Indexed OCR Text
Pages 21-30
الظلم وذكرهم بما فيه تعظيم لهم)»(١). ٦. عدم إعانة الظالم على ظلمه. إن أعوان الظالم هم ظلمة مثله، فلا يجوز إعانة الظالم؛ لأنه إذا كان الركون بجميع أُشکاله وأنواعه لا يجوز، فما یکون فیه إعانة للظالم أولى أن لا يجوز، والواقع أن الحاكم الظالم إنما يتمكن من ظلمه بمعاونة أعوانه وأتباعه، وليس بنفسه فقط، فالمعاونة له بأي شكل من أشكالها لا تجوز، لأنها تقوية له ومساعدة له لتنفيذ ظلمه، ولهذا إذا نزل العذاب بالحاكم الظالم نزل بأعوانه أيضًا، لأنهم مثله ظالمون، كما حصل لفرعون وأعوانه. قال تعالى: ﴿فَأَخَذْنَهُ وَجُنُودَهُ. فَنَبَذْنَهُمْ فِ الْبَرِّ فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٤٠]. أي جمعنا فرعون وجنوده من القبط فألقيناهم جميعًا في البحر (٢). ثانيًا: طرق علاج الظلم: إن علاج الظلم له طرق ووسائل متعددة، تؤدي إلى علاجه، فإن أخذنا بها فقد عالجنا هذا المرض العضال، ومن هذه الطرق والوسائل ما يأتي: (١) الكشاف ٤٣٥/٣. (٢) انظر: تفسير المراغي ٦١/٢٠. وانظر: السنن الإلهية، د. عبد الكريم زيدان، ص١٢٠. ١. معايشة القرآن الكريم وسنة الرسول صلی الله عليه وسلم. وذلك لأن القرآن أسهب في الحديث عن الظلم والظالمين، وبيّن جرائمهم وعواقب هذه الجرائم، و کذلك سنة رسولنا صلى الله عليه وسلم، وحسبنا أن الرسل والرسالات كانت من أجل رفع الظلم عن المظلومين، أو مداوة الظالمين أو تخويفهم عاقبة ظلمهم، وإقامة الحجة عليهم. قال تعالى: ﴿وَمِن قَبْلِ كِنَبُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةٌ وَهَذَا كِتَبٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنذِرَ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ ﴾ [الأحقاف: ١٢]. ﴿فَكَيْنِ مِّن قَرْيَةٍ وقوله تعالى: أَهْلَكْنَهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌ فَهِىَ خَاوِيَةٌ عَ عُرُوشِهَا وَيَثْرٍ مُعَطّلَةٍ وَقَصْرٍ قَشِيدٍ﴾ [الحج: ٤٥]. معنى ذلك: أن كثيرًا من أهل القرى أهلكناهم بکفرهم بالله وتکذیبھم رسله، ثم أنشأنا بعد إهلاكهم أممًا أخرى سواهم (٣). ٢. التوبة النصوح. وذلك بالإقلاع الفوري عن الظلم. قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ تُوبُواْ إِلَى اللَّهِ تَوْبَةُ نَّصُوحًا عَسَى رَبِّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيْئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّتِ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ﴾ [التحريم: ٨]. (٣) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٥٤٣/٣. www. modoee.com ٣١٥ حرف الظاء في هذه الآية، ووعد عليها بتكفير السيئات ودخول الجنات، والفوز والفلاح حين یسعی المؤمنون يوم القيامة بنور إيمانهم، ويمشون بضيائه ويتمتعون بروحه وراحته، والمراد بها: التوبة العامة الشاملة للذنوب کلها التي عقدها العبد لله، لا یرید بها إلا وجهه والقرب منه، ويستمر عليها في جميع أحواله(١). ١. الإقلاع عن الذنب. ٢. الندم على ما مضى. ٣. العزم على ألا يعود إليه. ٤. رد الحقوق إلى أهلها(٢). ٣. التذكير بعواقب وآثار الظلم وأخذ العبرة والعظة. إن تذكير الظالمين بعواقب وآثار الظلم والعلن. قد يؤدي إلى رجوعهم عن ظلمهم، وقد حث القرآن الكريم على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوَ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُنْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٤]. ومعنى الآية: أن الله سبحانه أمر بني إسرائيل أن يعظّموه ويحترموه ولا يصيدوا يوم السبت صيدًا فابتلاهم الله