Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
الظُّلمَاتْ
عناصر الموضوع
مفهوم الظلمات
٣٢٦
الظلمات في الاستعمال القرآني
٣٢٧
الألفاظ ذات الصلة
٣٢٨
٣٣٠
أنواع الظلمات
٣٣٨
وسائل النجاة من الظلمات الحسية
٣٤١
وسائل النجاة من الظلمات المعنوية
٣٤٨
عاقبة البقاء في الظلمات
المُجَلَدُ الثَانِى وَالعُشْرُونْ

حرف الظاء
مفهوم الظلمات
أولًا: المعنى اللغوي:
ظلم: الظّاء واللّام والميم أصلان صحيحان، أحدهما: خلاف الضّياء والنّور، والآخر-
وضع الشّيء غير موضعه تعدّيًا، فالأول: الظّلمة، والجمع ظلماتٌ، والظّلام: اسم الظّلمة،
وقد أظلم المكان إظلامًا، والأصل الآخر: ظلمه يظلمه ظلمًا، والأصل الثاني: وضع الشّيء
في غير موضعه.
والظّلمة: ضدّ النّور، وضمّ اللّام لغةٌ، وجمع الظّلمة: ظُلَمٌ وظُلْماتٌ وظُلَماتٌ وظُلُماتٌ،
بضمّ اللّام وفتحها وسكونها، وقد (أظلم) اللّيل، والظّلماء: الظّلمة، وربّما وصف بها، يقال:
ليلةٌ ظلماء، أي: مظلمةٌ، وأظلم القوم دخلوا في الظّلام(١).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
قال الجرجاني: ((الظلمة: عدم الضوء فيما من شأنه أن يكون مضيئًا))(٢)، والظلمة هي: ((ما
يظلم عليك من الأفق، أو المكان، أو الأمر))(٣).
وبالتأمل يلحظ أنه يوجد تلازم وصلة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي.
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤٦٨/٣، مختار الصحاح، الرازي١/ ١٩٧.
(٢) التعريفات ص ١٤٤.
(٣) تفسير غريب القرآن، كاملة الكواري ص٤٥٧.
٣٢٦
جوية
القرآن الكريمِ

الظلمات
الظّلمات في الاستعمال القرآني
وردت مادة (ظلم) في القرآن على صيغ متعددة، بلغت(٣١٥) مرة، يخص موضوع
البحث منها (٢٦) مرة (١).
والصيغ التي وردت عليها هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
١
[البقرة: ٢٠]
اسم الفاعل
٢
﴿كَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ الَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ [ يونس: ٢٧]
١٧
الجمع
٢٣
﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِثُورِهِمْ وَتَرَّكَّهُمْ فِي نُظُلُمَتٍ لَا يُبْصِرُونَ
[البقرة: ١٧]
وجاءت الظّلمات في الاستعمال القرآني على أربعة أوجه(٢):
الأول: أهوال البر والبحر، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلّ مَن يُنَجِّيَكُم مِّنْ ظُلَُّتِ الْبَرِّ وَاَلْبَحِْ﴾
[الأنعام: ٦٣]. يعني: أهوال البرّ والبحر.
الثاني: الظّلمات المعروفة، وهي ضد النور، ومنه قوله تعالى: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ
خَلْقَاًمِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِ ظُلُمَاتٍ ثَلَثٍ﴾ [الزمر: ٦]. يعني: ظلمة البطن والرّحم والمشيمة.
الثالث: الشرك، ومنه قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِىُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِّ﴾
[البقرة: ٢٥٧]. يعني: من الشرك إلى الإيمان.
الرابع: الليل، ومنه قوله تعالى: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَاْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَتِ
وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١]. يعني: جعل الليل والنهار.
(١) انظر: المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلعوم، ص٧٢٩ -٧٣٥.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص ٣٧٢، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي، ص٤٢٣-٤٢٤.
www. modoee.com
٣٢٧
﴿كُلِّمَا أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾

حرف الظاء
الألفاظ ذات الصلة
النور:
١
النور لغةً:
قال ابن فارس: ((النون والواو والراء أصلٌ صحيح يدلّ على إضاءةٍ واضطراب وقلّة
ثبات، منه النور والنار، سمّيا بذلك من طريقة الإضاءة، ولأنّ ذلك يكون مضطربًا سريع
الحركة))(١).
النور اصطلاحًا:
قال الراغب: ((النّور: الضّوء المنتشر الذي يعين على الإبصار))(٢).
الصلة بين النور والظلمات:
هما ضدان فلا يجتمعان، فالنور ضوء يعين على رؤية الأشياء، والظلمة لیس فیھا کذلك،
كما أن النور واحد لا يتعدد، والظلمات كثيرة ومتعددة.
الضياء:
٢
الضياء لغةً:
هو جمع ضوء كسوط وسياط، أو مصدر ضاء ضياءً كقام قيامًا، والضَّوء والضُّوء بالضّمّ،
وضاءت النّار تضوء ضوءًا وضُوءًا، وأضاءت غيرها، فالفعل يكون لازمًا ومتعديًا (٣).
الضياء اصطلاحًا:
هو: ((اسم لهذه الكيفيّة إذا كانت كاملة تامّة قويّة))(٤)، وقال الراغب: ((الضّوء: ما انتشر من
الأجسام النّرة)) (٥).
الصلة بين الضياء والظلمات:
هما ضدان فلا يجتمعان، فالضياء شدة الإنارة، والظلمات شدة العتمة.
(١) مقاييس اللغة ٢٩٤/٥.
(٢) المفردات ص ٨٢٧.
(٣) انظر: مختار الصحاح، الرازي ص١٨٦.
(٤) الكليات ، الكفوي ص٥٧٨.
(٥) المفردات ص ٥١٤.
٣٢٨
جومبو
القرآن الكريم

الظلمات
الليل:
٣
الليل لغةً:
هو ضدّ النّهار وخلافه (١)، وهو الظلام الذي يحلّ فيه(٢)، وتبتدئ فترته الزّمنيّة من غروب
الشمس إلى طلوعها.
الليل اصطلاحًا:
هو ((من مغرب الشمس إلى طلوع الفجر الصادق)) (٣).
الصلة بين الليل والظلمات:
هناك علاقة اقتران بين الظلمة والليل، فالظلام مقترن بالليل، كالضياء مقترن بالنهار.
(١) تهذيب اللغة، الأزهري، ٣١٨/١٥، مقاييس اللغة، ابن فارس، ٢٢٥/٥، لسان العرب، ابن منظور،
١٧٨/٨.
(٢) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ٣١٨/١٥، لسان العرب، ابن منظور ١٧٨/٨.
(٣) المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٢/ ٨٢٠.
www. modoee.com
٣٢٩

