Indexed OCR Text
Pages 21-40
الطهارة يزيد وينقص، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية(١). والعاقل يدرك هذا المعنى، فتعظم في نفسه المعاصي، وتشتدّ عنده حرمتها، ولو كانت في أعين الغافلين هيّنةً صغيرة؛ لأن الصغيرة مع الصغيرة كبيرة، والذنوب تأكل الحسنات كما تأكل النّار الحطب، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلی الله عليه وسلم قال: (أتدرون ما المفلس؟) قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: (إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن یقضی ما علیه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار)(٢). قال ابن القيم رحمه الله: ((وقد وسم الله سبحانه الشرك والزنا واللواطة بالنجاسة والخبث في کتابه دون سائر الذنوب، وإن كانت مشتملة على ذلك، لكن الذي وقع في القرآن قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌّ﴾ [التوبة: ٢٨]. (١) انظر: شرح العقيدة الطحاوية، ابن أبي العزّ ٥١١/٢. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، ٤ /١٩٩٧، رقم ٢٥٨١. وقوله تعالى في حق اللوطية: ﴿وَلُوطًا ءَنَيْنَهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَغَيْنَهُ مِنَ الْقَرْبَةِ الَّتِى كَانَت تَعْمَلُ الْخَبَِّتَّ إِنَّهُمْ كَانُوْ قَوْمَ سَوْءِ فَسِقِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٤]. وقالت اللوطية: ﴿أَخْرِجُوَاْ ءَالَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسُ يَنَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦]. فأقرّوا مع شركهم وكفرهم أنهم هم الأخباث الأنجاس، وأن لوطًا وآله مطهّرون من ذلك باجتنابهم له، وقال تعالى في حق الزناة: ﴿اَلْنَبِيْثَتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِشَتِ﴾ [النور: ٢٦](٣). وفي سورة الإسراء يوجّه الله تبارك وتعالى مجموعة من الوصايا لعباده (٤)، بدأها بإفراده سبحانه بالعبادة، وأردف مع التوحيد الوصية بالوالدين إحسانا، وتوالت التعليمات والوصايا، وكان منها: قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ الزِّفَ إِنَّهُ, كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢]. فلم يكتف الشارع بالأمر بترك الزنا فقط، أو تحريمه فحسب، بل منعنا الله تبارك وتعالی من مجرد الاقتراب منه. يقول السعدي رحمه الله: ((والنهي عن قربانه أبلغ من النهي عن مجرد فعله؟ لأن ذلك يشمل النهي عن جميع مقدماته و دواعیه، فإن: (من حام حول الحمى يوشك (٣) إغاثة اللهفان ١/ ٥٣ - ٥٤. (٤) من الآية ٢٢ إلى ٣٩. www. modoee.com ١٦٣ حرف الطاء أن يقع فيه)(١). ﴿فَاحِشَةَ ﴾ أي: ووصف الله الزنا بأنه إثمًا يستفحش في الشرع والعقل والفطر، لتضمنه التجري على الحرمة في حق الله، وحق المرأة، وحق أهلها، أو زوجها، وإفساد الفراش، واختلاط الأنساب، وغير ذلك من المفاسد»(٢). يقول حجازي رحمه الله: ((الزنا عادة تتنافى مع مبادئ الإنسانية الأولى، لم يقرّه شرع أبدًا، ولم يؤيده قانون، فيه هتك الأعراض، واختلاط الأنساب، وقضاء على الحرمات، وتقويض (٣) دعائم الاجتماع والعمران، وما شاع الزنا في قوم إلا ابتلاهم الله بالأمراض والأوجاع، وسلّط عليهم الفقر والذل والهوان))(٤). ولشدة عظم هذه الكبيرة عند الله تبارك وتعالى جعل الاقتراب منها منھیًا عنه، سواء كان نظرًا أو خلوة، أو مصافحة، أو غيرها، ولو التزم أفراد المجتمع بهذه التعاليم (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه، ١/ ٢٠، رقم ٥٢، ومسلم في صحيحه، كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات، ١٢١٩/٣، رقم ١٥٩٩. (٢) تيسير الكريم الرحمن، ص ٤٥٧. (٣) التقويض نقض من غير هدم، وقولهم: قاض البناء هدمه. انظر: القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص٥٨٦. (٤) التفسير الواضح، ٢٣/١٥. الإلهية لطهرت بيوتهم، ولأمنوا على أعراضهم، فالزنا جريمة متعدية، وقد سبك الإمام الشافعي رحمه الله دررًا من شعره في التحذير منه، فقال(٥): عفوا تعف نساؤكم في المحرم وتجنبوا ما لا يليق بمسلم إن الزنا دين فإن أقرضته كان الزنا من أهل بيتك فاعلم ومن الذنوب الكبيرة التي لها أثر عظيم في فساد النفوس وتلويثها: اللواط، وهي فعلة شاذة، حتى الحيوانات العجماوات التي لا عقل لها ولا حس لم يذكر فيها أن نزا فحل على آخر، ولكنّها النفوس المريضة من بني البشر، وها هم قوم لوط عليه الصلاة والسلام بعد أن استفحل فيهم الأمر واستهانوا به، صار عندهم عادة طبیعیة، بل أکثر من ذلك! فقد جرّموا نبي الله فيهم علیه السلام وآله الأطهار، وليت شعري بأي جريمة رموهم؟ إنها جريمة الطهارة! ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَخْرِجُوَاْ ءَالَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسِ يَنَطَهَّرُونَ ﴾ [النمل: ٥٦]. ضاعت عقولهم، وسلبت قلوبهم، فقلبوا الموازين، وتركوا ما أحل الله لهم من النساء، وفعلوا فعلتهم النكراء، فاستحقوا أن خسف الله بهم: ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا (٥) ديوان الإمام الشافعي ص١٠٣. جَوَسُ دة التقنية الْقُرْآن الكَرِيمِ ١٦٤ الطهارة عَلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَتْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّلٍ مَّنضُودٍ ) مُسَوَّمَةٌ عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِىَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٢-٨٣]. ويهدد الله القوي العزيز، كل من تسوّل له نفسه بتلك الجريمة البشعة، فیقول محذّرًا ومتوعّدًا: ﴿وَمَا هِىَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾. ٣. الطهارة من أمراض القلوب. القلب وسلامته من الآفات والأمراض مطلب مهم، وغاية تسمو لها أرواح المؤمنين؛ لأنهم يدركون مدى أهمية تطهيره مما يشوبه من الأدناس والأرجاس، فبصلاحه صلاح النفس، وتفسد بفساده، قال صلى الله عليه وسلم: (ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد کله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)(١). وقد بيّن الله تبارك وتعالى ما ينجّي العبد يوم القيامة، فقال سبحانه: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٣) إِلَّا مَنْ أَتَى الََّ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨-٨٩]. فالقلب السليم الطاهر هو من يأتي يوم القيامة فائزًا. وأمراض القلوب يدخل فيها الشرك (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه، ١/ ٢٠، رقم ٥٢، ومسلم في صحيحه، كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات، ١٢١٩/٣، رقم ١٥٩٩. والشهوات (المعاصي) وقد تقدم ذكرها، وهنا أقف على أنواع أخرى منها قد تعرّض لها القرآن الكريم، وبيّن لنا مدى خطرها على طهارة القلب وسلامته، وهي: النفاق والهوى والكبر والحسد والغلّ. حذرنا الله تبارك وتعالى من مرض النفاق، وتوعّد المنافقين بالعذاب الشديد، ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَفِقِينَ فقال سبحانه: وَالْمُنَفِقَتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيَهَاَ هِىَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَّهُمُ اللّهٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٨]. وخطورة المنافق أشد من خطر الكافر؛ لأنه يخفي عداوته، فيفسد في صفوف المسلمين، وينشر بينهم سمّه وخبثه، ولذا كان جزاؤهم أنهم ﴿فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]. ومن الأمراض الخطيرة على القلب اتباع الهوى، فالله جل وعلا أرسل الرسل، وأنزل الكتب، ووضع الأدلة والبراهين الدالة على الحق المبين، فیدرکه الإنسان عقلًا ونقلًا، وأما إن صدّ عنه واتبع هواه. فقد توعّده الله جل في علاه ﴿وَلَا تَتَّبِعِ اَلْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦]. وضرب الله تعالى لنا مثلا فيمن جاءه الحق وعرفه، ولكنه أبىإلا أن يصد عنه ويتبع www. modoee.com ١٦٥ حرف الطاء هواه، فكان له مثل السوء: ﴿وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ تَبَّأَ الَّذِىّ ءَاتَيْنَهُ مَايَئِنَا فَأَسَلَخَ مِنْهَا فَتْبَعَهُ الشَّيْطَنُ فَكَانَ مِنَ الْغَارِينَ (٣٥) وَلَوْ شِئْنَا ◌َرَفَعْنَهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ: أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَأَتَّبَعَ هَوَنَّهُ فَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَتَّ ذَلِكَ مَثَلُ اَلْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَئِنَا فَأَقْصُصِ اَلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٥ - ١٧٦]. وفي المقابل بيّن الله تعالى جزاء المتقين، الذين لا يستجيبون لهوى نفوسهم إيثارًا لرضا ربهم، فقال سبحانه: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْوَ فَإِنَّ اْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠-٤١]. ومن الأمراض التي تدنس القلب: الكبر، فقد خلق الله جل وعلا البشرية من ماء مهين، ولم يجعل لهم ما بأيديهم من نعمه عليهم، من المال والبنين، وغيرها، إلا لينفع بعضهم بعضًا: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِی اْحَيَوْقِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف: ٣٢]. [القصص: ٨١]. ومن خطورة هذا المرض: أن يعمي البصيرة، فيرى الإنسان أمامه الشواهد والدلائل، ولکنه لكبره یعرض عنها ويدبر ﴿وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَكُلُوَّا [النمل: ١٤]. ومن حسرة أهل النار يوم القيامة أعاذنا الله منها يوم أن يروا العذاب قد أحاط بهم، فيندموا على ما فات من خبيث أعمالهم، ويقول قائلهم: ﴿مَا أَغْنَى عَنّ ◌َالِيَةٌ ﴿ هَلَكَ عَّ سُلْطَيِيَةْ [الحاقة: ٢٨-٢٩]. فهذا الشحّ الذي لطّخ قلوبهم، حملهم على أن تكبّروا على خلق الله، فلم تنفعهم تلك الأموال، بل دنست قلوبهم، وجعلتهم يتسلطون على الناس بغير حق، فاستحقوا العذاب من ربهم. ومن أمراض القلوب الحسد، وهو داء خطیر، وشرٌ مستطیر، به قتل الأخ أخاه، كما في قصة قابيل وهابيل، وبسببه عاند اليهود، فلم يؤمنوا بدعوة محمد صلى الله عليه فليست هذه النّعم للتفاوت والتفاضل؛ لأن معيار التفاوت هو المسارعة في عْرَمَكْ الخيرات، والتزود بالطاعات ﴿إنّ أ عِندَاللَّهِ أَنَقْنَكُمْ﴾ [الحجرات وسلم، مع إیقانهم بصدق نبوته، بل لشدة حسدهم أرادوا أن يصدوا المسلمين عن دينهم ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِنَبِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدٍ إِيمَنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ وهذا قارون لما تكبّر على خلق الله، وتطاول على خالقه ومولاه، جعله الله عِندِ أَنْفُسِهِم مِّنْ بَعْدٍ مَا نَبَّيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ عبرة وعظة: ﴿َسَفْنَابِهِ، وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ فَأَعْفُواْ وَأَصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِّهِ إِنَّ اللَّهَ ١٦٦ جوي القرآن الكريم الطهارة عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٩]. وأما المؤمنون الطاهرون، فيسألون الله تبارك وتعالى أن ينزّههم عن هذا النجس فيقولون: ﴿رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَاوَ لِإِخْوَِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِآلْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِ قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَيَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]. ثانيًا: الطهارة الحسية: ١. الطهارة من النجاسات. ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ قال تعالى: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسَُّ فَلَا يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةٌ فَسَوْفَ يُغْنِيَكُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ: إِن شَآءُّ إِنَّ اَللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٢٨]. حال المسلمين مع الوضوء والاغتسال والاستنجاء وغيرها من الأمور التي يتحصّل بها التحرز من النجاسات والتطهر منها، وبهذا يصح أن يكون المراد بنجاسة المشركين هذا المعنى الحسيّ تبعًا على أن الأصل هو نجاستهم المعنوية. وقال تبارك وتعالى: ﴿وَثَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]. في هذه الآية، يأمر الله تبارك وتعالى حبيبه وصفيّه محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم، بتطهير الثياب، والمراد: تطهيرها حسًّا ومعنّى، وقد كان المشركون لا يتطهّرون، فأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتطهّر، وأن يطهّر ثيابه(١). وقال بعضهم: المراد بالثياب: الجسم، وتنظيفه یکون عن النجاسة، وهو آكد وقت الصلاة، ومندوب في غيرها، والدليل على أنه التنظّف للصلاة قوله تعالى في الآية السابقة لها: ﴿وَرَبَّكَ فَكَّرْ﴾ [المدثر: ٣]. وقيل: المراد بتنظيف الثياب: تقصيرها حتى لا تقع على النجاسات(٢). يقول ابن القيم رحمه الله: ((الآية تعم هذا كله، وتدل علیه بطريق التنبيه واللزوم، إن لم تتناول ذلك لفظًا؛ فإن المأمور به إن كان طهارة القلب، فطهارة الثوب وطيب مكسبه تكميل لذلك، فإن خبث الملبس هذه الآية وإن كان الراجح فيها أن النجاسة المرادة هي نجاسة الباطن بالشرك، إلا أن فيها معنى النجاسة الحسية؛ ذلك أن المشرکین بعیدون عن شرع الله تعالی، وأحكام دينه المقتضية من عباده البعد عن النجاسات والتطهر منها، كما هو يكسب القلب هيئة خبيثة ... ، والمقصود: أن طهارة الثوب و کونه من مکسب طیب هو من تمام طهارة القلب وكمالها))(٣). ويؤكّد هذا المعنى الشيخ السعدي رحمه الله بقوله: ((وإذا كان مأمورًا بتطهير (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٠٩/٤. (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٩/ ٤٢ - ٤٥، روح المعاني، الألوسي ١٣٢/١٥. (٣) إغاثة اللهفان ١/ ٥٠. www. modoee.com ١٦٧ حرف الطاء الظاهر فإن طهارة الظاهر من تمام طهارة الباطن))(١). والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما النجاسات التي أمرنا الله تعالى بالتطهر منها؟ النجاسة: ضد الطهارة، وهي ضربان: ضرب يدرك بالحاسة، وضرب يدرك بالبصيرة، والثاني وصف الله تعالى به المشركين فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]. ونحن في هذا الباب يعنينا المعنى الحسيّ، ويشمل: الخبث والحدث، أمّا الخبث فهو العين المستقذرة، ويتعلّق: بالبدن والثوب والمكان، ومن أمثلته: البول والغائط، وأمّا الحدث: فهو وصف شرعي يحل في الأعضاء يزيل الطهارة، وهو نوعان: حدث أصغر وأکبر، وطهارة الأول: الوضوء، والثاني: الغسل، وعند تعذر استعمال الماء يستبدلان بالتيمم(٢). ومن مرادفات النجاسة: الرجس، وهو الشيء القذر(٣). ﴿قُل لََّ أَجِدُ فِي مَآ أُوحِىَ إِلَّ قال تعالى: مُحَرَّمًا عَلَ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ: إِلَّ أَن يَكُونَ مَيْنَةً أَوْ دَمَا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسُ أَوْ (١) تيسير الكريم الرحمن، ص ٨٩٥. (٢) انظر: الفقه الإسلامي وأدلته، الزحيلي ٢٠١/١. (٣) المفردات، الراغب ص١١٨. فِسْقَا أُهِلَ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، فَمَنِ اضْطَّ غَيْرَ بَاعٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]. الميتة: يراد بها الحيوان الذي فارقته الحياة بغير ذبح شرعي (٤). والدّم المسفوح: هو الجاري الذي يسيل ويتدفّق من عروق المذبوح (٥). ويستثنى منه ما كان في اللحم والعروق، وكذلك الكبد والطحال، وقد اتفق العلماء على نجاسة الدّم(٦). وأما لحم الخنزير فهو معروف، ولا زال كثير من غير المسلمين يحرصون على أكله مع ما توصّلوا إليه بأنفسهم من نجاسته وقذره، وخطره على الصحة، فبيّنت الآية نجاسة كلٍّ من: الميتة والدّم ولحم الخنزير(٧). ومن الأمور التي جاء في القرآن الكريم وصفها بالرجس: الخمر والميسر والأنصاب والأزلام. قال جل وعلا: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْخَّرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَأَجْتَغِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]. ما هذه الأمور التي ذكرتها الآية؟ وما (٤) الوسيط، الزحيلي ١/ ٦٢٠. (٥) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٧/ ٧٧، الوسيط، الزحيلي ١/ ٦٢٠. (٦) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٤٧/٢. (٧) انظر: أحكام الإزالة في الفقه الإسلامي، فاطمة الفارس ص ١١٤ - ١١٨. ١٦٨ جَوُور القرآن الكريم الطهارة مدى نجاستها؟ اللذين هم من أهم أسباب تطهير القلب بداية الخمر معروفة، والميسر هو: والنّفس. القمار، والأنصاب: حجارةكانت توضع عند الكعبة المشرفة، وكان المشركون يذبحون عندها قرابينهم، والأزلام، مثل: السّهام، وهي ثلاثة، مكتوب على الأول: نعم، وعلى الثاني: لا، والثالث لا كتابة عليه، وكانت توضع عند الأصنام أو الكهّان، وكانوا يستقسمون -يستهمون- بها عند إرادة فعل شيء أو سفر أو غيره، فکانوا یتفاءلون أو يتشاءمون بناءً على ما يظهر لهم منها، فبيّن الله تبارك وتعالى أنها: رجس، أي: نجس، ونجاستها معنوية؛ لما فيها من الإثم، وأمّا الخمر فهي نجس حسًّا ومعنى(١). وعلاقة ذكر هذه الآية في هذا الباب: هي نجاسة الخمر، وأمّا بقية الأمور الواردة في الآية مع الخمر -المقصود شربها- فهي من المحرّمات التي من تلطخ بها يتلوث ویتنجس قلبه. كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَوَةَ وَاَلْبَغْضَآءَ فيِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِاللَّهِ وَعَنِ الصَّلَوَّةِ فَهَلْ أَنُم ◌ُنَهُونَ ﴾ [المائدة: ٩١]. فهذه المحرّمات من شأنها أن تحول بين مقترفها وبين ذكر الله تعالى والصلاة، (١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٤٧/٦-١٤٨، الوسيط، الزحيلي ٤٩٥/١- ٤٩٦. ٢. التطهر من الجنابة. قد ورد في القرآن الكريم معنى التطهر من الجنابة في ثلاثة مواضع، بإشارة مباشرة، وأمر صريح، وإشارة غير مباشرة: أما الإشارة المباشرة ففي سورة النساء، قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الضَلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى حَقَّ تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِى سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُنُثُم مَّرْضَ أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنَكُم مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَمَسْنُمُ النِّسَاءُ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآَ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيِّدِيَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٤٣]. ينبّه الله تعالى عباده المؤمنين على التطهر من الجنابة بالاغتسال، أو التيمّم لمن تعذر عليه الغسل، وفي سورة المائدة، جاء الأمر مباشرًا صريحًا: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًّا فَأَطَّهَّرُواْ﴾ [المائدة: ٦]. فهذا أمر صريح مباشر بالتطهر من الجنابة. أما الإشارة غير المباشرة، ففي سورة الأنفال، قال تعالى: ﴿إِذْيُغَشِيَكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَآءَ ◌ِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ، وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَنِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ. [الأنفال: ١١]. www. modoee.com ١٦٩ حرف الطاء أوليائه المؤمنین في غزوة بدر، وقد کان الكفار من قريش سبقوا إلى موضع الماء، فغلبوا المؤمنين عليه، فأصاب المؤمنين الظمأ والنصب(١)، فأنزل الله تعالى عليهم المطر، «لأنهم كانوا