Indexed OCR Text

Pages 21-40

الطلاق
﴿وَأْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ
وقوله تعالى:
أَوْلَدَهُنَّ﴾ أمرٌ جاء بصيغة الخبر للمبالغة
في تقريره، وهذا الأمر للندب والاستحباب
ولیس للوجوب؛ لأن الإرضاع لیس واجبًا
على المرأة، كما قال الفقهاء، إلا إذا لم
يتمگّن الأب من استئجار ظئرٍ، أي: امرأةٍ
ترضع ولده في مقابل أجر، أو لم يقبل ثدي
غير أمه، والتعبير عنهن بلفظ (الوالدات)
دون قوله: والمطلقات لبيان حقوقهن
كأمهات ولاستعطافهن نحو الأولاد،
فحصول الطلاق لهن لا ينبغي أن يحرمهن
من عاطفة الأمومة، ولا يحرم الأبناء من
حقوقهن المشروعة، قال السدي والضحاك
وغيرهما: أي: هن أحقّ برضاع أولادهن من
الأجنبیات لأنهن أحنی وارق، وانتزاع الولد
الصغير إضرار به وبها، وهذا يدل على أن
الولد وإن فطم فالأمّ أحق بحضانته ما لم
تتزوج؛ لفرط حنوّها وشفقتها (١).
﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ أي: عامين على التمام
﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمّ الرَّضَاعَةَ ﴾ لبيان أن الرضاعة
ليست واجبة على المرأة إلا إذا عجز الزوج
عن استئجار ظئر، أي: مرضع، فتعيّن على
الأم إرضاع ولدها ﴿وَعَلَى الْمَلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ
وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْعْرُوفِ ﴾ المطلقة لها الحق في
الأجرة لإرضاعها ولدها كما في قوله تعالى:
﴿ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق:
(١) المصدر السابق ٣/ ١٦٠.
٦].
وإنما عطف الكسوة على الرزق
لئلا يتوهّم أن الرزق قاصر على الطعام
والشراب، وهذا من مراعاة حق المرأة
وإكرامها، والعدول عن قوله: (وعلى
الوالد) إلى قوله: ﴿وَعَ الْمَلُودِ لَهُ﴾ فيه لطيفة،
وهي أن الأولاد يتبعون الأب ويلتحقون
بنسبه دون الأم، وهذا مما يحفّزهم على
العناية بالمولود، والتعبير بالمولود له مقابل
التّعبير بالوالدات إشارةٌ إلى أن المسئولية
مشتركةٌ بين الوالدين؛ وكذلك في التعبير
بالمولود له ترقيقٌ لقلب الوالد على ولده
الذي قد يهمله نكايةً في أمه التي طلّقها، أو
يجافيه كراهيةً لها، فهذا الولد الّذي يرضعنه
ينسب إليه، ويحفظ سلسلة نسبه، فعليه أن
ينفق عليهنّ ما يكفيهنّ حاجات المعاش من
الطّعام واللّباس ليقمن بذلك حقّ القيام.
﴿لَا تُكَلّفُ نَّفْسُ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ لا يكلّف
الوالد فوق طاقته، ولا تكلّف الوالدة فوق
طاقتها، كأن يطالب الرجل بالزيادة في
الأجرة، وهو معسرٌ، أو يضيّق على الأم مع
يسار الأب.
لَا تُضَارَّ وَلِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ.
پِوَلَدِهِ،﴾ فلا ضرر ولا ضرار؛ لا يكلّف
الرجل بما لا يطيق من نفقةٍ، ولا تكلّف
المرأة بإرضاع ولدها وهي لا تقوى على
ذلك، أو بدون الوفاء بحقها في النفقة، أو
www. modoee.com
١١٣

حرف الطاء
ببخس هذا الحق أو التقتير، ولا تمتنع الأم إلى أن يستأجر لهم من ترضعه، وتسمى
المرضعة المستأجرة ظئرًا ﴿إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ
عن إرضاع ولدها نكايةً وإضرارًا بأبيه الذي
طلقها؛ كذلك لا يحرم الأب الأم من حقها
في إرضاع ولدها؛ حتى لا تستفيد بالنفقة.
ءَانَيْتُ بِالْغَرُوفِ﴾ أي: سلّمتم إلى الأمهات
أجرهن بحساب ما أرضعن إلى وقت إرادة
الاسترضاع، وسلّمتم الأجرة إلى المرضعة
الظئر.
﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ الوارث هو
القائم مقام الوالد، عليه مثل ذلك من
الواجبات، حتى وإن لم يترك الأب مالًا؛
لأن الغرم بالغنم ﴿فَإِنْ أَرَدَا فِصَالًا عَن
قَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَِّمَا﴾ الفصال
والفصل: الفطام ﴿عَن تَّرَاضٍ مِّنْهُمَا ﴾ أي:
قبل الحولين ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَهِمَا﴾ أي: في
فصله؛ وذلك أن الله سبحانه لما جعل مدة
الرضاع حولين بيّن أن فطامهما هو الفطام،
وفصالهما هو الفصال ليس لأحد عنه
منزع، إلا أن يتفق الأبوان على أقل من ذلك
العدد من غير مضارة بالولد؛ فذلك جائز
بهذا البيان، إن استقرّ أمرهما على الفصال
قبل نهاية الحولين، وتراضيا على ذلك فلا
حرج في ذلك، ما لم يترتب على ذلك ضررٌ
للطفل، فينبغي مراعاة حق الولد، وإن أدى
ذلك إلى تشاور المطلقة مع من طلّقها في
شأن الولد؛ لأنهما مسئولان عنه، حريصان
علی صلاحه.
﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا ﴾ أي: تطلبوا
لهم من يرضعهم في حالة امتناع الأم عن
الإرضاع أو مطالبتها بنفقةٍ باهظةٍ إرهاقًا
للأب، أو عدم تمكّنها، فيضطرّ الأب
وقيل: الخطاب للوالدين، والمعنى:
سلّمتم ما أتيتم من إرادة الاسترضاع، أي:
سلّم كل واحد من الأبوين ورضي، وكان
ذلك على اتفاق منهما وقصد خير وإرادة
معروف من الأمر.
والخطاب للرجال، أي: ما آتيتم من
النفقة، أو للرجال وللنساء معًا، أي: سلّم كلّ
واحدٍ للآخر.
وقيل: المعنى: إذا سلّمتم لمن أردتم
استرضاعها أجرها، فيكون المعنى: إذا
سلمتم ما أردتم إيتاءه، أي: إعطاءه إلى
المرضعات بالمعروف، أي: بما يتعارفه
الناس من أجر المرضعات من دون مماطلة
لهنّ، أو حطّ بعض ما هو لهنّ من ذلك، فإن
عدم توفير أجرهنّ يبعثهنّ على التساهل بأمر
الصبيّ، والتفريط في شأنه(١).
(١) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٣٣٢/١.
١١٤
الْقُرْآن الكَرِيمِ