حرف الظاء
أنواع الظلمات
تنقسم الظلمات إلى ظلمات حسية
وظلمات معنوية، نتناول بيانها فيما يأتي:
أولًا: الظلمة الحسية:
١. ظلمات البر والبحر.
قال عز وجل الهادي للسّير في الظّلمات
بما خلق في الإنسان من المدارك، وبما
خلق في السماء والأرض من دلائل: ﴿أَمَّن
يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُّمَتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ
الْرِّيَحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهٌِ أَوِلَةٌ مَعَ الَّهِ تَعَلَى
اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٦٣].
أي: بما خلق من الدّلائل السّماويّة
والأرضيّة، كما قال تعالى: ﴿وَعَلَمَتَّ
وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَتَّدُونَ﴾ [النحل: ١٦].
وقال تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ
النُّجُومَ لِّبْتَدُواْ بِهَا فِ ظُلُمَتِ اَلْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾
[الأنعام: ٩٧] (١).
((والناس -ومنهم المخاطبون أول مرة
بهذا القرآن- يسلكون فجاج البر والبحر
في أسفارهم، ويسبرون أسرار البر والبحر
في تجاربهم، ويهتدون، فمن يهديهم؟
من أودع كيانهم تلك القوى المدركة؟ من
أقدرهم على الاهتداء بالنجوم وبالآلات
وبالمعالم؟ من وصل فطرتهم بفطرة هذا
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٨٦/٦.
الكون، وطاقاتهم بأسراره؟ من جعل
لآذانهم تلك القدرة على التقاط الأصوات،
ولعيونهم تلك القدرة على التقاط الأضواء؟
ولحواسهم تلك القدرة على التقاط
المحسوسات؟ ثم جعل لهم تلك الطاقة
المدركة المسماة بالعقل أو القلب للانتفاع
بكل المدركات، وتجميع تجارب الحواس
والإلهامات؟ من؟ أإله مع الله؟))(٢).
وقال تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا
يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَّ وَيَعْلَمُ مَا فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِّ وَمَا
تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِ
◌ُلُمَتِ اْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَايِسٍ إِلَّا فِ كِنَبِ
قُبين ﴾
[الأنعام: ٥٩].
ظلمات الأرض بطونها، وقيل: الصّخرة
الّتي هي أسفل الأرضين السّابعة (٣). ((أي:
في الأمكنة المظلمة»، وقيل: ((في بطن
الأرض»(٤).
((وقيل: ما في الأرض من شجرة ولا
مغرز إبرة إلا وعليها ملكٌ موكّلٌ، يأتي اللّه
بعلمها، رطوبتها إذا رطبت، ويبوستها إذا
یبست)»(٥).
وقيل: ((وما تسقط من حبّةٍ بفعل فاعلٍ
مختارٍ في ظلمات الأرض كالحبّ الّذيّ
يلقيه الزّاع في بطون الأرض يسترونه
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٦٥٩/٥.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٧ / ٥.
(٤) فتح القدير، الشوكاني ٢/ ١٤٠.
(٥) جامع البيان، الطبري ٢١١/٥.
٣٣٠
مَوَسُوعَةُ النَفسِير
القرآن الكريمِ

الظلمات
بالتّراب فيحتجب عن نور النّهار، والّذي
تذهب به النّمل وغيرها من الحشرات في
قراها وجحورها))(١).
وقيل: ((وفي ظلمات الأرض صفةٌ
لـ (حيّةٍ) أي: ولا حبّةٍ من بذور النّبت
مظروفةٍ في طبقات الأرض إلى أبعد عمقٍ
يمكن)»(٢).
وقد عبر بـ(في الظّلمات) الدّالّة على
انغماس صاحبه، وانقماعه وتدسّسه فیه.
وقال تعالى للمشركين: أعبادة ما
تشرکون بالله خير أم الذي یرشدکم في
ظلمات البر والبحر إذا ضللتم فأظلمت
عليكم السبل؟! قال تعالى: ﴿أَمَّنَ
يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُّمَتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ بُرْسِلُ
الرِّيَحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهٌِ أَوِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَلَى
اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٦٣].
وقال تعالى آمرًا رسوله: قل أيها الرسول
للمشركين: من تدعون إذا أخطأتم الطّريق
وخفتم الهلاك؟ ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِيَكُم مِّنْ ظُلُتِ
اَلْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّهًا وَخُفْيَةً لَّيِنْ أَنَجَنَنَا مِنْ
هَذِهِ، لَتَكُونَنَّ مِنَ الشَّكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٦٣].
روی الطبري بسنده عن ابن عبّاسٍ رضي
الله عنهما قال: ((يقول: إذا أضلّ الرّجل
الطّريق دعا اللّه ﴿لَيْنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ،
لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّكِينَ﴾ [يونس: ٢٢]))(٣).
(١) المنار، رشيد رضا ٣٨١/٧.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٧٣/٧.
(٣) جامع البيان، الطبري ٩/ ٢٩٥.
وظلمات البرّ والبحر يراد به: شدائدهما،
فهو لفظ عام يستغرق ما كان من الشدائد
بظلمة حقيقية، وما كان بغير ظلمة، والعرب
تقول: عام أسود، ويوم مظلم، ويوم ذو
كواكب ونحو هذا، يريدون به الشدة، قال
قتادة رحمه الله: ((المعنى من كرب البر
والبحر)) (٤).
وقال ابن عاشور رحمه الله: ((﴿ظُلُمُتِ
اَلْبِرِ﴾ ظلمة اللّيل الّتي يلتبس فيها الطّريق
للشّائر، والّتي يخشى فيها العدوّ للسّائر
وللقاطن، أي: ما يحصل في ظلمات البرّ
من الآفات.
و(ظلمات البحر) يخشى فيها الغرق
والضّلال والعدوّ، وقيل: أطلقت الظّلمات
مجازًا على المخاوف الحاصلة في البرّ
والبحر، كما يقال: يومٌ مظلمٌ إذا حصلت فيه
شدائد»(٥)
٠
فحيثما ((وقع الناس في ظلمة من ظلمات
البر والبحر لم يجدوا في أنفسهم إلا الله
يدعونه متضرعين أو يناجونه صامتين، إن
الفطرة تتعرى حينئذٍ من الركام، فتواجه
الحقيقة الكامنة في أعماقها، حقيقة الألوهية
الواحدة، وتتجه إلى الله الحق بلا شريك؛
لأنها تدرك حينئذٍ سخافة فكرة الشرك،
وتدرك انعدام الشريك))(٦)
.
(٤) المحرر الوجيز، ابن عطية ٢/ ٣٠٢.
(٥) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٧/ ٢٨١.
(٦) في ظلال القرآن، سيد قطب ١١٢٤/٢.
www. modoee.com
٣٣١

