Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
الطَّيُ
عناصر الموضوع
مفهوم الطير
٢٢٦
الطير في الاستعمال القرآني
٢٢٧
الألفاظ ذات الصلة
٢٢٨
الطير آية من آيات الله تعالى
٢٣٠
الطير في القصص القرآني
٢٣٦
الطير في المثل القرآني
٢٤٨
الطير والتشاؤم
٢٥٠
٢٥٣
الطير في الجنة
المُجَلَدُ الثَانِى وَالعُشْرُونْ

حرف الطاء
مفهوم الطير
أولًا: المعنى اللغوي:
الطّاء والياء والرّاء أصلٌ واحدٌ يدلّ على خفّة الشّيء في الهواء، ثمّ يستعار ذلك في غيره
وفي كلّ سرعةٍ، ومن ذلك الطّر: جمع طائرٍ، ثمّ يقال لكلّ من خفّ: قد طار (١)، والطيران:
حركة ذي الجناح في الهواء بجناحه (٢)، والطير: اسمٌ لجماعة ما يطير، مؤنّثٌ، والواحد
طائرٌ، والأنثى طائرةٌ، وهي قليلةٌ، وقلّما يقولون طائرةً للأنثى(٣)، وطائر الإنسان: عمله الذّي
قلّده كما في قوله تعالى: ﴿وَكُلّ إِنسَنِ أَلْزَّمْنَهُ طَيْرَهُ فِ عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣].
والطّائر: من الزّجر في التّشَؤُّمِ والتَّسَعُّد، وزجر فلانٌ الطير فقال: كذا وكذا، أو صنع كذا
وكذا، جامع لكلّ ما يسنح لك من الطّير وغيره (٤)، وجمع الطير طيور وأطيار، مثل فرخ
وفروخ وأفراخ (٥).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
ذكرنا في المعنى اللغوي أن الطير جمع طائر، والمعنى الاصطلاحي ليس ببعيد عن
المعنى اللغوي، قال الراغب: ((والطائر كل ذي جناح يسبح في الهواء)» (٦)، وعرفه ابن عاشور
بأنه: ((الحيوان الذي يرتفع في الجو بعمل جناحيه))(٧).
والخلاصة في القول: أن الطير اسم لكل ذي جناح يسبح في الهواء.
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٣/ ٤٣٥-٤٣٦.
(٢) لسان العرب، ابن منظور ٤ / ٥٠٨
(٣) المصدر السابق ٤ / ٥٠٨
(٤) العين،، الفراهيدي ٧ / ٤٤٧
(٥) انظر: مختار الصحاح، الرازي ص ١٩٤
(٦) المفردات، الراغب الاصفهاني ص ٥٢٨
(٧) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٠/ ٥٤٩
٢٢٦
جوبيع
القرآن الكريمِ

الطير
الطير في الاستعمال القرآني
وورد الجذر (ط ي ر) في القرآن (٢٩) مرة، والذي يخص منها الطير (٢١) مرة (١).
والصيغ التي وردت عليها هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل المضارع
١
﴿وَلَاَ طَيْرٍ يَطِيُ بِجَنَا حَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]
اسم
٢٠
﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةٌ مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: ٢٦٠]
وجاء الطير في القرآن بمعناه في اللغة وهو: كل ذي جناح يسبح في الهواء (٢).
(١) انظر: المعجم المفهرس، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٤٣٣.
(٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص ٥٢٨.
www. modoee.com
٢٢٧

حرف الطاء
الألفاظ ذات الصلة
١
الدابة:
الدابة لغة:
كل ما دب على وجه الأرض، وقد غلب على ما يركب من الحيوان، وفي العرف يطلق
على الخيل والحمار والبغل(١).
الدابة اصطلاحًا:
الحي الذي من شأنه الدبيب، وقيل: كل حيوان في الأرض، وإخراج البعض الطير من
الدواب رد بالسماع، ولا يخرج المعنى اللغوي عن المعنى الاصطلاحي له (٢).
الصلة بين لفظ الدابة والطير:
الغالب في الطير أنه يسبح في الهواء، والدابة تمشي على الأرض، فتشمل الطير؛ لأن
الطير يمشي إذا نزل(٣)، وهناك طيور لا تسبح في الهواء.
الحيوان:
٢
الحيوان لغة:
اسم يقع على كل شيء حي، ووصف الله عز وجل الدار الآخرة بأنها الحيوان، فقال
تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِىَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤]؛ أي: هي
الحياة، والمعنى: أن من صار إلى الآخرة لم يمت ودام حيا فيها لا يموت، فمن أدخل الجنة
حيي فيها حياة طيبة، ومن دخل النار فإنه لا يموت فيها ولا يحيى (٤).
الحيوان اصطلاحًا:
كل ذي روح من المخلوقات غير العاقلة (٥).
(١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١/ ٣٦٩- ٣٧٠، الكليات، الكفوي ص ٤٣٨، تاج العروس، الزبيدي
٢/ ٣٩٢.
(٢) انظر: التوقيف، المناوي ص ١٦٣، موسوعة الطير والحيوان في الحديث النبوي، عبد اللطيف عاشور
ص ١٨١ .
(٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٦/ ٩٧.
(٤) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١٤/ ٢١٤.
(٥) انظر: معجم لغة الفقهاء، محمد رواس ص ١٩٠.
٢٢٨
جوبيه
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

الطير
الصلة بين الحيوان والطير:
الحیوان:کلّ ذي روح ناطقًا كان، أو غير ناطق مأخوذ من الحياة، والطير له روح، فيكون
الطير صنفًا من أصناف الحيوان، ولما سئل النبي صلى الله عليه وسلم: (وإنّ لنا في البهائم
لأجرًا؟ فقال: في كلّ ذات كبدٍ رطبةٍ أجرٌ) (١)، فالطير من البهائم التي فيها الأجر، وتشمل كل
حي من الحيوان، والطير.
الحشرات:
٣
الحشرات لغةً:
الحَشَرة واحدة الحشرات، وهي صغار دوّاب الأرض(٢).
الحشرات اصطلاحًا:
صغار دواب الأرض وهوامها، ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي له(٣).
وعند علماء الحيوان: هي كل كائن يقطع في خلقه ثلاثة أطوار، يكون بيضة فدودة ففراشة،
وهي الهامة من هوام الأرض؛ كالخنافس، والعقارب، وتطلق أيضًا على الدابة الصغيرة من
دواب الأرض كالفئران والضباب (٤).
الصلة بين الحشرات، والطير:
أن الحشرات منها ما تطير كالذباب والجراد، ومنها ما لا تطير كالفأر والعقرب.
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المظالم، باب الآبار على الطرق إذا لم يتأذ منها، رقم ٢٤٦٦.
(٢) انظر: مختار الصحاح، الرازي، ص ٨٢.
(٣) انظر: التوقيف، المناوي ص ١٤١.
(٤) انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ١ / ١٩٧.
www. modoee.com
٢٢٩