أصبحوا يومئذٍ مجنبين على غير ماء؛ فلما أنزل الله عليهم الماء اغتسلوا وتطهروا، وكان الشيطان قد وسوس إليهم بما حزنهم به من إصباحهم مجنبين على غير ماء، فأذهب الله ذلك من قلوبهم بالمطر؛ فذلك ربطه على قلوبهم، وتقويته أسبابهم، وتثبيته بذلك المطر أقدامهم؛ لأنهم كانوا التقوا مع عدوهم على رملة هشّاء فلّدها المطر، حتى صارت الأقدام عليها ثابتة لا تسوخ فيها، توطئة من الله عز وجل لنبيه عليه السلام وأوليائه أسباب التمكن من عدوهم والظفر بهم»(٢). وأمّا عن الحكمة من الاغتسال من الجنابة، يقول ابن القيم رحمه الله: الغسل من المني من أعظم محاسن الشريعة، وما اشتملت عليه من الرحمة والحكمة والمصلحة، فإن المني يخرج من جميع البدن؛ ولهذا سماه الله سبحانه وتعالى ﴿سُلَلَةٍ﴾ (٣) لأنه يسيل من جميع البدن، (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٢٧٨ - ٢٧٩. (٢) جامع البيان، الطبري ٩/ ٢٣٢. (٣) قال تعالى: ﴿أُوَّجَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَلَّةٍ مِّن مَّلَوْ تَهِينٍ يتحدّث الله تعالى عن ما امتن به على وأيضًا فإن الجنابة توجب ثقلاً وكسلًا، والغسل یحدث له نشاطًا وخفة، وقد صرح أفاضل الأطباء بأن الاغتسال بعد الجماع يعيد إلى البدن قوته، ويخلف عليه ما تحلل منه، وأنه من أنفع شيء للبدن والروح، وتركه مضر، ويكفي شهادة العقل والفطرة بحسنه، وبالله التوفيق (٤). ٣. التطهر من الحيض. وصف الله تعالى الحيض بأنه: ﴿أذى لنتن ريحه وقذره ونجاسته (٥) ٠ قال تعالى: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِّ قُلْ هُوَ أَذَّى فَأَعْتَزِلُواْ النِّسَآءَ فِ اَلْمَحِيضِ وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ حَّى يَطْهُرْنٌ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأَتُهُرَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَّكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّبِينَ وَيُحِبُّ اَلْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. قال قتادة: ((فكان أهل الجاهلية لا تساكنهم حائض في بيت، ولا تؤاكلهم في إناء، فأنزل الله تعالی ذکره في ذلك، فحّم فرجها ما دامت حائضًا، وأحل ما سوى ذلك: أن تصبغ لك رأسك، وتؤاكلك من طعامك، وأن تضاجعك في فراشك، إذا كان (٥)[السجدة: ٨]. (٤) إعلام الموقعين، ابن القيم ٢/ ٧٧. (٥) جامع البيان، الطبري ٤٦٩/٢. ١٧٠ مَوَسُولَةُ النَّفِي القرآن الكريمِ الطهارة عليها إزار محتجزة (١) به دونك))(٢). والمقصود بالأذى أي: الشيء يستقذر منه، ويؤذي من يقربه نفرةً منه وكراهةً له(٣) فَإذَا تَطَهَّرْنَ﴾ المقصود الغسل ﴿فَأْتُوُهُرَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَّكُمُ اللهُ﴾ من المأتى الذي حلّله لكم وهو القبل (٤). ويلحق بالحيض النفاس في وجوب التطهّر منه، وهو ما يخرج من المرأة بعد الولادة، وإن كان القرآن الكريم لم يذكره؛ ولکنه ألحق بالحیض في الاغتسال منه؛ إذ إنه - أي: النفاس - دم حيض مجتمع(٥). ثالثًا: وسائل التطهير الحسية والمعنوية: ١. الماء. قال تعالى: ﴿وَأَنَزَلْنَا مِنَ السَّمَكِ مَآءُ طَهُورًا﴾: من أعظم نعم الله تبارك وتعالى علينا: نعمة الماء، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَيَّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٠]. ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَكِ مَآءُ وقال سبحانه: طَهُورًا ﴾ [الفرقان: ٤٨]. وصف الله تعالى الماء بأنه طهور على (١) احتجز بإزاره شده على وسطه، والحجزة معقد الإزار، وحجزه منعه، و کفه. انظر: القاموس المحيط، الفيروز آبادي ص٤٥٧. (٢) أخرجه الطبري في تفسير ٤٦٨/٢. (٣) الكشاف، الزمخشري ١٢٩/١. (٤) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ١/ ١١٥. (٥) انظر: الفقه الإسلامي وأدلته، الزحيلي ٤٥٨/١. وزن (فعول) من صيغ المبالغة، أي: فهو طاهرٌ في نفسه، مطهّرٌ لغيره (٦)، قال تعالى: عن المؤمنين في غزوة بدر: ﴿وَيُزِّلُ عَلَيْكُمْ مِّنَ السَّمَآءِ مَآءَ لِيْطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَنِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُتَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ ﴾ [الأنفال: ١١]. يقول أبو السعود رحمه الله: ((ووصف الماء به إشعار بتمام النعمة فيه، وتتميم للنعمة فيما بعده؛ فإن الماء الطهور أهنا وأنفع مما خالطه ما يزيل طهوريته، وتنبيه على أن ظواهرهم لما كانت مما ينبغي أن يطهّروها فبواطنهم أحق بذلك وأولى))(٧). إذن فالماء لا يقتصر في كونه سببًا في طهارة الظاهر فحسب، بل هو سبب مهم في طهارة الباطن كذلك. قال سبحانه: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَدِ مَآءُ مُبَرَّكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ، جَنَّتٍ وَحَبَّ لْحَصِيدِ﴾ [ق: ٩]. وصف الماء النازل من السماء بالبركة يفتح أمامنا آفاقًا كبيرة في سرّ هذه النعمة، فالبركة في اللغة: تعني النّماء والزيادة والسعادة(٨). يقول أبو حيّان الأندلسي رحمه الله: ((﴿مَآءُ مُّبَرًَّا﴾ أي: كثير المنفعة))(٩). فالمطر كما نعلم سببٌ في سعادة (٦) انظر: الكشاف، الزمخشري ص٧٤٨. (٧) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٦/ ٢١١. (٨) القاموس المحيط، الفيروز آبادي ص٨٣٩. (٩) البحر المحيط، أبو حيان ٥٣١/٩. www. modoee.com ١٧١ حرف الطاء الأرض، فتخرج بركاتها بإذن ربها، بل فيه شفاء بإذن الله تعالى، ومما يؤيد أنه سبب في طهارة الباطن الآية المتقدمة من سورة الأنفال: ﴿مَآءَ لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُوْ رِجْزَ الشَّيْطَنِ ﴾ يقول السعدي رحمه الله في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ طَهُورًا (٨) لِنُحْفِىَ يِهِ، بَلْدَةً مَّيْتًا وَنُتْقِيَهُ، مِمَّا خَلَقْنَاً أَنْعَمَا وَأَنَامِنَّ كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ٤٨-٤٩]. «یطھّر من الحدث والخبث، ویطھّر من الغش والأدناس، وفيه بركة، من بركته أنه أنزله ليحيي به بلدة ميتًا، فتختلف أصناف النوابت والأشجار فيها، مما يأكل الناس والأنعام))(١). بعد هذه الوقفة مع الماء في کونه سببًا في الطهارة يأتي الحديث عن طرائق التطهر به التي ذكرها القرآن الكريم، وهي: الوضوء والاغتسال. الوضوء. والقرآن الكريم ذكر الوضوء في موضعٍ ـيَّتَأيَّهَا واحد، وهو قوله جل وعلا: الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَأَمْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [ المائدة: ٦]. هذا خطاب من الله