصه
بها، كأنه قال: ذو العزة(٣)
هذا وقد اقترن اسمه ((العزيز)) بالأسماء
والصفات الآتية:
أولًا: ذو انتقام.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِثَايَتِ اللَّهِ
لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انِقَاءِ﴾ [آل
عمران: ٤].
أي: إن الذين كفروا بآيات الله تعالى
الناطقة بالحق، وبوجوب توحيده وتنزيهه
عما لا یلیق بجلاله، فإن لهم عذابًا شديدًا،
لا يقادر قدره بسبب كفرهم، فالله تعالى
عزيز لا يغالب، ويفعل ما يشاء، وذو انتقام
عظیم(٤).
ثانيًا: الحكيم.
قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِلْآَخِرَةِ مَثَلُ
السَّوْءٌ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَىّ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
[النحل: ٦٠].
فالله تعالى يخبر أن الذين ينكرون البعث
ولا يؤمنون بالآخرة لهم صفة السوء؛ وذلك
لجهلهم وظلمهم أنفسهم؛ أنهم لم ينقذوا
أنفسهم بالإيمان وعمل الخير، أما الله
سبحانه وتعالى فله الصفة الحسنى، وهو أنه
لا إله إلا هو منزه عن كل نقص، ورب كل
(٣) انظر: الكشاف، الزمخشري ٦٩/٤.
(٤) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٢/ ٥.
www. modoee.com
٢٤٩

حرف العين
شيء ومليكه، بيده الخير وهو على كل شيء
قدیر، لا شريك له، ولا ند له ولا ولد، ثم
أثنى الله تعالی علی نفسه بأعظم وصف وهو
العزة والقهر والغلبة لكل شيء، والحكمة
العليا في تدبيره لهذا الكون، وتصريفه
لشؤون خلقه، وفي حکمه وقضائه(١).
ثالثًا: الرحیم.
قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَتْبِنْنَا
فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْ كَرِيمٍ ) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَّةً وَمَا كَانَ
أَكْثَرُهُم ◌ُؤْمِنِينَ ، وَإِنَّ رَبِّكَ لَهُوَ اَلْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
[الشعراء: ٧-٩].
فالله تعالى ينكر على المشركين
عدم تدبرهم في آيات الله تعالى الدالة
على استحقاقه وحده للربوبية والعبادة
والخضوع، ثم يخاطب الله تعالى نبيه
محمدًا صلى الله عليه وسلم مسليًا إياه
بأنه تعالى هو العزيز القاهر الذي لا يعجزه
شيء، والرحيم الذي وسعت رحمته كل
شيء، فالآية تقرر أن الله تعالى قادر على
سحق الكفار والقضاء عليهم غير أن رحمته
تعالى اقتضت عدم التعجيل بذلك لعلهم
يرعوون(٢).
رابعًا: الحمید.
﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُواْ أَلْعِلْمَ
قال تعالى:
(١) انظر: أيسر التفاسير، أبو بكر الجزائري
١٢٩/٣.
(٢) انظر: التفسير الحديث، محمد عزت دروزة
٢٤٣/٣.
الَّذِىّ أَنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبَكَ هُوَ الْحَقِّ وَيَهْدِىّ
إِلَى صِرَطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾ [سبأ:٦].
أي: إن أهل العلم يعلمون أن القرآن
الذي أنزل من عند الله تعالى هو الحق،
وأنه يرشد إلى الطريق المستقيم، طريق
الله العزيز الذي لا يغالب ولا يمانع؛ بل
إنه سبحانه حميد محمود في أقواله وأفعاله
وشرعه(٣).
خامسًا: العليم.
قال تعالى: ﴿ وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍ
◌َهَأَ ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴾ [يس: ٣٨].
أي: إن الشمس من آيات الله عز وجل
الدالة على نفوذ مشيئته سبحانه، وعلى
كمال قدرته، فهي دائمًا تجري لمستقر قدره
الله تعالی لها، لا تحيد عنه ولا تتعداه، فهي
لا تتصرف في نفسها، ولا تعصي الله تعالی،
فسبحان الذي دبر هذه المخلوقات بعزته
العظيمة بأكمل تدبير، وأحسن نظام، كما
دبرها بعلمه حيث جعلها مصالح لعباده،
ومنافع لهم في الدنيا والآخرة (٤).
سادسًا: الوهاب.
قال تعالى: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَآَيْنُ رَحْمَةٍ رَبِّكَ
الْعَزِيزِ الْوَقَّابِ ﴾ [ص: ٩].
فالله تعالى يوبخ المشركين وينكر
(٣) انظر: التفسير الميسر، مجمع الملك فهد
ص٤٢٨.
(٤) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص ٦٩٥.
جوسُورَةَ النَّفْتَ
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
٢٥٠

الحرة
عليهم اعتراضهم على نزول النبوة على اُلْعُلَمَنْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورُ﴾ [فاطر: ٢٨].
محمد صلى الله عليه وسلم دون غيره
منهم، فليست خزائن الله تعالى عندهم
فيعترضوا ويتصدوا لحرمان من يشاؤون،
فإن المواهب من الله تعالی یصیب بها من
يشاء، فيختار للنبوة من يصطفيه، وليس لهم
الاختيار في ذلك، فهو العزيز الوهاب(١).
سابعًا: الغفار.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَأْ مُنذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهِ إِلَّا
اللَّهُ الْوَجِدُ الْقَهَّارُ ( رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا
يَتْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْفَقَّرُ ﴾ [ص:٦٥-٦٦].