الطلاق
سادسًا: النفقة للبائن الحامل، والأجرة ((﴿وَأْتَمِرُواْ يَتْنَكُمْ مَعْرُوفٍ﴾ أي: ليقبل بعضكم
للمرضع البائن:
قال تعالى: ﴿أَشْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمِنِ
وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُوهُنَّ لِنُضَيِّقُواْ عَلَتِنَّ وَإِن كُنَّ أُوْلَتِ
حَمْلٍ فَأَنْفِقُواْ عَلَِّنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ
لَكُمْ فَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأَتَمِرُواْ بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍّ وَإِن
تَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُهُ أُخْرَى ل لِيُفِقْ ذُوسَعَةٍ
مِّنِ سَعَتِ وَمَن قُدِرَ عَلَيَّهِ رِزْقُهُ، فَلْيُنفِقْ مِمَّآ ءَانَتُهُ
اَللَّهَّ لَا يُكَلِفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا مَآ ءَاتَنِهَاْ سَيَجْعَلُ اللّهُ بَعْدَ
عُسْرِيُتْرًا﴾ [الطلاق: ٦ - ٧].
يجب للمعتدة من طلاق رجعيٍّ النفقة
والسكنى، أما المطلقة طلاقًا بائنًا فإن كانت
حاملًا فلها النفقة والسكنى؛ حتى تضع
الحمل، فإذا أرضعت ولدها استحقت
الأجر على ذلك، وهذا من رحمة الإسلام
بها، فالمرضع تحتاج إلى رعاية صحية
وغذائية؛ لذا أوجب الله تعالى على الرجل
إعطاء الأجرة لمطلقته على إرضاعها
لولدهما؛ رعايةً لحقّها وحقّ الطفل.
كما أمر الله الآباء والأمهات بالتشاور في
شئون الأولاد بما هو أصلح لهم في أمورهم
الصحية، والخلقية، والتربوية، والتعليمية،
وغيرها؛ من باب التناصح والتعاون على
الخير.
قال تعالى: ﴿وَأَتَمِرُواْ يَتْنَكُم بِمَعْرُوفٍ﴾
أي: وليأمر كلّ منهما صاحبه بالخير، من
المسامحة والرفق والإحسان، قال الخازن:
من بعض إذا أمره بالمعروف، وقيل:
يتراضى الأب والأم على أجرٍ مسمى،
والخطاب للزوجين جميعًا أمرهم أن يأتوا
بالمعروف، وما هو الأحسن ولا يقصدوا
الضرار، وقيل: المعروف هاهنا أن لا يقصّر
الرجل في حق المرأة ونفقتها، ولا المرأة في
حق الولد وإرضاعه)»(١).
أما إذا لم يحصل وئامٌ واتفاقٌ بين
الأبوين في تحديد الأجرة، فليس للأب
إكراه الأم على الإرضاع إن أبت، بل يستأجر
مرضعة أخرى، فإن لم يجد أو عجز عن
إعطاء الأجرة لزم الأمّ إرضاع ولدها؛ حفاظًا
على حقه في الحياة، قال تعالى: ﴿وَإِن
تَعَاسَرْتُمْ﴾ أي: في حق الولد وأجرة الرضاع،
فأبى الزوج أن يعطي المرأة أجرة رضاعها،
وأبت الأم أن ترضعه، فليس له إكراهها على
إرضاعه، بل يستأجر للصبي مرضعًا غير أمه.
﴿فَسَتُرْضِعُ لَهُدْ أُخْرَى﴾ أي: فليستأجر
لولده مرضعةً غيرها، وهو خبرٌ بمعنى الأمر،
أي: فليسترضع لولده مرضعةً أخرى ((إلا
أن لا يقبل المولود غیر أمه فتجبر حينئذٍ
على إرضاعه بأجرة مثلها، ومثل الزوج في
حالهما وغناهما))(٢).
(١) لباب التأويل، الخازن ٦/ ١٢٠.
(٢) المحرر الوجيز، ابن عطية ٦/ ٣٧٣.
وانظر: جامع البيان، الطبري ٢٣/ ٤٦٢،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٦٩/١٨.
www. modoee.com
١١٥

حرف الطاء
قال أبو حيان: ((وفيه عتابٌ للأم لطيفٌ سابعًا: حق المطلقة في الزواج، وحرمة
عضلها:
كما تقول لمن تطلب منه حاجة فيتوانى
عنها: سيقضيها غيرك، تريد أنها لن تبقى غير
مقضية، وأنت ملوم))(١).
﴿لِيُفِقْ ذُوسَعَةٍ مِّنِ سَعَنِّةٍ، وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ
رِزْقُهُ. فَلْيُنفِقْ مِنَّاَ ءَانَهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلَّا مَآ
ءَاتَنَهَاَ سَيَجْعَلُ اللّهُ بَعْدَ عُسْرِ يُسْرً﴾ [الطلاق: ٧].
بيانٌ لقدر الإنفاق، والمعنى: لينفق الأب
على قدر وسعه وطاقته، فلا يكلّف ما لا
يطيق، ولا يضيّع الولد أو الأم، بل لابدّ من
الاعتدال والموازنة بين الحقوق.
﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ أي: ومن ضیق
عليه رزقه فكان دون الكفاية ﴿فَلْيُنفِقْ مِنَّآ
ءَائَنَهُ اللَّهُ﴾ أي: فلينفق على مقدار طاقته،
وعلى قدر ما آتاه الله من المال ﴿لَا يُكَلِّفُ
اللَّهُ نَفْسًا إِلَّامَآ ءَاتَنَهَا﴾ أي: لا يكلّف الله
أحدًا إلا بقدر طاقته واستطاعته، فلا يكلّف
الفقير مثل ما يكلف الغني، قال أبو السعود:
((وفيه تطييبٌ لقلب المعسر، وترغيبٌ له في
بذل مجهوده، وقد أكد ذلك الوعد بقوله:
﴿َسَيَجْعَلُ اَللَّهُ بَعْدَ عُسْرِ بُشْرًا﴾ أي: سيجعل
الله بعد الضيق الغنى، وبعد الشدة السعة
والرخاء، وفيه بشارةٌ للفقراء بفتح أبواب
الرزق عليهم»(٢).
(١) البحر المحيط، ٢٠٥/١٠.
(٢) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود
٢٦٣/٨.
للمطلقة الرجعية بعد انقضاء عدتها
الحق في الرجوع لزوجها إن شاء ذلك، بعقد
جديد، ومهر جديد، ولها الحق في الزواج
بغيره، أما البائن فلها أن تتزوج بعد انقضاء
عدتها، ولا يجوز عضل المرأة، أي: منعها
من الزواج سواء كان هذا العضل من جهة
الزوج أو من جهة وليها.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَبَلَغْنَ
أَجَلَهُنَّ فَلَ تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ إِذَا
تَضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْعْرُوفِّ ذَلِكَ يُوعَظُ إِهِ، مَن كَانَ
مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرُّ ذَلِكُنْ أَزْكَى لَكُمْ
وَأَظْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا نَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:
٢٣١].
فنهى تعالى في هاتين الآيتين عن عضل
الزوجة سواءً كان من قبل الزوج الذي يتعمّد
إمساكها للإضرار بها وتعطيلها عن حقّها
بإطالة مدة اعتدادها، أو من قبل وليّها الذي
قد يعضلها عن الرجوع لزوجها الأول بعد
انقضاء عدتها، أو يعضلها عن الزواج بغيره
لشيءٍ في نفسه.
نهى الله تعالى في هذه الآية الكريمة عن
عضل المرأة إذا انقضت عدّتها أن تتزوج، أو
شارفت على الانقضاء أن ترجع إلى زوجها
إذا كان الطلاق رجعيًّا، وعلى هذا فقوله
تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ اَلْنِسَآءَ فَلَغْنَ أَجَلَّهُنَّ
١١٦
جَوَسُولَةُ المفتي
القرآن الكريم

الطلاق
وصور العضل من الزوج متعددة: منها
أو يتوعّد من يتزوّجها، أو يسيء القول فيها؛
لينفّر الناس عنها، فنهوا عن العضل مطلقًا
بأيّ سبپ کان مما ذكرناه ومن غيره.
أي: أشرفن على أن يينّ بانقضاء العدة
ولم يرد حقيقة انقضاء العدة؛ لأن العدة إذا أن يجحد الطلاق، أو يدّعي رجعةً في العدة،
انقضت لم یکن للزوج إمساكها، فالبلوغ ها
هنا بلوغ مقاربة، يقال: بلغ المدينة إذا قرب
منها وإذا دخلها، والمراجعة بالمعروف أن
يشهد على رجعتها وأن يراجعها بالقول لا
بالوطء، والتسريح بالمعروف: أي: تركهن
حتى تنقضي عدتهن.
وقوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ مَعْرُوفٍ
أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُونٍ، وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا
لِيَعْنَدُواْ﴾ أي: لا تقصدوا بالرجعة المضارة
بتطويل المدة عليهن ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ
ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ أي: أضرّ بنفسه بمخالفة أمر
الله تعالى ﴿وَلَا نَنَّخِذُوَاْ ءَايَتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾
بمخالفة شرعه، والاستهانة به، أو الاستهزاء
والاستخفاف أو التلاعب.
قال أبو الدرداء رضي الله عنه: «هو
أن الرجل كان يطلّق امرأته ثم يقول: كنت
لاعبًا، ويعتق ويقول: مثل ذلك، وينكح
ويقول مثل ذلك»(١).
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثٌ
جدّهنّ جدٍّ، وهزلهنّ جدٌّ، النكاح والطّلاق
والرّجعة)(٢).
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٢٥.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الطلاق، باب
في الطلاق على الهزل، ١١٨/٣، والترمذي
في سننه، كتاب الطلاق، باب ما جاء في الجد
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَبَلَغْنَ
أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ إِذَا
تَرَضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِّ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ
مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاَلْيَّوْمِ اَلْآَخِرُّ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ
وَأَْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا نَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:
٢٣٢].
وقد ورد في سبب النزول عن ابن عباس
رضي الله عنهما قال: «قوله: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ
أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ﴾ نزلت في الرّجل يطلّق
امرأته تطليقةً، أو تطليقتين فتنقضي عدّتها،
ثمّ يبدو له في تزويجها وأن يراجعها، وتريد
المرأة فيمنعها أولياؤها من ذلك، فنهى اللّه
سبحانه أن يمنعوها))(٣).
وعن معقل بن يسارٍ رضي الله عنه أنّها
نزلت فيه: قال: ((زوّجت أختًا لي من رجلٍ
والهزل في الطلاق، ٤٨١/٢، رقم ١١٨٤،
وابن ماجه في سننه، كتاب الطلاق، باب من
طلق أو نكح أو راجع لاعبًا، ١ / ٦٥٨، رقم
٢٠٣٩.
قال: «هذا حديث حسن غریب)».
وحسنه الألباني في صحيح الجامع ١/ ٥٨١،
رقم ٣٠٢٧.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٤/ ١٩١، تفسير
القرآن العظیم، ابن كثير ٤١٥/١.
www. modoee.com
١١٧