وامتحنهم، (١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٨٧٤. (٢) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٢٧٧/١٨. جوية القرآن الكريم وقد أمر الله سبحانه بالتوبة النصوح وانقسموا في ذلك ثلاث فرق، معظمهم اعتدوا وتجرؤوا على مخالفة أمر الله تعالى، وفرقة أنكرت عليهم ونهتهم عن ذلك، وفرقة اكتفت بإنكار أولئك عليهم، ونهيهم لهم، وقالوا لهم: لا فائدة في وعظ من اقتحم محارم الله، ولم يصغ للنصيحة، بل استمر في اعتدائه وطغيانه، فإنه لا بد أن يعاقبهم الله إما بإهلاك أو عذاب شديد، فقال الواعظون: نعظهم وننهاهم لنعذر فيهم، وشروط التوبة أربعة: ولعلهم يتركون ما هم فيه من المعصية، فلا نیأس من هدایتهم، فربما أثر فيهم هذا الوعظ واللوم، وهذا هو المقصود الأعظم من إنكار المنكر، ليكون معذرة، وإقامة حجة على المأمور المنهي، ولعل الله أن يهديه فيعمل بمقتضى ذلك الأمر والنهي (٣). ٤. تربية ملكة المراقبة لله في السر قال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَيِِّ جَنَّثَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]. والمراد: أن الذي يخاف ربه، ويقوم على أوامره فيترك ما نهى عنه، ويفعل ما يؤمر، له جنتان من ذهب، إحدى الجنتين جزاء على ترك المنهيات، والأخرى على فعل الطاعات (٤). ويؤكد ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ (٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ٣٠٦. ص (٤) انظر: المصدر السابق ص ٨٣١. ٣١٦ الظل مَقَامَ رَيِّهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْوَىِ ، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠ -٤١]. ٥. الدعاء. وهو أهم علاج في رفع الظلم، وهو الباب الواسع الذي لا يقفل، فلا بد للمظلوم أن يلتجئ إلى الله بالدعاء والدعوة على الظالم؛ إذ ليس بينها وبين الله سبحانه حجاب، وقد وعد الله سبحانه له بنصرها عاجلا أو آجلاً. قال تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِ مَغْلُوبٌ فَأَنْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠]. يقول ابن كثير في تفسير الآية: ((أي إني ضعيف عن هؤلاء وعن مقاومتهم فانتصر أنت لدينك))(١). فالدعاء سلاح يقصم به الله ظهر المتجبّرين، ويزلزل به عروش المتعالين، وينسف به صولة المتطاولين، ولكن إذا تأخرت إجابة دعوة المظلوم فما هي إلا فرصة متاحة للظالم لكي يراجع نفسه، ويحاسبها على فعلته هذه، حتى يعيد للمظلوم حقه، ويعتذر إليه عما بدر منه، ويتوب إلى الله من هذا العمل. (١) تفسير القرآن العظيم ٧/ ٤٧٦. آثار الظلم وعاقبته في الدنيا إن للظلم آثارًا وعواقب تعصف بالمجتمع، وتجلب له ما يسؤوه في جميع الميادين، وتظهر تلك الآثار السلبية من خلال ما يأتي: أولًا: ذهاب الأمن. حيث إن الظالم يعيش ليله ونهاره بخوف وقلق دائم خوفًا من انتقام المظلومين، فيعمل على تأمين نفسه خوفًا من بطشهم، وهو جاهل بأن العدل هو الذي يجلب الأمن لا الظلم، وقد أكد ذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوْ إِيَمْنَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَكَ لَمُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَّدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]. وقد جاء لفظ (بظلم) نكرة في سياق النفي بـ(لم) وفي ذلك دلالة على أنها تعم جميع أنواع الظلم، فكل من كان مبتعدًا عن الظلم فله نصيب من هذه العاقبة، وهي الأمن والاهتداء، فإذا كان العبد ممن يخلط ظلمًا بصلاح وعدل، کان الأمن عنده في داخله، أو في مجتمعه بقدر انتفاء الظلم، ولهذا كلما كثرت الكبائر والخبث ومخالفة دين الله سبحانه، كلما انتزع الأمن من