Indexed OCR Text

Pages 21-32

الظلمات
ظلمة الطبع، وظلمة الجهل، وظلمة الهوى، الرّجل بالسّراج المضيء في الظّلمة.
وظلمة القول، وظلمة العمل، وظلمة
المدخل، وظلمة المخرج، وظلمة القبر،
وظلمة القيامة، وظلمة دار القرار، فالظلمة
لازمة لهم في دورهم الثلاث.
وأتباع الرسل صلوات الله وسلامه
عليهم يتقلّبون في عشرة أنوار، ولهذه الأمة
ونبيها صلى الله عليه وسلم من النور ما ليس
لأمة غيرها، ولنبيّها صلى الله عليه وسلم من
النور ما ليس لنبي غيره»(١).
ثالثًا: اتباع شرع الله و کتابه المنزل:
سمّى سبحانه وتعالى وحيه وأمره الذي
أنزله على رسوله روحًا؛ لما يحصل به من
حياة القلوب والأرواح، وسمّاه نورًا لما
يحصل به من الهدى، واستنارة القلوب
والفرقان بين الحقّ والباطل، قال تعالى:
وَكَذَلِكَ أَوْ حَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَاْ مَاكُنتَ نَّدْرِى
مَا الْكِتَبُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَهُ نُورًّا نَّهْدِیپِ،
مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا ﴾ [الشورى: ٥٢].
وقال جل وعلا: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْبَيْنَهُ
وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ، فِي النَّاسِ كَمَنْ مَّثَلُهُ.
فِ الظُّلُمَتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢].
فأحياه سبحانه وتعالى بروحه الّذي هو
وحیه وهو روح الإيمان والعلم، وجعل له
نورًا يمشي به بين أهل الظّلمة كما يمشي
(١) المصدر السابق ٢/ ٤٣.
وأخبر سبحانه وتعالى أنه أنزل كتابه
على رسوله لغاية ومقصد إخراج البشر
من الضلال والغيّ إلى الهدى والنور، وهو
الإسلام بتوفيق من الله، قال تعالى: ﴿الَرَّ
كِتَبُ أَنْزَلْنَهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ
التُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَّطِ
اَلْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾ [إبراهيم: ١].
أي: بالكتاب، وهو القرآن، أي: بدعائك
إليه، من ظلمات الكفر والضلالة والجهل
إلى نور الإيمان والعلم، وهذا على التّمثيل؛
لأنّ الكفر بمنزلة الظّلمة، والإسلام بمنزلة
النّور، وقيل: من البدعة إلى السّنّة، ومن
الشّكّ إلى اليقين، والمعنى متقاربٌ.
﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ أي: بتوفيقه إيّاهم، ولطفه
بهم، والباء في ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ متعلقة
بـ﴿لِنُخْرِجَ﴾ وأضيف الفعل إلى النّبيّ
صلى الله عليه وسلم لأنّه الدّاعي والمنذر
(٢)
الهادي(٢).
فالمقصد من إنزال الكتاب: إخراج
البشرية من الظلمات، ظلمات الوهم
والخرافة، وظلمات الأوضاع والتقاليد،
وظلمات الحيرة في تيه الأرباب المتفرقة،
وفي اضطراب التصورات والقيم والموازين؛
لتخرج البشرية من هذه الظلمات كلها إلى
النور، النور الذي يكشف هذه الظلمات،
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٩/ ٣٣٨.
www. modoee.com
٣٤٥

حرف الظاء
یکشفها في عالم الضمير، وفي دنیا التفكير،
ثم يكشفها في واقع الحياة والقيم والأوضاع
والتقاليد.
والإيمان بالله نور يشرق في القلب،
فيشرق به هذا الكيان البشري، والإيمان بالله
نور تشرق به النفس، فترى الطريق واضحة
إلى الله، لا يشوبها غبش ولا يحجبها
ضباب، غبش الأوهام، وضباب الخرافات،
أو غبش الشهوات، وضباب الأطماع، ومتى
رأت الطریق سارت على هدی لا تتعثر ولا
تضطرب ولا تتردد ولا تحتار.
والإيمان بالله نور تشرق به الحياة، فإذا
الناس كلهم عباد متساوون، تربط بينهم
آصرتهم في الله، وتتمحض دينونتهم له
دون سواه، فلا ينقسمون إلى عبيد وطغاة،
وتربطهم بالكون كله رابطة المعرفة، معرفة
الناموس المسير لهذا الكون وما فيه ومن
فيه، فإذا هم في سلام مع الكون وما فيه ومن
فيه.
والإيمان بالله نور، نور العدل، ونور
الحرية، ونور المعرفة، ونور الأنس بجوار
الله، والاطمئنان إلى عدله ورحمته وحكمته
في السراء والضراء، ذلك الاطمئنان الذي
يستتبع الصبر في الضراء والشكر في السراء
على نور من إدراك الحكمة في البلاء(١).
وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِة
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٠٨٥/٤.
ءَايَتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِحَكُمْ مِنَ الظُّلُمَنْتِ إِلَى النُّورِّ وَإِنَّ
اَللَّهَ بِكُوْلَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ [الحديد: ٩].
أي: ((حججًا واضحاتٍ، ودلائل
باهراتٍ، وبراهين قاطعاتٍ؛ ليخرجكم من
ظلمات الجهل والكفر والآراء المتضادّة
إلى نور الهدى واليقين والإيمان))(٢).
وقال تعالى: ﴿رَسُولًا يَثْلُواْ عَلَيْكُرْ ءَايَتِ اَللَّهِ
مُبِِّنَتْ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ مِنَ
القُلُمَتِ إِلَى النُّورِّ وَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا
يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِىٍ مِن تَحْتِهَا الأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا أَبْدٌ
قَدْ أَحْسَنَّ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق: ١١].
يعني: من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان،
ومن ظلمة الشّبهة إلى نور الحجّة، ومن
ظلمة الجهل إلى نور العلم(٣).
وعن غاية إرسال موسى عليه السلام
بالآيات، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا
مُوسَى بِثَايَتِنَآ أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ
اُلُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُم بِأَتَِّمِ
اللَّهُّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ
شَكُورِ﴾ [إبراهيم:
عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما: ((من
الضّلالة إلى الهدى)) (٤).
يخبر تعالى أنه أرسل موسى عليه
السلام بآياته العظيمة الدالة على صدق
ما جاء به وصحته، وأمره بما أمر الله به
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٥/٨.
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي ٣٠/ ٥٦٥.
(٤) أخرجه الطبري في تفسيره ١٣/ ٥٩٤.
٣٤٦
مَوَسُورُ النَّقِين
القرآن الكريمِ

الظلمات
رسوله محمدًا صلی الله عليه وسلم،
بل وبما أمر به جميع الرسل قومهم
﴿أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَتِ إِلَى
النُّورِ﴾ أي: ظلمات الجهل والكفر
وفروعه، إلى نور العلم والإيمان وتوابعه(١).
وقد حثّ صلى الله عليه وسلم على
كتاب الله ورغّب فيه، فقال: (أمّا بعد: ألا
أيّها النّاس فإنّما أنا بشرٌ يوشك أن يأتي
رسول ربّي فأجيب، وأنا تارٌ فيكم ثقلين:
أوّلهما کتاب الله فیه الهدی والنّور، فخذوا
بكتاب الله، واستمسكوا به)(٢).
وفي هذا المعنى ورد عن أنس بن مالكٍ
رضي الله عنه: أنّه سمع خطبة عمر رضي
الله عنه الآخرة حين جلس على المنبر،
وذلك الغد من يومٍ توفّي النّبيّ صلى الله
عليه وسلم، فتشهّدَ وأبو بكرٍ رضي الله
عنه صامتٌ لا يتكلّم، قال: ((كنت أرجو أن
یعیش رسول الله صلی الله علیه وسلم حتّی
يدبرنا، - يريد بذلك- أن يكون آخرهم، فإن
یك محمّدٌ صلی الله عليه وسلم قد مات،
فإنّ اللّه تعالى قد جعل بين أظهركم نورًا
تهتدون به، هدى اللّه محمّدًا صلى الله عليه
وسلم)»(٣).
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٤٢١.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل
الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب
رضي الله عنه، ١٨٧٣/٤، رقم ٢٤٠٨.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأحكام،
والمقصود بالنور الذي قال عمر بن
الخطاب رضي الله عنه هو القرآن العظيم؛
لأن فيه الهدى والنور، فمن عمل بما فيه
كان على الصراط المستقيم وعلى الحق
المبين (٤).
باب الاستخلاف ٩/ ٨١، رقم ٧٢١٩.
(٤) انظر: فتح الباري، ابن حجر ٢٠٩/١٣،
إرشاد الساري، القسطلاني ١٥/ ١٨٠.
www. modoee.com
٣٤٧

حرف الظاء
عاقبة البقاء في الظلمات
وضّح القرآن الكريم عاقبة البقاء في
الظلمات؛ ليتجنبها العباد، وسوف نبيّتها
فيما يأتي:
أولًا: تعطيل الطاقات البشرية:
أخبر عز وجل أن الإنسان مسئول
عما استعمل فيه سمعه وبصره وفؤاده،
فإذا استعملها في الخير نال الثواب، وإذا
استعملها في الشر نال العقاب، قال تعالى:
﴿وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَاَلْبَصَرَ
وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ [الإسراء:
٣٦ ].
فالعلوم مستفادة من هذه الحواس، فإنّ
الإنسان إذا سمع شيئًا ورآه فإنّه یرویه ويخبر
عنه، وإلى العلوم التي تعتمد على التفكير
أشار بذكر الفؤاد.