حرف الطاء
فطلقها، حتى إذا انقضت عّتها جاء يخطبها،
فقلت له: زوّجتك وأكرمتك فطلّقتها، ثمّ
جئت تخطبها، لا والله لا تعود إليك أبدًا،
و کان رجلًا لا بأس به، وكانت المرأة ترید
أنّ ترجع إليه، فأنزل اللّه هذه الآية: ﴿فَلاَ
تَعْضُلُوهُنَّ﴾ فقلت: الآن أفعل يا رسول الله،
قال: فزوّجها إيّاه))(١).
نهى الله تعالى عن منع الوليّ للمرأة
المطلّقة إذا انقضت عدّتها من العودة إلى
زوجها إذا تراضيا بالمعروف، أو الزواج
بغيره، فإن المؤمن حقًّا يجتنب ما نهى الله
عنه، ويمتثل ما أمر الله تعالى به، ويقدم
حكم الله على هواه، فهو تعالى أعلم بما
يصلح عباده في عاجلهم وآجلهم، وقد شرع
لهم ما فيه صلاحهم و خیرهم.
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح،
باب لا نكاح إلا بولي، ٣٧٩/٣، رقم ٥١٣٠.
موضوعات لها صلة بالطلاق
تحدث القرآن عن أمور لها صلة
بالطلاق، نبيّتها فيما يأتي:
أولًا: الخلع:
من الحقوق التي قرّرها الإسلام للمرأة
من أجل إنهاء عقدة النكاح إذا خافت من
عدم الوفاء بحقوق الزوج الذي لا تطيق
البقاء معه؛ سيما إذا امتلأ قلبها بغضًا له، أو
نفورًا منه؛ بسبب دمامة خلقةٍ، أو ضعفٍ أو
عجزٍ ونحوه، أو بسبب سوء خلقٍ، فتضطرّ
الزوجة إلى المخالعة، أو بسبب عضل
الرجل لزوجته، بحیث یکرهها ولا يريد أن
يطلّقها، فيجعلها كالمعلّقة، فتفتدي نفسها
بمالها، وإن کان یحرم عليه فعل ذلك.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا
يَحِلُ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَآءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ
لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضٍ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّ أَنْ يَأْتِينَ
بِفَحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، فَإِن
كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىَّ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ
فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩].
وقال تعالى: ﴿الطَّلَقُ مَرَّتَانٍ فَإِمْسَاكٌ
يِّعْرُوفٍ أَوْ تَشْرِيحٌ بِإِحْسَنٍّ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ
تَأْخُذُواْ مِمَّآ ءَاتَّيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّ أَنْ يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا
حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّيُقِيَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ
عَلَيْهِمَا فِيَا أَقْتَدَتْ بِهِهُ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا
وَمَنْ يَنَعَدَّ حُدُودَ اَللَّهِ فَأُوْلَكَ هُمُ الَّلِمُونَ
١١٨
مُوسُو ◌َ النَِّّ
القرآن الكريم

الطلاق
[البقرة: ٢٢٩].
﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُواْ مِمَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن شَيْئًا﴾ الخطاب للأزواج، أي: لا يحل لهم
أن يأخذوا مما دفعوه إلى نسائهم من المهر
شيئًا على وجه المضارّة لهن «وخصّ ما
دفعوه إلیھن بعدم حلّ الأخذ منه مع كونه لا
يحلّ للأزواج أن يأخذوا شيئًا من أموالهن
التي يملکنها من غير المھر؛ لكون ذلك هو
الذي تتعلق به نفس الزوج، وتتطلع لأخذه
دون ما عداه مما هو في ملكها، على أنه إذا
کان أخذ ما دفعه إليها لا يحل له كان ما عداه
ممنوعًا منه بالأولی»(٤).
امرأة ثابت بن قيس رضي الله عنهما أتت
النبي صلی الله عليه وسلم فقالت: يا رسول
الله، ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق
ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام!(١)
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(أتردّين عليه حديقته؟) قالت: نعم، قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اقبل
الحديقة وطلّقها تطليقةً)(٢).
وعن ثوبان رضي الله عنه قال: قال
رسول الله صلی الله عليه وسلم: (أيما امرأةٍ
سألت زوجها طلاقًا في غير ما بأسٍ، فحرامٌ
عليها رائحة الجنّة)(٣).
(١) قال السندي: ((قوله: (أكره الكفر في الإسلام)
أي: أخلاق الكفر في حال الإسلام، أو أكره
الرجوع إلى الكفر بعد الدخول في الإسلام،
وعدم الموافقة مع الزوج، وشدة العداوة
في البين قد يفضي إلى ذلك، فلذلك أريد
الخلع)).
انظر: حاشية السندي على النسائي ١٢٣/٦.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الطلاق،
باب الخلع وكيفية الطلاق فيه، ٤١٨/٣، رقم
٥٢٧٣.
(٣) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الطلاق، باب
في الخلع، ٢٣٥/٢، رقم ٢٢٢٨، والترمذي
في سننه، أبواب الطلاق واللعان، باب ما جاء
في المختلعات، ٢/ ٤٨٤، رقم ١١٨٧، وابن
ماجه في سننه، كتاب الطلاق، باب كراهية
الخلع للمرأة، ١/ ٢٠٥٥،٦٦٢.
قال الترمذي: ((هذا حديثٌ حسنٌ)).
﴿إِلَّ أَنْ يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ يخاف
الزوج أو تخاف الزوجة من التقصير في
الحقوق الشرعية الواجبة، فإن خاف
الزوجان أو أحدهما، واستشعر القاضي
ذلك ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِّمَا حُدُودَ اَللَّهِ﴾ أي:
خاف الحاكم أو الولي أو القاضي أو من
يتوسّط بين الزوجين ﴿فَلَاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا
أَقْتَدَتْ بِهِ﴾ أي: لا جناح على الرجل في
الأخذ، وعلى المرأة فيما أعطت بأن تفتدي
نفسها من ذلك النكاح ببذل شيء من المال
يرضى به الزوج، فيطلقها لأجله، وهذا هو
الخلع، وقد ذهب الجمهور إلى جواز ذلك
للزوج، وأنه يحل له الأخذ.
قال البغوي: ((تخاف المرأة أن تعصي الله
رقم ٢٧٠٦.
وصححه الألباني صحيح الجامع ١/ ٥٢٦، (٤) فتح القدير، الشوكاني ٣١٩/١.
www. modoee.com
١١٩