والمعنى: أناللهعز وجل یأمر نبيهمحمدًا
صلى الله عليه وسلم أن يخبر المشركين
-إن طلبوا منه ما ليس بيده- أن الأمر لله
تعالی قائلًا: ليس لي إلا أن آمركم وأحثکم
على الخير، وأنهاكم عن الشر، فما من أحد
يعبد حق العبادة إلا الله تعالى الواحد القهار
الذي قهر كل شيء، كما أنه خالق السماوات
والأرض وما بينهما، ومدبرهما بجميع أنواع
التدابير، العزيز الذي له القوة التي بها خلق
جميع المخلوقات العظيمة، والغفار لجميع
الذنوب الصغيرة والكبيرة لمن تاب إليه
سبحانه وتعالى (٢).
ثامنًا: الغفور.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢١٥/٢٣.
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص٧١٦.
فلما أخبر الله تعالى عن اختلاف الألوان
والأصباغ في ثمار النبات، والجمادات
والحيوانات، وكذلك الإنسان؛ لأن هذا
الاختلاف من أعظم الأدلة على قدرة الله
تعالى وبديع صنعه، أخبر تعالى عن العلماء
الذين يعرفون جمال ذلك الاختلاف
ودقائقه، فهؤلاء العالمون به يخافون الله
عز وجل بالغيب، وبما يليق به من صفاته
الجليلة وأفعاله الجميلة والتي منها قدرته
العظیمة علی صنع ما يشاء ويفعله، فمن كان
أعلم بالله تعالی کان أخشاهم له، وسبب
هذه الخشية من العلماء لله تعالى هو أن
الله عز وجل قوي في انتقامه من الكافرين،
وغفور لذنوب المؤمنين به التائبين إليه،
وهذا يوجب الخوف والرجاء، فكون الله
تعالى عزيزًا ذا انتقام يوجب الخوف التام،
وكذلك كونه تعالى غفورًا لما دون ذلك
يوجب الرجاء البالغ، وهذا ما يدركه العلماء
المتخصصون (٣).
تاسعًا: القوي.
قال تعالى: ﴿مَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ
إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىُّ عَزِيزٌ ﴾ [الحج:٧٤].
فقد بين الله عز وجل أن المشركين
الذين عبدوا الآلهة العاجزة عن فعل شيء،
لم يعرفوا الله تعالى حق المعرفة، ولم
(٣) التفسير المنير، الزحيلي ٢٦٠/٢٢ بتصرف.
www. modoee.com
٢٥١

حرف العین
يعظموه حق التعظيم إذ جعلوا هذه الأصنام وَاللَّهُ وَاسِعُ عَلِيمٌ ﴾ [المائدة: ٥٤].
والأوثان شركاء له مع هذه الحالة من العجز
والضعف، ثم بين الله تعالى أنه القوي على
خلق كل شيء، وعزیز غالب لا يغالبه أحد
بخلاف آلهة المشركين التي لا تعقل ولا
تنفع ولا تضر ولا تقدر على فعل شيء
لنفسها حتى تفعله لغيرها، فإنها جماد لا
تعقل(١).
ثانيًا: العزة من أخلاق المؤمنين:
إن العزة خلق رفيع من أخلاق المؤمنين،
فلا يعقل أن يكون المرء مؤمنًا حق الإيمان
وفي ذات الوقت غير عزيز، فالعزة والإيمان
صنوان لا يفترقان، وذلك أن المرء إذا آمن،
وتغلغل الإيمان في قلبه واستقر فإنه في
نفس الوقت يتشرب قلبه العزة، فتصدر
عنه الأقوال والأفعال وهي متصفة بالفخر
والاستعلاء بهذا الدين العظيم الذي أكرمه
الله عز وجل به، فيتعامل مع المؤمنين أمثاله
بكل تواضع ولين ورحمة، وفي المقابل
يتعامل مع الكفار بكل عزة وفخر.
فيقول الله سبحانه وتعالى واصفًا
المؤمنين: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن
دِينِهِ، فَوْفَ يَأْتِى اَللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُمْ أَذِلٍَّ عَلَى
الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ يُجَهِدُونَ فِ سَبِيلِ اللَّهِ
وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةً لَآَ بِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ
(١) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٥٥٥/٣.
جوسين
الْقُرْآن الكَرِيمِ
فقد توعد الله تعالی من یرتد عن دينه-
وهو لن يضر الله شيئا - بأنه سوف يأتي بدلًا
منهم بأناسٍ من صفاتاهم أن الله جل جلاله
یحبهم، وهم يحبونه کذلك، ومن صفاتهم
أيضًا أنهم أذلة للمؤمنين من فرط محبتهم
لهم، ونصحھم لهم، ولینھم ورقتھم ورأفتهم
بهم، وكذلك رحمتهم بهم، ومن صفاتهم
أيضًا أنهم أعزة على الكافرين بالله تعالى
ورسوله، وقد اجتمعت عزائمهم وهممهم
علی معاداتهم، وبذلوا کل جهد في کل سبب
يحصلون به على الانتصار علیهم(٢)، فهم لا
يداهنون الخلق، ولا يستکینون للعدو، ولا
يتنازلون عن شيء من دينهم مهما رغبوا
أو رهبوا، وفي هذا المعنى قال الشنقيطي:
((أخبر تعالى المؤمنين في هذه الآية الكريمة
أنهم إن ارتد بعضهم فإن الله يأتي عوضًا
عن ذلك المرتد بقومٍ من صفاتهم الذل
للمؤمنين، والتواضع لهم، ولين الجانب،
والقسوة والشدة على الكافرين، وهذا من
کمال صفات المؤمنین»(٣).