حرف الطاء
الطير آية من آيات الله تعالى
أرشد الله تعالى عباده إلى الاعتبار بما
في الآفاق من الآيات المشاهدة الدالة على
قدرته وعجائب صنعته من المخلوقات،
حيث قال جل وعلا: ﴿سَتُرِيهِمْ ءَايَتِنَا
فِىِ الْآَّفَاقِ وَفِىّ أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ
الْحَقُّ أَوْلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍشَهِيدٌ
﴾ [فصلت: ٥٣].
ومن هذه المخلوقات: الطير ذلك
المخلوق الضعيف، فخلق هذا الطير،
وتسخيره في جو السماء، وتسبيحه - وإن
كنا لا نفقه ذلك - لدلالة واضحة على كمال
قدرته، وآية من آياته جل وعلا على بديع
صنعه تبارك وتعالى، بل أن هذا المخلوق
قد يكون جندًا من جنوده يرسله الله لإهلاك
الظالمين، كما حصل لأصحاب الفيل،
وسوف نتحدث عن ذلك بشيء من التفصيل
في النقاط الآتية:
أولًا: الإبداع الإلهي في خلق الطير:
لفت الله تعالى نظر العباد، وخاصة
المعرضين المكذبين بآياته إلى خلقه،
وكمال قدرته في الطير وتحليقه في جو
السماء.
قال جل وعلا: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ
صَنَّغَّتٍ وَيَقْبِضْنَّ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُّ إِنَّهُ بِكُلِّ
شَىْعِ بَصِيرُ ﴾ [الملك: ١٩].
قال السمرقندي في هذه الآية: ((﴿أَوَلَمْ
يَرَوَّا إِلَى الطَّيْرِ﴾؟ يعني: أولم يعتبروا في خلق
الله تعالى كيف خلق الطيور؟ ﴿فَوقَهُمْ
صَنَّفَّتٍ﴾ يعني: باسطات أجنحتها في
الهواء، ﴿وَيَقْيِضْنَ﴾ يعني: ويضممن
مَا يَمْسِكهن
أجنحتهن ويضربن بها،
يعني: ما يحفظهن في الهواء عند القبض
والبسط، ﴿إِلَّا الرَّحْمَنُّ إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ بَصِيرُ﴾
يعني: عالمًا بصلاح كل شيء))(١).
وفي هذا أكبر آية على قدرة الله تعالى،
إذ أمسكها في الهواء على ثقلها وضخامة
أبدانها(٢).
قال أهل المعاني: وإنما قيل ﴿وَيَقْبِضْنَ﴾
دون ((قابضات)) على نحو ((صافات))؛ لأن
الطيران في الهواء كالسباحة في الماء،
والأصل في كل منهما مد الأطراف وبسطها،
والقبض طارئ على البسط لأجل الإعانة،
فالمعنى أنهن صافات، ويكون منهن القبض
في بعض الأوقات، كما يكون من السابح (٣)،
ولذلك قالوا: إن الهواء للطير بمنزلة الماء
للسابح، فهو يسبح في الهواء بجناحیه، كما
يسبح الإنسان في الماء بأطرافه (٤).
فمن نظر في حالة الطير واعتبر فيها،
دلته على قدرة الباري، وعنايته الربانية، وأنه
(١) تفسير السمر قندي ٣/ ٤٧٧ .
(٢) الوسيط، الواحدي ٤ / ٣٣٠ .
(٣) غرائب القرآن، النيسابوري ٦/ ٣٢٩.
(٤) انظر: تفسير القرآن، السمعاني ٦/ ١٢.
٢٣٠
جوبي
القرآن الكريم

الطبر
الواحد الأحد، الذي لا تنبغي العبادة إلا له، الأصناف، وهو حافظ لما لها وما عليها،
مهيمن على أحوالها، لا يشغله شأن عن
فهو المدبر لعباده بما يليق بهم، وتقتضيه
حكمته(١).
شأن، وأنّ المكلفين ليسوا بمخصوصين
بذلك دون من عداهم من سائر الحيوان»(٣).
وقد أكد الله تعالى على قدرته وعلمه،
وسعة إحاطته بمخلوقاته، وإبداعه في
الخلق.
قال جل ثناؤه: ﴿وَمَامِن دَآبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلَا
طَيْرٍ يَطِيُرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّ أُمَّ أَمْثَالُكُمْ مَّا فَرَّطْنَا فِى
اُلْكِتَبِ مِن شَىْ ءٍ ثُمَّ إِلَى رَيْهِمْ يُحْشَرُونَ )﴾
[الأنعام: ٣٨].
قال السعدي في تفسير هذه الآية: ((أي:
جميع الحيوانات، الأرضية والهوائية،
من البهائم والوحوش والطيور، كلها أمم
أمثالكم خلقناها، كما خلقناكم، ورزقناها
کما رزقناكم، ونفذت فيها مشیئتنا وقدرتنا،
کما کانت نافذة فیکم»(٢).
والمعنى: إنه لا يوجد نوع من أنواع
الأحياء التي تدب على الأرض، ولا من
أنواع الطير التي تسبح في الهواء إلا وهي
أمم مماثلة لكم في أن الله خلقهم وتكفل
بأرزاقهم.
والغرض من ذكر ذلك، كما قال
الزمخشري: «للدلالة على عظم قدرته،
ولطف علمه، وسعة سلطانه وتدبيره تلك
الخلائق المتفاوتة الأجناس، المتكاثرة
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٨٧٧.
(٢) المصدر السابق ص ٢٥٥ .
وإنما خص ما في الأرض بذکر دون ما
في السماء، وإن كان ما في السماء مخلوقًا؛
لأن الاحتجاج بالشاهد أظهر وأولى مما لا
يشهد، وإنما ذكر الجناح في قوله تعالى:
﴿يَنَاحَيْهِ﴾؛ للتوكيد))(٤).
ولتوجيه الأنظار إلى الإبداع في الخلق
مع جمال التكوين والقدرة، وفي ذلك بيان
لقدرة الله تعالى (٥)، وقيل: إن اعتدال جسد
الطائر بين الجناحين يعينه على الطيران،
ولو کان غیر معتدل لکان یمیل، فأعلمنا أن
الطيران بالجناحين(٦).
ثانيًا: تسخير الطير:
حث الله جل وعلا عباده إلى النظر في
حالة الطير التي سخرها الله، وسخر لها
الجو والهواء، وجعل أجسادهن وخلقتهن
في حالة مستعدة للطيران، وهذا يدل على
كمال قدرته وعظمته.
قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ
مُسَخَّرَتٍ فِى جَوّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا
(٣) الكشاف، الزمخشري ٢ / ٢١ .
(٤) لباب التأويل، الخازن ٢ / ١١٠.
(٥) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ٥/ ٢٤٩١.
(٦) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٦/ ٤١٩.
www. modoee.com
٢٣١