حرف الظاء
٢. ظلمات البطون.
قال تعالى: ﴿خَلَقَكُ مِّن نَّفْسِ وَبِحِدَةٍ ثُمَّ
جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَمِ ثَمَنِيَةَ
أَزْوَجْ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ خَلْقَاً مِّنُ
بَعْدٍ خَلْقٍ فِى ◌ُلُمَتٍ ثَثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ
الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَّ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ﴾ [الزمر: ٦].
ـفِي
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
ظَلُمَتِ ثَلَثٍ﴾ ((يعني بالظلمات الثلاث:
بطن أمه، والرحم، والمشيمة»(١).
قال سيد قطب رحمه الله عن الظلمات
الثلاث: «ظلمة الکیس الذي یغلّف الجنین،
وظلمة الرحم الذي يستقر فيه هذا الكيس،
وظلمة البطن الذي تستقر فيه الرحم، والله
يخلق هذه الخلية الصغيرة خلقًا من بعد
خلق، وعين الله ترعى هذه الخليقة وتودعها
القدرة على النمو، والقدرة على التطور،
والقدرة على الارتقاء، والقدرة على السير
في تمثيل خطوات النفس البشرية كما قدّر
لھا بارئها.
وتتبّع هذه الرحلة القصيرة الزمن،
البعيدة الآماد، وتأمّل هذه التغيرات
والأطوار، وتدبّر تلك الخصائص العجيبة
التي تقود خطى هذه الخلية الضعيفة في
رحلتها العجيبة، في تلك الظلمات، وراء
علم الإنسان وقدرته وبصره.
هذا كله من شأنه أن يقود القلب البشري
(١) جامع البيان، الطبري ٢٥٨/٢١.
إلى رؤية يد الخالق المبدع، رؤيتها بآثارها
الحية الواضحة الشاخصة، والإيمان
بالوحدانية الظاهرة الأثر في طريقة الخلق
والنشأة، فكيف يصرف قلب عن رؤية هذه
الحقيقة؟)) (٢).
ظلمات البطون في العلم الحديث:
يقول العلماء: ((يحاط الجنين في
داخل الرحم بمجموعة من الأغشية هي
من الداخل إلى الخارج كما يلي: غشاء
السلي أو الرهل (amnion)، والغشاء
المشيمي (chorion)، والغشاء الساقط
(decidua)، وهذه الأغشية الثلاثة تحيط
بالجنين إحاطة كاملة، فتجعله في ظلمة
شاملة هي الظلمة الأولى، ويحيط بأغشية
الجنين جدار الرحم، وهو جدار سميك
يتكون من ثلاث طبقات تحدث الظلمة
الكاملة الثانية حول الجنين وأغشيته.
والرحم المحتوي على الجنين وأغشيته
في ظلمتين متتاليتين، يقع في وسط الحوض،
ويحاط إحاطة كاملة بالبدن المكون من كل
من البطن والظهر، وكلاهما يحدث الظلمة
الثالثة))(٣).
ظلمات بطن الحوت: قال تعالى:
﴿ وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَضِبًا فَظَنَّ أَنْ أَّنْ تَّقْدِرَ
عَلَيْهِ فَنَادَى فِ القُلُمَتِ أَنْ لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ
(٢) في ظلال القرآن ٥/ ٣٠٤٠.
(٣) الموقع الشخصي للدكتور زغلول النجار:
. www.elnaggarzr.com
٣٣٢
جَوُورُ
القرآن الكريمِ

الظلمات
سُبْحَنَكَ إِّ كُنْتُ مِنَ النَّلِينَ﴾
[الأنبياء: ٨٧].
عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما: «معترفًا
بذنبه، تائبًا من خطيئته)) (١)، وعن قتادة رحمه
الله قال: ((ظلمة بطن الحوت، وظلمة البحر،
وظلمة الليل))(٢).
روى الترمذي بسنده عن سعدٍ رضي
الله عنه، قال: قال رسول اللّه صلى الله
عليه وسلم: (دعوة ذي النّون إذ دعا وهو في
بطن الحوت: ﴿لَّ إِلَّهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَتَكَ
إِنِّ كُنتُ مِنَ النَّلِينَ ﴾ فإنّه لم يدع بها
رجلٌ مسلمٌ في شيءٍ قطّ إلّا استجاب الله
له)(٣).
٣. ظلمات السحاب.
قال تعالى: ﴿أَوْ كُظُلُمَتٍ فِ بَهْرٍ لُِّيّ
يَغْشَنُهُ مَوْجُ مِن فَوْقِهِ، مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ
◌ُلْتُمَتُّ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجُ بَدَهُ لَوْ يَكَّدْ
يَرَبَهَا وَمَنْ أَ يَجْعَلِاللّهُلَهُ نُورًا فَمَا لَهُمِن ◌ُورٍ﴾ [النور:
٤٠].
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
(يعني بالظلمات: الأعمال، وبالبحر اللجّي:
يَغْشَمُهَ مُوجَ مِّن فوقِهِ،
قلب الإنسان، قال:
(١) أخرجه الطبري في تفسيره ٣٨٤/١٦.
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره ١٨/ ٥١٧.
(٣) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الدعوات،
باب منه، ٤٠٩/٥، رقم ٣٥٠٥.
وصححه الألباني في صحيح الجامع
٦٣٧/١، رقم ٣٣٨٣.
مَوْجُ مِّن فَوْقِهِ، سَحَابٌ﴾، قال: ﴿وُلُمَتٌ
بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾، يعني بذلك الغشاوة التي
على القلب والسمع والبصر)» (٤).
ونور الله هدى في القلب، وتفتح في
البصيرة، واتصال في الفطرة بنواميس الله
في السماوات والأرض، والتقاء بها على
الله نور السماوات والأرض.
فمن لم يتصل بهذا النور فهو في ظلمة لا
انكشاف لها، وفي مخالفة لا أمن فيها، وفي
ضلال لا رجعة منه، ونهاية العمل سراب
ضائع يقود إلى الهلاك والعذاب؛ لأنه لا
عمل بغیر عقيدة، ولا صلاح بغیر إيمان،
إن هدى الله هو الهدى، وإن نور الله هو
النور (٥).
قال ابن القيم رحمه الله: ((ذكر سبحانه
للكافرين مثلين: مثلًا بالسّراب، ومثلًاً
بالظّلمات المتراكمة؛ وذلك لأنّ المعرضين
عن الهدى والحقّ نوعان ... ، النّوع الثّاني:
أصحابٌ مثل الظّلمات المتراكمة، وهم
الّذين عرفوا الحقّ والهدى، وآثروا عليه
ظلمات الباطل والضّلال، فتراكمت عليهم
ظلمة الطّبع، وظلمة النّفوس، وظلمة
الجهل، حيث لم يعملوا بعلمهم، فصاروا
جاهلين، وظلمة اتّباع الغيّ والهوى،
فحالهم كحال من كان في بحرٍ لجّيٍّ لا
(٤) أخرجه الطبري في تفسيره ١٩٨/١٩.
(٥) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٥٢١/٤.
www. modoee.com
٣٣٣