فهذه الكلمات القليلة -في الآيات- تقيم
منهجًا كاملًا للقلب والعقل، يشمل المنهج
العلمي الذي عرفته البشرية حديثًا جدًّا،
ويضيف إليه استقامة القلب، ومراقبة الله،
ميزة الإسلام على المناهج العقلية الجافة!
فالتثبت من كل خبر، ومن كل ظاهرة،
ومن كل حركة قبل الحكم عليها هو دعوة
القرآن الكريم، ومنهج الإسلام الدقيق،
ومتى استقام القلب والعقل على هذا
المنهج لم يبق مجال للوهم والخرافة في
عالم العقيدة، ولم يبق مجال للظن والشبهة
في عالم الحكم والقضاء والتعامل، ولم يبق
مجال للأحكام السطحية والفروض الوهمية
في عالم البحوث والتجارب والعلوم(١).
لكن يوجد صنف من الناس عطّلوا هذه
الحواس التي تستعمل في اقتباس العلوم
النافعة، فأصبحوا كأنهم كائنات ميّتة، وإن
بدت حيّة في صورة الأحياء، وأظلمت
قلوبهم وعقولهم.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَِنَا صُدُّ
وَبُّكُمّ فِ اُلُّلُمَتِ مَن يَشٍَ اللّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ
يَجْعَلَهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [الأنعام: ٣٩].
أي: مثلهم في جهلهم، وقلّة علمهم،
وعدم فهمهم كمثل أصمّ، وهو الّذي لا
يسمع، أبكم وهو الّذي لا يتكلّم، وهو مع
هذا في ظلمات لا يبصر، فالآية ((استعارةٌ
عن عدم الانتفاع الذّهنيّ بهذه الحواسّ))(٢).
إن الذين كذّبوا بآيات الله هذه المبثوثة
في صفحات الوجود، وآياته الأخرى
المسجلة في صفحات هذا القرآن إنما كذّبوا
لأن أجهزة الاستقبال فيهم معطّلة، إنهم صم
لا يسمعون، بكم لا يتكلمون، غارقون في
الظلمات لا يبصرون!
إنهم كذلك لا من ناحية التكوين
الجثماني المادي، فإن لهم عيونًا وآذانًا
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٢٢٧/٤.
(٢) البحر المحيط، أبو حيان ٤/ ٥٠٥.
٣٤٨
جَوسوبر
القرآن الكريم

الظلمات
وأفواهًا، ولكن إدراكهم معطل، فكأنما هذه ثانيًا: عدم الإفادة من المدّخرات
الكونية:
الحواس لا تستقبل ولا تنقل!
وإنه لكذلك فهذه الآيات تحمل في ذاتها
فاعليتها وإيقاعها وتأثيرها لو أنها استقبلت
وتلقاها الإدراك!
وما يعرض عنها معرض إلا وقد فسدت
فطرته، فلم يعد صالحًا لحياة الهدى،
ولم يعد أهلًا لذلك المستوى الراقي من
الحياة(١).
إن ترقي الحياة يحتاج ابداعات
وانطلاقات أصحاب العقول النيرة والفطر
السليمة؛ لكي يوظّفوها في صناعة الحياة،
صناعة تعود بالمخلوق الضعيف إلى
الخالق العظيم، صناعة تترقى بحواس
الإنسان، وترقّي هي حواس الإنسان، أما
إذا كانت حواس الإدراك معطّلة فقد تعطلت
الطاقات التي أودعها الله فيها، والقدرات
التي وهبها الله إياها، وعاش الناس في
ظلمات منغمسين فيها، فلا تجد تطورًا في
الطب ينقذ الإنسان من أمراض فتاكة، ولا
تجد تطورًا في اقتصاد ينقذ الإنسان من
جوع قاتل، ولا تجد تطورًا في الحياة يحفظ
إنسانية الإنسان المكرّم عند خالقه سبحانه.
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢/ ١٠٨١.
إن الله أودع في الكون مدّخرات مسخّرة
للإنسان بقدرته و تدبيره، فيها عبرة لمن ينظر
إليها بالقلب المفتوح، والحس البصير،
ويتدبر ما وراءها من حكمة ومن تقدير،
ومن منافع للناس لمن كان له قلب أو ألقى
السمع وهو شهيد، وقد كثر ورود لفظ سخّر
في القرآن؛ لينتبه لها الإنسان وليتفكر فيها؛
فيعود بعد التفكر والتدبر؛ ليقول بقلبه قبل
لسانه: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا سُبْحَنَكَ
فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١].
ثم يوظّف هذه المدخرات في مصالح
العباد.
ففي تسخير الفلك لتسير في البحر بأمره
عز وجل؛ لمنافعکم أيها الناس، وذلّل لكم
الأنهار؛ لسقیاکم، وسقیا دوابکم وزروعکم
وسائر منافعكم.
قال تعالى: ﴿اَللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ
وَاْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءٍ فَأَخْرَجَ
بِهِ، مِنَ الثَّمَرَتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ
اَلْفُلْكَ لِتَجْرِئَ فِ اٌلْبَحْرِ بِأَمْرُِّ وَسَخَّرَ لَكُمُ
اَلْأَنْهَرَ﴾ [إبراهيم: ٣٢].