حرف الطاء
اللهُّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾
[النحل: ٧٩].
قال ابن كثير: ((نبه تعالى عباده إلى النظر
إلى الطير المسخر بين السماء والأرض،
كيف جعله يطير بجناحيه بين السماء
والأرض، في جو السماء ما يمسكه هناك
إلا الله بقدرته تعالى، الذي جعل فيها
قوى تفعل ذلك، وسخر الهواء يحملها
ويسر الطير لذلك، كما قال تعالى في سورة
الملك: ﴿أَوَلَمْ يَرَوّا إِلَى الَّيْرِ فَوَقَهُمْ صَنَفَّتٍ
وَيَقْبِضْنَّ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُّ إِنَّهُ بِكُلِّ شَعْمَ
بَصِيرُ ﴾ [الملك: ١٩].
وقال هاهنا: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ
يُؤْمِنُونَ﴾))(١)، وجمع الآيات؛ لأن في
الطير دلائل مختلفة: من خلقة الهواء،
وخلقة أجساد الطير مناسبة للطيران في
الهواء، وخلق الإلهام للطير بأن يسبح في
الجو، وبأن لا يسقط إلى الأرض إلا بإرادته،
وخصت الآيات بالمؤمنين؛ لأنهم بالإيمان
قد ألفوا إعمال تفكيرهم في الاستدلال
على حقائق الأشياء، بخلاف أهل الكفر،
فإن الكفر مطبوع على النفرة من الاقتداء
بالناصحين، وعلى مكابرة الحق (٢).
ففي الآية دلالة واضحة ومظهر من
مظاهر قدرة الله ووحدانيته، حيث جعل
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤ / ٥٩٠ .
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٤/
٢٣٦.
الطير قادرًا على التحليق والطيران في الجو
- ما بين السماء والأرض- وهي مذللة لأمر
الله تعالى، ما يمسكها إلا الله تعالى، وتلك
علامات وعبر ودلالات على القدرة الإلهية،
فلولا خلق الطیر علی وضع يمكنه الطيران،
وخلق الجو على حالة يمكن الطيران فيه،
لما أمكن ذلك(٣).
وقال تعالى في هذه الآية: ﴿مَايُمْسِكُهُنَّ
إِلَّا اللّهُ﴾ [النحل: ٧٩].
وقال في موضع آخر: ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا
﴾ [الملك: ١٩].
الرَّحْمَنُ
والحكمة في ذلك؛ لأن التسخير في
جو السماء محض الإلهية، وأما صافات
وقابضات فكان إلهامها كيفية البسط
والقبض على الوجه المطابق للمنفعة من
رحمة الرحمن (٤).
ثالثًا: تسبيح الطير:
ذكر الله جل وعلا تسبيح الطير في
أكثر من موضع في محكم كتابه، ومن
ذلك ما أنعم الله تعالى به على داوود عليه
السلام، حيث قال تعالى: ﴿وَسَخَّرْ نَامَعَ دَاوُدَ
اُلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرُ وَكُنَّا فَعِلِينَ﴾
[الأنبياء: ٧٩].
(٣) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ١٤/ ١٩٥.
(٤) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٣٠ / ٥٩٣،
غرائب القرآن، النيسابوري ٦/ ٣٢٩.
٢٣٢
جوَسُبُورَةُ النَّقتبـ
القرآن الكريمِ

الطير
قال الطبري: ((يسبحن معه إذا سبح))(١)، مظنة لأن يكذّب به الكفرة الجهلة(٣).
وقدمت الجبال على الطير؛ لأن تسخيرها
وتسبيحها أعجب وأدل على القدرة، وآدخل
في الإعجاز؛ لأنها جماد، والطير حيوان
ناطق (٢).
وقال الشنقيطي: ذكر جل وعلا في هذه
الآية الكريمة أنه سخر الجبال، أي: ذللها،
وسخر الطیر تسبح مع داود، وما ذكره جل
وعلا من تسخيره الطير والجبال تسبح مع
نبيه داود بينه في غير هذا الموضع، كقوله
تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ, يُسَّبِّحْنَ بِالْعَشِّ
وَالْإِشْرَاقِ ) وَالَيْرَ بَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّبُ
ء
[ص: ١٨ - ١٩].
وتسبيح الجبال والطير مع داود تسبيح
حقيقي؛ لأن الله جل وعلا يجعل لها
إدراكات تسبح بها، يعلمها هو جل وعلا
ونحن لا نعلمها،كما قال: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ
إِلَّا يُسَبِعُ بِهِ، وَلَكِنْ لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾
[الإسراء: ٤٤].
والتسبيح: هو تنزيه الله جل وعلا عن
کل ما لا يليق بكماله وجلاله، وفي قوله
تعالى: ﴿وَكُنَّا فَعِلِينَ﴾ مؤكد لقوله
تعالى: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ
وَالطَّيْرَ﴾ والموجب لهذا التأكيد: أن تسخير
الجبال وتسبيحها أمر عجب خارق للعادة،
(١) جامع البيان، الطبري ١٨/ ٤٧٩.
وقال تعالى في موضع آخر: ﴿أَلَوْتَرَ
أَنَّ اللّهَ يُسَبْحُ لَهُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَاَلَّيْرُ
صَفَّتٍ كُلْ قَدْ عَلِمَ صَلَافَهُ، وَتَسْبِحَهُ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا
يَفْعَلُونَ ﴾ [النور: ٤١].
قال ابن كثير في هذه الآية: ((یخبر تعالی
أنه يسبحه من في السموات والأرض،
حتى الجماد، كما قال تعالى: ﴿وَإِنِّن
شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِحُ بِهِ، وَلَكِن لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾
[الإسراء: ٤٤].
وقوله: ﴿وَالطَّيْرُ صَفَّتِ﴾ أي: في حال
طيرانها تسبح ربها وتعبده بتسبيح ألهمها
وأرشدها إليه، وهو يعلم ما هي فاعلة؛
ولهذا قال: ﴿كَلّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِحَهُ﴾﴾
أي: کل قد أرشده إلى طريقته ومسلكه في
عبادة الله عز وجل، ثم أخبر أنه عالم بجميع
ذلك، لا يخفى عليه من ذلك شيء؛ ولهذا
قال: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾))(٤)، أي: علم
جميع أفعالها، فلم يخف عليه منها شيء،
وسيجازيهم بذلك، فيكون على هذا قد
جمع بين علمه بأعمالها، وذلك بتعليمه،
وبين علمه بأعمالهم المتضمن للجزاء(٥).
وخص الطير بالذكر مع دخولها تحت
من في السموات والأرض؛ لعدم استمرار
(٣) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٤/ ٢٣١ -
٢٣٢.
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٢/ ١٦٨، (٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٧٢.
مدارك التنزيل، النسفي ٢/ ٤١٥ .
(٥) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٥٧٠ .
www. modoee.com
٢٣٣