تعالى للمؤمنين، (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٥٨٤. الكبار قبل الصغار، وبه يحيي الله تعالى يأمرهم سبحانه بالوضوء للصلاة ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ﴾ والمراد: إذا أردتم الصلاة، وليس المقصود الوضوء عند القيام في الصلاة (٢)، والأمر بالوضوء عند القيام للصلاة واجب على المحدث، ومندوب للمتوضئ(٣). ثم بدأ تبارك وتعالى يشرح كيفيته النية، وقد دلّ عليها قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ﴾ وقد نصّ النبي صلى الله عليه وسلم على وجوب النية في كل عمل، وكونها شرطًا لقبوله. في الحديث المتفق عليه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوی)(٤). ثم قال تعالى: ﴿فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ} والغسل: إسالة الماء على الشيء لإزالة ما عليه من وسخ وغيره(٥)، وحدّ الوجه: طولًا: من مبتدأ سطح الجبهة إلى منتهى (٢) انظر: الكشاف، الزمخشري ٢٨٠/١. (٣) الوسيط، الزحيلي ١/ ٤٣٥. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدأ الوحي، باب كيف كان بدأ الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ٦/١، رقم ١، ومسلم في كتاب الإمارة، باب قوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنية)، ١٥١٥/٣، رقم ١٩٠٧. (٥) تفسير آيات الأحكام، الصابوني ٣٨١/١. ١٧٢ مَوَسُولَة النبي القرآن الكريم الطهارة اللحيين -أسفل الذقن-، وعرضًا: من الأذن وجوب الترتيب (٣). إلى الأذن الأخرى(١). ثم غسل اليدين إلى المرفقين، قال فرائض الوضوء، ولا يصح الإخلال بها أو تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ فعطف الأيدي على غسل الوجه، فدل على أن فرضهما الغسل، ثم قال سبحانه: ﴿وَأَمْسَحُواْ بِرُوسِكُمْ﴾ والمراد: مسح الرأس دون الوجه؛ لأنه قيّد الوجه بالغسل أولا، ثم ذکر مسح الرأس؛ فدلّ علی أنه -أي: الوجه- غير داخل في المسح، واختلف العلماء في المقدار الواجب في مسح الرأس، وخلافهم راجع إلى معنى حرف الجر (الباء) في قوله تعالى: ﴿بُوسِكُمْ﴾ هل هي للتبعيض أم مؤكدة أم زائدة؟ والإجماع على أن من مسح رأسه کله فقد أحسن وفعل ما يلزمه(٢). ثم قال تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى منصوبة، فصارت معطوفة على المنصوب قبلها، وهو غسل الوجه واليدين، ولابدّ في هذه الأركان من الترتيب؛ بدليل أن الآية ذكرتها مرتبة، حتى أنها جعلت الممسوح -وهو الرأس- بين المغسول، فدل على (١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٥/٦. (٢) المصدر السابق ٦/ ٣٧. وهذه الأمور التي ذكرتها الآية هي بأحدها، وهناك سنن بيّنتها السنة، ويمكن تلخيصها في حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه وهو يعلّمنا كيف كان حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم يتوضأ، روى البخاري ومسلم أن عثمان بن عفان رضي الله عنه دعا بوضوء فتوضأ فغسل كفّیه ثلاث مرات، ثم مضمض واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاث مرات، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاث مرات، ثم غسل يده اليسرى مثل ذلك، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى إلی الکعبین ثلاث مرات، ثم غسل اليسرى مثل ذلك، ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ نحو وضوئي هذا، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم قام فركع من ذنبه)(٤). اُلْكَعْبَيْنِ﴾ والمراد: غسلهما؛ لأنها ركعتين لا يحدّث فيهما نفسه غفر له ما تقدم هذا الحديث يبيّن لنا مدى حرص الصحابة الكرام رضي الله عنهم على السنة، وأنهم كانوا يحرصون عليها أشد الحرص؛ (٣) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٦/٢. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوضوء، باب الوضوء ثلاثاً ثلاثًا، ٤٣/١، رقم ١٥٩، ومسلم في صحيحه، كتاب الطهارة، باب صفة الوضوء وكماله، ٢٠٤/١، رقم ٢٢٦. www. modoee.com ١٧٣ حرف الطاء لأنها سنة، بينما نحن اليوم يفرّط الكثير منّا تَغْتَسِلُواْ﴾ [النساء: ٤٣]. فيها، ويتهاون بها لأنها سنّة! والحدیث کذلك يبرز مدى صلة الطهارة الحسية بالمعنوية، وعمق الترابط بينهما، فمن وسائل الطهارة المعنوية أداء ما افترض الله تعالى، وأعظم هذه الفرائض بعد الشهادتين الصلاة، والتي من شروطها الوضوء، الذي هو مع كونه طهارة حسیة فهو طهارة معنوية، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلی الله عليه وسلم: (إذا توضأ العبد المسلم -أو المؤمن- فغسل وجهه خرجت من وجهه کل خطيئة نظر إليها بعینیه مع الماء أو مع آخر قطر الماء أو نحو هذا، و إذا غسل يديه خرجت من یدیہ کل خطيئة بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، حتى يخرج نقيًّا من الذنوب)(١). · الغسل. قدّ بيّن القرآن الکریم أنه يجب التطهر من الجنابة. قال سبحانه: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَأَمَّهَّرُواْ ﴾ [المائدة: ٦]. والطهارة من الجنابة تكون بالاغتسال. ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا قال سبحانه: تَقْرَبُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ وَلَاجُنُبًا إِلَّا عَابِى سَبِيلٍ حَتَّى (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطهارة، باب خروج الخطايا مع ماء الوضوء، ٢١٥/١، رقم ٢٤٤. ولم يبيّن القرآن كيفية الغسل، وبيّنته السنة، وهو: إفاضة الماء على جميع البدن علی وجه مخصوص. ٢. الصعيد الطاهر. وقد شرع الله تعالى لنا في بعض الأحوال الانتقال من التطهّر بالماء - وهو الأصل- إلى التطهّر بالتراب، أو الصعيد سواءٌ كان ترابًا أو حجارة، أو سبخة ونحوه(٢). وهذه مزيّة اختصّ الله تعالى بها أمة حبيبه محمدٍ صلی الله علیه وسلم، حیث قال عليه الصلاة والسلام: (أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي) وذكر منها: (وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا)(٣). قال تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ أي: اقصدوا الصعيد الطيب (٤)، وفي الشرع: القصد إلى الصعيد الطيب لمسح الوجه، واليدين منه بنية استباحة الصلاة عند عدم الماء، أو العجز عن استعماله(٥). (٢) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٢٩/٢. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: (جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا)، ١/ ٩٥، رقم ٤٣٨، ومسلم في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، ١/ ٣٧٠، رقم ٥٢١. (٤) مختار الصحاح، الرازي ص٦٣٤. (٥) أضواء البيان، الشنقيطي ٣١/٢. ١٧٤ لِلْقُرآن الكَرِيمِ الطهارة وذكر الله تعالى التيمم في سورة المائدة بعد أن ذكر الوضوء والغسل. فقال سبحانه: ﴿وَإِن كُنتُمْ فَرْضَىَ أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنَكُم مِّنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ اُلْنِسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءَ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيْبًا فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَج وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦]. وذكر التيمم كذلك في سور النساء. قال تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُواْ وَ إِن كُم ◌َرْضَّ أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُم مِّنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٤٣]. والآيتان السابقتان بيّنتا موجبات التيمم و کیفیته، ویمکن اختصارها فيما يأتي: مسوّغات التيمّم: ١. المرض، يباح التيمّم للمريض الذي يخاف إن استعمل الماء زيادة المرض، أو تأخر الشفاء، وتيمم الصحابي الجليل عمرو بن العاص رضي الله عنه لما خاف أن يهلك من شدة البرد، وأقرّه رسول الله صلی الله علیه وسلم(١). (١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢. السفر، والمقصود: السفر الذي لا يجد فيه صاحبه الماء، وكذلك المقيم الذي لا يجد الماء فإنه یتیمّم، وإنما خصّ سبحانه السفر بالذكر لأنه الغالب في عدم الماء، بخلاف المقيم فإنه من النادر أن يفقده(٢). ٣. ووجود ناقض للوضوء؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنْكُم مِّنَ الْغَابِطِ﴾ المقصود بالغائط: ما انخفض من الأرض، وكان الناس يذهبون لقضاء الحاجة في هذه الأماكن المنخفضة لأجل الستر فلا يراهم أحد، ويراد به في الآية الكناية عن كل الأحداث التي تنقض الطهارة الصغرى، كزوال العقل، والخارج من السبيلين(٣). ـة النساء: ﴿أَوْلَمَسْتُمُ النِّسَاءُ ﴾ بعد أن ذكر الله تعالى الغائط، وأن المراد منه الطهارة من الحدث الأصغر، ذكر الطهارة من الحدث الأكبر: ملامسة النساء، ويراد به الجماع، وهذا من لطافة القرآن الكريم وعنايته باختيار الألفاظ، ويدخل فيه كل ما يلزم منه الغسل، وهو الحدث الأكبر، من الجماع، والتطهّر ١٣٠/٥. (٢) أحكام القرآن، ابن العربي ٤٦١/١. (٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٣٢/٥-٠١٣٣ www. modoee.com ١٧٥ حرف الطاء من الحيض، وكذا النفاس(١). والشرط المبيح للتيمّم في كل ما تقدّم، أَفَلَمْ هو: فقد الماء، أو تعذر استعماله: تَجِدُواْ مَآءٌ فَتَيَمَّمُواْ﴾ والمقصود انعدام الماء، بعد طلبه والسعي في الحصول علیه، أو كان عنده، ولكن يتعذّر عليه استعماله لمرض أو خطر يهدّده، کوجود حيوان مفترس عند مصدر الماء، أو غيرها من الموانع، فعندها ينتقل من الوضوء أو الغسل (٢) إلى التيمم(٢). فَتَيَمَّمُواْ وصفته كما قال عز وجل: صَعِيدًا طَيِبًا فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ وفسّرته السنة النبوية. فعن عمار بن ياسر رضي الله عنهما أنه قال: أجنبت فلم أصب الماء، فتمعّكت(٣) في الصعيد وصلّیت، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (إنما كان یکفیك هكذا)، وضرب النبي صلی الله عليه وسلم بكفّيه الأرض، ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه و كفّيه (٤). (١) انظر: المصدر السابق ١٣٤/٥ - ١٣٦، أضواء البيان، الشنقيطي ٣١/٢. (٢) انظر: أحكام القرآن، ابن العربي ١/ ٤٦٣. (٣) يعني: تقلّب. انظر: فتح الباري، ابن حجر ٢/ ٥٨٤. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التيمم، باب المتيمم هل ينفخ فيهما، ١/ ٧٥، رقم ٣٣٨، ومسلم في صحيحه، كتاب الحيض، باب التيمم، ١/ ٢٨٠، رقم ٣٦٨. ثم ختم الله تعالى الكلام حول الوضوء والغسل والتيمم بقوله: ﴿مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجِ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [المائدة: ٦]. فليس المقصود من هذه التشريعات هو العنت والحرج علی عباد الله تعالى، ولكن هي نعمة من الله تبارك وتعالى؛ ليطھّر بها الأرواح والنفوس، فتلتزم بأوامره وشرعه، وتحافظ على طهارة ظاهرها؛ فتكتمل فيها صورة الطهارة حسًّا ومعنى، فهذه الطهارة الحسية هي مقدّمات للوقوف بين يدي الله جل وعلا في الصلاة، حيث تسمو فیھا الروح، وهي تعرج إلى بارئها، فكان لزامًا على هذا العبد وهو في موقفه العظيم بين يدي خالقه أن يكون طاهر الأعضاء والجوارح، احترامًا وتقديرًا وتقديسًا لوقوفه بین یدي مولاه. ((وقد شرع الإسلام الوضوء والغسل للمؤمن ليكون مظهرًا دالًّا على طهارة الظاهر، كما دعا إلى اجتناب المعاصي والآثام ليكون عنوانًا على طهارة الباطن، فالوضوء والغسل إنما يقصد منهما النظافة وهي ((طهارة حسية)) تعوّد الإنسان على حياة الطهر في النفس والخلق والدين ... ، إن الإسلام دين الطهارة وطهارة الظاهر فرع، وطهارة الباطن أصل، وطهارة الظاهر شرط مَشَارَةُ الْبَقَد الْقُرْآن الكَرِيمِ ١٧٦ الطهارة لصحة الصلاة، كما أن طهارة الباطن شرط لدخول الجنة ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٣) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبِ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨-٨٩]. ◌َانَّ اللَّهُ وهما جميعًا سبب لمحبة الله يُحِبُّ التَّوَّبِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]»(١). وبهذا يتأكّد لنا معنى الرباط الوشيج بين الطهارة المادية والحسية، ویتأكّد لنا أن الأصل فى الطهارة هو طهارة النفس، ومن ثم تكون طهارة الظاهر ثمرة لتلك الشجرة الطيبة. ٣. الإيمان والتقوى. العبادات التي شرعها الله تعالی. قال سبحانه: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَعْبُدُ واْرَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١]. ولذلك قال سبحانه وهو يذكر شرائع الحج والهدي: ﴿لَنْ يَنَالَ اَللَّهَ لُمُهَا وَلَا ◌ِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ النَّقْوَى مِنكُمْ﴾ [الحج: ٣٧]. ومن الأمثلة على أن التقوى هي الهدف من وراء العبادات، ما ذكره الرازي رحمه الله وهو يتحدث عن سورة النساء، فيقول: ((اعلم أن هذه السورة مشتملة على أنواع كثيرة من التكاليف؛ وذلك لأنه تعالى أمر (١) تفسير آيات الأحكام، الصابوني ٣٨٩/١. الناس في أول هذه السورة بالتعطف على الأولاد والنساء والأيتام، والرأفة بهم، وإيصال حقوقهم إليهم، وحفظ أموالهم عليهم؛ وبهذا المعنى ختمت السورة ... ، وذكر في أثناء هذه السورة أنواعًا