وفي موضع آخر أثنى الله تعالى على
أصحاب رسول الله صلی الله عليه وسلم
بالثناء العطر، كما شهد لرسوله صلى الله
محَمّد
عليه وسلم بصدق الرسالة، فقال:
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص٢٣٥.
(٣) أضواء البيان ٤١٥/١.
٢٥٢

الحرة
٤
رسول اللّهِ والّذِين معه: أَشِذَاءُ عَلَى الْكَفَّارِ وَحَاءُ
بَيْنَهُمّ تَرَنَّهُمْ زَكَّعًا سُبَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ
وَرِضْوَانًا﴾﴾ [الفتح: ٢٩].
فوصف أصحابه الأبرار بأنهم غلاظٌ
على الكفار، متراحمون فيما بينهم(١)، قال
أبو السعود: ((يظهرون لمن خالف دينهم
الشدة والصلابة، ولمن وافقهم في الدين
الرحمة والرأفة» (٢).
ومن الآيات الدالة على أن العزة من
أخلاق المؤمنين أيضًا قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ
لَيْن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَ الْأَعْزُّمِنْهَا
اَلْأَذَلَ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ
وَلَكِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ
[المنافقون: ٨].
ففي هذه الآية يبين الله عز وجل أن العزة
لله تعالى بقهره لأعدائه، وكذلك لرسوله
صلى الله عليه وسلم بإظهاره دينه على
الأديان كلها، وكذلك للمؤمنين أيضًا بنصر
الله تعالى لهم على أعدائهم، ولكن المنافقين
لا يعلمون أن الله تعالى معزٌّ أولياءه، ومذلٌ
أعداءه، ولو علموا ذلك ما قالوا مقالتهم:
﴿يَقُولُونَ لَيْن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَ
الْأَعْزُّمِنْهَا الْأَذَلَّ﴾(٣)، وفي هذا قال الطبري:
((فإن الذين اتخذوهم من الكافرين أولياء
ابتغاء العزة عندهم، هم الأذلاء الأقلاء،
(١) انظر: صفوة التفاسير، الصابوني ٢١١/٣.
(٢) إرشاد العقل السليم ٨/ ١١٤.
(٣) انظر: مراح لبيد، محمد الجاوي ٢/ ٥٣١.
فهلا اتخذوا الأولياء من المؤمنين، فيلتمسوا
العزة والمنعة والنصرة من عند الله الذي له
العزة والمنعة، الذي يعز من يشاء ويذل من
یشاء، فیعزهم ویمنعهم؟»(٤).
هذا وقد نهى الله سبحانه وتعالى
المؤمنين عن الهوان والحزن، ووصفهم
بأنهم هم الأعلون، فقال: ﴿وَلَا تَهِنُواْ وَلَا
◌َّحْزَنُواْ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (
١٣٩
[آل عمران:١٣٩].
ففي هذه الآية أدب قرآني عظيم حيث
حث الله تعالى المؤمنين المجاهدين
الصابرين على عدم الهوان والاستسلام الذي
ينافي العزة ويقابلها، فقد أمرهم بالثبات على
عزتهم؛ لتبقى العزة ملازمة لهم، لا تنفك
عنهم حتى ولو في أحلك الظروف، كما
أمرهم بحسن الظن بالله تعالى، والتوكل
عليه والثقة بنصره، قال الرازي: ((كأنه قال
إذا بحثتم عن أحوال القرون الماضية علمتم
أن أهل الباطل وإن اتفقت لهم الصولة،
لكن كان مآل الأمر إلى الضعف والفتور،
وصارت دولة أهل الحق عالية، وصولة أهل
الباطل مندرسة، فلا ينبغي أن تصير صولة
الكفار عليكم يوم أحد سببًا لضعف قلبكم
ولجبنكم وعجزكم؛ بل يجب أن يقوى
قلبكم، فإن الاستعلاء سيحصل لكم والقوة
(٤) جامع البيان ٣١٩/٩.
www. modoee.com
٢٥٣

حرف العين
والدولة راجعة إليكم))(١).
ومن خلال هذا يظهر أن العزة خلق من
أخلاق المؤمنین، وقد عبر الله تعالی عنها
في الآية الأخيرة بالجملة الاسمية ﴿وَأَنْتُمُ
الْأَعْلَوْنَ﴾ الدالة على الثبات والاستقرار،
وعليه فيجب على المؤمنين الثبات على ما
هم عليه من العزة، وعدم التخلي عنها في
أي ظرف من الظروف سواء في الحرب
أو السلم، في الفرح أو الحزن، في السراء
أو الضراء، فالله تعالى يربيهم على معاني
العزة، ويغرسها في قلوبهم.
ثالثًا:حسن عاقبة من اعتز بالله و دينه:
يقول الله عز وجل: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ
فَلِلَّهِ آلْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الَّيْبُ وَالْعَمَلُ
الصَِّحُ يَرْفَعُهُ، وَالَّذِيْنَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ
لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَكَ هُوَيَبُورُ لَ
[فاطر: ١٠].