حرف الطاء
في أمر زوجها، ويخاف الزوج إذا لم تطعه
امرأته أن يعتدي عليها، فنهى الله الرجل أن
يأخذ من امرأته شيئًا مما آتاها إلا أن يكون
النشوز من قبلها، فقالت: لا أطيع لك أمرًا،
ولا أطألك مضجعًا ونحو ذلك))(١).
﴿وَتِلَّكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ ما سبق من
أحكام الطلاق والعدة والخلع وغيرها ﴿فَلَا
تَعْتَدُوهَا﴾ أي: فلا تضيّعوها، ولا تنتهكوها،
ولا تتجاوزوها.
﴿وَمَنْ يَنَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾
زجرٌ لمن يتجاوز ما حدّه الله تعالى، ويضيّع
فرائضه، وينتهك محارمه، فهو ظالمٌ من
جملة الظالمين، ظلم نفسه، وظلم غيره.
ثانيًا: الإيلاء:
الإيلاء: حلف الرجل أن لا يطأ زوجته،
وقد كان الرجل في الجاهلية إذا غضب من
زوجته حلف أن لا يطأها السنة والسنتين،
أو أن لا يطأها الدهر كله، فتبقى كالمعلقة،
فلا هي زوجة تتمتع بحقوقها الزوجية، ولا
هي مطلقة تنكح زوجًا غيره، وجاء الإسلام
ليرفع الظلم عن المرأة، ويضع حدًّا لهذا
الأمر، فجعل للإيلاء مهلةً نهايتها أربعة
أشهر، فإما أن يعود لزوجته، وإما أن يطلّقها،
فلا تبقى معلقةً.
قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَآبِهِمْ تَرَبُ
(١) معالم التنزيل، البغوي ٢٦٩/١.
أَرْبَعَةِ أَشْهُرٌّ فَإِن فَآءُو فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (
٢٢٦
وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلَقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ [البقرة
٢٢٦ -٢٢٧].
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
(كان إيلاء أهل الجاهليّة السّنة والسّنتين
وأكثر من ذلك، فوقّت الله أربعة أشهرٍ، فمن
کان إیلاؤه أقلّ من أربعة أشهر فلیس بإيلاءٍ».
وقال سعيد بن المسيّب: ((كان الإيلاء
من ضرار أهل الجاهلية، كان الرّجل لا يريد
المرأة، ولا یحبّ أن یتزوّجها غيره، فيحلف
أن لا يقربها أبدًا، وکان يتركها كذلك لا أیّمًا،
ولا ذات بعل، فجعل اللّه تعالى الأجل الّذي
يعلم به ما عند الرّجل في المرأة أربعة أشهرٍ،
وأنزل اللّه تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَآِهِمْ}
الآية))(٢).
فإن اللّه سمیع لإیلائهم وطلاقهم، علیم
بنیاتھم، وبما ارتکبوه مما یحرم أو يحلّ،
فليراقبوه فيما يفعلون، فإن أرادوا إيذاء
النساء ومضارتهن، فهو يتولى عقابهم، وإن
كان لهم عذر شرعي مثل حملهن على إقامة
حدود اللّه، فالله يغفر لهم(٣).
((والحكمة في موقف الشّريعة الإسلاميّة
من الإيلاء: أنّ هجر الزوجة قد يكون من
وسائل تأديبها، كما إذا أهملت في شأن
بيتها، أو معاملة زوجها، أو غير ذلك من
(٢) انظر: الكشف والبيان، الثعلبى ١٦٨/٢.
(٣) التفسير المنير، الزحيلي ٣١٣/٢.
١٢٠
القرآن الكريمِ

الطلاق
الأمور الّتي تستدعي هجرها، علّها تثوب
إلى رشدها، ويستقيم حالها، فيحتاج الرّجل
في مثل هذه الحالات إلى الإيلاء، يقوّي
به عزمه على ترك قربان زوجته؛ تأديبًا
لها، ورغبةً في إصلاحها، أو لغير ذلك
من الأغراض المشروعة؛ فلهذا لم تبطل
الشّريعة الإسلاميّة الإيلاء جملةً، بل أبقته
مشروعًا في أصله؛ لیمکن الالتجاء إليه عند
الحاجة»(١).
فالتأدیب بالهجر ينبغي ألا يتجاوز هذه
المدة، فالمرأة ينفد صبرها عن هجر بعلها
هذه المدة، ولا تستطيع أن تصبر أکثر منها.
((عن عبد الله بن دينار قال: خرج عمر بن
الخطّاب من اللّيل فسمع امرأة تقول (٢):
تطاول هذا اللّيل واسودٌ جانبه
وأرّقني أن لا ضجيع ألاعبه
فوالله لولا الله أنّي أراقبه
لحرّك من هذا السّرير جوانبه
فسأل عمر ابنته حفصة رضي الله عنها:
كم أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها؟ فقالت:
ستّة أشهر أو أربعة أشهر، فقال عمر: لا
أحبس أحدًا من الجيوش أكثر من ذلك))(٣).
ثالثًا: الظهار:
(١) الموسوعة الفقهية الكويتية ٢٢٢/٧.
(٢) البيتان في: الأوائل، العسكري ص ٤١٥،
لسان العرب، ابن منظور ١٤١/٨.
(٣) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي ٩/ ٨٣، تفسیر
القرآن العظيم، ابن كثير ٣٣٣/٢.
هو مأخوذ من الظهر، والظهر من كل
شيء خلاف البطن، وظاهر الرجل امرأته
مظاهرة وظهارًا، قال لها: أنت علي كظهر
ذات رحم(٤) .
والظهار في الاصطلاح: هو أن يشبّه
امرأته أو عضوًا منها بمن تحرم عليه، ولو
إلى أمد، أو بعضو منها(٥).
وكان الظهار في الجاهلية أمرًا شائعًا من
الأمور التي ابتدعها أهل الجاهلية، ودرجوا
علیها، وألفوها حتى صارت عندهم شرعًا،
فكان الرجل منهم إذا كره زوجته أو غضب
عليها قال لها: أنت عليّ كظهر أمي؛ فتصير
محرمة عليه، وحدث في عهد الإسلام أن
ظاهر أوس بن الصامت رضي الله عنه من
زوجته خولة بنت ثعلبة رضي الله عنها، ثم
بدا له بعد ذلك أن یواقعها فلم تمكّنه من
نفسها، وذهبت إلى رسول الله صلى الله
عليه وسلم تستفتيه في هذا الأمر، وتجادله
في هذا الشأن، فأنزل الله عز وجل في ذلك
قرآنًا يتلى.
روى الحاكم في المستدرك بسنده عن
عائشة رضي الله عنها قالت: تبارك الذي
وسع سمعه كل شيء، إني لأسمع كلام
خولة بنت ثعلبة ويخفى عليّ بعضه، وهي
تشتكي زوجها إلى رسول الله صلى الله
(٤) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٥٢٨/٤.
(٥) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٢/٢٨.
www. modoee.com
١٢١

حرف الطاء
عليه وسلم، وهي تقول: يا رسول الله أكل وارجعي إلى ابن عمك)(٣).
شبابي، ونشرت له بطني حتى إذا كبرت سني،
وانقطع له ولدي، ظاهر مني، اللهم إني
أشكو إليك، قالت عائشة: فما برحت حتى
نزل جبريل بهذه الآيات ﴿قَدْ سَمِعَ اَللَّهُ قَوْلَ الَتِى
تُجَدِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ الخ الآيات (١).
وروى الإمام أبو داود في السنن عن
خويلة (٢) بنت مالك بن ثعلبة قالت: ظاهر
مني زوجي أوس بن الصامت، فجئت
رسول الله صلی الله علیه وسلم أشكو إليه،
ورسول الله صلى الله عليه وسلم يجادلني
فيه، ويقول: (اتق الله، فإنه ابن عمك) فما
برحت حتى نزل القرآن ﴿قَدْ سَمِعَ اَللَّهُ قَوْلَ الَّتِى
◌ُحَدِلُكَ فِ زَوْجِهَا﴾ إلى آخر الآيات، فقال
صلى الله عليه وسلم: (يعتق رقبة). قلت:
لا يجد، فقال: (فيصوم شهرين متتابعين).
قلت: يا رسول الله إنه شیخ کبیر ما به من
صيام، قال: (فليطعم ستين مسكينًا). قلت:
ما عنده من شيء يتصدق به، قالت: فَأُتِيَ
ساعتئذٍ بِعَرَق من تمر، قلت: يا رسول الله،
فإني أعينه بعرق آخر، قال: (قد أحسنت،
اذهبي فأطعمي بها عنه ستين مسكينًا،
(١) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الطلاق،
باب الظهار، ١ / ٦٦٦، رقم ٢٠٦٣ والحاكم
في المستدرك، كتاب التفسير، باب تفسير
سورة المجادلة، ٥٢٣/٢، رقم ٣٧٩١.
وصححه الألباني بشواهده في إرواء الغليل
١٧٥/٧.
(٢) خويلة تصغير خولة.
قال تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ اَلَّتِى تُجَدِلُكَ
فِىِزَوْجِهَا وَتَشْتکی إلى الله﴾ سمع الله تعالی
قول تلك المرأة التي جاءت تجادل رسول
الله صلى الله عليه وسلم في أمر زوجها
الذي ظاهر منها ﴿وَتَشْتَكِنَ إِلَى اللَّهِ﴾ تبث
شكواها إلى الله تعالى ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَّكُمَا﴾
أي: يسمع ذلك الحوار الذي دار بين خولة
بنت ثعلبة ورسول الله صلی الله عليه وسلم
﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ سميع لكل مسموع،
بصير بكل مبصر، فعلى المؤمن أن يراقب
الله عز وجل في معاملته لزوجته وفي جميع
معاملاته.
حرمة الظهار:
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُطَهِرُونَ مِنكُم مِّن
نِسَابِهِم مَّا هُنَ أُتَّهَتِهِمَّ إِنْ أُمَّهَتُهُمْ إِلَّا الَّتِى
وَلَدْنَهُمَّ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِنَ اُلْقَوْلِ وَزُورًا
وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوُّ غَفُورٌ﴾ [المجادلة: ٢].
وقوله تعالى: ﴿مَّا هُنَّ أُمَّهَتِهِمٌ
إِنْ أُمَّهَتُهُمْ إِلَّا أَّتِى وَلَدْنَهُمَّ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ
مُنكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًاً وَإِنَّ اللّهَ لَعَفُؤُّ غَفُورٌ﴾
[المجادلة: ٢].
أي: لا تعتبر المرأة بقوله: أنت علي
كظهر أمي، أو كأمي، أو مثل أمي، أو ما أشبه
(٣) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب النكاح، باب
الظهار، ٢٦٦/٢، رقم ٢٢١٤.
وصححه الألباني بشواهده في إرواء الغليل
١٧٥/٧.
١٢٢
جَوَسُو ◌َرَ النفسية
القرآن الكريمِ

