Indexed OCR Text
Pages 41-44
الطهارة وقد أجمع العلماء على وجوب الطهارة لها(١)، ((والله سبحانه بحكمته جعل الدخول عليه موقوفًا على الطهارة، فلا يدخل المصلي عليه حتى يتطهر؛ وكذلك جعل الدخول إلى جنته موقوفًا على الطيب والطهارة، فلا يدخلها إلا طيّب طاهر، فهما طهارتان: طهارة البدن، وطهارة القلب))(٢). فالطهارة شرط للصلاة وغيرها من العبادات كالطّواف ومسّ المصحف الشريف، وهذا يجعل للطهارة منزلة عظيمة في الإسلام؛ إذ إنها شرط لأول أركان الدين بعد الشهادتين، والمسلم يصلي في اليوم والليلة خمس صلوات مكتوبات فضلًا عن الرواتب والمستحبات؛ وذلك يجعله على طهارة مستمرة، وهذه الطهارة لأداء الصلاة لا يقتصر أثرها في رفع الحدث وإزالة الخبث فحسب، بل ترتقي لتكون سببًا بإذن الله تعالى في محو الذنوب، وتكفير الخطايا. عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء)، قالوا: لا يبقى من دونه شيء، قال: (فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهنّ الخطايا)(٣). (١) الإجماع، ابن المنذر ص٢٩. (٢) إغاثة اللهفان، ابن القيّم ١/ ٥١. يبيّن لنا الحديث مدى أهمية الصلاة، وأثرها في طهارة الباطن والظّاهر، فالوضوء للصلاة سبب في النّقاء من الأدران، وهي: الأوساخ (٤). والصلاة تلو الصلاة سبب في النّقاء ممّا يتلوّث به الإنسان من أدران الخطايا. ثالثًا: شكر النعمة ودوامها علیه: من أعظم نعم الله تعالى على عباده: نعمة المال، وهو من ضروريات الحياة، ومن حصلت له هذه النعمة فعليه أن يشكر الله جل وعلا علیها؛ حتى تزيد وتدوم. قال تعالى: ﴿ وَ إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَيِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَيِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِى ◌َشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧]. ومن الأمور التي أوجبها الله تعالی علینا في المال: الزكاة، كما ندبنا الشّرع الحنيف إلى الصدقة، وهذه من أوجه الإنفاق التي لها أكبر الأثر في حصول البركة، وتزكية النفس. قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَّةٌ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِبِم بِهَا وَصَلّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَوْتَكَ سَكَنُ لَّهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ ﴾ [التوبة: ١٠٣]. الخطاب موجّه لأشرف الخلق محمد الصلاة، باب الصلوات الخمس كفارة، ١١٢/١، رقم ٥٢٨، ومسلم في صحيحه، كتاب المساجد، باب المشي إلى الصلاة تمحى به الخطايا وترفع به الدرجات، ١/ ٤٦٢، رقم ٦٦٧. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب مواقيت (٤) مختار الصّحاح، الرازي ص١٩٣. www. modoee.com ١٨٣ حرف الطاء فمجرد إخراج المال دون قلب مخلص، عليه السلام: ((خذ من أموالهم صدقة تطهّرهم من دنس البخل، وشحّ النفس، ولؤم ولا نية صادقة لا يرقى إلى تزكية النفس والسمو بها، بل لابد معه من توبة نصوح، وإيمان وخضوع لله رب العالمين، حينها تكون الصدقة معراجًا للنفس للسمو بها في آفاق الطهارة القلبية والروحية. الطبع، وقسوة القلب، وتزكيهم بها حتى تنمو نفوسهم على حب الخير، وتزرع في قلوبهم شجر العطف على الفقير والضعيف والمحتاج، بهذا تنمو النفس وترتفع))(١). ومن أهم مقاصد الدّين: السمو بالنفس، والارتقاء بالإنسان في مراتب الإيمان، وهذا لا یکون مع نفس متعلّقة بحطام الدنيا