العباد(٢). ثانيًا: الجدب والقحط. وهذا ما بيّنته سورة النحل عند قوله (٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٣٣٧. www. modoee.com ٣١٧ حرف الظاء تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةٌ مُّطْمَيِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْهُمِ اَللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ اٌلْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ [النحل: ١١٢]. يقول الزحيلي: ((ذكر الله صفة قرية للعبرة، كانت بأهلها آمنة من العدو، مطمئنة لا يزعجها خوف، يأتيها رزقها الوافر رغدًا: أي: هنيئًا سهلًا واسعًا من سائر البلاد، فکفر أهلها بنعم الله، (أي: جحدوا) بها، فعمهم الله بالخوف والجوع، وبدلوا بأمنهم خوفًا، وبغناهم فقرًا، وبسرورهم ألمًا وحزنًا، وذاقوا مرارة العيش بعد سعته بسبب أفعالهم المنکرة، وجاءهم رسولٌ من جنسھم فكذبوه فيما أخبرهم به، مع أنه رسولٌ إليهم، مبلّغ عن ربه بأن يعبدوه ويطيعوه، ویشکروه على النعمة، وتمادوا في كفرهم وعنادهم، فعذّبوا بعذاب الاستئصال الشامل حال كونهم ظالمين أنفسهم بالكفر وتكذيب الرسل، متلبسين بالظلم وهو الكفر والمعاصي، وما ظلمهم الله أبدًا))(١). ثالثًا: الحرمان من الهداية والفلاح واستحقاق اللعنة. بيّن القرآن أن الظالمين لا يفلحون في الدنيا ولا في الآخرة، ولا تتخلّف سنة الله عنهم، قال تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِى اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَنِهِمْ وَشَهِدُوّاْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَآءَهُمُ الْبَيِّنَتُّ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى اُلْقَّوْمَ اُلََّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٨٦]. ومعنى الآية: أن الله سبحانه لا يرشد للصواب، ويوفق للإيمان قومًا جحدوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بعد تصديقهم إياه، وإقرارهم بما جاء به من عند ربه، وبعد أن أقروا أن محمدًا صلى الله عليه وسلم رسول الله إلى خلقه حقًّا، وجاءهم الحجج من عند الله والدلائل بصحة ذلك، والله لا يوفق للحق والصواب كل الظلمة، الذين بدّلوا الحق إلى الباطل، فاختاروا الكفر على الإيمان(٢). رابعًا: تحريم الطيبات. إن حياة الظالمين تنقلب من السعة والطمأنينة، والأمن إلى الضيق والخوف، والهلع والجزع والقلق، ولم يحدث هذا إلا بسبب ظلمهم، وقد بيّن القرآن الكريم نماذج للاعتبار. ومن ذلك: ما حصل مع اليهود حيث قال تعالى: ﴿فَيُظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَتٍ أُحِلَّتْ لَمْ وَبِصَدِهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِكَثِيرًا ﴿ وَأَخْذِهِمُ الْرِّبَوْ وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَقْوَلَ النَّاسِ بِالْبَطِلِّ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا (١) التفسير المنير ٢٥١/١٤. جَوَبُو حَرَ النَّفْسَيْ القرآن الكريم (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٦/ ٥٧٦. ٣١٨ الظل أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٠ - ١٦١]. والمعنى: أنه بسبب ظلمهم استحقوا وعلم، يعلمون بسنة الله في خلقه، وبأن تحريم طيبات كانت محللة لهم ولمن قبلهم، عقوبة وتربية لهم، لعلهم يرجعون عن ظلمهم، وأبهم الظلم الذي کان سببًا ومن خراب البيوت أيضًا: أن يسلّط الله سبحانه على الظالمين من يظلمهم. في العقوبة ليعلم أن أي نوع فیه یکون سببًا للعقاب في الدنيا قبل الآخرة، والعقاب إما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِ بَعْضَ الظَّالِينَ بَعْضَا بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٩]. دنيوي: كالتكاليف الشاقة زمن التشريع، والجزاء الوارد في الكتب على الجرائم كالحد والتعزير، وما اقتضته السنن التي سنها الله في نظم الاجتماع من كون الظلم سببًا لضعف الأمم وفساد عمرانها، واستيلاء الأمم الأخرى عليها، وعذاب أخروي من العذاب في النار (١). خامسًا: خراب البيوت. إن الله سبحانه يخرّب بيوت الظالمين ودیارهم بسبب ظلمهم. قال تعالى: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَقَّرْنَهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةٌ بِمَا ظَلَمُواْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ [النمل: ٥٠-٥٢]. فبسبب ظلمهم أنفسهم أنزل الله العذاب بهم، فأصبحت مساكنهم خالية، وفي هذا (١) انظر: تفسير المراغي ٦/ ١٧. العقاب عبرة وموعظة لأناسٍ أهل معرفة النتائج مرتبطة بالأسباب، فالويل كل الويل لمن كفر بالله و کذب رسله، ولم يقلع عن طغيانه وعناده وكفره (٢). ومعنى ذلك: أن الله يسلّط بعضهم على بعض، يسلّط ظالمًا على ظالم سابق فيهلكه ويذلّه، وهذا تهديد للظالم إذا لم يمتنع عن ظلمه بأن يسلّط الله عليه ظالمًا آخر، ويدخل في هذه الآية جميع من يظلم نفسه أو يظلم الناس (٣). سادسًا: سقوط دولة الظلم. قصّ القرآن الكريم على الرسول صلى الله عليه وسلم العديد من قصص الأمم السابقة التي خالفت أنبياءها، فظلمتهم وظلمت نفسها، فما كان من الله سبحانه إلا أن انتقم منهم، وأهلكهم بسبب أفعالهم. ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى قال تعالى: نَقُضُّهُ عَلَيْكٌ مِنْهَا قَآَبِهٌ وَحَصِيدٌ ) وَمَا ظَلَمْتَهُمْ وَلَكِنِ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمَّ قَمَآ أَغْنَتْ عَنْهُمْ ءَالِهَتُهُمُ الَّتِى يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِنْ شَىْءٍ (٢) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٣٢٠/١٩. (٣) انظر: المصدر السابق ٤٦/٨. www. modoee.com ٣١٩ حرف الظاء لَّمَّا جَآءَ أَتْهُ رَيْكٌ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَنْبِيبٍ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيِّكَ إِذَا أَخَذَ اَلْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَّةُ إِنَّ أَخْذَهُ وَأَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٠ -١٠٢] ومن النماذج القرآنية التي تدلّل على ذلك: ما حصل لقوم نوح وعادٍ وثمود وقوم لوط وشعيب وفرعون وجنوده، وغير ذلك من النماذج التي بيّنت أن دولة الظلم إلى زوال، وسنعرض لبعض هذه النماذج بشيء من البيان، وهي كما يأتي: قوم نوح عليه السلام. قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا وَقَالُواْ مَجْنُونٌ وَأَزْدُجِرَ ، فَدَهَا رَبَّهُ أَنِ مَغْلُوبٌ فَأَنْتَصِرْ ث فَفَنَحْنَاً أَبْوَبَ السَّمَآِ ◌ِّو مُنْهَِرٍ ﴿ وَفَجَّنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْفَقَى الْعَلَمُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ا وَحَلَتَهُ عَلَى ذَاتِ أَلَّوَجٍ وَدُسُرٍ ( ١٣ تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا جَزَآءُ لِّمَن كَانَ كُفِرَ ( وَلَقَد تَرَّكْتَهَا ءَايَّةٌ فَهَلْ مِن مُّذَّكِرِ﴾ [القمر: ٩- ١٥]. ذکر الله سبحانه حال المكذّبین لرسوله، وأن الآيات لا تنفع فيهم ولا تجدي عنهم شيئًا، ونوح عليه السلام هو أول رسول بعثه الله سبحانه إلى قوم يعبدون الأصنام، فدعاهم إلى توحيد الله سبحانه وعبادته، فلم يزدهم هذا الدعاء إلا عنادًا واستكبارًا، وقدحًا في نبيهم، وانصرفوا عما جاء به، واعتبروه جهلاً