الطلاق
ذلك لا تصير أمه بذلك، إنما أمه التى ولدته.
قال ابن عاشور: ((توبيخًا لهم على
صنیعهم، أي: هو مع كونه لا يوجب تحريم
المرأة هو قول منكر، أي: قبيح لما فيه من
تعريض حرمة الأم بتخيلات شنيعة تخطر
بمخيلة السامع عندما يسمع قول المظاهر:
أنت علي كظهر أمي، وهي حالة يستلزمها
ذكر الظهر في قوله: كظهر أمي))(١).
كما قال تعالى: ﴿مَّا جَعَلَ اَللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن
قَلْبَيْنِ فِى جَوْفِدٍ وَمَا جَعَلَ أَزْوَجَكُمُ الَِّىِ
تُظَهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَهَتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ
أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ فَوْلُكُمْ بِأَفْوَمِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ اَلْحَقُّ
وَهُوَ يَهْدِى السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤].
﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِنَ اُلْقَوْلِ وَزُورَاً
وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوُّ غَفُورٌ﴾ [المجادلة: ٢].
دل هذا على تحريم الظهار؛ لأنه قول
منکر وزور.
قال ابن حجر: ((واستدل بقوله تعالى:
﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾
على أن الظهار حرام))(٢).
وقال الإمام ابن القيم: ((والظهار حرام،
لا يجوز الإقدام عليه؛ لأنه كما أخبر الله
عنه منکر من القول وزور، وكلاهما حرام،
والفرق بين جهة كونه منكرًا وجهة كونه
زورًا أن قوله: أنت علي كظهر أمي، يتضمن
(١) انظر: الفقه الإسلامي وأدلته، وهبة الزحيلي
٥٨٥/٧.
(٢) فتح الباري ٩/ ٣٤٢.
إخباره عنها بذلك، وإنشاء تحريمها، فهو
يتضمن إخبارًا وإنشاء، فهو خبر زور وإنشاء
منكر، فإن الزور هو الباطل بخلاف الحق
الثابت، والمنكر بخلاف المعروف، وختم
سبحانه الآية بقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌ غَفُورٌ﴾
وفيه إشعار بقيام سبب الإثم الذي لولا عفو
الله ومغفرته لأخذ به)»(٣).
كفارة الظهار:
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِنْ نِسَّبِهِمْ ثُّ
يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَنْ يَتَمَآْسَا
ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ، وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ لا
٣
فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَنْ
يَتَمَآَنَا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينَاً
ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتِلْكَ حُدُودُ اَللَّهِ
وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٣-٤].
بيّن المولى عز وجل في هاتين الآيتين
الكريمتين كفارة الظهار لمن أراد أن يرجع
عما قال، ويعود إلى معاشرة زوجته بعد أن
ظاهر منها.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِن نِسَآِهِمْ
ثُمَّيَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ﴾ فالعود هنا هو الرجوع
عن مقولة الظهار ﴿فَتَحْرِبُرُ رَقَّبَةٍ﴾ عتق رقبة
سليمة من العيوب صغيرة كانت أو كبيرة
ذكرًا أو أنثى ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسًا﴾ أي: من
قبل حدوث أي مسيس بينهما من جماع
أو تقبيل أو أي وجه من وجوه الاستمتاع،
(٣) زاد المعاد ٤/ ٨٢.
www. modoee.com
١٢٣

حرف الطاء
وهذا هو مذهب جمهور الفقهاء الحنفية
والمالكية والحنابلة، وقال الشافعي في
أحد قوليه: المحرم على المظاهر هو الوطء
فقط (١)؛ لأن المسيس كناية عن الجماع
﴿ذَلِكُمْ تُوعَُونَ بِهِ﴾﴾ أي: تزجرون حتى
تتركوا الظهار لحرمته؛ ولعظم كفارته.
قال صاحب الظلال: ((﴿ذَلِكُنْ تُوعَفُونَ
فالكفارة تذكرة وعظة بعدم العودة إلى
الظهار الذي لا يقوم على حق ولا معروف
﴿واللهُ پِمَا تَعْمَلُونَ خَيرٌ﴾ خبير بحقيقته، وخبير
بوقوعه، وخبير بنیتكم فيه، وهذا التعقيب
يجيء قبل إتمام الحكم لإيقاظ القلوب،
وتربية النفوس، وتنبيهها إلى قيام الله على
الأمر بخبرته وعلمه بظاهره وخفیه»(٢).
قوله: ﴿فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُنَتَابِعَيْنِ
مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّنَ
مِسْكِينًا﴾ أي: من لم يتمكن من عتق رقبة
فعليه صيام شهرين متتابعين، فإن عجز
عن صيام الشهرين فعليه أن يطعم ستين
مسكينًا ﴿ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾
أي: ذلك المشار إليه من تحريم الظهار
﴿لِتُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ فمن
وكفارته
(١) انظر: العناية شرح الهداية، البابرتي ٢٤٨/٤،
المبسوط، السرخسي ٢٣٠/٦، البيان
والتحصيل، ابن رشد ١٧٧/٥، المجموع
شرح المهذب، النوور ٣٦٦/١٧، الكافي في
فقه الإمام أحمد، ابن قدامة ٣/ ١٦٩.
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٥٠٦/٦-
٣٥٠٧.
لوازم الإيمان ومقتضياته أن تلتزموا بهذه
الأحكام ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ فلا تعتدوها
﴿وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ لأنهم كفروا بالله،
وانتهكوا محارمه، وتعدوا حدوده.
قال ابن عاشور: ((الإشارة إلى ما ذكر من
الأحكام، أي: ذلك المذكور لتؤمنوا بالله
ورسوله، أي: لتؤمنوا إيمانًا كاملًا بالامتثال
لما أمركم الله ورسوله، فلا تشوبوا أعمال
الإيمان بأعمال أهل الجاهلية، وهذا زيادة
في تشنيع الظهار، وتحذير للمسلمين من
إيقاعه فيما بعد، أو ذلك النقل من حرج
الفراق بسبب قول الظهار إلى الرخصة
في عدم الاعتداد به، وفي الإخلاص منه
بالكفارة، لتیسیر الإیمان علیکم»(٣).
وفي موقف الإسلام من الظهار: حجة
ساطعة، ودلالة واضحة على تكريم الإسلام
للمرأة، وصيانته وحمايته لحقوقها، وحرصه
على إصلاح واستقرار الأسرة المسلمة.
وفي هذه الكفارة ما يعود بالفائدة على
الفرد والمجتمع، فعتق الرقبة هو سبيل
إلى تحرير الرقيق، وللإسلام موقف فريد،
ومنهج رشید في تحرير العبيد من خلال
تجفيف منابع الاسترقاق، وفتح الأبواب
على مصاريعها للعتق عن طريق الكفارات
والقربات.
وفي صوم شهرين متتابعين تهذيب
(٣) التحرير والتنوير ٢٨/ ٢٠.
١٢٤
جوبيبو
القرآن الكريمِ