أخر من التكاليف، وهي الأمر بالطهارة والصلاة وقتال المشركين؛ ولما كانت هذه التكاليف شاقة على النفوس لثقلها على الطباع لا جرم افتتح السورة بالعلة التي لأجلها يجب حمل هذه التكاليف الشاقة، وهي تقوى الرب الذي خلقنا، والإله الذي أوجدنا))(٢). ومن النماذج العملية التي ذكرها الله التقوى: خشية الله تعالى، وهي ثمرة تعالى في القرآن قصة يوسف عليه السلام الذي نشأ على الإخلاص لربّه، وتربى على خشيته تعالى، فبنى في نفسه قاعدة صلبة حفظته بحفظه لربه من الوقوع في نتن الفاحشة وخبثها. ﴿وَرَوَدَتْهُ أَلَِّيِ هُوَفِي قال سبحانه: بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ، وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَبَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكْ قَالَ مَعَاذَ اَللَّهِ إِنَّهُ، رَبِّ أَحْسَنَ مَثْوَاءَّإِنَّهُه ◌َ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [يوسف: ٢٣]. يوسف عليه السلام أمام هذه المحنة العظيمة أحاطت به الدواعي الكثيرة التي تغري الشاب الغريب، الممتلئ قوة واندفاعًا، وهو في حضرة امرأة العزيز، وقد تھیات له بالجمال، وغلقت الأبواب، بابًا (٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٣٢/٥. www. modoee.com ١٧٧ حرف الطاء وراء باب، ودعته لنفسها بلسان الحال قبل المقال، ولكنه قال بكل ثقة: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾. يقول السعدي رحمه الله: ((والحاصل أنه جعل الموانع له من هذا الفعل تقوى الله، ومراعاة حق سيده الذي أكرمه، وصيانة نفسه عن الظلم الذي لا يفلح من تعاطاه، وكذلك ما منّ الله عليه من برهان الإيمان الذي في قلبه، يقتضي منه امتثال الأوامر، واجتناب الزواجر))(١). ولذا جعل الله تبارك وتعالى التقوى شعار الطاهرين، الذين يحبّهم ويرضى عنهم، ويتقبّل منهم أعمالهم. ﴿لَّمَسْجِدُ أُسِسَ عَلَى قال سبحانه: التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِيَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيٍ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَنَطَهَّرُواْ وَاَللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨]. ((ولما كان من شأن الأساس أن تطلب له صلابة الأرض لدوامه جعلت التقوى في القصد الذي بني له أحد المسجدین، فشبّهت التقوى بما يرتكز عليه الأساس»(٢). فإذا ما تحقّقت التقوى في قلب المؤمن، كان عمله صالحًا متقبلًا، وعاش طاهرًا نقيًّا، فالتقوى تحثه على التزام طاعة ربه، وخشيته جلا وعلا، وترك ما يكدر صفو إيمانه، من التلطخ برجس المعاصي ونتنها، فيعيش (١) تيسير الكريم الرحمن، ص٣٩٦. (٢) مفاتيح الغيب، الرازي ١٦/ ١٥٤. هَذَا وَأنَّ ملتزمًا بصراط الله المستقيم صِرَطِى مُسْتَقِيمًا فَأَتَّبِعُوهٌ وَلَا تَنَبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهٍ ذَلِكُمْ وَصَّنَكُم بِهِ. لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. ٤. إخراج الزكاة والصدقات. ومن العبادات التي افترضها الله تعالى علينا: الزكاة، قال تعالى: ﴿خُذٌّ مِنْ أَمْوَلِمْ صَدَقَّةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِم بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]. ولا يقتصر أثر الزكاة على تطهير المال ونمائه فحسب، بل لها أثر عظيم في تربية النفس وتزكيتها، وتطهيرها من الذنوب والشّح؛ فنفس الغني تطهر من البخل، ونفس الفقير تطهر من الحسد، وتكسبه القناعة والرضا (٣)، ولذلك حثّ الله تبارك وتعالى عباده على تأدية الزكاة، والتطوّع بالصدقات، وقد أثنى سبحانه وتعالى على ﴿الَّذِى يُؤْتِ مَالَهُ يَتَزََِّّ﴾ [الليل: ١٨]. فيحرص المؤمن على إخراج ماله في سبيله سبحانه، رجاء أن يطهّره الله بذلك من أمراض القلوب وأدرانها، وأن ينقيّه مما كان منه من الخطأ أو التقصير. وأمر الله سبحانه بتقديم الصدقات عند مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم ﴿بَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا ومخاطبته، فقال: نَُّمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَنَّكُوْ صَدَقَةٌ ذَلِكَ (٣) انظر: التفسير الموضوعي لسور القرآن الکریم، مجموعة باحثين ٢٦٧/٣ - ٢٦٨. ١٧٨ جوبيه القرآن الكريم الطهارة خَيْرٌ لَكُمْ وَأَْهَرَّ فَإِن لَّْ تَجِدُواْ فَإِنَّاللَّهَ غَفُورٌ. [المجادلة: ١٢]. يقول الشيخ محمد علي الصابوني: ((أمر تعالى عباده المؤمنین إذا أرادوا مناجاته عليه الصلاة والسلام لأمرٍ من الأمور أن يتصدّقوا قبل هذه المناجاة تعظيمًا لشأن الرسول صلى الله عليه وسلم ونفعًا للفقراء، وتمییزًا بين المؤمن المخلص، والمنافق المراوغ؛ فإن ذلك أزكى للنفوس، وأطهر للقلوب، وأكرم عند الله تعالى، فإذا لم يتيسر للمؤمن الصدقة فلا بأس عليه ولا حرج)»(١). ومن حكمة الله تعالى في ندبه للصدقة عند مناجاة الرسول صلی الله عليه وسلم: تطهیر قلوب المؤمنين، وتزکیة نفوسهم «لما فيه من تعويدها على عدم الاكتراث بالمال، وإضعاف علاقة حبّه المدنّس لها، وفيه إشارة إلى أن في ذلك إعداد النفس لمزيد الاستفاضة من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عند المناجاة)»(٢). فالصدقة هنا تطهّر القلب من الأدناس ((التي من جملتها ترك احترام الرسول صلى الله عليه وسلم والأدب معه بكثرة المناجاة التي لا ثمرة تحتها، فإنه إذا أمر بالصدقة بين يدي مناجاته صلى الله عليه وسلم صار هذا میزانًا لمن كان حريصًا على الخير والعلم، (١) تفسير آيات الأحكام ٢/ ٣٩٠. (٢) روح المعاني، الألوسي ٢٢٥/١٤. فلا ییالي بالصدقة، ومن لم یکن له حرص ولا رغبة في الخير، وإنما مقصوده مجرد كثرة الكلام، فينكف بذلك عن الذي يشق على الرسول)) (٣) صلى الله عليه وسلم. وفي المقابل حرّم الله جلّ وعزّ الربا لشدة خطره وضرره على المجتمع، وكونه سببًا رئيسًا في تلويث القلوب بالأحقاد والحسد والغل، يقول الشيخ محمد علي الصابوني: ((الصدقة عطاء وسماحة، وطهارة وزكاة، وتعاون وتكافل ... ، والربا شحّ وقذارة ودنس وجشع وأثرة وأنانية ... ، فلا عجب إذًا أن يعده الإسلام أعظم المنكرات والجرائم الاجتماعية والدينية، وأن يعلن على المرابين الحرب ﴿فَإِ لَّمْ تَفْعَلُواْ فَذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اَللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩]. وذلك للأضرار الفادحة والمساوئ التي تترتب عليه))(٤). ٥. اتباع دين الله تعالى وأحكام شرعه. من أعظم ما يطهّر النفس: اتباع أوامر الله تعالى، والتزام شرعه، والمسارعة في الأعمال الصالحة؛ لأنها ((أهم