وضلالًا لا يصدر إلا عن المجانين، وعنّه قومه وزجروه وآذوه، وهذا حال جميع الرسل مع أقوامهم، فعند ذلك دعا نوح عليه السلام ربه: ﴿أَنِى مَغْلُوبٌ فانتَصِرْ﴾ فأجاب الله سؤاله، وانتصر له من قومه، حيث التقى ماء السماء الذي كان ينزل بشكل خارق للعادة مع الماء المتفجر عيونًا من الأرض، ونجى الله نوحًا عليه السلام ومن آمن معه، ومن حملهم معه من أصناف المخلوقات برعايته سبحانه، ولقد ترك الله سبحانه قصة نوح عليه السلام مع قومه آية، يتذكر بها المتذكرون على أن من عصی الرسل وعاندهم أهلكه الله بعذاب شدید(١). قوم لوط عليه السلام. قال تعالى: ﴿وَلُوطَا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ» إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَحِسَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَلَمِينَ أَبِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَّعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرِّ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ: إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَثْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِّقِينَ ) قَالَ رَبِّ أَنْصُرْنِى عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ وَلَمَّا جَاءَتْ ٣٠ رُسُلُنَآَ إِبْرَهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ إِنَّا مُهْلِكُواْأَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةٌ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَلِمِينَ (٢) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطَأَ قَالُواْ نَحْبُّ أَعْلَمُ بِمَن فِيَهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ، وَأَهْلَهُ إِلَّا أَمْرَأَتَهُ، كَانَتْ مِنَ الْغَبِرِينَ ﴿ وَلَمَّ أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا (١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٨٣٥. ٣٢٠ جَوَسُولَةُ الَفيمـ القرآن الكريم الظلم ◌َّخَفْ وَلَا تَّحْزَنْ إِنَّا مُنَعُوكَ وَأَهْلَكَ إِلََّّ أَمْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَيِنَ ﴿ إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ () وَلَقَد تَرَكْنَا مِنْهَآ ءَايَةٌ بَيْنَةٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٢٨-٣٥]. و کل ذلك لأن ما اجترحوه من السيئات مخالف لمقتضيات الفطرة، فلما جاء عذاب الله سبحانه أمطر عليهم حجارة من طين متحجر، يرسل بعضه إثر بعض، ليرجموا رجم الزناة، وهذا يتناسب مع فعلتهم التي فعلوها، فالجزاء من جنس العمل، وهذه الحجارة يستحقها هؤلاء بسبب ظلمهم ومخالفتهم لفطرة الله التي فطر الناس عليها(١). قصة صالح عليه السلام. قال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَلِحاً (١) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ١٢٥/٥. لُوطًا سِنَّ بِهِمْ وَضَافَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُواْ لَا قَالَ يَقَّوْمِ أَعْبُدُ واْاللَّهُ مَالَكُمْ مِنْ إِلَاءٍ غَيْرُهُ. قَدْ جَاءَتَكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَذِهِ، نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ ءَايَةٌ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِيّ أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذُكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿ وَأَذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِى الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَنَنْحِنُونَ الْجِبَالَ بُوًّاً