الطلاق
للأخلاق، وتقويم للسلوك، ورياضة
للنفوس، وتزكية لها، وسمو بالأرواح،
فالصوم تأديب بالجوع، وخشوع للمولى
وخضوع، وكل عبادة لها حكمة، والصوم
ظاهره العذاب، وباطنه فيه الرحمة، يعلم
الصبر، ويعين على خصال البر، ويقدح
زناد التأمل والفكر، وينشرح به الصدر،
وفى إطعام ستين مسكينًا لفتة كريمة إلى
الرحمة بالمساكين، والإحساس بمعاناتهم،
ومعايشة أحوالهم، وفي هذا إرهاف للحس،
وترقيق للمشاعر، وتطبيب للقلوب، وتزكية
للنفوس، وهكذا نجد في الكفارة حكمًا
رائعة، وثمرات يانعة للنفس والمجتمع،
وهي مع شدتها وثقلها إلا أنها رحمة للناس
ولطف بهم، وزجر عن الوقوع في هذا
المنكر الزور.
منهج القرآن في تقرير أحكام الطلاق
تربية المسلم تربية راشدة، فعليه تدور
الأحكام الشرعية، والقرآن كلّه كتاب تربية
وتهذيب وتزكية وتقويم، وفي ثنايا الحديث
عن أحكام الطلاق نلمس هذه اللطائف
التربوية من ترسيخ للإيمان، وتهذيبٍ
للنفوس، وتزكية لها، وتحليق بها في أجواء
الفضيلة، ومن تغذية للعقول، وتوعيةٍ لها،
وتبصرةٍ للقلوب، وغرسٍ للقيم.
١. الهدف من وجود الأسرة المسلمة
إقامة حدود الله؛ وذلك مؤشر بقائها، وغاية
وجودها، ومنارة مسارها.
تأمل في قوله تعالى: ﴿اُلْطَّلَقُ مَرَّتَانٍ
فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيٌّ ◌ِإِحْسَنٍ وَلَا يَحِلُّ
لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُواْ مِمََّ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّ أَنْ
يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا حُدُوَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلََّ يُقِيمَا حُدُودَ
اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَقَْدَتْ بِهُ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا
تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَنَعَدَّ حُدُودَ اَللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الَّلِمُونَ
(٢٢٩
فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَجِلُ لَهُمِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا
غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَجَعَآَ إِن ظَنَّاً
أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُّبَيُّهَا لِقَوْمٍ
يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩ -٢٣٠].
حيث يتكرر الحديث عن حدود الله
تعالى في ستّ مراتٍ؛ لبيان الأساس الذي
قام عليه البناء الأسري، والحصن الذي
يحميه، بل والغاية من وجوده، وهو إقامة
www. modoee.com
١٢٥

حرف الطاء
حدود الله تعالى التي حذّر من تعدّيها، فلا أمر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، تأمل أهمية
الإيمان ودوره في السلوك والمعاملات
في قوله تعالى: ﴿ وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ
◌ِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ قُرُوٍَ وَلَا يَحِلُّ لَنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا
خَلَقَ اللّهُ فِي أَزْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ
الْآَخِ﴾.
الزوجية السعيدة، من ذلك:
قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَ
بِالْعُرُوفِّ وَ لِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
[البقرة: ٢٢٨].
فللزوجة حقوق کما أن عليها واجبات،
وللرجال على النساء درجة ليس تعاليًا على
النساء، بل لتنظيم الحياة الزوجية التي لابد
لها من قیم وقائد.
وقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ
فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا
وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩].
وقوله جل وعلا: ﴿الرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى
اُلْنِسَآءِ بِمَا فَضَلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَاً
أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ فَالصَّلِحَتُ قَيِنَتُ
حَفِظَتُ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اَللَّهُ﴾ [النساء:
٣٤].
وقوله سبحانه: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ
نَبَغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٣٤].
أثر الإيمان بالله واليوم الآخر في امتثال ما
قال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ فَبَلَغْنَ
أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ إِذَا
تَضَوْ بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِّ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ
مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِّ ذَلِكُمْ أَزْكَ لَكُمْ
[البقرة :
وَأَظْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا نَعْلَمُونَ
٢٣٢].
٣. استحضار أسماء الله الحسنى، له أثر
في المسارعة إلى امتثال أوامره، والفيء إلى
شرائعه.
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ فالعزة
١٢٦
جوبي
القرآن الكريم
يتعداها إلا ظالمٌ، وتأتي الآية التالية لتقرر
هذا الأصل الشرعي، والمقصد السامي،
وهو إقامة حدود الله تعالى التي هي أساس
قیام الأسرة، وهدف من أهداف الزواج،
والله تعالى يبيّنها لأهل العلم حتى يمتثلوا
لها، ويدعوا غيرهم إلى مراعاتها.
فالمرأة المؤمنة لا تخادع ولا تخفي
٢. مجيء القرآن بقواعد رشيدة للحياة الحقائق، وتلك أخلاق المؤمنة الصالحة
صريحٌ وواضحة وصادقةٌ وناصحة، كما
ندرك أثر الإيمان بالله واليوم الآخر في
الامتثال لأوامر الله، واجتناب ما نهى عنه
الله، وأن هذا الطريق أزكى وأطهر، فلا يزيده
التمسك به إلا سموًّا وارتقاء ورفعةً وانتصارًا
على حظ النفس والتقاليد الجاهلية، وفي
تقرير علمه تعالى مع نفي العلم عن الخلق
ما يزيد المؤمنين يقينًا وتسليمًا لحكم الله
تعالى، وتجرّدًا من الأهواء والآراء.

الطلاق
لمن اتبع شرع الله، وبعزته تعالى حكم، ويمنع، ويفرّق ويجمع، بعلمه تعالى
وحكمته، وناسب هنا ذكر السعة، تقريرًا
وهو الحكيم في أقداره وسننه وأحكامه،
ومن تمسّك بشرعه الحكيم نال العزّة في
الدارين.
لما تقدّم من توسعته، قال الرازي: « ... فهو
تعالى واسع الرزق، واسع الفضل، واسع
الرحمة، واسع القدرة، واسع العلم، فلو ذکر
تعالی أنه واسعٌ في کذا لاختصّ ذلك بذلك
المذكور، ولكنه لما ذكر الواسع، وما أضافه
إلى شيء معينٍ، دلّ على أنه واسعٌ في جميع
الكمالات))(١).
وقال تعالى: ﴿وَأَلَّقُواْ اللَّهَ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ بِمَا
تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ وفيها تسلیةٌ ویشری لکل من
قدّم عملاً صالحًا، وإن لم ينل جزاءه في
الدنیا فإنه لن یضیع عند خالقه جل وعلا،
فهو تعالى بصير بأعمال عباده، وإن غفل
عنها الغافلون، وإن تجاهلها الناس، أو
تنگّروا لفاعلها.
وقال تعالى: ﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ
بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٣١].
يأمر الله عباده بتقواه، وأن يعلموا علم
اليقين أنه العليم بما يصلحهم في معاشهم
ومعادهم، العليم بسرائرهم، وما تنطوي عليه
نفوسهم، العليم بحاضرهم ومستقبلهم،
العليم بأعمالهم وأقوالهم، وفي الآية دعوةٌ
إلی الیقین بأحكام الله تعالی وسننه في عباده
وأقداره، وفيها دعوة لمراقبته تعالى، فلابد
من أن نؤمن ونوقن ونسلّم بإحاطة علمه
تعالی بکل شيء، وهذا یزیدنا إيمانًا وتسلیمًا
لأحكام الله تعالى وأقداره.
وقال تعالى: ﴿وَإِن يَنَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ
كُلَّمِنْ سَعَتِهِ، وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾
[النساء: ١٣٠].
أي: كثير الفضل واسع الرحمة، يعطي
وناسب ذكر وصف الحكمة لبيان أنه
تعالى حكيم في سعته وفضله على عباده،
حكيم في أحكامه وأقداره، وفي الآية وعدٌ
من الله تعالى بإغناء كلٍّ من الزوجين إذا
تفرقا من سعته؛ حتى لا يلتفت كل منهما
لغير الله، ولا تعتلج في قلبه همومٌ على
مستقبله، ولا حزنٌ وحسرةٌ على ماضيه،
وكذلك وصف الحكمة فيه ما يوحي بالرضا
والتسليم بأقدار الله تعالى، فهي صادرةٌ عن
حكمةٍ بالغةٍ، فهذه السعة التي وعد الله به
عباده سعةٌ قائمةٌ على حكمته تعالى، وفي
الآية الكريمة تسليةٌ لكل من ابتلي بالفراق،
بأن فرج الله قریبٌ، وفضله واسعٌ.
وقال سبحانه في ختام سورة الطلاق:
﴿لِّعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ
أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢].
فالإيمان بقدر الله تعالى وعلمه التام
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ١١/ ٦٩.
www. modoee.com
١٢٧