حرف الظاء
ساحل له، وقد غشیه موجٌ، ومن فوق ذلك
الموج موجٌ، ومن فوقه سحابٌ مظلمٌ، فهو
في ظلمة البحر، وظلمة الموج، وظلمة
السّحاب، وهذا نظير ما هو فيه من الظّلمات
الّتي لم يخرجه الله منها إلى نور الإيمان.
وهم أيضًا أصحاب العلم الّذي لا ينفع
والاعتقادات الباطلة؛ ولهذا مثّل لحالم في
تلاطم أمواج الشّكوك والشّبهات والعلوم
الفاسدة في قلوبهم بتلاطم أمواج البحر
فيه، وأنّها أمواجٌ متراكمةٌ من فوقها سحابٌ
مظلمٌ، وهكذا أمواج الشّكوك والشّبه في
قلوبهم المظلمة الّتي قد تراكمت عليها
سحب الغيّ والهوى والباطل.
وأخبر سبحانه أنّ الموجب لذلك أنّه لم
يجعل لهم نورًا، بل تركهم على الظّلمة الّتي
خلقوا فيها فلم يخرجهم منها إلى النّور؛
فإنّه سبحانه وليّ الّذين آمنوا يخرجهم من
الظّلمات إلى النّور))(١).
وفي هذا المعنی روی عبد الله بن عمر
أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: (إنّ
الله خلق خلقه في ظلمةٍ، وألقى عليهم من
نوره، فمن أصابه من ذلك النّور اهتدى، ومن
أخطأه ضلّ؛ فلذلك أقول: جفّ القلم على
علم اللّه)(٢).
(١) إعلام الموقعين ١٢٢/١.
(٢) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الإيمان،
باب ما جاء فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله
إلا الله، ٣٢٣/٤، رقم ٢٦٤٢.
٤. ظلمة الليل.
أقسم سبحانه وتعالى بالليل عندما يغطي
الأرض فيكون ما عليها مظلمًا، فقال تعالى:
﴿وَأَيْلِ إِذَا يَغْشَنَهَا﴾ [الشمس: ٤].
وقال تعالى: ﴿وَأَّيْلِ إِذَا يَفْشَى﴾ [الليل: ١].
وأقسم بالليل إذا سكن بالخلق، واشتد
ظلامه، قال تعالى: ﴿وَأَلَيْلِ إِذَا سَجَى﴾
[الضحى: ٢].
ولقّن سبحانه وتعالى بـ(قل) التلقينية
الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يقول
للناس: أخبروني -أيها الناس- إن جعل
الله عليكم الليل دائمًا إلى يوم القيامة، من
إله غير الله يأتيكم بضياء تستضيئون به؟ أفلا
تسمعون سماع فهم وقبول؟
قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَهَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ
عَلَيْكُمُ الَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ مَنْ إِلَهُ غَيْرُ اللَّهِ
يَأْتِكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ [القصص:
٧١].
ثانيًا: الظلمات المعنوية:
العبد إذا سدّ أمام أذنه وعينه وقلبه أنوار
الهدى، عاش في ظلمات الكفر والنفاق
والجهل.
١. ظلمة الكفر والنفاق.
قال تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلٍ أَلَّذِى أَسْتَوْقَدَ
وصححه الألباني في تعليقه على مشكاة
المصابيح ٣٧/١، رقم ١٠١.
٣٣٤
جَوَسُولَةُ التَّقِينَ
القرآن الكريمِ

الظلمات
نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وقيل: لما لم ينتفعوا بأسماعهم وأبصارهم
وَتَرَّكَّهُمْ فِى ظُلُّمَتٍ لَّا يُبْصِرُونَ ﴾ [البقرة: ١٧].
هذه الآيات نزلت في المنافقين، عن
ابن عباس رضي الله عنهما قال: «مثلهم في
تفاقهم كمثل رجل أوقد نارًا في ليلة مظلمة
في مفازة، فاستدفا ورأى ما حوله، فاتّقى مما
یخاف، فبينما هو كذلك إذ طفئت ناره، فبقي
في ظلمة خائفًا متحيرًا؛ فكذلك المنافقون
بإظهار كلمة الإيمان أمنوا على أموالهم،
وأولادهم، وناكحوا المؤمنين، ووارثوهم،
وقاسموهم الغنائم، فذلك نورهم، فإذا ماتوا
عادوا إلى الظلمة والخوف))(١).
شبّه سبحانه وتعالى في الآية ((أعداءه
المنافقين بقوم أوقدوا نارًا؛ لتضيء لهم،
وينتفعوا بها، فلما أضاءت لهم النار فأبصروا
في ضوئها ما ينفعهم وما يضرهم، وأبصروا
الطريق بعد أن كانوا حيارى تائهين، فهم
كقوم سفر ضلوا عن الطريق، فأوقدوا
النار تضيء لهم الطريق، فلما أضاءت لهم
فأبصروا، وعرفوا طفئت عنهم تلك الأنوار،
وبقوا في الظلمات لا يبصرون، قد سدّت
عليهم أبواب الهدى الثلاث، فإن الهدى
يدخل إلى العبد من ثلاثة أبواب، مما يسمعه
بأذنه، ويراه بعينه، ويعقله بقلبه، وهؤلاء
قد سدت عليهم أبواب الهدى، فلا تسمع
قلوبهم شيئًا، ولا تبصره، ولا تعقل ما ينفعها،
(١) انظر: معالم التنزيل، البغوي ١/ ٥٣.
وقلوبهم، نزلوا منزلة من لا سمع له، ولا
بصر، ولا عقل، والقولان متلازمان»(٢).
وفي قوله تعالى: ﴿لَايُبْصِرُونَ ﴾ حذف
مفعول ﴿مُصِرُونَ﴾ إيذانًا بالعموم، أي: لا
يبصرون مسلكًا من مسالك الهداية، ولا
يرون طريقًا من طرقها؛ لأنّه صرف عنايته
عنهم بتركهم سنّته، وإهمالهم هدايته،
وو کلهم إلى أنفسهم.
وقال تعالى: ﴿أَوْكَصَيْبٍ مِّنَ السَّمَآِ ◌ِيهِ
ظُلُمَتٌ وَرَعْدٌ وَبِرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَبِعَهُمْ فِيَّ ◌َاذَانِم
مِنَ الصَّوْعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَفِرِينَ
[البقرة: ١٩].
فشبّه نصيبهم مما بعث الله تعالى به
رسوله صلى الله عليه وسلم من النور
والحياة بنصيب أصحاب الصيّب، وهو
المطر الذي يصوب، أي: ينزل من علو إلى
سفل، فشبّه الهدى الذي هدی به عباده بـ
(الصیب)؛ لأن القلوب تحيا به حياة الأرض
بالمطر، وشبّه نصيب المنافقين من هذا
الھدی بنصیب من لم یحصل له نصيب من
الصيب إلا ظلمات ورعد وبرق، ولا نصيب
له فيما وراء ذلك، مما هو المقصود بالصيب
من حياة البلاد والعباد، والشجر والدواب،
فإن تلك الظلمات التي فيه، وذلك الرعد
والبرق مقصود لغيره، وهو وسيلة إلى كمال
(٢) التفسير القيم، ابن القيم ص١٢٠.
www. modoee.com
٣٣٥