حرف الطاء
استقرارها في الأرض، وكثرة لبثها في
الهواء، وهو ليس من السماء ولا من الأرض،
ولما فيها من الصنعة البديعة التي تقدر
بها تارة على الطيران، وتارة على المشي
بخلاف غيرها من الحيوانات، وذكر حالة
من حالات الطير، وهي كون صدور التسبيح
منها حال كونها صافات لأجنحتها، أن هذه
الحالة هي أغرب أحوالها، فإن استقرارها في
الهواء مسبحة من دون تحريك لأجنحتها،
ولا استقرار على الأرض من أعظم صنع
الله الذي أتقن كل شيء (١).
وفي قوله تعالى: ﴿كُلُ قَدْ عَلِمَ صَلَانَهُ.
وَتَسْبِيحَهُ﴾ يقول أبو الطيب: ((وفائدة الإخبار
بأن كل واحد قد علم ذلك أن صدور هذا
التسبيح هو عن علم قد علّمها الله ذلك؛
وألهمها إليه لا أن صدوره منها على طريقة
الاتفاق بلا روية، وفي ذلك زيادة دلالة على
بديع صنع الله سبحانه؛ وعظم شأنه من كونه
جعلها مسبحة له، عالمة بما يصدر منها، غير
جاهلة له)) (٢).
رابعًا: الطير من جنود الله تعالى:
أخبر الله جل وعلا نبينا محمد صلى الله
عليه وسلم ما جرى لأصحاب الفيل الذين
قدموا من الیمن یریدون هدم الكعبة، ومحو
أثرها من الوجود، وكان رئيسهم أبرهة
(١) فتح القدير، الشوكاني ٤ / ٤٧-٤٨ .
(٢) فتح البيان، القنوجي ٩/ ٢٤١.
الحبشي الأشرم، فأرسل الله عليهم جندًا
من جنوده، فأبادهم، وأرغم آنافهم، وخیب
سعیھم، وأضل عملهم(٣).
قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًّا أَبَابِيلَ
[الفيل: ٣].
قال الطبري: ((وأرسل عليهم ربك طيرًا
متفرقة، يتبع بعضها بعضًا من نواح شتَّى،
وهي جماع لا واحد لها -أي: الأبابيل - مثل
الشماطيط والعبادید ونحو ذلك)» (٤).
وقال الزجاج في معنى الآية: «جماعات
من هاهنا وجماعات من هاهنا، والمعنى:
أرسل الله عليهم هذا الطير بهذه الحجارة
من كل جانب)»(٥).
وقد ورد تفسير كلمة الأبابيل بعبارات
متعددة عن السلف منها ما ذكرناه آنفًا، وهذه
الأقوال كما قال النحاس متفقة، وحقيقة
المعنى: أنها جماعات عظام، يقال: فلان
یؤبل على فلان، أي یعظم علیه ویکثر، وهو
مشتق من الإبل، وهو من الجمع الذي لا
واحد له (٦).
فإن قيل: لم قال تعالى: ﴿طَيِّ﴾ على
التنكير؟
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٤ / ٦٠٥، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٨ / ٤٨٣ .
(٤) جامع البيان، الطبري ٢٤/ ٦٠٥ .
(٥) معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٥/ ٣٦٣ .
(٦) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٠/
١٩٧، فتح القدير، الشوكاني ٦٠٥/٥.
٢٣٤
جوبي
الْقُرآن الكَرِيمِ

الطير
فإنه مهما كان أحقر کان صنع الله أعجب
وأکېر، أو للتفخیم کأنه يقول: طیرًا وأي طير
ترمي بحجارة صغيرة فلا تخطئ المقتل))(١).
والجواب كما قال الرازي: ((إما للتحقير، لم يكن بين عام الفيل، ومبعث الرسول إلا
نیفًا وأربعين سنة، ویوم تلا رسول الله صلّی
اللّه عليه وسلم هذه الآية، كان قد بقي جمع
شاهدوا تلك الواقعة، فلا يجري فيها تلك
الأعذار، ولو كان النقل ضعيفًا لكذبوه،
فعلمنا أنه لا سبيل للطّعن فيها (٤).
وقال أبو حيان: والظاهر أن الخطاب
للرسول صلى الله عليه وسلم، يذكر نعمته
عليه، إذ كان صرف ذلك العدو العظيم عام
مولده السعید علیه السلام، وإرهاصًا بنبوته،
إذ مجيء تلك الطيور على الوصف المنقول،
من خوارق العادات والمعجزات المتقدمة
بين أيدي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام،
فكأن الله تعالى يقول له قد علمت ما فعل
ربك بهؤلاء الذين قصدوا حرمه، ضلل
كيدهم وأهلكهم بأضعف جنوده، وهي
الطير التي ليست من عادتها أنها تقتل (٢)،
وهذه آيةٌ باهرةٌ دالةٌ على شرف الكعبة (٣).
وفي الآية رد على الملحدين الذين
ذكروا في العذاب الذي أهلك الله به الأمم؛
كالزلازل، والرياح، والصواعق، والخسف،
أعذارًا ضعيفة، أما هذه الواقعة، فلا يجري
فيها تلك الأعذار، وليس في شيء من
الطّبائع والحيل أن يعهد طير معها حجارة،
فيقصد قومًا دون قوم فیقتلهم، ولا يمكن
أن يقال: إنه كسائر الأحاديث الضعيفة؛ لأنه
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٣٢/ ٢٩١ .
(٢) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ١٠/ ٥٤٣-
٠٥٤٤
(٣) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٥/ ٤٠٢. (٤) انظر: المصدر السابق ٢٠/ ٥٠٠-٥٠١ .
www. modoee.com
٢٣٥

حرف الطاء
الطير في القصص القرآني
القصص في القرآن الكريم من أصدق
القصص؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اَللَّهِ
حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧].
وذلك لتمام مطابقتها على الواقع،
وأحسن القصص؛ لقوله تعالى: ﴿فَحْنُ نَقُصُ
عَلَيَّكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا
الْقُرْءَانَ﴾ [يوسف: ٣].
وذلك لاشتمالها على أعلى درجات
الكمال في البلاغة وجلال المعنى،
وأنفع القصص؛ لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ
كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأَوْلِ الْأَلْبَبِ﴾
[يوسف: ١١١].
وذلك لقوة تأثيرها في إصلاح القلوب
والأعمال والأخلاق، وقد ذكر الله جل
وعلا من القصص في كتابه الكريم قصص
الطير سواء مع بعض أنبيائه عليهم السلام،
أو مع ابني آدم عليه السلام، وسوف نتحدث
عن ذلك بشيء من التفصيل، مع بيان أهم
الدروس والعبر من هذه القصص.
أولًا: قصة ابني آدم مع الغراب:
أخبر الله جل وعلا في محكم كتابه
ما جری بین ابني آدم لصلبه، وهما هابيل
وقابيل، وهو قول جمهور العلماء(١)، وكيف
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣/ ٨١-
٨٢، لباب التأويل، الخازن ٢/ ٣٢، أضواء
عدا أحدهما على الآخر، فقتله بغيًا عليه
وحسدًا له، فيما وهبه الله من النعمة، وتقبل
القربان الذي أخلص فيه لله عز وجل، ففاز
المقتول بوضع الآثام، وخاب القاتل ورجع
بالصفقة الخاسرة في الدنيا والآخرة (٢)،
فقيض الله جل وعلا غرابًا لتعليم القاتل
کیف یدفن أخاه.
قال تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَبًا يَبْحَثُ فِى
الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُؤَرِى سَوْءَةَ أَخِيَةٍ قَالَ
يَوَيَلَنَّ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرابِ
فَأُوَرِىَ سَوْءَةَ أَخِىٌّ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّدِمِينَ
(٣) ﴾ [المائدة: ٣١].
قال القاسمي في تفسير هذه الآية:
((﴿فَبَعَثَ﴾ أي: أرسل ﴿اَللَّهُ غُرَبًا﴾ فجاء
﴿يَبْحَثُ﴾ أي: يحفر بمنقاره ورجله متعمقًا
في الأرض، قال القتيبيّ: هذا من الاختصار،
ومعناه: بعث غرابًا يبحث التراب على
غراب ميت ﴿لِيُرِيَهُ﴾ الضمير إمّا لله تعالى
أو للغراب، والظاهر للقاتل أخاه ﴿كَيْفَ
يُؤَرِى﴾ أي: يستر في التراب ﴿سَوْءَةَ
أَخِيهِ﴾ أي: جسده الميت، وسمّي سوأة؛
لأنه مما يسوء ناظره، ﴿قَالَ يَوَيْلَى﴾ كلمة
جزع وتحسّر، والويل الهلكة، ﴿أَعَجَرْتُ ﴾
أي: أضعفت عن الحيلة ﴿أَنَّ أَكُونَ مِثْلَ
هَذَا الْغُرَبِ﴾ أي: الذي هو من أخسّ
البيان، الشنقيطي ١/ ٣٧١.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣ / ٨١ -
٨٢.
٢٣٦
جوسين
القرآن الكريمِ