وقد وردت أقوال عديدة في معنى الآية،
وأولاها بالصواب وأرجحها-كما ذكر
الطبري-(٢) أن من كان يريد العزة ويبحث
عنها ويطلبها، فليتعزز بالله عز وجل، فلله
تعالى العزة جميعًا دون كل ما دونه من
الأوثان والأصنام، وفيها تنبية لذوي الأقدار
والهمم العالية من أين تنال العزة، ومن أي
(١) مفاتيح الغيب ٩/ ٣٧١.
(٢) انظر: جامع البيان ٢٠/ ٤٤٤.
جهة تطلب؟(٣).
ثم بين الله تعالى أن الكلام الطيب من
ذکرٍ لله تعالی، أو أمر بالمعروف ونهي عن
المنكر، وتلاوة قرآن، وغير ذلك يصعد إلى
الله عز وجل فيقبله، والعمل الصالح يرفع
الكلم الطيب؛ وذلك لأن العمل الصالح لا
يقبل إلا مع التوحيد والإيمان، بالإضافة إلى
أن العمل الصالح يرفع صاحبه الذي أراد
العزة من الله تعالى (٤).
قال القرطبي: ((فمن طلب العزة من الله
وصدقه في طلبها بافتقارٍ وذلٍ، وسكونٍ
وخضوع، وجدها عنده إن شاء الله غير
ممنوعةٍ ولا محجوبةٍ عنه، قال صلى الله
عليه وسلم: (من تواضع لله رفعه الله)(٥)
ومن اعتز بالله أعزه الله)) (٦).
ولذلك اقتضت حكمة الله تعالى أن من
اعتز بالله تعالى، واعتز برسوله صلى الله
عليه وسلم، وبدين الإسلام، أعزه الله جل
جلاله، ولهذا السبب حصر الله تعالى العزة
الحقيقية في كونها لله تعالى ولرسوله صلى
الله عليه وسلم وللمؤمنين.
قال ابن عاشور: ((والمعنى: إن كان الأعز
(٣) فتح القدير، الشوكاني ٣٩١/٤، بتصرف.
(٤) انظر: المصدر السابق.
(٥) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء، عن أبي
هريرة، ٨/ ٤٦.
وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم
٠١٠٦١/٢،٦١٦٢
(٦) الجامع لأحكام القرآن ١٤/ ٣٢٨.
٢٥٤
مَوَسُولَةُ النَّفِيَّ
القرآن الكريم

الحرة
يخرج الأل فإن المؤمنین هم الفريق الأعز،
وعزتهم بكون الرسول صلى الله عليه
وسلم فيهم وبتأييد الله رسوله صلی الله
عليه وسلم وأولياءه؛ لأن عزة الله هي العزة
الحق المطلقة، وعزة غیره ناقصةٌ، فلا جرم
أن أولياء الله هم الذين لا يقهرون إذا أراد
الله نصرهم ووعدهم به. فإن كان إخراج
من المدينة فإنما يخرج منها أنتم يا أهل
النفاق)»(١).
ويخلص من هذا إلى أنه إذا كانت العزة
لله تعالى وحده، فإنه سبحانه يهبها لعباده
المؤمنين، وأوليائه الصادقین، وقد استمدوا
هذه العزة من الله جل جلاله، فيعزهم الله
تعالی في الدنيا والآخرة، فیغفر لهم ذنوبهم،
ويكفر عنهم سيئاتهم، ويرفع قدرهم
وشأنهم، ويقبل أعمالهم الصالحة ويثيبهم
عليها خير الثواب، وينزلهم الدرجات العلا
من الجنة، وفي هذا المعنى قال عمر بن
الخطاب رضي الله عنه: ((إنا كنا أذل قوم
فأعزنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العزة
بغير ما أعزنا الله أذلنا الله)»(٢).
رابعًا: بيان سوء عاقبة من أخذته العزة
بغير الحق:
(١) التحرير والتنوير ٢٤٩/٢٨.
(٢) أخرجه الحاكم في مستدركه، رقم ٢٠٧،
١٣٠/١.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط
الشیخین ولم يخرجاه.
اقتضت حكمة الله جل جلاله أن من
طلب العزة في غير جانب الله تعالى أذله
الله تعالى؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه
وسلم: (إن حقًّا على الله أن لا يرفع شيئًا من
الدنيا إلا وضعه)(٣).
فمن اعتز بالكفار أذله الله تعالى، وأذاقه
الذلة والصغار على أيديهم، وفي هذا المعنى
قال الزمخشري: ((المذلة والهوان للشيطان
وذويه من الكافرين والمنافقين» (٤).
هذا في الدنيا، أما في الآخرة فسوف
يصليه الله تعالى جهنم وساءت مصيرًا.
يقول الله عز وجل: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَتَّقِ
اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِّ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمٌ
وَلَبِئْسَ اَلْمِهَادُ (١)﴾ [البقرة: ٢٠٦].
فهذه الآية في ذكر وصف من أوصاف
المنافق الذي يظهر خلاف ما يبطن، فإذا
نصحه إنسان فقال له: اتق الله، أخذته الحمية
الجاهلية، والعزة الشيطانية على ارتكاب
الإثم والحرام، فتمادى في غيه وضلاله؛
لأنه ينفر من الصلاح والمصلحين، فبين
الله تعالى أن مثل هذا يكفيه عذاب جهنم،
فهي مأواه ومهاده، ولبئس المهاد مهاده،
بسبب سوء عمله في الدنيا، وسوء خداعه
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، رقم ٦٥٠١،
عن أنس، كتاب الرقاق، باب التواضع،
٨/ ١٠٥.
(٤) الكشاف ٤/ ٥٤٣.
www. modoee.com
٢٥٥

حرف العين
وحاله(١).