فَأَذْكُرُواْ بيّن القرآن الكريم ما حصل مع هؤلاء القوم الذين خالفوا السنن الإلهية، فكانوا ٧٤ یأتون الرجال شهوة من دون النساء، فأنکر عليهم نبيهم لوط عليه السلام ذلك موبخًا لهم: أتفعلون تلك الفعلة التي بلغت الغاية في القبح والفحش، ما عملها أحد قبلكم في أي زمان، بل هي من مبتدعاتکم في الفساد، فأنتم فيها أسوة وقدوة فتبوءون بإثمها وإثم من اتبعكم فيها إلى يوم القيامة. ءَالَآءَ اللَّهِ وَلَا نَعْثَوْاْ فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ أُسْتَكْبَرُواْ مِنْ قَوْمِهِ، لِلَّذِينَ أَسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَلِحًا مُرْسَلٌ مِّن رَّيِّدٍ، قَالُواْ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلَ بِهِ، مُؤْمِنُونَ ﴾ قَالَ الَّذِينَ أُسْتَكْبَرُواْ إِنَّا بِالَّذِىّ ءَامَنتُم بِ كَفِرُونَ فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ وَعَنَّوْاْ عَنْ أَمْيِ رَبِّهِمْ وَقَالُواْ يَصَلِحُ أَثْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنْتَ مِنَ اٌلْمُرْسَلِينَ (٣) فَأَخَذَتَهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِى دَارِهِمْ جَدِيثِمِينَ﴾ [الأعراف: ٧٣-٧٨]. أرسل الله سبحانه صالحًا عليه السلام إلى ثمود، ومعه حجة واضحة على صدق نبوته، وهي ناقة الله سبحانه التى خلقها لتكون علامة على صدق رسالة صالح عليه السلام، وهي حجة على قومه إن حفظوها وأطلقوا لها رعیها وسقیاها حفظوا، وإن غدروا بها أهلكوا، ولذا قال: ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلُ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوَّةٍ﴾ أي: بضرب ولا بطرد ولا بشيء من الأذى إكرامًا لآية الله سبحانه، ولو أصابها سوء سيأخذكم عذاب أليم في www. modoee.com ٣٢١ حرف الظاء الدارين، لجرأتكم على آيات الله، فرفضوا الانصياع لصالح عليه السلام، ﴿فَعَقَّرُواْ النَّاقَةَ﴾ أي نحروها، واستكبروا عن امتثال أوامره، وهو عبادته وحده، وعدم مس الناقة بسوء، وزادوا في الاستهزاء، وطلبوا من صالح عليه السلام أن يأتيهم بما وعدهم من العذاب جزاء عقر الناقة، فأخذتهم الصيحة التي يحصل منها الزلزلة الشديدة، فأصبحوا في دارهم جائمين، ساقطين على وجوههم، هامدين لا يتحركون، ميتين بسبب ما فعلوه من قتل الناقة، وهذه الصيحة والزلزلة التي حدثت لهم من آثار الريح المرسلة التي كانت رحمة، فانقلبت عذابًا، وهكذا يكون جزاء الظالمين (١). عاقبة الظلم في الآخرة إن الظلم ينعكس على نفس الظالم، حيث إنه يسبّب له ولأتباعه العديد من العقوبات الأخروية، ومن هذه العقوبات ما يأتي: ١. الكرب والهوان عند سكرات الموت. فقد بيّن الله سبحانه صورة الظالمين، وما یحل بهم عند سكرات الموت من کرب وهوان. قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَىَّ إِ الظَّالِمُونَ فِ غَمَرَتِ الْمُوْتِ وَالْمَلَتَئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيَدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمٌ أَلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ ءَايَيْهِ، تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣]. يقول السعدي: «لما ذم الله الظالمين ذكر ما أعد لهم من العقوبة في حال الاحتضار ويوم القيامة، فقال: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذِ الظَّالِمُونَ فِ غَمَرَتِ الْوَّتِ﴾ أي شدائده وأهواله الفظيعة وكربه الشنيعة لرأيت أمرًا هائلًا، وحالة لا يقدر الواصف أن يصفها ﴿وَالْمَلَتِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي لأولئك الظالمين المحتضرين