الطير
الحيوانات، والاستفهام للتعجب من عدم حیوانًا يتعاطاه، وجعل الله تعالى ذلك سببًا
لتعلم الناس ذلك منه، فمن الحيوان ما
يسبح، ومنها ما يمشي، ومن عادة الغراب
دفن الأشياء، فلما رأی قابيل ذلك تنبه لما
يجب أن يفعل، فاستصغر نفسه لقصوره عن
معرفة ما اهتدى إليه الغراب، فأخذ يتحسر،
ویتولول وندم ندمًا لا یثنیه» (٦).
اهتدائه إلى ما اهتدى إليه الغراب (فاوِىَ﴾
أي: أغطي ﴿سوءَةً أَخِىّ فاصبحَ ﴾ أي: صار
﴿مِنَ النَّدِمِينَ﴾ أي: على حيرته في مواراته
حیث لم يدفنه حین قتله، فصار أجهل من
الحيوانات العجم وأضلّ منها وأدنى))(١)،
قیل: لم یکن ندمه ندم توبة، بل ندم لفقده لا
على قتله، وقيل غير ذلك (٢).
وروي عن ابن عباس في قوله
وقال الألوسي: ((والغراب: طائر تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَبًا يَبْحَثُ فِى الأَرْضِ
معروف، قيل: والحكمة في کونه المبعوث
دون غيره من الحيوان: کونه يتشاءم به في
الفراق والاغتراب، وذلك مناسب لهذه
القصة)»(٣).
وروى السدي بإسناده المتقدم إلى
الصحابة: أن الله تعالى بعث غرابين
أخوين، فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه،
فحفر له ثم حتی علیه، فلما رآه قال:﴿قَالَ
يَوَّيْلَ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرابِ
فَأُوَرِىَ سَوْءَةَ أَخِى﴾(٤)، وهو قول أكثر
المفسرين (٥).
قال الراغب: ((فتنبه قابیل لدفن أخيه،
ووجه ذلك: أنه ما من صنعة يتعاطاها الإنسان
بالتعلم إلا وقد سخر الله لمثل ذلك الصنعة
(١) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٤ / ١١١.
(٢) فتح البيان، القنوجي ٣/ ٤٠١ .
(٣) روح المعاني، ٣/ ٢٨٦ .
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ١٠/ ٢٢٥.
(٥) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ٤/ ٢١٣٢.
أنه قال: جاء غراب إلى غراب ميت فحثى
عليه من التراب حتى واراه، فقال الذي قتل
أخاه: ﴿يَوَيْلَىْ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا
الْغُرَّبِ﴾(٧).
قال أبو زهرة: ((وقد فهم بعض المفسرين
من الآية أنه لم يكن ثمة غراب قد مات، أو
قتله صاحبه، ولكنه رأى الغراب يبحث في
الأرض عن شيء من الأشياء ليدفنه؛ لأن
من عادة الغربان حفر الأرض لدفن الأشياء،
فلما رأى قاتل أخيه الغراب يحفر الأرض
اهتدى إلى حفر الحفرة التي ألقى فيها جثة
أخيه القتيل.
والحق أن الآية الكريمة نصت على أن
الغراب قد أخذ يبحث في الأرض، حتى
حفر حفرة، دفن فيها شيئًا أو طيرًا ميتًا، ولم
تتعرض لكون المدفون طيرًا أو غير طير، ولا
(٦) تفسير الراغب الأصفهاني ٤/ ٣٢٩.
(٧) انظر: جامع البيان، الطبري ١٠/ ٢٢٦.
www. modoee.com
٢٣٧

حرف الطاء
لكون الطير مات بقتل الدافن، أو مات بسبب
آخر، والآية الكريمة بينة واضحة المقصد
من غیر فرض واحد من هذه الفروض بعينه،
والفرض الواحد الذي يقتضيه بيان الغرض،
والمغزى: هو أن نفرض أن الغراب أخذ
يحفر في الأرض، حتى أتم حفرة وضع
فيها شيئًا، فعلم القاتل الجهول أن ذلك هو
الطريق لدفن أخيه))(١).
وفي الآية دلالة على أن الندم إذا لم یکن
لقبح المعصية، لم يكن توبة، والآية أصل
في دفن الميت (٢)، والله أعلم.
ثانيًا: قصة إبراهيم عليه السلام وإحياء
الطير:
سأل إبراهيم عليه السلام ربه جل وعلا
أن يريه كيف يحيي الموتى، فأجابه الله
تعالى لما طلب، فكان هذا المشهد الذي
حدثنا به الحق تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ
إِثَهِتْمُ رَبِّ أَرِبِ كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْنَى قَالَ أَوَلَمْ
تُؤْمِنٌ قَالَ بَى وَلَكِن لِيَطْمَبِنَ قَلْبِىّ قَالَ فَخُذْ
أَرْبَعَةٌ مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ أَجْعَلْ عَلَى كُلِّ
جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءً ا ثُمَّ أَدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيَاً وَأَعْلَمْ
أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [البقرة: ٢٦٠].
ذكر المفسرون لسؤال إبراهيم عليه
السلام ربه جل وعلا أسبابًا منها:
(١) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ٤ / ٢١٣١-
٢١٣٢.
(٢) محاسن التأويل، القاسمي ٤ / ١١٢.
وهو قول أكثر المفسرين: أنه رأی جیفة
بساحل البحر تتناولها السباع والطير ودواب
البحر، ففكر كيف يجتمع ما قد تفرق من
تلك الجيفة، وتطلعت نفسه إلى مشاهدة
ميت يحييه ربه، فقال: ﴿رَبِّ أَرِبِ كَيْفَ
تُحِى الْمَوْقَى﴾ [البقرة: ٢٦٠](٣)، وهو قول
الحسن وقتادة والضحاك وابن عباس (٤).
وقال آخرون: بل كان سبب مسألته ربه
ذلك: المناظرة والمحاجة التى جرت بينه
وبین نمرودفي ذلك، قاله ابنإسحاق(٥)،قال
ابن كثير: لما قال إبراهيم عليه السلام لنمرود
﴿رَبَِّ أَلَّذِى يُحْيِ، وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨].
أحب أن يترقى من علم اليقين في ذلك
إلی عین الیقین، وأن یری ذلك مشاهدة،
فقال: ﴿رَبِّ أَرِبِ كَيْفَ تُحِىِ الْمَوْقَى قَالَ أَوَلَمْ
تُؤْمِنٌ قَالَ بَى وَلَكِنْ لِيَطْمَيِنَّ قَلْبِىِ﴾(٦).
وقد ذهب الجمهور إلی أن إبراهيم عليه
السلام لم یکن شاگًّا في إحياء الموتى قط،
وإنما طلب المعاينة لما جبلت عليه النفوس
البشرية من رؤية ما أخبرت عنه (٧).
فاستجاب الله تعالى لإبراهيم عليه
(٣) انظر: الوسيط، الواحدي ١/ ٣٧٤.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٥/ ٤٨٥-٤٨٦،
تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم ٢ / ٥٠٧.
(٥) انظر: جامع البيان، الطبري ٥/ ٤٨٦-٤٨٧ .
(٦) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/
٦٨٩.
(٧) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣/
٢٩٧، فتح القدير، الشوكاني ١/ ٣٢٣.
بَرُ النَّفِيَّة
جوية
القرآن الكريمِ
٢٣٨