وسائل التزكية العملية التي يعيش المسلم حياته معها، وبقدر ما يكثر منها يكون مزكّيًا لنفسه، بشرط أن يأتي بها على وجهها الذي شرعه (٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٨٤٧. (٤) تفسير آيات الأحكام ١/ ٢٨٠ بتصرف يسير. www. modoee.com ١٧٩ حرف الطاء الله، ويخلص فيها لله))(١). وأول أمر ورد في القرآن الکریم قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ وَلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١]. وهذا نداء عام لجميع الناس، فهو للمؤمنین باستدامة العبادة، وللكافرين بأن یعبدوا الله وحده لا شريك له، والعبادة هنا تعني: توحيده تعالى، والتزام شرائع دينه(٢). وأعظم شرائع الدين بعد الشهادتين: الصلاة، وقد حثّ الله تبارك وتعالى عليها في مواضع عدّة، وأوصانا بها حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم، وما ذلك إلا لعظم منزلتها وقدرها، وهذه الصلاة لها روحٌ، كما أن للجسد روحًا يموت بدونها، وروح الصلاة الخشوع، وهي التي ميّز الله بها المؤمنین، وأثنی علیھم بها، فقال سبحانه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ) الَّذِينَ هُمْ فِ صَلَائِهِمْ خَشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١-٢]. ومن حقّق الخشوع في الصلاة جنا ثمرتها، وتحقق له ما أراد الله منها بقوله: ﴿إِنَ الضَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنْكَّرِّ﴾ [العنكبوت: ٤٥]. يقول الإمام الطبري رحمه الله: «تنهى (١) التزكية على منهج النبوة، معاذ سعيد حوى ص٢٧. (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٦٨/١. من كان فيها، فتحول بينه وبين إتيان الفواحش؛ لأن شغله بها يقطعه عن الشغل بالمنكر؛ ولذلك قال ابن مسعود رضي الله عنه: من لم يطع صلاته لم يزدد من الله إلا بعدًا؛ وذلك أن طاعته لها إقامته إياها بحدودها، وفي طاعته لها مزدجر عن الفحشاء والمنكر» (٣). ومن العبادات التي تطهّر النفس: الصوم، وهو عبادة جليلة، فيه تربّية النفس على العفو والتسامح، وقد بيّن الله تعالى الحكمة من يَأَيُّهَا افتراضه صوم شهر رمضان، فقال: الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ ﴾ [البقرة: ١٨٣]. ومن شرائع الله: الحج، وهو عبادة عظيمة، من أدّاها كما أمر الله تعالى ورسوله صلی الله علیه وسلم، رجع منها وقد طهّر من ذنوبه وخطاياه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من حجّ هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع کما ولدته أمه)(٤). والحج يربّي النفس على التواضع (٣) جامع البيان، ٢٠/ ١٦٧. (٤) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب قول الله تعالى: (الحج أشهر معلومات)، ١١/٣، رقم ١٨١٩، ومسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة، ٩٨٣/٢، رقم ١٣٥٠. ١٨٠ جوسين القرآن الكريم الطهارة والمساواة والعفو، ويطهر النّفس من المسلم بها، وأخلص لربّه تعالى فيها، فإنها أمراضها. قال تعالى: ﴿اَلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَتَّ فَمَنْ فَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَ رَفَتَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِىِ الْحَجُّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَّوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ النَّقْوَىَّ وَأَتَّقُونِ يَتَأُوْلِ آلْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٩٧]. والرفث هو الفحش والقول القبيح، وقيل: هو جماع المرأة ومقدماته، والفسوق: المعاصي(١)، ولاشك أنّ الابتعاد عن هذه الأمور من أعظم ما يتطهر به القلب. وفي سورة البقرة بعد أن ذكر الله تعالى جملة من أحكام الطلاق والعدّة قال: ﴿ذَالِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَظْهَرُ﴾ [البقرة: ٢٣٢]. يقول حجازي رحمه الله: («ذلك أزكى لكم وأطهر من دنس الوقوع في المحرم، وهو أزكى نظام وأطهره)»(٢). وفي سورة الأحزاب ذكر الله تعالى آية الحجاب، وبيّن فيها أدب زيارة النبي صلى الله عليه وسلم في بيته، وفرض فيها الحجاب على أمهات المؤمنين رضي الله عنهن، وبيّن لنا الحكمة في ذلك، فقال: ﴿ذَلِكُمْ أَظْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣]. وهكذا في سائر العبادات، إذا ما التزم (١) معالم التنزيل، البغوي ٢٢٦/١. (٢) التفسير الواضح، ٢/ ١٤١. تؤتي أكلها في تطهير النفس والقلب، وبهذا یتبین لنا مدى أهمية التزام شرع الله تعالى في تطهير النفس وصفائها. www. modoee.com ١٨١ حرف الطاء آثار الطهارة أولًا: محبة الله: قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّبِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِرِينَ﴾ اللَّهُ المتطهر یحبه الله تعالی، ومن أحبّه الله عاش في ظلال رحمته، يقول حجازي رحمه الله: ((أما محبة الله لهم فهذا شيء هو أعلم به إلا أنا نعرف من الحديث أن الله یحب من عباده الصالحين الموفّقين إلى الخير))(١). وذكر حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله قال: من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه)(٢). ولهذه المحبة أثرها البالغ في نفس المؤمن؛ لأنه ما وصل إلى هذه المنزلة إلا بعد أن ترقّى في تطهير روحه، فسما بها في طاعة ربه، وتنزّه عمّا يلوث قلبه ونفسه وجسده (١) التفسير الواضح، ١٥/١١. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب التواضع، ١٠٥/٨، رقم ٦٥٠٢. ومحيطه من النجاسات الحسية والمعنوية، فعرفه الناس بتقواه وصدقه، فكتب له الله تعالی حبّهم، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله إذا أحب عبدًا دعا جبريل، فقال: إني أحب فلانًا فأحبّه، قال: فیحبه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلانًا فأحبّوه. فيحبه أهل السماء، قال: ثم يوضع له القبول في الأرض)(٣). فمحبّة الله تعالى -كما بيّن الحديث الشريف- تجلب محبة الخلق، والإنسان متى ما كان محبوبًا عند الله تعالى وعند الناس كان في سعادة وهناء، فمحبة الله تعالى تعني له حفظ الله سبحانه له وتوفيقه إيّاه، ومحبة الخلق تعني له حسن العشرة معهم. ثانيًا: صحة العبادة: من أعظم أركان الدّين، وأرفعها منزلة وقدرًا: الصلاة. قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَأَمْسَحُواْ بُِءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، ١١١/٤، رقم ٣٢٠٩، ومسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة، باب إذا أحب الله عبدًا حببه إلى عباده، ٢٠٣٠/٤، رقم ٢٦٣٧. ١٨٢ جوببيو لِلْقُرآن الكَرِيمِ