وفي تسخير الشمس والقمر والليل
والنهار؛ لتتحقق المصالح بهما، وذلّل لكم
الليل؛ لتسكنوا فيه وتستريحوا، والنهار؛
لتبتغوا من فضله، وتدبّروا معایشکم.
www. modoee.com
٣٤٩

حرف الظاء
قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَاَلْقَمَرَ
دَابِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمْ أَلَيْلَ وَالنَّهَارَ ﴾ [إبراهيم:
٣٣].
وفي تسخير البحر؛ لتأكلوا مما تصطادون
من سمكه لحمًا طريًا، وتستخرجوا منه زينة
تلبسونها كاللؤلؤ والمرجان، وترى السفن
العظيمة تشق وجه الماء تذهب وتجيء،
وتركبونها لتطلبوا رزق الله بالتجارة والربح
فيها.
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى سَخَّرَ الْبَحْرَ
لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًا وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ
حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ
فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِنْ فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ
تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٤].
وهذا التسخير لغاية ذكر نعمه، وحمده
عليها.
قال تعالى: ﴿لِتَسْتَوُاْ عَى ظُهُورِهِ، ثُمَّ تَذْكُرُواْ
نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا أَسْتَوَيَّتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُواْ سُبْحَنَ
أَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ، مُقْرِنِينَ﴾
[الزخرف: ١٣].
ثالثًا: عدم استواء الأعمى والبصير، ولا
الظلمات والنور في الفطر السليمة:
فهل يستوي البصير الذي يرى بالنور
الذي ألهمه الله إياه، فتكشفت له حكمة ربه
في المدّخرات الكونية، واستعملها في منافع
الخلق، كمن في الجهل منغمس فيه؟
قال تعالى: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ
قُلِ اَللَّهَ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم ◌ِن دُونِةٍ أَوْلِيَّءَ لَا يَمْلِكُونَ
لِأَفْسِ نَفْعًا وَلَا ضَرَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الْأَعْمَى
وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِى الْقُلْمَتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ
لِلَّهِ شُرََّ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ، فَتَشَبَهَ اٌلْخَلَقُّ عَلَيْهِمَّ قُلِ اللَّهُ
خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ الْوَحِدُ اَلْقَهَّرُ﴾ [الرعد: ١٦].
(يقول تعالى ذكره: وهل تستوي
الظّلمات الّتي لا ترى فيها المحجّة فتسلك،
ولا يرى فيها السّبيل فيركب، والنّور الّذي
يبصر به الأشياء ويجلو ضوءه الظّلام؟
يقول: إنّ هذين لا شكّ لغير مستويين،
فكذلك الكفر باللّه، إنّما صاحبه منه في
حيرةٍ یضرب أبدًا في غمرةٍ لا يرجع منه إلى
حقيقةٍ، والإيمان بالله صاحبه منه في ضياء
يعمل على علم بربّه، ومعرفةٍ منه بأنّ له
مثیًا یثیبه على إحسانه، ومعاقبًا يعاقبه على
إساءته، ورازقًا يرزقه، ونافعًا ينفعه))(١).
وبنظرة فاحصة لحال الغرب الذين اتّجهوا
إلى تحصيل المعارف عن الكون والإنسان
فاستكشفوا الأرض وباطنها، والفضاء
وأرجاءه، والبحار وأعماقها، ووقفوا على
سنن التسخير والقوانين التي أودعها الله
في الطبيعة، وبرّزوا في الرياضيات والفيزياء
والكيمياء والفلك والطبّ والهندسة
وغيرها، وفجّروا الذرّة، وغاصوا في أسرار
الخلايا والجينات، ودرسوا خبايا جسم
(١) جامع البيان، الطبري ١٣/ ٤٩٤.
٣٥٠
ـَالنَّسَةْ
جويـ
القرآن الكريمِ

الظلمات
الإنسان وخفاياه، ووسّعوا نطاق العلوم
الإنسانية والاجتماعية، وأحدثوا اكتشافات
واختراعات مذهلة بهرت العقول، وغيّرت
مجرى حياة البشر في جميع الميادين، ولا وحي ولا نبوّة، وذلك هو الاستغناء
الممقوت الذي لا يفسد العلاقة بالله
لكن نتج عن هذا التفوّق العلمي مشكلتان
أساسيتان:
فحسب، بل يلقي بظلاله على البشريّة في
هذه الحياة، فالغرب أبدع في المادیات،
الأولى: استخدام هذا العلم فيما يهلك
الإنسان والبشرية والحياة، كالأسلحة
الفتّاكة والتصرّف الجنوني في الخلايا
والجینات لتغییر خلق الله، فنتج عن ذلك
أمراض غريبة كجنون البقر، وانفلونزا
الطيور، وانفلونزا الخنازير، تنذر بالمزيد
ممّا يهدّد النوع البشري والكون كلّه.