الطير
السلام لما طلب له، حیث أمره الله جل
وعلا أن يأخذ أربعة من الطیر فیذبحهن،
ثم يخلط بین لحومهن وریشھن و دمائهن،
وهو قول قتادة(١)، وإنما خص الطير؛ لأنه
أقرب إلى الإنسان وأجمع لخواص الحيوان
والطير (٢).
وجمهور المفسرين على أن الله أمر
إبراهیم خلیله بأن یذبح تلك الطيور ويقطع
أجزاءها ويضع على كل مرتفع من الأرض
جزءًا من تلك الأشلاء المتقطعة، ثم يدعوها
فتكون طیرًا بإذن الله ويجيء إليه سعيًا،
وعلى هذا النحو يكون ذلك العمل الحسي
تقريبًا لمعنی الإحياء، وإن لم یکن بيانًا كاملًا
للكيفية؛ لأن الكيفية عند الله العليم الخبير
علمها، ویکون ذلك إظهارًا للإحياء بمظهر
حسي، وإن لم يكن فيه بيان الكيفية (٣).
قال السعدي في تفسير الآية: ((﴿قَالَ
فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ﴾ ولم يبين أي الطيور
هي، فالآية حاصلة بأي نوع منها، وهو
المقصود،﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ أي: ضمهن،
واذبحهن، ومزقهن ﴿ثُمَّ أَجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ
مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ أَدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيَاً وَأَعْلَمْ أَنَّ
اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ ففعل ذلك، وفرق أجزاءهن
على الجبال التي حوله، ودعاهن بأسمائهن،
فأقبلن إليه، أي: سريعات، لأن السعي:
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٥/ ٥٠٣.
(٢) أنوار التنزيل، البيضاوي ١/ ١٥٧ .
(٣) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ٢/ ٩٦٦.
السرعة، وليس المراد أنهن جئن على
قوائمهن، وإنما جئن طائرات على أكمل
ما يكون من الحياة، وخص الطيور بذلك؛
لأن إحياءهن أکمل وأوضح من غيرهن،
وأيضًا أزال في هذا كل وهم ربما يعرض
للنفوس المبطلة، فجعلهن متعددات أربعة،
ومزقهن جميعًا، وجعلهن على رؤوس
الجبال، لیکون ذلك ظاهرًا علنًا، یشاهد من
قرب ومن بعد، وأنه نحاهن عنه کثیرًا، لئلا
يظن أن يكون عاملا حيلة من الحيل، وأيضًا
أمره أن يدعوهن فجئن مسرعات، فصارت
هذه الآية أكبر برهان على كمال عزة الله
وحکمته، وفيه تنبيه على أن البعث فيه يظهر
للعباد كمال عزة الله وحكمته وعظمته
وسعة سلطانه، وتمام عدله وفضله)»(٤).
وجيء بمن للتبعيض في قوله تعالى:
﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ﴾ للدلالة على أن
الأربعة مختلفة الأنواع، والظاهر أن حكمة
التعدد والاختلاف زيادة في تحقق أن
الإحياء لم يكن أهون في بعض الأنواع دون
بعض، فلذلك عددت الأنواع، وفائدة الأمر
بإدنائها في قوله تعالى: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ
حتى يتأمل أحوالها ويعلم بعد إحيائها أنها
لم ينتقل جزء منها عن موضعه (٥)، والله
أعلم.
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٩٥٦ .
(٥) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣/ ٣٩-
٤٠.
www. modoee.com
٢٣٩

حرف الطاء
وإنَّا
وناهيك بالقصة دليلًا على فضل الخليل، لذلك، وهذا تفسير لقوله تعالى:
نَرَكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾(٤)، وهو قول
الضحاك وقتادة، وأولى بالصواب عند
الطبري(٥) .
ويُمْن الضراعة في الدعاء، وحسن الأدب
في السؤال، حیث أراه الله تعالى ما سأل في
الحال على أيسر ما يكون من الوجوه (١).
ثالثًا: يوسف عليه السلام وتأويل رؤيا
الطير:
ذكر الله عز وجل ما جرى بين يوسف
عليه السلام والفتيان اللذين كانا معه في
السجن، حيث قال تعالى: ﴿ وَدَخَلَ مَعَهُ
السِّجْنَ فَتَيَانٍ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّ أَرَنِّ أَعْصِرُ
خَمْرٌ وَقَالَ الْآَخَرُ إِنْ أَرَبِيّ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى
خُبْزًا تَأْكُلُ الَّيْرُ مِنَّةٌ نَبِقْنَا بِتَأْوِيلِ: إِنَّا نَرَتِكَ
مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [يوسف: ٣٦].
قال قتادة: وكان الفتيان غلامين من
غلمان ملك مصر الأكبر، أحدهما صاحب
شرابه، والآخر صاحب طعامه (٢).
وكان يوسف عليه السلام قد اشتهر في
السجن بالجود والأمانة وصدق الحديث
وحسن السمت وكثرة العبادة، صلوات الله
عليه وسلامه، ومعرفة التعبير والإحسان
إلى أهل السجن، وعيادة مرضاهم والقيام
بحقوقهم، ولما دخل هذان الفتيان إلى
السجن، تألفا به وأحباه(٣)، فسمياه محسنًا
(١) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ١ / ٢٥٧ .
(٢) جامع البيان، الطبري ١٦ / ٩٤- ٩٥ .
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤/
٣٨٨.
ثم إنهما رأيا منامًا، فرأى الساقي أنه
يعصر خمرًا - يعني عنبًا - وقال الآخر
- وهو الخباز -: ﴿إِنَّ أَرَبِّ أَحْمِلُ فَوْقَ
رَأْسِىِ خُبْزًا تَأْكُلُ اَلَّيْرُ مِنْهُ﴾ والمشهور عند
الأكثرين أنهما رأيا منامًا وطلبا تعبيره (٦).
وفي قوله تعالى: ﴿يَدِّثْنَا بِتَأْوِيلِ﴾
قال الماتريدي: وسمى التعبير تأويلاً؛ لأن
التأويل: هو الإخبار عن العواقب؛ لذلك
سموه تأويلا، ثم خرج تأويل الذي کان خبازًا
علی ما ذکر، وهو إنما كان يخبز للناس، فلما
رأی أنه حمل الخبز على رأسه، وأنه یأکل
الطير علم أنه يخرج من الأمر الذي كان فيه،
وخروجه یکون بهلاکه؛ لأنه كان من قبل
يخبز للناس، فصار يخبز لغيرهم، فاستدل
بذلك على خروجه من أمره وعمله، لكنه
أخبر أنه يصلب؛ لأنه كان قائمًا منتصبًا،
فأول على ما كان من أمره، والله أعلم (٧).
وكلام الماتريدي في هذه الآية يعتبر
(٤) انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي ٦/
٢٣٨.
(٥) انظر: جامع البيان، الطبري ١٦/ ٩٨ -١٠٠.
(٦) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤/
٣٨٨.
(٧) انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي ٦/
٢٣٩.
٢٤٠
جوبيبو
لِلْقُرآن الكَرِيمِ