وتاريخ الأمم السابقة ومصارعها شاهد
علی أن من یغالب الله جل جلاله يغلب،
وأن من اعتز بغير الله تعالى ذل وهان، فقد
اعتزت تلك الأمم بقوتها التي منحها الله عز
وجل إياها، فبدلًا من أن يشكروا الله تعالى
على هذه النعم جحدوا مانحها، واعتزوا
بهذه النعم بدلًا من المنعم.
اَلْمُؤْمِنِينَّ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ
جَمِيعًا ﴾ [النساء: ١٣٩].
ويوم القيامة يأمرهم بقوله عز وجل:
﴿ قُلْ أَرُوِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُم بِهِ، شُرَكَاءَ كَلَّا بَلّ
هُوَ اَللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [سبأ: ٢٧].
وهكذا تظهر سوء عاقبة من اعتز بغير الله
تعالى، وأنها عزة واهية باطلة لا حقيقة لها لا
في الدنيا ولا في الآخرة.
وقد وضح الله عز وجل السبب في اتخاذ
المشركين الأصنام والأوثان آلهة يعبدونها
من دون الله تعالى، فقال: ﴿وَأَخَذُواْ مِن
دُونِ اللَّهِ ءَالِهَةُ لِيَكُونُواْ لَهُمْ عِزَّا )
كَلَّ
سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا ﴾
[مريم: ٨١-٨٢].
أي: ليكونوا لهم أنصارًا وشفعاء
ينقذونهم من عذاب الله تعالى في الآخرة،
فزعمهم هذا ما هو إلا كذب وافتراء على
الله عز وجل، ثم زجرهم الله تعالى رادعًا
إياهم عن ذلك الظن الفاسد بأنه ليس الأمر
كما زعموا؛ بل ستكون هذه المعبودات ضدًّا
وأعوانًا عليكم في خصومتكم وتكذيبكم
فيما زعمتم، ومن ثم التبرؤ منكم(٢).
ولذلك أنكر الله سبحانه وتعالى عليهم
اتخاذهم الأصنام لأجل العزة، فقال:
﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ أَلْكَفِرِينَ أَوْلِيَآءُ مِن دُونِ
(١) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٢٢٩/٢.
(٢) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٥٠٩/٣.
٢٥٦
جوبيبو
القرآن الكريم

الحرة
أنواع العزة ومقوماتها
إن الحديث عن أنواع العزة ومقوماتها
يظهر من خلال التعرف على العزة المحمودة
ومقوماتها، وكذلك على العزة المذمومة
ودوافعها، وتفصيل ذلك فيما يأتي:
أولًا: العزة المحمودة ومقوماتها:
تظهر أنواع العزة المحمودة في القرآن
الكريم من خلال النقاط الآتية:
١. العزة لله عز وجل جميعًا.
ذكرنا سابقًا أن من معاني العزة القلة
والندرة، فمقومات العزة لله جل جلاله قد
تفرد بها دون غيره، وليست لأحد سواه،
ومن الأمثلة على هذه المقومات التي ذكرها
الله تعالى في كتابه العزيز:
تفرده بالخلق.
فالله عز وجل هو الخالق لكل شيء في
هذا الكون، وهذه المخلوقات كلها التي
تتجلى فيها قدرته عز وجل وعظمته قد
أوجدها من عدم.
يقول الله تعالى: ﴿﴿ إِنَّ اللَّهَ فَالِقُّ الْحَيِّ
وَالنَّوَىُّ يُخْرِجُ أَلَْىَّ مِنَ الْمَيْتِ وَمُخْرِجُ اَلْمَيْتِ
مِنَ الْحَيَّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَنَّى تُؤْفَكُونَ فَالِقُ
اْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ أَلَّيْلَ سَكَنَا وَالشَّمْسَ وَاُلْقَمَرَ
حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعِزِ الْعَلِيمِ
٩٦
[الأنعام: ٩٥ - ٩٦].
فقد ذكر في هاتين الآيتين مجموعة من
المخلوقات الدالة على وحدانيته تعالى
وقدرته، وعلى علمه وحكمته، فهو فالقٌ
لما يزرعونه من حب الحصيد ونوى الثمر،
وشقه بقدرته بربط الأسباب بمسبباتها
كجعل الحب والنوى في التراب، وإرواء
التراب بالماء، كما أنه يخرج الحي من
المیت کالزرع يخرجه من التراب أو البذور،
ويخرج الحيوان من البيضة أو النطفة، وهو
أيضًا مخرج الميت من الحي إذ يخرج
اليابس من النبات الحي النامي، كما أنه فلق
ظلمة الليل وشقها بنور الصباح، وجعل
الليل سكنًا يستراح فيه من التعب بالنهار،
كما خلق الشمس والقمر يجريان بحساب
وعدد لبلوغ أمرهما ونهاية آجالهما، وفيهما
مصالح ومنافع للناس حيث يحتاجون
إلى معرفة حساب الأوقات لعباداتهم
ومعاملاتهم وتواريخهم، فذلك كله من
تقدير العزيز المتفرد بالخلق، الغالب على
أمره في تنظيم ملكه، والعليم بما اقتضاه،
واسعٌ علمه(١).
ومثله قوله تعالى: ﴿أَلَوْتَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقَِّ إِن يَشَأْ يُدْهِبْكُمْ
وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ﴿ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللّهِيعَزِيزٍ
﴾ [إبراهيم: ١٩ - ٢٠].
والآيات على ذلك كثيرة.