بالضرب والعذاب، يقولون لهم عند منازعة أرواحهم، وقلقها وتعصيها للخروج من الأبدان ﴿أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمْ أَلْيَوْمَ تُجْزَوّنَ عَذَابَ أَلْهُونِ﴾ (١) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ١٢٥/٥. ٣٢٢ جَوَسُولَةُ النَّقِ القرآن الكريمِ الظلم أي العذاب الشديد الذي یھینکم ویذلکم، والجزاء من جنس العمل))(١). ٢. المهانة والذلة يوم القيامة. قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَّ إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوُفُونَ عِندَ رَبِهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ [سبأ: ٣١]. والمعنى: لو ترى أيها الرسول فظاعة حالهم يوم القيامة، وما هم فيه من مهانة وذلة، يحاور بعضهم بعضًا، ويتلاومون على ما كان بينهم من سوء الأعمال، والسبب الذي أوقعهم في هذا النكال والوبال، لرأيت العجب العاجب، والمنظر المخزي للظالمين وأتباعهم(٢). ٣. العذاب المستمر المقيم بلا انقطاع ولا توقف. وقد تحدث القرآن الكريم عن هذا العذاب في قوله تعالى: ﴿أَلَآ إِنَّ الفَّالِمينَ فِی عَذَابٍ مُّقِيمٍ﴾ [الشورى: ٤٥]. قال السعدي: ((أي في سوائه ووسطه منغمرين لا يخرجون منه أبدًا))(٣). ٤. منع الافتداء من العذاب. وقد بيّن الله سبحانه ذلك بقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ. مَعَدُ لََّ فْتَدَوْ بِهِ، مِن سُوَّهِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَبَدَا (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٢٦٤. (٢) انظر: تفسير المراغي ٨٥/٢٢ (٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٧٦١. لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ وَبَدَا لَهُمْ سَبِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ [الزمر: ٤٧ - ٤٨]. والمعنى: أن هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم لو أن لهم ما في الدنيا من أموالها وزينتها ﴿وَثْلَهُ مَعَهُ﴾ مضاعفًا ليقبل ذلك منهم عوضًا من أنفسهم، لقدوا بذلك كله أنفسهم عوضًا من عذاب الله الذي أعده لهم، ولم يكونوا قبل ذلك يحتسبون أنه أعده لهم (٤). ٥. تمني الرجوع إلى الدنيا من شدة العذاب. قال تعالى: ﴿وَتَرَى القَّْلِمِينَ لَّمَّا رَأَوْ الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَوٍِّ مِّن سَبِيلِ [الشورى: ٤٤]. والمعنى: أن هؤلاء الظالمين لما رأوا منظر العذاب فظيعًا صعبًا شنيعًا أظهروا الندم العظيم، والحزن على ما سلف منهم ﴿يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَوٍّ مِّن سَبِيلٍ﴾ أي: هل لنا من طريق أو حيلة إلى رجوعنا إلى الدنيا، فنعمل غير الذي كنا نعمل، وهذا طلب للأمر المحال الذي لا يمكن حدوثه (٥). ٦. اقتطاع حق المظلوم من الظالم. إن الله سبحانه يقتص للمظلوم من (٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٠٢/٢١. (٥) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٧٦١. www. modoee.com ٣٢٣ حرف الظاء الظالم يوم القيامة، وقد أكد ذلك ما ورد عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلله منها من قبل أن يؤخذ من حسناته، فإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فطرحت عليه)(١) . يقول ابن حجر: ((يقتص للمظلوم من الظالم حتى يأخذ منه بقدر حقه، وهذا متفق عليه))(٢). موضوعات ذات صلة: الاستكبار، الإنصاف، البخس، الطغيان، العدل، العفو (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب القصاص يوم القيامة، رقم ٦٥٣٤، ١١١/٨. (٢) فتح الباري ٨/ ١١١. ٣٢٤ جَوَسُو ◌َرُ النَّبَةِ القُرآن الكَرِيمِ