الطير
تفسيرًا لقوله تعالى: ﴿فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ المبهمة الجواب (٤).
الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ﴾ [يوسف: ٤١].
وفي هذه الآية يقول السعدي: ((عبر عن
الخبز الذي تأکله الطیر بلحم رأسه وشحمه،
وما فيه من المخ، وأنه لا يقبر ويستر عن
الطيور، بل يصلب ويجعل في محل، تتمكن
الطيور من أكله)»(١).
وقال الزجاج في قوله تعالى: ﴿قُضِىَ
الأَمْرُ الَّذِى فِیهِ تَشْنَفْتِیَانِ﴾:«لما تأول لهما
الرؤيا قال الذي أنباه بأنہ یصلب أنه لم ير
شيئًا، فأعلمه أن ذلك واقع به وإن لم ير،
كما أعلمهما بخبر ما يأتيهما من الطعام)»(٢)،
بقوله: ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُزَقَانِ: إِلَّا بَبَأْتُكُمَا
بِتَأْوِيلِ. قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا﴾ [يوسف: ٣٧].
وذکر ذلك بعض أهل التأويل، كما قال
الماتريدي، ثم رد على ذلك بقوله: لكن هذا
لا یعلم: قالا ذلك أم لم یقولا، سوى أن فيه
أنه عبّر رؤياهما، وكان ما عبّر لهما، وقد علم
ذلك بتعليم من اللّه إياه بقوله: ﴿ذَلِكُمَامِمَّا
عَلَّمَنِ رَبٍِّ﴾ [يوسف: ٣٧](٣)، والتعبير عنه
بـ (الأمر)، وعن طلب تأويله بـ(الاستفتاء)
تهويلا لأمره، وتفخيما لشأنه، إذ الاستفتاء
إنما يكون في النوازل المشكلة الحكم،
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٣٩٨ .
(٢) معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٣/ ١١١ .
(٣) انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي ٦/
٢٤٢.
رابعًا: داود عليه السلام والطير:
أخبر الله جل وعلا بما أنعم على عبده
ورسوله داود عليه السلام، وبما أتاه من
الفضل العظيم، ومن ذلك تسبيح الطير معه
* وَلَقَدْ ءَانَيْنَا
إذا سبح، حيث قال تعالى:
دَاوُرَ مِنَّا فَضْلًا يَجِبَالُ أَوْ بِى مَعَهُ وَالطَّيْرٌ وَأَلَنَّالَهُ
اْحَدِيدَ ن﴾ [سبأ:١٠].
قال الزجاج: ((﴿أُوِِّ مَعَهُ﴾ معناه رجعي
معه، يقال: آب يؤوب، إذا رجع، ومعنى
رجّعي معه: سبّحي معه ورجّعي التسبيح
معه.
(والطيرَ) (والطيرُ)، فالرفع من جهتين:
إحداهما: أن يكون نسقًا على ما في
﴿أَوِّبِ﴾، والمعنى ﴿يَجِبَالُ﴾ رجّعي
التسبيح أنت ﴿وَالطَّيْرٌ}
ويجوز أن يكون مرفوعًا عل البدل،
والمعنى: يا جبال ويا أيها الطير ﴿أَوِّبِى
مَعَدُ﴾))(٥).
وقال ابن زيد في قوله تعالى: ﴿يَجِبَالُ
أَوِبِ مَعَهُ﴾ قال: سبحي معه، قال: والطير
أيضًا(٦).
والخلاصة في المعنى: أن الله أمر الطير
تسبح مع داود عليه السلام إذا سبح.
(٤) محاسن التأويل، القاسمي ٦ / ١٧٨.
(٥) معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٤ / ٢٤٣.
(٦) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٠/ ٣٥٨.
www. modoee.com
٢٤١

حرف الطاء
وأما ابن كثير فيقول في تفسير هذه الآية:
«یخبر تعالی عما أنعم به على عبده ورسوله
داود، صلوات الله وسلامه علیه، مما آتاه من
الفضل المبین، وجمع له بین النبوة والملك
المتمکن، والجنود ذوي العدد والعدد، وما
أعطاه ومنحه من الصوت العظيم، الذي
كان إذا سبح به تقف له الطيور السارحات،
والغاديات والرائحات، وتجاوبه بأنواع
اللغات، وفي الصحيح أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم سمع صوت أبي موسى
الأشعري يقرأ من الليل، فوقف فاستمع
لقراءته)»(١)، ثم قال لأبي موسى: (لو رأيتني
وأنا أستمع لقراءتك البارحة، لقد أوتيت
مزمارا من مزامير آل داود)(٢).
والتأويب في اللغة: هو الترجيع، فأمرت
الجبال والطير أن ترجع معه بأصواتها،
فمعنى قوله تعالى: ﴿أُوِى معدُ﴾أي: رجعي
معه مسبحة معه، والله أعلم(٣).
وفي هذا الأسلوب الذي نظمت علیه
الآية من الفخامة، وجلالة الخالق، وعظم
شأن داود، مع وفرة المعاني، وإيجاز
الألفاظ، ما لا يخفى من الدلالة على عزة
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/
٤٩٧.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة
المسافرين وقصرها، باب استحباب تحسين
الصوت بالقرآن، رقم ٢٣٦ .
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/
٤٩٧.
الربوبية وكبرياء الإلهية، حيث جعلت
الجبال بمنزلة العقلاء الذين إذا أمرهم
بالطاعة أطاعوا وأذعنوا، وإذا دعاهم سمعوا
وأجابوا، إشعارًا بأنه ما من حيوان وجماد
وناطق وصامت، إلا وهو منقاد لمشيئته غير
ممتنع على إرادته سبحانه وتعالى (٤).
﴿إِنَّا سَخَّرْنَا
ونحو هذه الآية قوله تعالى:
اِجَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِ وَالْإِشْرَاقِ ) وَالَّيْرَ
تَعْشُورَةٌ كُلٌّ لَّهُ أَوَّبٌ ﴾ [ص: ١٨ -١٩].
قال ابن الجوزي: «قوله تعالى: ﴿وَأَلَّيْرَ
تحتُورةً﴾ أي: مجموعة إلیه، تسبّح الله معه
﴿كُلَّ لَّهُ﴾ في هاء الكناية قولان: أحدهما:
ترجع إلى داود، أي: كلِّ لداود أوّابٌ أي:
رجّاعُ إلى طاعته وأمره، والمعنى: كلِّ له
مطيع بالتسبيح معه، هذا قول الجمهور،
والثاني: أنها ترجع إلى الله تعالى، فالمعنى:
کڵ مسبح لله»(٥).
وقال ابن كثير في هذه الآية: ((كانت
الطیر تسبح بتسییحه، وترجع بتر جیعه إذا مر
به الطير، وهو سابح في الهواء، لا تستطيع
الذهاب، بل تقف في الهواء وتسبح معه،
ولهذا قال: ﴿وَالطَّيْرَ تَحْشُورَةً﴾ أي: محبوسة
في الهواء، ﴿كُلِ لَّهُ أَوَّابٌ ﴾ أي: مطيع يسبح
تبعًا له))(٦).
(٤) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٨/ ١٣٦،
التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٢ / ١٥٦.
(٥) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٣/ ٥٦٤.
(٦) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧ / ٥٧ -
٢٤٢
جوبيبو
القرآن الكريمِ