وأفلس في الروحيات، وعظّم من شأن
العقل، وأهمل القلب، واعتنى بجسم
الإنسان طبيًّا ورياضيًّا ومعيشيًّا وجماليًّا إلى
حدّ الإسراف، وأهال التراب علی الروح، بل
ازدراها وقلّل من شأنها، ووضعها في خانة
الأوهام، فجلب الشقاء لنفسه وكان قدوةً
سيئةً للبلدان والشعوب، وقد أضحت بلاد
الثانية: الغرور والغطرسة، حتى توهم
بعض هؤلاء أنه مستقل بنفسه غير محتاج
إلی الله سبحانه وتعالى، أو إلی دین يقوده
ویو جهه.
الازدهار هي مرتع الانتحار، وانتشرت هناك
العيادات النفسية، وتكاثرت بشكل عجيب
عساها تخلّص الإنسان من نفسه بعد سيطرة
الأمراض النفسية والقلق والاضطرابات
إنّ الغرب ينطبق عليه قول الله تعالى:
﴿كَلَّ إِنَّ الْإِنسَنَ لَطْفَ ١) أَنْ رََّاءُ أُسْتَغْىَ﴾ [العلق:
٦-٧].
والانھیارات العصبيّة علیه رغم علمه وثرائه،
ورغد عيشه.
فهو شدید الافتخار والاغترار بإنجازاته،
وهي إنجازات لا ينكرها أحد، ولا یکابر
فيها، بل امتدّ نفعها إلى البشريّة كلّها، لكن
المشكلة تكمن في غرور الغربيّين بذلك
حتّى أنساهم خالقهم وحدود آدميتهم،
ومال بهم إلى الاستخفاف بالله والدين
والغيب؛ لاعتقادهم أنّ العلم الّذي يمتلكون
ناصيته يغنيهم عن كلّ ذلك؛ لأنّه -في
نظرهم- يجيب عن كلّ الأسئلة، ويحلّ
جميع المشكلات، فلا يترك موضعًا لدین
قال سيّد قطب رحمه الله: ((العلم -بغير
إيمان- فتنة، فتنة تعمي وتطغي؛ ذلك أن هذا
اللون من العلم الظاهريّ يوحي بالغرور؛
إذ يحسب صاحبه أنه يتحكّم بعلمه هذا
في قوى ضخمة، ويملك مقدّرات عظيمةً،
فیتجاوز بنفسه قدرها ومكانها!
وينسى الآماد الهائلة التي يجهلها، وهي
www. modoee.com
٣٥١

حرف الظاء
موجودة في هذا الكون، ولا سلطان له لتحوّلت من فورها إلى عبادة الخالق هذا
الكون وصلاة، ولاستقامت الحياة -بهذه
العلوم- واتجهت إلى الله.
عليها، بل لا إحاطة له بها، بل لا معرفة له
بغير أطرافها القريبة؛ وبذلك ينتفخ فيأخذ
أکثر من حقيقته، ويستخفّه علمه، وینسی
جھلہ، ولو قاس ما یجھل إلی ما یعلم، وما
يقدر عليه في هذا الكون إلى ما يعجز حتّى والحقيقة الأزلية الأبدية، ومن هنا يتحول
عن إدراك سّه لطامن من کبریائه، وخفّف
من فرحه الذي يستخفّه))(١).
ونحن لا ننكر وجود علماء قادتهم
المعرفة إلى الإيمان؛ لاتصافهم بالتجرّد
والتواضع، لكنّهم قلّة نوعية، بينما تتمادى
الأغلبية في خطّ عام ينحو منحى الغرور
والاستغناء: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِ الْأَرْضِ فَتَكُونَ
لَكُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَّ أَوْ ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِّ
فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَرُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُالَّىفِ
الصُّدُورِ﴾ [الحجّ: ٤٦].
إنّ الحلّ يكمن في بديل تنتجه الأمّة
الشاهدة یعید للعلم وجهه الحقيقي، يسير
بمعيّة الإيمان، فيكتسب التواضع والخشوع؛
لينفع ولا يضرّ، ويوفّر سعادة الدنيا والآخرة
معًا.
قال سيد قطب رحمه الله: ((ولو اتصلت
العلوم الكونية التي تبحث في تصميم
الكون، وفي نواميسه وسننه، وفي قواه
ومدخراته، وفي أسراره وطاقاته بتذكر خالق
هذا الكون وذكره، والشعور بجلاله وفضله؛
(١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٣١٠١/٥.
جَوَسُولَرُ النَّقِين
القرآن الكريم
ولكن الاتجاه المادي الكافر يقطع ما بين
الكون وخالقه، ويقطع ما بين العلوم الكونية
العلم -أجمل هبة من الله للإنسان- لعنة
تطارد الإنسان، وتحيل حياته إلى جحيم
منكرة، وإلى حياة قلقة مهددة، وإلى خواء
روحي يطارد الإنسان کالمارد الجبار!