حرف الظاء
الانتفاع بذلك الصيب.
فالجاهل لفرط جهله يقتصر على
الإحساس بما في الصيب من ظلمة ورعد
وبرق، ولوازم ذلك: من برد شديد، وتعطیل
مسافر عن سفره، وصانع عن صنعته، ولا
بصيرة له تنفذ إلى ما يئول إليه أمر ذلك
الصيب من الحياة والنفع العام، وهكذا شأن
كل قاصر النظر ضعيف العقل، لا يجاوز
نظره الأمر المكروه الظاهر إلى ما وراءه من
کل محبوب، وهذه حال أكثر الخلق إلا من
صفت بصيرته، فإذا رأى ضعيف البصيرة ما
في الجهاد من التعب والمشاق، والتعرض
لإتلاف المهجة والجراحات الشديدة،
وملامة اللوام، ومعاداة من يخاف معاداته
لم یقدم علیه؛ لأنه لم يشهد ما یتول إليه من
العواقب الحميدة، والغايات التي إليها تسابق
المتسابقون، وفيها تنافس المتنافسون.
وحال هؤلاء حال الضعيف البصيرة
والإيمان الذي یری ما في القرآن من الوعد
والوعيد، والزواجر والنواهي، والأوامر
الشاقة على النفوس التي تفطمها عن
رضاعها من ثدي المألوفات والشهوات،
والفطام على الصبي أصعب شيء وأشقه،
والناس كلهم صبيان العقول إلا من بلغ
مبلغ الرجال العقلاء الألبّاء، وأدرك الحق
علمًا وعملًا ومعرفة، فهو الذي ينظر إلى
ما وراء الصيب، وما فيه من الرعد والبرق
والصواعق، ويعلم أنه حياة الوجود))(١).
وتأمل قول سيد قطب في تصوير مشهد
هؤلاء رحمه الله: ((إنه مشهد عجيب،
حافل بالحركة، مشوب بالاضطراب، فيه
تيه وضلال، وفيه هول ورعب، وفيه فزع
وحيرة، وفيه أضواء وأصداء.
صيِّبٌ من السماء هاطل غزير
ظُلُمَتُ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ ﴾ [البقرة: ١٩].
قال تعالى: ﴿كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ﴾
[البقرة: ٢٠].
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾
[البقرة: ٢٠].
أي: وقفوا حائرين لا يدرون أين
يذهبون! وهم مفزعون: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَپِعَهُمْ فِيَ
ءَاذَاتِهِم مِنَ الصَّوَعِقِ حَذَّرَ الْمَوْتِ ﴾ [البقرة: ١٩].
إن الحركة التى تغمر المشهد كله من
الصيب الهاطل، إلى الظلمات والرعد
والبرق، إلى الحائرين المفزعين فيه، إلى
الخطوات المروعة الوجلة التي تقف عند
ما يخيم الظلام، إن هذه الحركة في المشهد
لترسم -عن طريق التأثر الإيحائي - حركة
التيه والاضطراب والقلق والأرجحة التي
يعيش فيها أولئك المنافقون، بين لقائهم
للمؤمنين، وعودتهم للشياطين، بين ما
يقولونه لحظة، ثم ینکصون عنه فجأة، بین ما
يطلبونه من هدى ونور، وما يفيئون إليه من
(١) المصدر السابق ص١٢٤.
٣٣٦
جوبي
القرآن الكريمِ

الظلمات
ضلال وظلام، فهو مشهد حسي يرمز لحالة
نفسية، ويجسم صورة شعورية.
وهو طرف من طريقة القرآن العجيبة
في تجسيم أحوال النفوس كأنها مشهد
محسوس، وعندما يتم استعراض الصور
الثلاث يرتد السياق في السورة نداء للناس
كافة، وأمرًا للبشرية جمعاء أن تختار الصورة
الكريمة المستقيمة، الصورة النقية الخالصة،
الصورة العاملة النافعة، الصورة المهتدية
المفلحة)»(١).
وفي الآية: أن لضرب الأمثال شأنًا في
إبراز خبيئات المعاني، ورفع الأستار عن
الحقائق، حتّى تريك المتخيّل في صورة
المحقّق، والمتوهّم في معرض المتيقّن،
والغائب كالمشاهد، فليكثر منه العلماء
والمربون.
٢. ظلمة الجهل.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِكَايَتِنَا صُدُّ
وَبُكْمٌ فِ الظُّلُمَتِ مَن يَشَِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ
يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [الأنعام: ٣٩].
أي: مثلهم في جهلهم، وقلّة علمهم،
وعدم فهمهم، كمثل أصمّ، وهو الّذي لا
يسمع، أبكم وهو الّذي لا يتكلّم، وهو مع
هذا في ظلمات لا يبصر، فکیف یهتدي مثل
هذا إلى الطريق؟ أو يخرج مما هو فيه؟(٢).
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٤٦/١.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٢٨/٣.
((إن الذين كذبوا بآيات الله هذه المبثوثة
في صفحات الوجود، وآياته الأخرى
المسجلة في صفحات هذا القرآن إنما كذبوا؛
لأن أجهزة الاستقبال فيهم معطّلة، إنهم صُمُّ
لا يسمعون، بُكْمٌ لا يتكلمون، غارقون في
الظلمات لا يبصرون! إنهم كذلك لا من
ناحية التكوين الجثماني المادي، فإن لهم
عيونًا وآذانًا وأفواهًا، ولكن إدراكهم معطل،
فكأنما هذه الحواس لا تستقبل ولا تنقل!
وإنه لكذلك فهذه الآيات تحمل في ذاتها
فاعليتها وإيقاعها وتأثيرها، لو أنها استقبلت
وتلقاها الإدراك! وما يعرض عنها معرض
إلا وقد فسدت فطرته، فلم يعد صالحًا لحياة
الهدى، ولم يعد أهلًا لذلك المستوى الراقي
من الحياة)) (٣).
(٣) في ظلال القرآن، سيد قطب ١٠٨١/٢.
www. modoee.com
٣٣٧

حرف الظاء
وسائل النجاة من الظلمات الحسية
بيّن القرآن وسائل النجاة من الظلمات
الحسية، وسوف نتناولها بالشرح فيما يأتي:
أولًا: ضوء النهار:
أقسم سبحانه وتعالى بالشمس ونهارها،
وإشراقها ضحى، وهي أروق ما تكون في
هذه الفترة وأحلى، في الشتاء يكون وقت
الدفء المستحب الناعش، وفي الصيف
يكون وقت الإشراق الرائق قبل وقدة
الظهيرة وقيظها، فالشمس في الضحى
في أروق أوقاتها وأصفاها، قال تعالى:
﴿وَالشَّمْسِ وَمُحَنَهَا﴾ [الشمس: ١].
وابتدئ بالشّمس لمناسبة المقام إيماءً
للتنويه بالإسلام؛ لأنّ هدیه کنور الشّمس لا
يترك للضّلال مسلكًا، وفيه إشارةٌ إلى الوعد
بانتشاره في العالم كانتشار نور الشّمس في
الأفق(١).
وقد أخبر سبحانه أنه جعل الشمس
مصباحًا مضيئًا يستضيء به أهل الأرض،
قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ اٌلْقَمَرَفِيِنَّ ◌ُرًّا وَجَعَلَ
الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ [نوح: ١٦].
وأخبر سبحانه على نفوذ مشيئته،
وكمال قدرته في إزالة الضياء الذي طبّق
الأرض فيبدله ظلامًا، وكذلك يزيل الظلمة
التي عمتهم وشملتهم فتطلع الشمس
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٦٧/٣٠.
فتضيء الأقطار، وينتشر الخلق لمعاشهم
ومصالحهم، فقال تعالى: ﴿وَءَايَةٌ لَّهُمُ
اَلَِّلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم ◌ُظْلِمُونَ
٣٧
وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍ لَّهَأَ ذَلِكَ تَقْدِيُ
اٌلْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴿ وَالْقَمَرَ قَذَّرْنَهُ مَنَازِلَ حَّى
عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِى لَهَاَ
أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَ الَيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلِّفِ فَلَكِ
يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٣٧-٤٠].
وفي الآيات تنبيه على عظم خلق
الشمس، وكثرة منافعها الدالة على رحمته
وسعة إحسانه، فالعظيم الرحيم يستحق أن
یعظّم ویحب ویعبد ویخاف ویرجی.
وأخبر سبحانه أنه هو الذي جعل الشمس
مضيئة نهارًا، والقمر منیرًا ليلًا.
قال تعالى: ﴿هُوَ أَلَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ
ضِيَاءُ وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: ٥].
قال العلماء: ((عند مرور ضوء الشمس
في الطبقات الدنيا من الغلاف الغازي
للأرض يتعرض للعديد من عمليات
الامتصاص والتشتت والانعكاس على كل
من هباءات الغبار، وقطيرات الماء وبخاره،
وجزيئات الهواء الموجودة بتركيز عالٍ نسبيًا
في هذا الجزء من الغلاف الغازي للأرض،
فيظهر بهذا اللون الأبيض المبهج الذي يميز
فترة النهار، كذلك يتعرض ضوء الشمس
للعديد من عمليات التشتت والانعكاس
عندما يسقط على سطح القمر المكسو
٣٣٨
فَضْو
القرآن الكريم

