Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
الشُّنْآ
عناصر الموضوع
مفهوم الضر
٢٣٢
الضر في الاستعمال القرآني
٢٣٣
الألفاظ ذات الصلة
٢٣٤
الأساليب القرآنية في عرض الضر
٢٣٦
٢٤١
وسائل دفع الضر
٢٤٧
آثار نزول الضر
المُجَلَدَ الحَاذِى وَالعشْرُونْ

حرف الضاد
مفهوم الضر
أولًا: المعنى اللغوي:
قال ابن فارس: الضاد والراء ثلاثة أصول، الأول: خلاف النفع، والثاني: اجتماع الشيء،
والثالث: القوة(١)، والضر - بالفتح -: مصدر ضررته ضرًا، ضد النفع (٢)، والضر - بالضم -:
اسم ما يضر، وهو عدم الخير، وهو كل ما ينال الإنسان من الهزال وسوء الحال، أي: ما كان
من سوء الحال والفقر والشدة والبلاء في البدن(٣).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
قال الراغب الأصفهاني: ((الضر: سوء الحال، إما في نفس؛ لقلة العلم والفضل والعفة،
وإما في بدنه؛ لعدم جارحة ونقص، وإما في حالة ظاهرة من قلة مال وجاه، كما في قوله
تعالى: ﴿فَكَشَفْنَا مَا بِهِ، مِن ضُرٍّ﴾ [الأنبياء: ٨٤]. فهو محتمل لثلاثتها، وقوله: ﴿ وَإِذَا مَسََّ
الْإِنسَنَ الضُّرُّ﴾ [يونس: ١٢]، وقوله: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ﴾ [يونس: ١٢]. يقال: ضَر ضُرًا:
جلب إليه ضُرًا.
وقوله: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّ أَذَىّ﴾ [آل عمران: ١١١]. ينبههم على قلة ما ينالهم من
جهتهم، ويؤمنهم من ضرر يلحقهم نحو: ﴿لَا يَضُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٢٠]،
و﴿وَلَيْسَ بِضَآرِهِمْ شَيْئًا﴾ [المجادلة: ١٠]، ﴿وَمَا هُم بِضَآرِينَ بِهِ، مِنْ أَحَدٍ﴾ [البقرة: ١٠٢]،
وقال تعالى: ﴿وَيَنَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٢]، وقال: ﴿يَدْعُواْ مِن دُونٍ
اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنفَعُهُ﴾ [الحج: ١٢]، وقوله: ﴿يَدْعُواْ لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ﴾
[الحج: ١٣].
فالأول يعني به الضر والنفع اللذان بالقصد والارادة؛ تنبيهًا أنه لا يقصد في ذلك ضرًا ولا
نفعًا؛ لكونه جمادًا، وفي الثاني يريد ما يتولد من الاستعانة به ومن عبادته، لا ما يكون منه
بقصده» (٤).
(١) مقاييس اللغة، ابن فارس ٦٦٣/٣
(٢) تفسير السمر قندي ١١٩/٢
(٣) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري، ٢١٠٨/٣، الصحاح، الجوهري ٦١٩/٢، المخصص، ابن سيده،
٣/ ٧٠، لسان العرب، ابن منظور، ٤٤/٨.
(٤) المفردات، الراغب الأصفهاني ص٥٠٣ -٥٠٤.
٢٣٢
جوبي
القرآن الكريم

الضُّر
الضر في الاستعمال القرآني
ورد الجذر ((ض رر)) في القرآن الكريم (٧٤)، وتكرر لفظ ((الضر)) (٦٦) مرة (١).
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل المضارع
٢٢
﴿وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ [التوبة: ٣٩]
المصدر
٢٩
﴿وَإِذَا مَسََّ آلْإِنْسَنَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْسِهِ﴾ [يونس: ١٢]
اسم مصدر
٩
﴿وَالصَِّرِينَ فِ الْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ [البقرة: ١٧٧]
اسم
[النساء: ٩٥]
اسم فاعل من
الثلاثي
٢
﴿ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ، مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِّ
[البقرة: ١٠٢]
مصدر من
الرباعي
٢
﴿وَلَا تُتِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْنَدُواْ ﴾ [البقرة: ٢٣١]
اسم فاعل من
الرباعي
١
﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍ ﴾
[النساء: ١٢]
وجاء الضر في القرآن بمعناه في اللغة وهو: سوء الحال إما في النفس، أو البدن، أو
المال (٢).
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٤١٩-٤٢٠.
(٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص ٥٠٣.
www. modoee.com
٢٣٣
إلَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ وَالْمُجَهِدُونَ
١