(١) انظر: تفسير المراغي ٧/ ١٩٧.
www. modoee.com
٢٥٧

حرفالعین
تفرده بالإحياء بعد الإماتة.
وقد ذكر الله تعالى في أكثر من موضع
فقد أنكر المشركون أمر البعث، فبين الله أن الإحياء بعد الإماتة أهون عليه من
الخلق، فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُأْ الْخَلْقَ ثُمَّ
يُعِيدُهُ، وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْةٍ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
[الروم: ٢٧].
تعالی في کثیر من الآيات أنه قادر على ذلك.
وَإِذْ قَالَ إِنْرَاهِرُ رَبّ
ومنها قوله تعالى:
أَرِبِ كَيْفَ تُحْىِ الْمَوْنَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنٌ قَالَ بَلَى
وَلَكِن لِيَطْمَيِنَّ قَلْبِىّ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ اَلَّيْرِ
فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ أَجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا
ثُمَّ اَدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيَاً وَأَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيرٌ
[البقرة: ٢٦٠].
حَكِيم
فقد طلب إبراهيم عليه السلام من الله
تعالى رؤية كيفية إحياء الموتى، وهو لم
يشك قط في قدرة الله تعالى على ذلك،
ولكن لأن النفس البشرية جبلت على رؤية
ما أخبرت به بالعين المجردة؛ ولهذا قال
النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس الخبر
کالمعاینة)(١).
فأمره تعالى أن يأخذ أربعة من الطير
فيذبحهن ويجزئهن، ويضع على كل جبل
منهم جزءًا، ثم يدعهن بأسمائهن فتأتيه هذه
الطيور مسرعة، ففعل إبراهيم عليه السلام
ذلك، وشاهد بأم عينيه قدرة الخالق العزيز
الحكيم (٢).
(١) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ١٨٤٢،
٣٤٧/٣.
وصححه الألباني في تعليقه على مشكاة
المصابيح، رقم ٥٧٣٨، ٣ /١٥٩٩.
(٢) انظر: أيسر التفاسير، أبو بكر الجزائري
٢٥٢/١.
فإذا كان المشركون يعترفون بأن
الله عز وجل هو الخالق كما أخبر عنهم
بقوله: ﴿وَلَيْنِ سَأَلْنَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ
وَاْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيِمُ (
[الزخرف: ٩].
فلماذا ینکرون البعث؟!
تفرده بالتصوير في الأرحام.
وهذا أمر قد تفرد الله تعالى به كما تفرد
بالخلق والإحياء بعد الإماتة، فقال: ﴿هُوَ
الَّذِى يُصَوِّرُ كُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا
هُوَ الْعَِزُ الْحَكِيمُ ﴾ [آل عمران: ٦].
فقد أخبر الله تعالى عن تصويره للبشر
في أرحام أمهاتهم على الكيفية التي يشاؤها
جل جلاله من حسن وقبح، وسواد وبیاض،
وطول وقصر، وسلامة وعاهة إلى غير
ذلك من السعادة والشقاء، وهذا دليل على
وحدانيته عز وجل، ولا يقدر على ذلك
إلا العزيز الذي لا يغالب، والحكيم بخلقه
(٣)
وشؤونهم(٣).
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤ / ٧.
٢٥٨
جوسين
القرآن الكريمِ

الحرة
تفرده بالنصر.
وهذا واردٌ في قوله تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا
مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٦].
والمعنى: أن نصر المؤمنين لا يكون إلا
من عند الله عز وجل على خلاف ما كان
يعتقد المشركون من أن الآلهة هي التي
تمدهم بالنصر في حروبھم ومعار کھم، وهذا
واضحٌ من التركيب القرآني حيث استخدم
((ما)) النافية مع حرف الاستثناء (إلا)، وهو
أسلوب حصر وقصر؛ لذلك ناسب أن يذكر
اسمه ((العزيز)) لتفرده سبحانه بأمر النصر
فهو العزيز الغالب القاهر.
تفرده بتأليف القلوب.
وهذا ما أخبر الله تعالى به في قوله:
﴿ وَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِ اَلْأَرْضِ
جَمِيعًا مَّ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ
اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمّْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
٦٣
[الأنفال: ٦٣].
فالله تعالى له جميع صفات الكمال،
فألف بين قلوب المؤمنين من الأوس
والخزرج، وعلل سبحانه فعله ذلك؛ لأنه
عزيز حكيم، فلولا عزته التي غلبت كل
شيء، وحکمته التي أتقن بها كل ما یرید
بحیث لا يستطيع أحد أن یغیر مما أراد الله
تعالى شيئًا لما تآلف المؤمنون فيما بينهم
بعدما كانت تثور الإحن والفتن بينهم، فتغلي
لها الصدور حتى يقتتلوا(١).
تفرده بالهداية.
يقول الله عز وجل: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِنِ
رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ، لِيُبَيِّنَ لَّ
فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءٌ وَهُوَ
الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [إبراهيم: ٤].
أي: إن من لطف الله تعالى أن أرسل
الرسل بلسان الأقوام الذين بعثوا إليهم؛
ليتمكنوا من فهم ما يدعونهم إليه، وحينئذٍ
یقیم علیهم الحجة، فيضل الله تعالى من لم
يرد الهداية، ويهدي من يشاء ممن اختصه
برحمته فيهديه؛ وذلك لأنه هو العزيز الذي
من عزته أن انفرد بأمر الهداية والضلال،
ومن حكمته أنه لا يضع هدايته ولا إضلاله
إلا في المحل اللائق به(٢).