إن الذين يكتفون بظاهر من الحياة الدنيا،
ويصلون إلى أسرار بعض القوى الكونية
بدون الاتصال بخالق الكون يدمّرون الحياة،
ويدمّرون أنفسهم بما يصلون إليه من هذه
الأسرار، ویحوّلون حیاتھم إلی جحیم نكد،
وإلی قلق خانق، ثم ينتهون إلى غضب الله
وعذابه في نهاية المطاف»(٢).
رابعًا: التخلف عن ركب الحضارة:
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ»
ءَايَتٍ بَيْنَاتٍ لِيُخْرِحَكُمْ مِنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِّ وَإِنَّ
اللَّهَ بِكُوْلَرَهُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ [الحديد: ٩].
فمن أراد الانتفاع بعقله فيما ينفعه وينفع
الخلق فعليه بالتأمل والتفكر في آيات الله
المسطورة في كتابه، وآيات الله المبثوثة في
كونه فهما مفتاحا التحضر في الدنيا والسعادة
(٢) في ظلال القرآن ١/ ٥٤٥.
٣٥٢

الظلمات
في الآخرة؛ لأن ظلمات العقل وفساده أكثر من الذّكاء والعلم، وبما تدرّجوا في سلّم
الحضارة، واقتباس بعضهم من بعضٍ إلى
اختراعها، فهي بذلك مخلوقةٌ للّه تعالى؛
لأنّ الكلّ من نعمته(٣).
خطورة على الحضارة من الأمراض المعدية
التي قصر علماء الصحة والأطباء اهتمامهم
علیها حتى الآن.
فإذا قرأ أو استمع ثم تفكر في قوله تعالى:
﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءُ وَالْقَمَرَ نُورًا
وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِيَعْلَمُواْ عَدَدَ اُلْسِنِينَ وَالْحِسَابَ
مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآَيَتِ لِقَوْمِ
يَعْلَمُونَ ﴾ [يونس: ٥].
علم أنه من معرفة اللّيالي تعرف الأشهر،
ومن معرفة الأشهر تعرف السّنة، وفي ذلك
رفقُ بالنّاس في ضبط أمورهم وأسفارهم
ومعاملات أموالهم وهو أصل الحضارة،
وفي هذه الآية إشارةٌ إلى أنّ معرّفة ضبط
التّاريخ نعمةٌ أنعم الله بها على البشر(١).
وإذا قرأ أو استمع ثم تفكر في قوله تعالى:
وَالْخَيَّلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِّكَبُوهَا وَزِينَةٌ
وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨].
علم أن ذلك من معجزات القرآن الغيبيّة
العلميّة، وأنّها إيماءٌ إلى أنّ اللّه سيلهم البشر
اختراع مراکب مي أجدی علیھم من الخيل
والبغال والحمير (٢).
ويعلم أيضًا أن اللّه ألهم النّاس
لاختراعها، فهو سبحانه وتعالى الّذي ألهم
المخترعين من البشر بما فطرهم عليه
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١١/ ٩٦.
(٢) المصدر السابق ١٤/ ١١١.
وإذا قرأ أو استمع ثم تفكر في قوله
تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ يُوتِكُمْ سَكَناً
وَجَعَلَ لَكُ مِّن جُلُودِ آلْأَنْعَمِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُونَهَا
يَوْمَ طَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا
وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثْئًا وَمَتَنِعًا إِلَى حِينٍ﴾
[النحل: ٨٠].
علم نعمة الإلهام إلى اتّخاذ المساكن،
وذلك أصل حفظ النّوع من غوائل حوادث
الجوّ من شدّة بردٍ أو حرِّ، ومن غوائل
السّباع والهوام، وهي أيضًا أصل الحضارة
والتّمدّن؛ لأنّ البلدان ومنازل القبائل تتقوّم
من اجتماع البيوت، وأيضًا تتقوّم من مجتمع
الحلل والخيام (٤).
وإذا قرأ أو استمع ثم تفكر في قصة داود
علیه السلام اعتبر بما بلغ إلیه ملكه من عظمة
الحضارة، وحفظ الله لملکه؛ لأنه کان کثیر
الرجوع إلى ما يرضي الله، قال تعالى:
وَلَقَدْ ءَانَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً يَجِبَالُ أَوِّبِى مَعَهُ.
وَاُلْقَلَيْرٌ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ [سبأ: ١٠].
وإذا قرأ أو استمع ثم تفكر في قصة سبأ
اعتبر بما بلغ ملكها من عظمة الحضارة،
(٣) انظر: المصدر السابق.
(٤) المصدر السابق ١٤/ ٢٣٧.
www. modoee.com
٣٥٣

حرف الظاء
لكنها عوقبت بزوالها؛ لأنهم كفروا نعمة إلى الكمال الإنساني الذي قدره الله لهم
متعبّد لله بأجل العبادات؛ لأن الله أثنى على
الله عليهم، فمن لم يشكر النّعم فقد تعرّض
لزوالها، ومن شکرها فقد قیّدها بعقالها.