حرفالضاد
الألفاظ ذات الصلة
البؤس:
١
البؤس لغة:
الباء والهمزة والسين أصلٌ واحدٌ: وهو الشدة وما ضارعها. فالبأس: الشدة في الحرب.
ورجلٌ ذو بأسٍ وبئيسُ أي: شجاعٌ. والبؤس: الشدة في العيش. والمبتئس: المفتعل من
الكراهة والحزن (١)، قال تعالى: ﴿وَالصَّبِينَ فِ الْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّآءِ وَحِينَ أَلْبَأْسِ﴾ [البقرة: ١٧].
والبؤس هو والبأس: الشدة، والقوة، والضرر، والمكروب، لكن البؤس في الفقر
والحرب أكثر، والبأس والبأساء في الشكاية والتنكيل أكثر (٢).
وقيل: البأساء والبؤس والضراء: الزمانة في الجسد(٣)، وقيل: البأساء: الفقر والشدة،
والضراء: المرض والزمانة (٤).
البؤس اصطلاحًا:
لا يخرج عن معناه اللغوي.
الصلة بين البؤس والضر:
قيل: البؤس اسم بمعنى الشدة وهو الفقر والمسكنة، ومنه يقال: فلان في بؤس وشدة،
وأما الضراء فالأقرب فيه أنه ورود المضار عليه من الآلام والأوجاع وضروب الخوف،
وقيل: البأساء عبارة عن تضييق جهات الخير والمنفعة عليه، والضراء عبارة عن انفتاح
جهات الشر والآفة والألم عليه (٥).
الأذى:
٢
الأذى لغة:
أذي: الهمزة والذال والياء أصلٌ واحدٌ: وهو الشيء تتكرهه ولا تقر عليه (٢)، والأذى قد
يكون بالكلام أو بالفعل، قال تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّ أَذَىّ وَإِن يُقَتِلُوكُمْ يُوَلُوكُمُ الْأَدْبَارَثُمَّ
(١) مقاييس اللغة، اين فارس ٣٢٨/١.
(٢) الكليات، الكفوي ٢٤٩/١.
(٣) تفسير الصنعاني، ٦٦/١
(٤) انظر: الكشاف، الزمخشري، ١ / ٢٤٥، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٢٣٤/٢، إرشاد العقل السليم،
أبو السعود، ١٩٤/١، وفتح القدير: الشوكاني، ١٧٣/١.
(٥) مفاتيح الغيب، الرازي، ١٧/٦ -١٨.
(٦) مقاييس اللغة، ابن فارس ٧٨/١.
فَضْو
جَوَنُوالَهُ النَّفِيَّة
القرآن الكريمِ
٢٣٤

الصُّر
لَا يُصَرُونَ﴾ [آل عمران: ١١١].
قوله تعالى: ﴿لَنْ يَضُّوكُمْ إِلَّ أَذَى﴾ معناه: لن يصيبكم منهم ضرر في الأبدان ولا
في الأموال، وإنما هو أذى بالألسنة (١).
الأذى اصطلاحًا:
لا يخرج عن معناه اللغوي.
الصلة بين الضر والأذى:
الأذى: هو الألم الخفيف وهو لا يبلغ حد الضر (٢).
٣
السراء:
السراء لغة:
اليسر، والضراء: العسر، وقيل: كثرة المال وقلته(٣)، وقيل: السراء: الرخاء، والضراء:
الشدة، وقيل: السراء في الحياة، والضراء بعد الموت (٤).
السراء اصطلاحًا:
لا يخرج عن معناه اللغوي.
الصلة بين الضراء والسراء:
علاقة تضاد، فالضراء ضد السراء.
(١) المحرر الوجيز، ابن عطية ١/ ٤٩٠.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٩٢/٣.
(٣) البسيط، الواحدي ٢٣٢/١.
(٤) فتح القدير،: الشوكاني، ٣٨١/١
www. modoee.com
٢٣٥