حرف الطاء
یزید المؤمن یقینًا وثباتًا على الحق، وحرصًا
على تحقيق مراد الله تعالى، فهو تعالى
القادر على كل شيء، وهو العليم بما يصلح
عباده في عاجلهم وآجلهم، في معاشهم
ومعادهم.
٤. التسليم لأقدار الله تعالى وحكمه
وأحكامه ومراعاة سننه فى عباده.
قال تعالى: ﴿لَا تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ
ذَلِكَ أَمْرًا ﴾ [الطلاق: ١].
وقال: ﴿وَ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْهَاً ))
وَيَرْزُقَّهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبٌ وَمَن يَتَوَّكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِلَيْكُوْذِكْرًا﴾ فهذه التشريعات الربانية التي
بور سجورة
فَهُوَ حَسْبُ؟ إِنَّ اللَّهَ بَلِغُ أَمْرِيٍ قَدْ جَعَلَ اَللَّهُ لِكُلِّ
شَىْءٍ قَدْرًا ﴾ [الطلاق: ٢-٣].
وقال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اَللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْيِهِ،
[الطلاق: ٤].
﴿سَيَجْعَلُ اَللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُتْرًا﴾
وقال:
[الطلاق: ٧].
﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَّوَتٍ وَمِنَ
وقال:
الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَنَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِنَّعْلَمُواْأَنَّاللَّهَ عَلَى
كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلَّمًا﴾
[الطلاق: ١٢].
٥. استحضار نعم الله تعالى على عباده،
والتي من أجلها نعمة الهداية، وما أنزل
الله عليهم من الكتاب والسنة لصلاحهم
وإرشادهم.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَلَغْنَ
أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ
◌َِعْرُوفٍ وَلَا تُتِكُوُ هُنَّ ضِرَارًا لِتَعْنَدُوَّأْ وَمَن يَفْعَلْ
ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ، وَلَا نَتَّخِذُواْ ءَايَتِ اللَّهِ
هُزُوَا وَأَذْكُوْ نِعْمَتَ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ
مِّنَ الْكِتَبِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِدٍ وَأَنَّقُواْ
تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:
٢٣١].
تذکیرٌ بنعم الله التي لا تحصى، والتي من
أجلّها ما أنزله في كتابه وسنة نبيه من مواعظ
يسعد من ينتفع بها، ویرشد من يتبصّرها،
وقال تعالى في سورة الطلاق: ﴿قَدْ أَنْزَلَ اَللَّهُ
اشتمل عليها القرآن يتلوها المؤمن دائمًا
ويستحضر معانيها ومقاصدها ﴿رَسُولًا يَتْلُواْ
عَلَيْكُمْءَايَتِ اَللَّهِ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١١].
أي: هذا الوحي يتلوه علیکم رسول الله،
آياتٌ من عند الله، واضحاتٌ جلیاتٌ، تبیّن
الحلال والحرام، وتفرّق بين الحق والباطل،
والهدى والضلال ﴿لَُّتِجَ اُلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ مِنَ النُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ﴾ أي: ليخرج
المؤمنين المتقين من الضلالة إلى الهدى،
ومن ظلمة الكفر والجهل إلى نور الإيمان
والعلم.
٦. العدل ضرورة شرعية، والإحسان
والفضل من أخلاق الكرام في الرضا
والغضب؛ سيّما في أداء حق المطلقة ترضيةً
لخاطرها، وجبرا لفؤادها.
٧. الترغيب في العمل الصالح، واختيار
فَضْو
مَوَسُوبَةُ النَفسِير
القرآن الكريمِ
١٢٨

الطلاق
ما هو أزكى وأطهر.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَبَلَغْنَ
أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ إِذَا
تَضَوْ بَيْنَهُم بِالْعْرُوفِيُ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ، مَن كَانَ
مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاَلْيَّوْمِ اَلْآَخِرِّ ذَلِكُمْ أَذْكَى لَكُمْ
[البقرة :
وَأَظْهَرُ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾
٢٣٢].
٨. تقوى الله تعالى، والتوكل عليه،
واليقين بما عنده خير ما يواجه به العبد ما
يعتريه من هموم، وما يعترضه من مشكلات
وأزمات، وللتقوى أثرها في حياة المسلم
ومعاملاته وسلوكه؛ والأتقياء أوفى الناس
وأحرصهم على أداء الحقوق، من هنا تأتي
أهمية التقوى في الامتثال لشرع الله تعالی.
قال سبحانه: ﴿وَلْمُطَلَّقَتِ مَتَحُ بِالْمَعْرُوفِّ
حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ﴾ [البقرة: ٢٤١].
الطلاق، في قوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهُ يَجْعَل لَّهُ.
﴾ [الطلاق: ٢].
وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اَللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَمِئَاتِ،
وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ [الطلاق: ٥].
٩. الصلاة هي زاد المؤمن وسلواه
وملاذه.
قال تعالى: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصََّلَوَاتِ
وَالضَّلَوَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلَّهِ قَنِتِينَ﴾
[البقرة: ٢٣٨].
ورود الحديث عن الصلاة في سياق
الحديث عن أحكام الطلاق؛ لبيان أن
الإسلام منھاجے کامل، وتشريعٌ شاملٌ، فكما
يجب الالتزام بما سبق من أحكام؛ كذلك
يجب المحافظة على الصلاة.
والذي يؤدي حقّ العباد لابدّ من باب
أولى أن يؤدّي حقّ الله تعالى، فإنه أعظم
الحقوق، كذلك لما كانت المشكلات
الزوجيّة والأزمات الأسرية ممّا قد يشغل
الإنسان عن غاية وجوده ذگّره المولى بتلك
الغاية الكبرى، ألا وهي عبادته تعالى التي
من أجلها خلقنا، فلا ينبغي أن يشغلنا شاغل
عن تلك الغاية؛ لذا جاء التذكير بالصلاة في
هذا السياق.
كذلك فإن الصلاة ترويحٌ للنفوس،
وتكرر الحثّ على التقوى في سورة وتطبيبٌ للقلوب، وزادٌ للأرواح إلى ظلالها
يفيء أهل الإيمان، وفي ریاضها يستروحون،
وعلى أبواب المساجد يخلعون همومهم،
فعلى المؤمن أن يستعين بالصلاة على
وقوله: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْيِ
[الطلاق: ٤].
مواجهة مشكلاته، ويفيء إلى ظلالها من
بيداء همومه ورمضاء أزماته.
﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
قال سبحانه:
أُسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةُ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّبِينَ
[البقرة: ١٥٣].
والصلاة قرّةٌ للعيون، وتربيةٌ للنفوس،
وتهذيبٌ لها، وتزكيةٌ للقلوب، وخلیقٌ بمن
www. modoee.com
١٢٩

حرف الطاء
يحافظ عليها أن يحافظ على حقوق العباد،
وأن تظهر ثمرات الصلاة.
حاجة المشكلات الزوجية إلى تعقّل،وقد
بیّن الله لنا من الآيات ما یهدینا إلی ذلك، ثم
مسك الختام دعوة إلى التدبر في آيات الله،
وشكر الله تعالى على هذا البيان، وأنه دعوة
إلى التعقّل والنظر، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ
يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ، لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾
ففي الختام دعوةٌ إلى التفكّر والنظر في آيات
الله تعالى الشرعية والكونية؛ ليزداد المؤمن
تقوی لله تعالى، بالمبادرة إلى امتثال أوامره،
واجتناب نواهيه، ومراقبته تعالى، ویزید
تبصّرًا بما حوله، ووعيًا بحاضره، وحكمةً
في مواجهة مشكلاته، وقال تعالى: ﴿فَأَتَّقُواْ
اللَّهَ يَأُوْلِ آلْأَلْبَبِ الَّذِينَ مَوْ قَدْ أَنْزَلَ اَللَّهُ إِلَيْكُ
ذكراً﴾ فالموعظة إنما ينتفع بها، ويمتثل لها
أصحاب الإيمان الراسخ والعقول النيرة.
النظر في أحوال الأمم الهالكة، والوقوف
على أسباب هلاكها، والتي في مقدمتها
التمرد والعصيان، والحذر من عاقبة تعطيل
شرع الله تعالى، ومجاوزة حدوده، فكم
عطّلت كثيرٌ من أحكام الإسلام في كثير من
البلدان بسبب كيد الأعداء وجهل الأبناء،
فضيّعت الحقوق، واختلت الموازين،
وسلب الأمن، وتأججت الصراعات،
وطالت النزاعات، وتعطّلت المصالح،
وتفكّكت الأسر، وانفرط عقد المجتمع،
يِّن مِّن قَرِيَةٍ عَنَتْ عَنْ أَمْيِ
وَكَـ
قال تعالى:
رَبِّهَا وَرُسُلِهِ، فَحَاسَبْنَهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْتَهَا
عَذَابًا تَكْرًا ، فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَنِبَةُ أَمِْهَا
خُْرًا ل أَعَدَّ اللَّهُ لَمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَأَتَّقُواْ اللّهُ
يَأُوْلِ آلْأَلْبَبِ الَّذِينَ مَنُواْ قَدْ أَنْزَلَ اَللّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا﴾
[الطلاق: ٩ - ١٠].
وفي الآيات دعوةٌ إلى الاعتبار بأحوال
ومصير الأمم والشعوب الناكبة عن منهج
الله، المعطّلة لشرائع الله تعالی.
السعادة الأبدية في الإيمان، والعمل
الصالح ﴿وَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْيِلَهُ
جَنَّتٍ تَجْرِىٍ مِن تَحْتِهَا الأَنْهَرُ خَلِينَ فِيَهَا أَبْدَأُ قَدْ
أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق: ١١].
استحضار عظمة الله تعالى وقدرته،
وسعة ملكه وتدبيره لهذا الكون، وإحاطة
علمه، فإن هذا يزيد العبد إيمانًا ويقينًا
واطمئنانًا وتسليمًا لله تعالى في هذه
﴿اَلَهُ الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَّوَتٍ وَمِنَ
الأزمات
الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَنَغَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِنَّعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ عَلَ
كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمًا﴾
[الطلاق: ١٢].
١٣٠
جَوَسُ
القرآن الكريمِ