أصحاب العقول النيرة، والفطر المستقيمة
في كتابه في أكثر من ستة عشر موضعًا، تارة
بأولي الألباب.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَلٍ فِ مَسْكَنِهِمْ
ءَايَّةٌ جَنَّتَانِ عَن يَبِينٍ وَشِمَالِ كُلُواْ مِنْ رِزْقِ
رَبِّكُمْ وَأَشْكُرُوا لَهُ، بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبُّ غَفُورٌ
٥ فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَيَدَّلْنَهُمْ
بِحَنَّهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَقْلٍ وَشَقْعٍ
مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ ﴿ ذَلِكَ جَزَيْنَهُم بِمَا كَفَرُواْ
٠١٧ ٢٠١
وَهَلْ تُّجَرِيٌ إِلَّ اَلْكَفُورَ (٢) وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ
الْقُرَى الَّتِ بَرَكْنَا فِيهَا قُرَى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا
فِيَهَا السَّيْرِّ سِيْرُواْ فِيَهَا لَيَالِىَ وَأَيَّامًا ءَامِنِينَ
فَقَالُواْ رَبَّنَا بَعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا
١٨
أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَهُمْ كُلَّ مُمَزَّقِّ
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَتِ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [سبأ:
١٥-١٩].
فقد أتم الله عليهم النعمة بتوطيد أسس
الحضارة باقتراب المدن، وتيسير الأسفار،
فلمّا تمّت النّعمة بطروها، فحلّت بهم
أسباب سلبها عز وجل عنهم.
ومن ذلك يتضح أن الظلمات تسد منافذ
التفكر والتأمل في العقول، فلا يعترف
الباحث في مدخرات الكون بالخالق،
فیحرم إلهامه له بما ينفعه وينفع الخلق.
وهو عند إيمانه بالله وخروجه من
الظلمات الكثيفة يلهمه الله الابتكارات
والاختراعات النافعة للبشر؛ لترتقي بحياتهم
قال تعالى: ﴿إِنَّ فِىِ خَلْقِ السَّمَوَتِ
وَاْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَيَتٍ لِأُوْلِى
الْأَلْبَبِ﴾ [آل عمران: ١٩٠].
وتارة بأولي النهى، قال تعالى: ﴿كُلُواْ
وَأَرْعَوْاْ أَنْعَمَكُمْ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَأَتٍ لِأُوْلِ النُّعَى﴾
[طه: ٥٤].
وتارة بذي حجر، قال تعالى: ﴿مڵفِی
ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِىِحِجْرٍ﴾ [الفجر: ٥].
خامسًا: التعاسة في الحياة الدنيا:
قال تعالى: ﴿ قَالَ أَهْيِطَا مِنْهَا جَمِيعًاً
بَعْضُكُمْ لِبَعْضِ عَدُوٌ فَإِمَّا يَأْنِيَنَّكُم مِّنِى
هُدِّى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاءَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى
وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ, مَعِيشَةً
ضَنكًا وَغَحْشُرُهُ, يَوْمَ الْقِيَمَةِ أَعْمَى ﴾ قَالَ
رَبِّ لِمَ حَشَرْتَفِّ أَعْمَى وَقَدْكُنْتُ بَصِيرًا ﴾ قَالَ
كَذَلِكَ أَنْتْكَ ءَايَتُنَا فَنَسِينَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ نُنسَى﴾ [طه:
١٢٣- ١٢٦].
قال ابن القيم رحمه الله: ((وفسّرت
المعيشة الضّنك بعذاب القبر، والصحيح
أنّها في الدّنيا وفي البرزخ، فإنّ من أعرض
عن ذكره الّذي أنزله، فله من ضيق الصّدر،
٣٥٤
جوبيع
القرآن الكريمِ

الظلمات
ونكد العيش، وكثرة الخوف، وشدّة الفردوس المفقود، حتى يتوب إليه في اليوم
الموعود)» (٣).
الحرص والتّعب على الدّنيا، والتّحسّر
علی فواتها قبل حصولها وبعد حصولها،
والآلام الّتي في خلال ذلك ما لا يشعر به
القلب؛ لسكرته، وانغماسه في السّکر، فهو
لا يصحو ساعةً إلّا أحسّ وشعر بهذا الألم،
فبادر إلى إزالته بسكرٍ ثانٍ، فهو هكذا مدّة
حياته، وأيّ عيشةٍ أضيق من هذه لو كان
للقلب شعور؟)»(١).
فمن اتبع هدی الله «فهو في أمان من
الضلال والشقاء، والشقاء ثمرة الضلال،
ولو كان صاحبه غارقًا في المتاع، فهذا
المتاع ذاته شقوة، شقوة في الدنيا وشقوة
في الآخرة، وما من متاع حرام إلا وله غصة
تعقبه، وعقابيل (٢) تتبعه، وما يضل الإنسان
عن هدى الله إلا ويتخبط في القلق والحيرة
والتكفؤ والاندفاع من طرف إلى طرف، لا
يستقر ولا يتوازن في خطاه، والشقاء قرين
التخبط، ولو كان في المرتع الممرع!