الظلمات
بالعديد من الطبقات الزجاجية الرقيقة
والناتجة عن ارتطام النيازك بهذا السطح،
والانصهار الجزئي للصخور على سطح
القمر، بفعل ذلك الارتطام، فالقمر-غيره
من أجرام مجموعتنا الشمسية- هي أجسام
معتمة باردة لا ضوء لها، ولكنها يمكن أن
ترى لقدرتها على عكس أشعة الشمس
فیبدو منیرًا(١).
ثانيًا: النجوم:
أخبر سبحانه أنه جعل للناس النجوم
علامات، يعرفون بها الطرق ليلًا إذا ضلوا
بسبب الظلمة الشديدة في البر والبحر، فقال
تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِهْتَدُواْ
بِهَا فِى ◌ُلُمَتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِّ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَّتِ
لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٧].
قال بعض السّلف رحمه الله: ((من
اعتقد في هذه النّجوم غير ثلاثٍ فقد أخطأ
وكذب على الله سبحانه: أنّ اللّه جعلها زينةً
للسّماء، ورجومًا للشّياطين، ويهتدى بها في
الظلمات البرّ والبحر))(٢).
روى البغوي في سننه عن عمر رضي الله
عنه أنّه قال: «تعلّموا من النّجوم ما تعرفون به
القبلة والطّريق، ثمّ أمسكوا))(٣).
(١) السماء في القرآن الكريم، زغلول النجار
ص٣٩٥- ٥٠٨.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٧٣/٣.
(٣) شرح السنة، البغوي ١٢/ ١٨٣.
قال ابن رجب رحمه الله: «والمأذون في
تعلمه علم التسيير لا علم التأثير، فإنه باطل
محرّم، قليله وكثيره»(٤).
وروى أحمد بن حنبل بسنده عن ابن
عبّاسٍ رضي الله عنهما عن النّبيّ صلى الله
عليه وسلم قال: (ما اقتبس رجلٌ علمًا من
النّجوم، إلا اقتبس بها شعبةً من السّحر، ما
زاد زاد) (٥)
((فالاهتداء بالنجوم في ظلمات البر
والبحر یحتاج إلى علم بمسالکها ودوراتها
ومواقعها ومداراتها، كما يحتاج إلى
قوم يعلمون دلالة هذا كله على الصانع
العزيز الحكيم، فالاهتداء هو الاهتداء في
الظلمات الحسية الواقعية، وفي ظلمات
العقل والضمير، والذين يستخدمون
النجوم للاهتداء الحسي، ثم لا يصلون ما
بین دلالتها ومبدعها، هم قوم لم يهتدوا بها
تلك الهداية الكبرى، وهم الذين يقطعون
بين الكون وخالقه، وبين آيات هذا الكون
ودلالتها على المبدع العظيم))(٦).
ودلت الآية على مشروعية تعلم سير
الكواكب ومحالّها الذي يسمى علم التسيير،
(٤) فيض القدير ٢٥٦/٣.
(٥) أخرجه أحمد في مسنده، ٤٥٤/٣،
رقم ٢٠٠٠.
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة،
رقم ٧٩٣.
(٦) في ظلال القرآن، سيد قطب ١١٥٩/٢.
www. modoee.com
٣٣٩

حرف الظاء
فإنه لا تتم الهداية ولا تمكن إلا بذلك.
وأخبر سبحانه أنه خلق للإنسان النجوم؛
لیھتدي بها بالليل في البراري أو في البحار،
قال تبارك وتعالى: ﴿وَعَلَمَتْ وَبِالنَّجْمِ هُمْ
يَتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦].
قال العلماء: ((يقع النجم القطبي على
امتداد محور دوران الأرض حول نفسها
تمامًا، وبذلك يحدد لنا اتجاه الشمال
الحقيقي، ويتعامد على هذا الاتجاه يمينًا
شرق الأرض ويسارًا غربها، أي: اتجاه
الشرق الحقيقي والغرب الحقيقي بالنسبة
للأرض ککوکب، ويتضح من ذلك جانب
من جوانب الحكمة الإلهية المبدعة بخلق
هذه العلاقة حتى يبقى النجم القطبي بمثابة
البوصلة الكونية المعلقة في السماء الدنيا؛
لإرشاد أهل الأرض إلى الاتجاهات الأربعة
الأصلية))(١).
ثالثًا: الدعاء والالتجاء إلى الله:
بيّن سبحانه وتعالى للناس في كتابه
أنهم إذا ادلهمت بهم الخطوب في البر
والبحر لجأوا إليه مخلصين في الدعاء،
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى يُسَتْكُمْ فِ اَلْبَرِّ وَالْبَعْرِّ
حَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْقُلْكِ وَجَرَبْنَ بِهِم بِيجِ طِّبَةِ
وَفَرِحُواْ بِهَا جَتْهَا رِيعُ عَاصِفٌ وَجَّمَ هُمُ
اَلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَهُمْ أُحِيطَ يِهِمْ
(١) الأرض في القرآن الكريم، زغلول النجار
ص ٤٨٧ - ٥٠٢.
دَعَوُاْللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَيِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ،
لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢].
عن قتادة رحمه الله قال: ((إذا مسّهم
الضّرّ في البحر أخلصوا له الدّعاء))(٢).
ومعنى: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ممحضين له
(٣)
العبادة فى دعائهم
.
وكان صلى الله عليه وسلم يعلّم
الصحابة اللجأ إلى ربهم؛ ليخرجهم من
الظلمات بأنواعها، روى أبو داود في سننه
بسنده عن عبد الله رضي الله عنه قال:
«وكان يعلّمنا كلماتٍ ولم يكن يعلّمناهنّ
كما يعلّمنا التّشهّد: (اللّهمّ ألّف بين قلوبنا،
وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السّلام،
ونجّنا من الظّلمات إلى النّور)» (٤).
وأخبر سبحانه أنه يرحم عباده المؤمنين،
ويثني عليهم، وتدعو لهم ملائكته؛
ليخرجهم من ظلمات الجهل والضلال إلى
نور الإيمان والهداية.
قال تعالى: ﴿هُوَ أَلَّذِى يُصَلّى عَلَيْكُمْ
وَمَلَمِكَتُهُ لِيُخْرِحَكُمْ مِنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِّ
وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣].
قال ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما: ((لمّا
(٢) جامع البيان، الطبري ١٢/ ١٤٦.
(٣) تفسير التحرير والتنوير، ابن عاشور
١٣٨/١١.
(٤) أخرجه أبو داود في سننه، أبواب الركوع
والسجود، باب التشهد، ١ / ٢٥٤، رقم ٩٦٩.
وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود رقم
١٧٢.
٣٤٠
جوسين
القرآن الكريم