الطير
خامسًا: الطير من جند سليمان عليه وزعة؛ لكفهم إياهم عنه (١).
السلام:
ورث سليمان عليه السلام أباه في علمه
ونبوته وملكه، وزاده الله ملكًا عظيمًا لم
يحصل لأحد قبله ولا بعده، فقد سخر الله
له الريح تجري بأمره، والجن والشياطين
يعملون له من الأعمال ما يشاء، ومن
الجنود الإنس والجن والطير، وقد وصف
الله تعالى جنوده وهم منتظمون في سيرهم
واجتماعهم بتدبير عجيب ونظام غريب،
ومن تلك الجنود المنتظمة الطير.
قال تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَنَ جُنُودُهُ.
مِنَ الْجِنِّ وَالْإِسِ وَالَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ
١٧
[النمل: ١٧].
قال الطبري: وجمع لسلیمان جنوده من
الجن والإنس والطير في مسير لهم، فهم
يوزعون، واختلف أهل التأويل في معنى
قوله: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ فقال بعضهم: معنى
ذلك: فهم یحبس أولهم على آخرهم حتى
يجتمعوا، قال ابن عباس: جعل على كل
صنف من يرد أولاها على أخراها، لئلا
يتقدموا في المسير، كما تصنع الملوك، وهذا
القول أولى بالصواب، وذلك أن الوازع في
كلام العرب هو الکاف، يقال منه: وزع فلان
فلانًا عن الظلم: إذا كفه عنه، وإنما قيل
للذين يدفعون الناس عن الولاة والأمراء:
فكأن سليمان عليه السلام لا يدعهم أن
ينتشروا ويتفرقوا، ولكن يسيرهم مجموعين
على كل صنف منهم وزعة من النقباء ترد
أولهم على آخرهم، لئلا يتقدموا في المسير،
وذلك من سيرة الملوك وأمراء العساكر: أن
يسيروا جنودهم مجموعة غير منتشرة ولا
متفرقة(٢).
وقال السعدي: ((جمع له جنوده الكثيرة
الهائلة المتنوعة من بني آدم، ومن الجن
والشياطين ومن الطيور، فهم منتظمون
غاية التنظيم في سيرهم ونزولهم وحلهم
وترحالهم، قد استعد لذلك وأعد له عدته،
وكل هذه الجنود مؤتمرة بأمره لا تقدر على
عصیانه ولا تتمرد عنه»(٣).
وفي الآية دليل على اتخاذ الإمام
والحكام وزعة يكفون الناس ويمنعونهم
من تطاول بعضهم على بعض، إذ لا يمكن
الحكام ذلك بأنفسهم(٤).
وأما ابن عاشور فيقول: وفي الآية بيان
للجنود فهي ثلاثة أصناف: صنف الجن ...
وصنف الإنس ... وصنف الطير، وهو
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٩/ ٤٣٨-
٤٣٩.
(٢) انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي ٨/
١٠٥، لباب التأويل، الخازن ٣/ ٣٤٠ .
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٦٠٢
باختصار.
(٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٣ / ١٦٨.
٥٨.
www. modoee.com
٢٤٣

حرف الطاء
وتوجیه الرسائل إلى قواده وأمرائه، واقتصر
على الجن والطير لغرابة كونهما من الجنود،
فلذلك لم يذكر الخيل وهي من الجیش،
وفي قوله تعالى: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ إشارة
إلى أن جمع الجنود وتدريبها من واجبات
الملوك؛ ليكون الجنود متعهدين لأحوالهم
وحاجاتهم، وليشعروا بما ينقصهم،
ويتذكروا ما قد ينسونه عند تشوش الأذهان
عند القتال وعند النفير (١).
ومن حسن نظامه عليه السلام وحزمه:
أنه یتفقد الجنود بنفسه، حتى أنه تفقد الطیر
لينظر هل هي ملازمة لمراكزها وأماكنها أم
لا، فقال تعالى مخبرًا عن ذلك: ﴿وَتَفَقَّدَ
الَّيْرَ فَقَالَ مَالِىَ لَآ أَرَىَ الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ
الْغَابِينَ ﴾ [النمل: ٢٠].
قال الماتريدي مبينًا السبب في ذلك:
«وتفقده الطير لما كان عليه حفظهم جميعًا،
ومنعه إياهم عن الانتشار في الأرض
والتفرق، لما على كل ملك وأمير حفظ
رعيته وحاشيته، والتفقد عن أحوالهم
وأسبابهم))(٢).
وقال السعدي: ((والشاهد من الآية أن
تفقد سليمان عليه السلام للطير، وفقده
الهدهد يدل على كمال حزمه وتدبيره
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٩/
٢٤٠.
(٢) تأويلات أهل السنة، ٨/ ١٠٨ باختصار.
جوب
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
من تمام الجند، لتوجيه الأخبار وتلقيها، للملك بنفسه، وكمال فطنته حتى فقد هذا
الطائر الصغير ﴿فَقَالَ مَالِىَ لَا أَرَىَ اُلْهُدْهُدَ
أَمْ كَانَ مِنَ آلغآپِينَ ﴾أي: هل عدم رؤيتي
إياه لقلة فطنتي به، لكونه خفيًّا بين هذه
الأمم الکثیرة؟ ام کان غائبًا من غیر إذني ولا
أمري؟))(٣).
وهذا يدل على عظيم منزلة الهدهد، وأن
غيبة غيره كانت بأمره عليه السلام(٤).
وفي الآية: استحباب تفقد الملك أحوال
رعيته، وأخذ منه بعضهم: تفقد الإخوان(٥).
سادسًا: عيسى عليه السلام وخلق
الطير:
أجرى الله عز وجل على يد عيسى عليه
السلام الكثير من المعجزات والآيات الدالة
علی صدق رسالته، وأنه رسول الله تعالى
إلی بني إسرائيل، وقد أخبر الله جل وعلا
في محکم کتابه عن هذه الآيات، ومنها خلق
الطير حيث كان يصنع من الطين شكلًا على
هيئة الطير، ثم ينفخ فيه فيكون طيرًا حيًّا بإذنه
سبحانه وتعالى.
قال جل شأنه حكاية عن عيسى عليه
السلام مخاطبًا قومه: ﴿أَنَّ أَخْلُقُ لَكُم
مِّنَ اَلْطِينِ كَهْتَّئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ
طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ﴾ [آل عمران: ٤٩].
(٣) تيسير الكريم الرحمن، ص ٦٠٣ باختصار.
(٤) نظم الدرر، البقاعي ١٤ / ١٤٩.
(٥) محاسن التأويل، القاسمي ٧ / ٤٩٥ .
٢٤٤