الزائل، وديننا الحنيف يحثنا على الكسب الطّيب، إلا أنه حذّرنا أشد الحذر من أن تدخل شهوة المال شغاف قلوبنا، بل جعله وسيلة لتيسير أمور الحياة، وحتى يعيش المؤمن هذه المعاني شرع الله تعالى الصدقة والزكاة، فالزكاة: طهارة ونماء، والصدقة: دليل على صدق الإيمان، وتوافق الظاهر مع الباطن (٢). وانظر وتأمّل في الآية الموالية للآية المتقدّمة، قال سبحانه: ﴿أَلَمْ يَعْلَّمُواْأَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، وَيَأْخُذُ الصَّدَقَتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٤]. ((التوبة تغسل الذنب وتمحوه، وتجدّد العهد وتقويه، ولذلك جاءت بعد الأمر بأخذ الصدقة لبيان السبب في الجملة»(٣). (١) التفسير الواضح، حجازي ٢/١١. (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٨/ ١١٨. (٣) التفسير الواضح، حجازي ١١ / ١١. وفي مقابل إخراج الزكاة وإنفاق المال في أوجه الخير فإن منعه سبب رئیس في زوال النعمة، ونزول النقمة، فكم من أموال محقت، وتجارة کسدت؛ لمّا منع أصحابها حق الله تعالى فيها؛ ولك أن تتأمّل وأنت تتلو سورة (القلم) حين تصل إلى قصة أصحاب الجنّة التي أنعم الله عليهم بها بالخيرات والثمرات، ولكنهم حين أصاب قلوبهم مرض الشحّ، وبيّتوا النية على أن يحصدوا ثمارهم في الصباح الباكر احترازًا من أن يراهم الفقراء والمساكين؛ ليحرموهم منها من أيّ حظّ أو نصیب، فإذا بالجزاء یدرکهم قبل أن يدركوا مرادهم، ويقطفوا ثمارهم، فبينما هم یمکرون إذ بطائف من ربك يمرّ على جنتهم وهم نائمون ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِمِ﴾ [القلم: ٢٠]. أي: كالليل الأسود (٤)، والله تبارك وتعالى حين يقصّ علينا أنباءهم، يريد أن تتعظ ونتدبر، فالأيام دول، وقد عشنا قبل سنوات قليلة الأزمة المالية العالمية؛ وما (٤) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٤٩/٥. جَوَسُولَةُ النفسية القرآن الكريمِ ١٨٤ الطهارة ذاك إلا لمنع الزكاة والصدقات، والتعامل بالربا والجهر بالمحرمات، فمرضت القلوب، وتدنست بالذنوب، فجاء من ربك العذاب، ويتوب الله على من تاب. رابعًا: جنّات النّعيم في الآخرة: إن غاية ما يطلبه العارف بالله هو الوصول إلى رضاه جل وعلا، فبرضاه تهنأ بمحبته لك، وتفوز بجنته، فيضاعف لك الحسنات، ويمحو عنك السيئات، والطهارة بمفهومها الشامل تصل بالمؤمن إلى كل ذلك. عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الطهور شطر الإيمان)(١). والمقصود بالطهور هو: ((أن يتطهر الإنسان طهارة حسية ومعنوية من كل ما فيه أذى»(٢). يقول ابن رجب رحمه الله: ((إن خصال الإيمان من الأعمال والأقوال كلها تطهر القلب وتزكيه، وأما الطهارة بالماء فهي تختصّ بتطهير الجسد وتنظيفه، فصارت خصال الإيمان قسمين: أحدهما يطهّر الظاهر، والآخر يطهّر الباطن، فهما نصفان بهذا الاعتبار))(٣). (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء، ١/ ٢٠٣، رقم ٢٢٣. (٢) شرح رياض الصالحين، ابن عثيمين ١٨٨/١. (٣) جامع العلوم والحكم، ابن رجب ص٤٩٦. وأوّل ما يحرص عليه المؤمن هو طهارة باطنه من الشرك ومن النفاق، ومن كل ما يخدش الإيمان من أمراض القلب والنّفس؛ لأنه يعلم عظم جرم الإشراك بالله. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءٌ وَمَن يُشْرِك ◌ِاللَّهِ فَقَدٍ اُفْتَرَىَ إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨]. ويعلم عاقبة المنافقين ﴿إِنَّ الْمُفِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجَّدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥ وحينئذٍ يحرص كل الحرص على تحقيق التوحيد الخالص لربه، ويسعى في عمل الصالحات لينال أعلى الدرجات. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّتُ اَلْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الكهف: ١٠٧]. بل كلما ترقّی المؤمن في درجات الإيمان صار قلبه أكثر نقاءً وصفاءً، فيكون حاله كحال عباد الرحمن الذين ذكر الله تبارك وتعالى صفاتهم في أواخر سورة الفرقان، وبيّن منزلتهم العالية، وكما وصفهم سبحانه - كذلك- في مستهلّ سورة المؤمنين، وذکر جزاءهم العظيم ﴿أُوْلَكَ هُمُ الْوَرِثُونَ الَّذِينَ يَرِقُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ ﴾ [المؤمنون: ١٠ - ١١]. وبحرص المؤمن على طاعة الله تبارك وتعالى، واجتناب معاصيه يصل إلى رضاه سبحانه، فما غاية الأوامر والنواهي إلا www. modoee.com ١٨٥ حرف الطاء اختبار من الربّ لعباده؛ ليمحّصهم وینقیهم، فيختبرهم بالأعمال والتكاليف ليظهر في النّار من تلك النّجاسة، ثم يخرج صدقهم، وليصلوا إلى مراد الله تعالى من تلك العبادات وهو التقوى. قال سبحانه: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ أُمُهَا وَلَا وِمَاُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ النَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧]. يقول الشيخ محمد علي الصابوني: ((فلا شيء من هذا يصل إلى الله أو يرضيه، وإنما يرضيه جل وعلا امتثال الأوامر منكم وطاعته وتقواه، فلا يظن أحد أنه ینال ثواب الله باللحم يقطّعه وينشره، وإنما ينال ذلك بتقوى الله))(١). يقول ابن القيم رحمه الله: ((حرّم الله سبحانه الجنة على من في قلبه نجاسة وخبث، ولا يدخلها إلا بعد طيبه وطهره، فإنها دار الطيبين؛ ولهذا يقال لهم: ﴿طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَلِينَ ﴾ [الزمر: ٧٣]. كما قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ تَوَقَّهُمُ الْمَلَبِكَةُ طَيِِّينَ يَقُولُونَ سَلَمٌ عَلَيْكُمْ أَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢]. فالجنّة لا يدخلها خبيث، ولا من فيه شيء من الخبث، فمن تطهر في الدنيا ولقي الله طاهرًا من نجاساته دخلها بغير معوّق، ومن لم يتطهر في الدنيا فإن كانت نجاسته عينية كالكافر لم يدخلها بحال، وإن كانت (١) تفسير آيات الأحكام ١/ ٤٣٧. نجاسته كسبية عارضة دخلها بعد ما يتطهر منها)»(٢). والحرص على الطهارة كما هو سبب مهم في نيل رضا الله تعالی وضمان دخول جناته سبحانه وبحمده هو بالإضافة إلى ذلك رفعة للدرجات، وسبب لمحو الخطايا والسيئات. فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من تطهر في بيته، ثم مشی إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله كانت خطوتاه إحداهما تحط خطيئة، والأخرى ترفع درجة)(٣). في هذا الحديث ربط عجيب بين مفهوم الطهارة الحسية والمعنويّة؛ فالمسلم وهو يمررّ الماء على أعضائه بنية الوضوء، ثمّ يذهب إلى المسجد، فإنّه في ذلك ينقّى بإذن ربّه من الأوساخ الظاهرة، والأدران الباطنة. موضوعات ذات صلة: الصلاة، مكة (٢) إغاثة اللهفان ١/ ٥١. (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب المشي إلى الصلاة تمحى به الخطايا، ١ / ٤٦٢، رقم ٦٦٦. ١٨٦ القرآن الكريمِ