الظلمات
نزل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَكَتَهُ، يُصَلُونَ عَلَى
النَّبِيِ﴾ [الأحزاب: ٥٦].
قال المهاجرون والأنصار: هذا لك يا
رسول الله خاصة، وليس لنا فيه شيء، فأنزل
اللّه تعالى هذه الآية».
وهذه نعمةٌ من اللّه تعالى على هذه الأمّة
من أکبر النّعم، ودليلٌ على فضلها على سائر
الأمم، والصّلاة من اللّه على العبد: هي
رحمته له وبركته لديه، وصلاة الملائكة:
دعاؤهم للمؤمنین، واستغفارهم لهم، كما
قال: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [غافر:
٧](١) .
ونور الله واحد متصل شامل وما عداه
ظلمات تتعدد وتختلف، وما يخرج الناس
من نور الله إلا ليعيشوا في ظلمة من
الظلمات، أو في الظلمات مجتمعة، وما
ينقذهم من الظلام إلا نور الله الذي يشرق
في قلوبهم، ويغمر أرواحهم، ويهديهم إلى
فطرتهم، وهي فطرة هذا الوجود، ورحمة
الله بهم، وصلاة الملائكة ودعاؤها لهم،
هي التي تخرجهم من الظلمات إلى النور
حين تتفتح قلوبهم للإيمان(٢).
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٤/ ١٩٨.
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٨٧٢/٥.
وسائل النجاة من الظلمات المعنوية
بيّن القرآن الكريم وسائل النجاة من
الظلمات المعنوية، وسوف نتحدث عنها
فيما يأتي:
أولًا: الإيمان بالله عز وجل وطاعته:
قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَّيْئًا فَأَحْبَيْنَهُ
وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ، فِى النَّاسِ كَمَنْ مَّثَلُهُ.
فِيِ الظَّلُمَتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ
لِلْكَفِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٢].
هذا مثلٌ ضربه اللّه تعالى للمؤمن الّذي
كان ميتًا، أي: في الضّلالة هالكًا حائرًا،
فأحياه الله، أي: أحيا قلبه بالإيمان، وهداه
له، ووفّقه لاتّباع رسله، ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا
يَمْشِى بِهِ، فِ النَّاسِ﴾ أي: يهتدي كيف
يسلك! و کیف یتصرّف به!
والنّور: هو القرآن، كما رواه العوفيّ،
وابن أبي طلحة عن ابن عبّاسٍ رضي الله
عنه، وقال السّدّيّ: ((الإسلام)»، والكلّ
صحيحٌ. ﴿كَمَنْ مَّثَلُهُ فِ الظُّلُمَتِ﴾ أي:
الجهالات والأهواء والضلالات المتفرّقة.
﴿لَيْسَ بِخَارِجٌ مِّنْهَا﴾ أي: لا يهتدي إلى
منفذٍ، ولا مخلصٍ ممّا هو فيه(٣).
وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِی پِهِ،فِى
آلنَّاسِ ﴾ یتضمن أمورًا:
أحدها: أنه يمشي في الناس بالنور، وهم
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٩٦/٣.
www. modoee.com
٣٤١

حرف الظاء
في الظلمة، فمثله ومثلهم كمثل قوم أظلم نورًا))(٣).
عليهم الليل، فضلوا ولم يهتدوا للطريق،
وآخر معه نور يمشي به في الطريق ويراها،
ویری ما یحذره فيها.
وثانيها: أنه يمشي بنوره، فهم يقتبسون
فیه لحاجتهم إلى النور.
وثالثها: أنه يمشي بنوره يوم القيامة على وخلفي نورًا، وفوقي نورًا، وتحتي نورًا،
الصراط إذا بقي أهل الشرك والنفاق في
ظلمات شركهم ونفاقهم(١).
«فالأول: هو المؤمن، استنار بالإيمان
بالله ومحبته ومعرفته وذكره، والآخر: هو
الغافل عن الله تعالى المعرض عن ذكره
ومحبته، والشأن كل الشأن والفلاح كل
الفلاح في النور، والشقاء كل الشقاء في
فواته.
ولهذا كان النبي صلی الله عليه وسلم
يبالغ في سؤال ربه تبارك وتعالى حين يسأله
أن يجعل النور في لحمه وعظامه وعصبه
وشعره وبشره وسمعه وبصره، ومن فوقه
ومن تحته، وعن يمينه وعن شماله، وخلفه
وأمامه، حتى يقول: (واجعلني نورًا)(٢)،
فسأل ربه تبارك وتعالى أن يجعل النور في
ذراته الظاهرة والباطنة، وأن يجعله محيطًا
به من جميع جهاته، وأن يجعل ذاته وجملته
(١) التفسير القيم، ابن القيم ص ٣٠١.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة
المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة
الليل وقيامه، ١/ ٥٢٨، رقم ٧٦٣.
وكان صلى الله عليه وسلم يقول في
سجوده فیما روي عن ابن عبّاسٍ رضي
الله عنهما: (اللهمّ اجعل في قلبي نورًا،
وفي سمعي نورا، وفي بصري نورًا، وعن
يميني نورًا، وعن شمالي نورًا، وأمامي نورًا،
واجعل لي نورًا) أو قال: (واجعلني نورًا) (٤).
وقد ضرب سبحانه وتعالى النور في
قلب عبده مثلًا لا يعقله إلا العالمون،
فقال سبحانه وتعالى: ﴿اَللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ
وَاْأَرْضِّ مَثَلُ نُورِهِ، كَمِشْكَوْمٌ فِيهَا مِصْبَاحٌ أَلْمِصْبَاحُ
فِ زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنْهَا كَوَّكَبْ دُرِىٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَوْ
مُّبَرَكَةٍ زَيْتُنَّةٍّ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا
يُضِىَءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَاُ لُودُ عَلَى ثُوزِ يَهْدِى
اللّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَلَ لِلنَّاسُِ
وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٥].
عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما قال:
«مثل هداه في قلب المؤمن کما یکاد الزّيت
الصّافي يضيء قبل أن تمسّه النّار، فإذا مسّته
النّار ازداد ضوءًا على ضوء، كذلك يكون
قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه
العلم، فإذا جاءه العلم ازداد هدّى على
(٣) الوابل الصيب، ابن القيم ص٥٠.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة
المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة
الليل وقيامه، ١/ ٥٢٨، رقم ٧٦٣.
٣٤٢
جوببيو
القرآن الكريم