ثم الشقوة الكبرى في دار البقاء، ومن
اتبع هدى الله فهو في نجوة من الضلال
والشقاء في الأرض، وفي ذلك عوض عن
(١) مدارج السالكين ١/ ٤٢٣.
(٢) يقال العقبول، والجمع عقابيل، وهو باقي
المرض في الجسم، يقال: بفلان عقابيل من
مرضه إذا كانت به بقيّة منه.
انظر: جمهرة اللغة، ابن دريد ١١٢٧/٢، تاج
العروس، الزبيدي ٤٢١/٣.
سادسًا: العذاب في الحياة الآخرة:
أخبر سبحانه عن مصير من أعرض
عن النور الذي أنزله على رسوله صلى
الله عليه وسلم أن له عذاب البرزخ الذي
هو أول منازل الآخرة، وعذاب دار البوار
في الآخرة، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ
ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ، مَعِيشَةً ضَنكاً وَغَحْشُرُهُ يَوْمَ
اَلْقِيَمَةِ أَعْمَى ) قَالَ رَبٍ لِمَ حَشَرْتَفِّ أَعْمَيَ
وَقَدَّكُنْتُ بَصِيرًا (٥) قَالَ كَذَلِكَ أَنْتَكَ ءَاَلْتُنَا فَنَسِينَهَا
وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ نُنسَى﴾ [طه: ١٢٤ -١٢٦].
أي: تترك في العذاب كما تركت العمل
بآياتنا.
ونظيره قوله تعالی في حق آل فرعون:
﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ فهذا
في البرزخ ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْسِلُواْ ءَالَ
فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦].
فهذا في القيامة الكبرى، ونظيره قوله
تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِ الظَّالِمُونَ فِ غَمَرَتِ
اْلَوْتِ وَالْمَلَتِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ
أَنفُسَكُمْ أَلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا
كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ ءَايَتِهِ،
تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣].
فقول الملائكة: ﴿أَلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ
(٣) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٣٥٥/٤.
www. modoee.com
٣٥٥

حرف الظاء
اُلْهُونِ﴾ المراد به: عذاب البرزخ الّذي أوله الجسر)(١).
يوم القبض والموت، ونظيره قوله تعالى:
﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلَتِكَةُ
يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَرَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ
اُلْحَرِيقِ﴾ [الأنفال: ٥٠].
فهذه الإذاقة هي في البرزخ وأولها حين
الوفاة.
فهذا مصیر من أعرض عن نور الله إلى
ظلمات الضلال.
وروى مسلم بسنده عن ثوبان مولى
رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
کنت قائمًا عند رسول الله صلى الله عليه
وسلم، فجاء حبرٌ من أحبار اليهود فقال:
السّلام عليك يا محمّد، فدفعته دفعةً كاد
يصرع منها، فقال: لم تدفعني؟ فقلت: ألا
تقول: يا رسول الله، فقال اليهوديّ: إنما
ندعوه باسمه الّذي سمّاه به أهله، فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنّ اسمي
محمّدٌ الّذي سمّاني به أهلي) فقال اليهوديّ:
جئت أسألك، فقال له رسول الله صلى الله
عليه وسلم: (أينفعك شيءٌ إن حدّثتك؟)
قال: أسمع بأذنيّ، فنکت رسول الله صلى
الله عليه وسلم بعودٍ معه، فقال: (سل)، فقال
اليهوديّ: أين يكون النّاس یوم تبدّل الأرض
غير الأرض والسّماوات؟ فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: (هم في الظّلمة دون
وعن جابر بن عبد الله رضي الله
عنهما أن رسول الله صلی الله عليه وسلم
قال: (اتقوا الظلم، فإنّ الظلم ظلمات يوم
القيامة)(٢).
ظاهر الحديث: ((أن الظالم يعاقب
يوم القيامة بأن يكون في ظلمات متوالية،
يوم يكون المؤمنون في نور يسعى بين
أيديهم وبأيمانهم، حين يقول المنافقون
والمنافقات للذين آمنوا: ﴿أَنْظُرُونَا نَقْنَيِسْ مِن
﴾ [الحديد: ١٣].
فيقال لهم: ﴿أَرْجِعُواْ وَرَآءَ كُمْ فَالْتَمِسُواْ نُورًا
(٣)
[الحديد: ١٣]))(٣).
موضوعات ذات صلة:
الکفر، اللیل، النور
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحيض،
باب صفة مني الرجل والمرأة وأن الولد
مخلوق من مائهما، ١/ ٢٥٢، رقم٣١٥.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر
والصلة، باب تحريم الظلم، ٤ /١٩٩٦، رقم
٢٥٧٨.
(٣) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم،
أبو العباس القرطبي ٦/ ٥٥٦.
٣٥٦
◌َالنَّفَ
جوبي
القرآن الكريم