الطلاق
التدابير الوقائية من الطلاق
تتحدث هذه السطور عن حكمة
مشروعية الطلاق، والتدابير الواقية من
الطلاق، والتدابير الواقية من العجلة في
الطلاق:
أولًا: حكمة مشروعية الطلاق:
الطلاق كما أشرنا آنفًا دواءٌ مرٌّ، أو بمثابة
جراحةٍ مؤلمة؛ لما يترتّب عليه من حرقةٍ
وفرقةٍ، وشتاتٍ وحرمانٍ، وانفراط عقد
الأسرة، فيحرم الولد من التربية في المحضن
الطبيعيّ، وتحرم البنت من رعاية أبيها، أو
من حنان أمّها، أو منهما معًا، لكنّ الإسلام
أجازه مع ما فيه من ضرر إذا سدّت الأبواب،
وانقطعت الأسباب، وأخفقت المساعي،
واستحالت العشرة، وهنا يصبح ضرورة لا
مفرّ منها، واختیارًا لا بدیل له، وهو بلا شكٌّ
اختيارٌ لأخف الضررين؛ إذ إجبار متنافرين
على التآلف والعشرة، وإرغام المرأة على
العيش مع زوجٍ تبغضه، أو إرغام الرجل
على البقاء مع امرأةٍ يبغضها أمرٌ يتنافى مع
حقّ الإنسان في حياةٍ طيّبة، ويتعارض مع
الحرية التي وهبها الله للعباد، فأخرجهم من
بطون أمهاتهم أحرارًا، وقد قيل (١):
ومن نكد الدنيا على الحرّ أن يرى
(١) البيت للمتنبي في ديوانه ٣٨٨/١.
فكيف بمن يؤاكله ويضاجعه ويقتسم
معه اللقمة والشّربة، ويلتحف معه في
ثوب واحد، ويظلّهما سقفٌ واحدٌ! ويغلق
عليهما بابٌّ واحدٌ، كيف تستقيم حياتهما
مع ما بينهما من تنافرٍ وتضادًّا إن إمساك
المرأة ضرارًا وقهرها وقسرها على حياةٍ لا
ترتضيها، وعلى قرينٍ لا تطيق عشرته أشدّ
ضررًا من تسريحها.
لقد حرص الإسلام على منع الطلاق بأن
دعا إلى حسن الاختيار والتكافؤ، ومعرفة
مقاصد الزواج وأحكامه، وحقوق الزوجين
وواجباتهما؛ ذلك أن كثيرًا من حالات
الطلاق إنما تقع بسبب الجهل بذلك، أو
الغفلة عنه، أو التقصير فيه، كما أمر بالمبادرة
إلى رأب الصدع، وإزالة أسباب الشقاق،
وتجنب الوقوع في النشوز بالإصلاح
والوعظ، وربما يصل الأمر لحد التأديب،
ولكن برفق ولطف، وليس بعنف.
والحياة الأسرية لا قيمة لها، ولا ثمرة
من ورائها إن قامت على الشحناء والبغضاء
والتنافر والتمرّد، أو فقدان الثقة بين
الطرفين، بل تحتاج لمشاعر صادقة وقلوب
مؤتلفة، تحتاج لجوِّ هادئ، وعشّ دافئ،
وبيتٍ هانئ؛ کي تنتج وتخرج جيلا سويًّا،
وهل ینبت الزرع ويستوي على عوده إذا كان
عدوًّا له ما من صداقته بٌّ في أرضٍ عاصفة!
ويمنح الشرع فرصةً تلو فرصة للزوجين
www. modoee.com
١٣١

حرف الطاء
النافرين؛ لعل الأيام تجمع بينهما، ومصلحة يفضي إلى وصالٍ.
الأسرة والأولاد توحّد بينهما وتؤلف
القلوب، ومن ثمّ كان الطلاق الرجعيّ
لعل الطائرين يؤوبان إلى عشّهما ويثوبان
إلى رشدهما، ويحدبان على صغارهما،
ويستأنفان حياتهما الزوجية بحبِّ وصفاء،
فترفرف السعادة على البيت من جدید.
لقد وضع الإسلام حدًّا للفوضى التي
كانت سائدةً في المجتمعات الجاهلية،
وأوقف الظلم الذي كان على المرأة أن
تتجرّعه إن نفر منها زوجها أو رغب عنها،
فيذرها معلقةً، أو تبقى الحياة الزوجية
متأرجحةً بسبب الطلاق الذي لا حدّ له،
حیث کان للرجل أن يطلّق متى شاء وكيفما
شاء، وأن يراجع حيث شاء، وتبقى المرأة هي
الضحية لهذا الظلم الاجتماعي، وقد نزل
القرآن ليصحح هذه الأوضاع، ولیزیح هذه
الحواجز، وليعيد للمرأة كرامتها وحريّتها،
ويرفع عنها الظلم، ويضع عنها كلّ ما يثقل
كاهلها ويرهقها من أغلال وآصار الجاهلية
التي تھیض جناحها، وتکسر قلبها، وتنگّد
حياتها، وتذوي عودها، وتذهب نضارتها،
وتأكل شبابها.
من هنا كان الطلاق حمايةً لحق المرأة،
وهو أيضًا حماية للرجل، وصيانة للأسرة؛
لئلا تقوم على أنقاضٍ متهالكةٍ، بل الهدم
قد يكون مقدمةً للبناء الراسخ، والفراق قد
والحادثات وإن أصابك بؤسها
فهي التي تنبيك كيف نعيمها(١)
ثانيًا: التدابير الواقية من الطلاق:
من أهم التدابير الواقية للحياة الزوجية
حسن الاختيار، فإذا بني الزواج على أسس
متينة، ولبنات صالحة متناسقة، كان ذلك
أرجى لدوامه، وأوثق لعراه، كذلك فهم
الزوجين لمقاصد الزواج وأهدافه السامية،
وفي القرآن آياتٌ كثيرةٌ تبيّن مباهج الزواج
وثمراته، ومقاصده السامية، وأهدافه النبيلة،
وضرورة معرفة الرجل بطبيعة المرأة،
ومعرفة المرأة بطبيعة الرجل، فإن فهم الآخر
من أسباب الانسجام والتآلف بين الزوجين،
والتغاضي عن الهفوات، والصبر والتجمّل.
قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِّ فَإِن
كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ
فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩].
إذ قد تجتمع في الزوجة کثیر من خصال
الخیر خلا خصلة واحدة، لا تقدح في دينها
ولا في عرضها وشرفها، خصلة يتأذى
منها زوجها، ولا يجد سبيلًا إلي إصلاحها
وتقويمها، ففي هذه الحالة يدعوه الإسلام
إلى الصبر على تلك الزوجة والإحسان إليها
ونصحها؛ لعلها تستجيب.
(١) البيت لأبي تمام في ديوانه ٢/ ١٣٨.
١٣٢
جوبيـ
القرآن الكريمِ