الظلمات
هدّی))(١).
«وهذا هو النور الذي أودعه في قلبه من
معرفته ومحبته والإيمان به وذكره، وهو
نوره الذي أنزله إليهم فأحیاهم به، وجعلهم
یمشون به بین الناس، وأصله في قلوبهم،
ثم تقوى مادته فتتزايد حتى يظهر على
وجوههم وجوارحهم وأبدانهم، بل ثيابهم
ودورهم، یبصره من هو من جنسهم وسائر
الخلق له منکر.
فإذا كان يوم القيامة برز ذلك النور،
وصار بإيمانهم يسعى بين أيديهم في ظلمة
الجسر حتی یقطعوه، وهم فیه علی حسب
قوته وضعفه في قلوبهم في الدنيا»(٢).
وفي هذا المعنى ورد عن عبد الله رضي
الله عنه: «فیعطون نورهم على قدر أعمالهم،
قال: فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل بين
يديه، ومنهم من يعطى نوره فوق ذلك،
ومنهم من يعطى نوره مثل النخلة بيمينه،
ومنهم من یعطی دون ذلك بيمينه حتّی
یکون آخر ذلك من یعطی نوره علی إبهام
قدمه، يضيء مرّةً، ويطفئ مرّةً، فإذا أضاء
قدمه، وإذا طفئ قام، فيمرّ ويمرّون على
الصّراط، والصّراط كحدّ السّيف، دحض
مزلّةٍ، فيقال: انجوا على قدر نوركم، فمنهم
من يمرّ کانقضاض الكوكب، ومنهم من يمرّ
(١) أخرجه الطبري في تفسيره ١٧/ ٣٠٣.
(٢) الوابل الصيب، ابن القيم ص ٥٧.
کالطّرف، ومنهم من یمرّ کالريح، ومنهم من
يمرّ کشدّ الرّجل، ویرمل رملًا، فيمرّون علی
قدر أعمالهم حتى يمرّ الّذي نوره علی إبهام
قدمه))(٣).
وقد أخبر صلی الله عليه وسلم عن نور
فقراء المهاجرين يوم القيامة، روى الإمام
أحمد في مسنده عن عبد الله بن عمرو بن
العاص، کنّا عند رسول الله صلی الله عليه
وسلم يومًا آخر حين طلعت الشّمس، فقال:
(سيأتي ناسٌ من أمتي يوم القيامة، نورهم
كضوء الشّمس) قلنا: ومن أولئك يا رسول
اللّه؟ قال: (فقراء المهاجرين الّذين يتّقى
بهم المكاره، يموت أحدهم، وحاجته في
صدره، يحشرون من أقطار الأرض) (٤).
((إن هذه العقيدة تنشيء في القلب حياة
بعد الموت، وتطلق فیه نورًا بعد الظلمات،
حياة يعيد بها تذوّق كل شيء، وتصوّر كل
شيء، وتقدیر كل شيء بحس آخر لم يكن
يعرفه قبل هذه الحياة، ونورًا يبدو كل شيء
تحت أشعته وفي مجاله جدیدًا کما لم يبد
من قبل قط لذلك القلب الذي نوّره الإيمان،
إن الإيمان اتصال، واستمداد، واستجابة،
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك، تفسير سورة
مريم، ٤٠٨/٢، رقم ٣٤٢٤.
قال الحاكم: ((على شرط البخاري ومسلم)).
(٤) أخرجه أحمد في مسنده، ٢٣٠/١١، رقم
٦٦٥٠.
قال محقق المسند: حديث حسن لغيره.
www. modoee.com
٣٤٣

حرف الظاء
• [المائدة: ١٥].
فَو
فهو حياة، وإن الإيمان تَفَتُّحُ ورؤية، وإدراك
واستقامة، فهو نور بكل مقومات النور،
وإن الإيمان انشراح ويسر وطمأنينة، وظل
ممدود، ويجد الإنسان في قلبه هذا النور
فتتكشف له حقائق الوجود، وحقائق الحياة،
وحقائق الناس، وحقائق الأحداث التي
تجري في هذا الكون وتجري في عالم
الناس.
ويجد الإنسان في قلبه هذا النور، فيجد
الوضوح في كل شأن، وفي كل أمر، وفي كل
حدث، يجد الوضوح في نفسه، وفي نواياه
وخواطره وخطته وحركته، ويجد الوضوح
فيما يجري حوله سواء من سنة الله النافذة،
أو من أعمال الناس ونواياهم وخططهم
المستترة والظاهرة!
ويجد الإنسان في قلبه هذا النور، فيجد
الوضاءة في خواطره ومشاعره وملامحه!
ويجد الراحة في باله وحاله ومآله!
ثانيًا: اتباع الرسول وطاعة أمره:
قال تعالى: ﴿قَدْ جَآءُ كُم مِّنَ اللَّهِ
يعني بالنور: محمدًا صلى الله عليه
وسلم الذي أنار الله به الحقّ، وأظهر به
الإسلام، ومحق به الشرك، فهو نور لمن
استنار به يبيّن الحق(٢).
وأخبر سبحانه وتعالى أن الذين يتبعون
الرسول صلى الله عليه وسلم ويطيعونه
هم المفلحون، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ
الرَّسُولَ النَّبِىَّ الأُمِنَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْثُوبًا
عِندَهُمْ فِ التَّوْرَةِ وَالْإِنِجِلِ يَأْمُرُهُم
بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَمُهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُ
لَهُمُ الطَّيِّبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَّيْثَ
وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَلَ أَلَّتِى كَانَتْ
عَلَيْهِمَّ فَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِ، وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ
وَأَتَّبَعُواْ النُّورَ أَلَّذِىّ أُنْزِلَ مَعَهُ، أُوْلَئِكَ هُمُ
الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
أي: آمنوا بمحمّدٍ صلی الله عليه وسلم
واتّبعوه فيما جاء به من الشّرائع، وعظّموه
ويجد الرفق واليسر في إيراد الأمور ووقّروه، ومنعوه من عدوّه، وقاموا بنصره
وإصدارها، وفي استقبال الأحداث على من يعاديه، واتّبعوا القرآن المنزّل إليه
واستدبارها!
مع اتباعه بالعمل بسنّته ممّا یأمر به، وینھی
ويجد الطمأنينة والثقة واليقين في كل عنه، أولئك هم الفائزون بالخير والفلاح لا
غيرهم من الأمم(٣).
حالة، وفي كل حين!))(١).
قال ابن القيم رحمه الله: ((إن الخارجين
عن طاعة الرسل يتقلّبون في عشر ظلمات:
(٢) جامع البيان، الطبري ١٤٣/١٠.
(١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ١٢٠١/٣. (٣) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٢٨٨/٢.
جَوَسُولَة التَّقِينَ
الْقُرآن الكَرِيمِ
٣٤٤