تفرده بالقضاء.
يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى
بَيْنَهُم بِحُكْمِهِ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِمُ ﴾
[النمل: ٧٨].
أي: إن الله تعالى سوف يقضي بين بني
إسرائيل وغيرهم بالحق الذي يحكم به
أو بحكمته العلية، فهو العزيز الذي لا يرد
حکمه وقضائه، ومن عزته تفرده بالقضاء،
كما أنه عليمٌ بجميع الأشياء التي من جملتها
(١) انظر: نظم الدرر، البقاعي ٣١٨/٨.
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص٤٢١.
www. modoee.com
٢٥٩

حرف العين
ما يقضي به(١).
تفرده بالرزق والعطاء.
للَّهُ لِلنَّاسِ
مَّا يفتح الله
فيقول الله عز وجل:
مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُمِنٌ
بَعْدِيِةٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [فاطر: ٢].
فكل ما يفتحه الله تعالى للناس من
خزائن رحمته لن يستطيع أحد منعه،
وكذلك ما منعه الله تعالى من نعمه عن أحد،
فلا يستطيع أحد إرساله إليه، فهو سبحانه
المعطي المانع، لا معطي سواه، ولا منعم
غيره(٢)، فهو العزيز الذي من عزته يعطي
من یشاء، ویمنع من يشاء، وليس لأحد فعل
ذلك.
ويقول أيضًا: ﴿اَللَّهُ لَطِيفٌٌ بِعِبَادِهِ،
يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِىُّ الْعَزِيزُ )
[الشورى: ١٩].
فالله تعالى كثير اللطف بهم، وبالغ الرأفة
لهم، ويرزق من يشاء من أنواع الرزق،
وإن كان يرزق كل نفس، لكنه فاوت بين
المرزوقين في الرزق في القلة والكثرة
لحكمة لا يعلمها إلا هو عز وجل (٣).
فالله سبحانه هو القوي العظيم القوة،
والباهر القدرة، والعزيز الذي من عزته انفرد
بأمر الرزق والعطاء، ومن أجمع الآيات
(١) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود
٢٢٩/٦.
(٢) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٣٨٨/٤.
(٣) انظر: فتح البيان، صديق خان ٢٩١/١٢.
على مقومات عزة الله جل جلاله، قوله
تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ
وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِنَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا
لَكُمْ مِن دُونِهِ، مِن وَإِيٍّ وَلَا شَفِيَعْ أَفَلَا تَتَذَّكَّرُونَ ))
يُدَبُِّ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ
فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ، أَلْفَ سَنَةٍ مِّمًا تَعُدُّونَ ن
ذَلِكَ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ الْعَزِبُ الرَّحِدُ ))
الَّذِىّ أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَةٌ، وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَنِ
◌ُرَّجَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَلَةٍ مِّن مََّءِ
٧
مِن طِينٍ
ثُمَّ سَوَّلَهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِّ
مَهِينٍ
وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَاْأَبْصَرَ وَالْأَقِدَةٌ قِيلًامَّا
تَشْكُرُونَ ﴾ [السجدة: ٤-٩].
٢. العزة لكتاب الله.
لقد وصف الله عز وجل نفسه بأنه عزیز،
وعليه فإن كل ما يصدر عنه جل جلاله
يستمد العزة من عزته تعالى، فالقرآن الكريم
هو كلام الله تعالى، ولذلك فهو يتصف
بالعزة أيضًا.
تَنْزِيلَ الْكِتَبِ مِنَ
يقول الله عز وجل:
اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾ [الزمر: ١].
فهذا الكتاب العظيم هو منزل من الله
تعالى العزيز في ملكه والحكيم في أمره (٤).
وفي وصف القرآن ذاته يقول الله جل
جلاله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِالذِّكْرِ لَمَّا جَآءَ هُمّ
وَإِنَّهُ لَكِنَبُّ عَزِيزٌ ن لَّا يَأْيِهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ
يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِةِ، تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾
(٤) انظر: تفسير القرآن، السمعاني ٤ / ٤٥٧.
٢٦٠
جوية
القرآن الكريم

العزة
[فصلت: ٤١- ٤٢].
فإن الكافرين جحدوا وكفروا بالقرآن
الكريم، فبين الله تعالى أن هذا القرآن هو
كتاب عزيز، قال الطبري: ((وإن هذا الذكر
لکتاب عزیز بإعزاز الله إياه، وحفظه من کل
من أراد له تبديلًا أو تحريفًا، أو تغييرًا من
إنسي أو جني وشيطان ومارد))(١).
کما وصفه الله عز وجل بأن من هو على
الباطل لا يستطيع أن يغير شيئًا من القرآن
بکیده، أو أن یبدل شيئًا من معانیه، ولا أن
یلحق فیه مما ليس منه، فهو تنزيلٌ من عند
ذي حكمة بتدبير عباده، ومن عند حميد
محمود على نعمه علیهم بأیادیه عندهم(٢).
٣. العزة لرسوله صلى الله عليه
وسلم.
بما أن الله جل جلاله قد وصف نفسه
بأنه عزيز، فإن كل ما يصدر عنه من أفعال
فهو يتصف بالعزة أيضًا، ومن جملة أفعاله
عز وجل أنه بعث محمدًا صلى الله عليه
وسلم رحمةً للعالمين، وعليه فإن نبينا
محمدًا صلى الله عليه وسلم يتصف بالعزة،
يقول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ.
وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾
[المنافقون: ٨].
وعزة الرسول صلى الله عليه وسلم
(١) جامع البيان ٤٧٩/٢١.
(٢) انظر: المصدر السابق ٢١/ ٤٨٠.
متمثلةٌ في إظهار دينه على سائر الأديان
الموجودة على الأرض (٣).
٤. العزة للمؤمنين.
إن الله تعالى لما ذكر العزة الحقيقية
حصرها فيه جل جلاله، وفي رسوله صلى
الله عليه وسلم، وفي المؤمنين، فقال تعالى:
﴿وَلِلَّهِ اَلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ
[المنافقون: ٨].
وعزة المؤمنين تتمثل في نصر الله تعالى
إیاهم علی أعدائهم(٤)، حیث یقول الله عز
وجل: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللّهُ مَن يَنصُرُهُ: إِنَّ
اللَّهَ لَقَوِىُّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠].
أي: إن الله سبحانه وتعالى ينصر من
ینصر دینه، ويدافع عن أوليائه، فالله تعالى لا
يحتاج إلى نصرة أحد؛ بل كل الخلق مفتقرٌ
إلى نصر ته سبحانه(٥).
فهذه العزة المحمودة للمؤمنين تكون
في اتباعهم لشرع الله تعالى، وتنفيذه في
أمور حياتهم، والسير على منهج أهل السنة
والجماعة، ونبذ كل ما يعكر صفو الإيمان
من الأمور البدعية والفلسفية والكلامية
التي لا جدوى من ورائها، فالإيمان الذي به
عزة المسلمين هو الإيمان الذي يولد عملاً
(٣) انظر: لباب التأويل، الخازن ٣٠٠/٤.
(٤) انظر: معالم التنزيل، البغوي ١٣٣/٨، زاد
المسير، ابن القيم ٤ /٢٨٩.
(٥) انظر: أوضح التفاسير، محمد الخطيب
ص٤٠٦.
www. modoee.com
٢٦١

حرف العين
صالحًا من صلاة خاشعة أو صيام، وأداء
للزكاة، وبعدًا عن كل ما حرم الله تعالى
من الربا والزنا والغش والغيبة والنميمة
وغير ذلك من المنكرات، فهذا هو الإيمان
الحقيقي.
وهذا الإيمان هو الذي تكون به العزة
والرفعة والكرامة والمكانة للمسلمين
جميعًا، وبالإضافة إلى ذلك فهو إيمانٌ قائمٌ
على إخلاص العبادة لله عز وجل الذي بيده
ملكوت كل شيء، وبیده الأمر كله، فحياتنا
وأرزاقنا وآجالنا كلها بيد الله عز وجل، فإذا
كان الأمر كذلك فكيف يتوجه العبد بالتوكل
أو الخوف أو الرجاء أو المحبة لغير الله عز
وجل، والإنسان المؤمن العزيز هو الذي
يجد للإيمان طعمًا وحلاوةً في أمور حياته
كلها، وهذا ما أخبر به النبي صلى الله عليه
وسلم حين قال: (ثلاثٌ من كن فيه وجد
حلاوة الإيمان: أن یکون الله ورسوله أحب
إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا
لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن
يقذف في النار)(١).
ثانيًا: العزة المذمومة ودوافعها:
کما تکون العزة محمودة کذلك قد تكون
مذمومة، ومن أهم أنواع هذه العزة المذمومة
والبواعث عليها أو دوافعها كما يأتي:
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب حلاوة الإيمان، ١/ ١٢، رقم ١٦.
١ . عزة الكافر دوافعها الکبر والعناد.
يقول الله عز وجل: ﴿صِّ وَالْقُرْءَانِ ذِى
الذِّكْرِ ﴿ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِىِ عِزَّةِ وَشِقَاقٍ ﴾
[ص: ١ - ٢].
فالله تعالى حين أنزل هذا القرآن
العظيم على سيدنا محمد صلى الله عليه
وسلم، أنزله ذكرًا لمن يتذكر، وعبرة لمن
يعتبر، فانتفع به المؤمنون، ولم ينتفع به
الكافرون، والسبب في ذلك أنهم في عزة
وحمية واستكبار عن قبول الحق والإيمان
به، فهم دائمًا يخالفون الحق ويعاندونه(٢)
مع اعتقادهم في قرارة أنفسهم أن القرآن
حق، وأن النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم
حق قد بعثه الله تعالى إليهم؛ ليخرجهم
من الظلمات إلى النور، ولكن ما يمنعهم
من الإيمان به إلا عزتهم وحميتهم الباطلة،
وجحودهم وظلمهم لأنفسهم.
ولذلك يقول الله عز وجل: ﴿قَدْ نَعَلَمُ
إِنَّهُ لَيَحْرُنُكَ الَّذِى يَقُولُونٌّ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِبُونَكَ
وَلَكِنَّ الظَّلِينَ بِثَايَتِ اَللَّهِ يَجْحَدُونَ ))
[الأنعام: ٣٣].
هذا وقد بين الله تعالى أن هؤلاء الكفار
يعتزون بالأصنام والأوثان التي يعبدونها
من دونه سبحانه حيث قال: ﴿وَأَنَّخَذُواْ مِن
دُونِ اللَّهِ وَالِهَةٌ لِيَكُونُواْ لَهُمْ عِزَّا
٨١
[مريم: ٨١].
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧/ ٥١.
٢٦٢
الْقُرآن الكَرِيمِ