حرف الضاد
الأساليب القرآنية في عرض الضر
عرض القرآن الكريم الضر في ثلاث
صور مختلفة، وهي:
أولًا: نفي إلحاق الضر بالله تعالى:
الله تعالی منزه عن أن یتضرر بکفر کافر
وفسق فاسق(١).
قال تعالى: ﴿وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ
يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِى اَللَّهُ الشَّكِرِينَ﴾
[آل عمران: ١٤٤].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنِكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ
فِي الْكُفْرِّ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّ
يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِ الْآَخِرَةِ وَلَمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ
١٧٦
إِنَّ الَّذِينَ أَشْتَرَواْ الْكُفْرَ بِالْإِيمَنِ لَن يَضُرُّواْاللّهَ
شَيْئًا وَلَّهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٦-
١٧٧].
وقوله: ﴿إِنَّ ◌ُلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ
اللَّهِ وَشَآَقُّواْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدٍ مَا تَبَّنَ لَهُمُ الْمُدَى لَنْ
يَضُرُواْ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَلَهُمْ﴾ [محمد:
٣٢] وغيرها.
ومجمل أقوال المفسرين في قوله تعالى:
﴿لَنْ يَضُرُّواْ اللَّهَ شَيْئًا﴾ أن من يريد ضر الله
تعالى، فما ضر إلا نفسه، بفوات الإيمان
في الدنيا، وحصول العذاب الأليم في
الآخرة، بأن لا يجعل لهم نصيبًا في الآخرة
من ثوابه، وخذلهم فلم يوفقهم لما وفق إليه
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٨/ ٦٢.
أولياءه(٢)؛ لأن الله تعالى لا يجوز عليه
المضار والمنافع(٣)، وأنه غني عنه، وسيقيم
دينه، ويعز عباده المؤمنين (٤). وقيل: هذا
تهديد معناه: هم يظنون الشقاق مع الرسول،
وهم به يشاقونه، وليس كذلك، بل الشقاق
مع الله، فإن محمدًا رسول الله، ما عليه
إلا البلاغ، فإن ضروا ضروا الرسل، لكن
الله منزه عن أن یتضرر بکفر کافر وفسق
فاسق(٥).
وبعضهم أول الآية ردًا وإنكارًا؛ لظن
الخوف(٢)، والكلام على حذف مضاف،
والمراد أولياء الله مثلًا؛ للقرينة العقلية عليه،
وفي حذف ذلك وتعليق نفي الضرر به تعالى
تشريف للمؤمنين، وإيذان بأن مضارتهم
بمنزلة مضارته سبحانه وتعالى، وفي ذلك
مبالغة في التسلية (٧)، وقوله: ﴿وَيَسْتَخْلِفُ
رَبِّ قَوْمًا غَيَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا﴾ [هود: ٥٧].
يعني: إن لم تؤمنوا به فلا تنقصون من
ملكه شيئًا، ويقال: إهلاککم لا ينقصه شيئًا،
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص١٥٨.
(٣) الكشاف، الزمخشري ١/ ٤٥٠.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٥٢/٧،
وتفسير السمعاني، ٣٦٣/١، الجامع لأحكام
القرآن، القرطبي، ٢٢٦/٤، والبحر المحيط،
أبو حيان، ٧٥/٣، تيسير الكريم الرحمن،
السعدي، ص١٥٠.
(٥) مفاتيح الغيب، الرازي ٦٢/٢٨.
(٦) انظر: المصدر السابق ٩/ ٨٥.
(٧) روح المعاني، الألوسي ١٣٣/٤.
٢٣٦
لِلْقُرآن الكَرِيمِ

الضّر
إن ربي على كل شيء حفيظ (١).
وقوله تعالى: ﴿إِلََّّ نَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ
عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا
تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
قَدِيرٌ﴾ [التوبة: ٣٩].
أي: لا تضروا الله بترك امتثال أمره بالنفير
شيئًا أو لا تضروا رسول الله صلى الله عليه
وسلم بترك نصرته والنفير معه شيئًا، ومن
جملة مقدوراته تعذيبكم والاستبدال
بكم(٢).
والكناية -في قول الحسن- راجعة
إلى الله تعالى، أي: لا تضروا الله؛ لأنه
غني عن العالمين، وفي قول الباقين يعود
إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، أي: لا
تضروا الرسول؛ لأن الله عصمه من الناس،
ولأنه تعالی لا یخذله إن تثاقلتم عنه(٣).
روى مسلم بسنده عن أبي ذرٍ عن النبي
صلى الله عليه وسلم فيما روى عن الله
تبارك وتعالى أنه قال: (يا عبادي إنكم لن
تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي
فتنفعوني)(٤).
(١) انظر: تفسير السمر قندي ١٥٦/٢، مفاتيح
الغيب، الرازي ١٨/ ١٢، المحرر الوجيز، ابن
عطية، ٣/ ١٨٢.
(٢) فتح القدير، الشوكاني ٣٦٢/٢.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١٠/ ١٣٤، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير، ٣٥٩/٢، روح
المعاني، الألوسي، ١٠/ ٩٦.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة
ثانيًا: نفي إلحاق الضرر من المخلوق
للمخلوق:
الله تعالى متولٍ أمورنا الدينية والدنیویة،
فعلینا الرضا بأقداره وليس في أيدينا من
الأمر شيء، قال تعالى: ﴿قُل لَّنِ يُصِيبَنَآ
إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَنَاً وَعَلَى اللَّهِ
فَلْيَتَوَ كَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٥١].
وعلى الله وحده فليتوكل المؤمنون،
ولیعتمدوا عليه وحده في جلب مصالحهم،
ودفع المضار عنهم، وليثقوا به في تحصيل
مطالبهم، وأما من توكل على غيره، فإنه
مخذول، غير مدرك لما أمل(٥).
وأنه لن يصيبنا خير ولا شر، ولا خوف
ولا رجاء، ولا شدة ولا رخاء، إلا ما هو مقدر
علینا مکتوب عند الله، و کونه مکتوب عند
الله يدل على كونه معلومًا عند الله مقضيًا
به عنده، فإن ما سواه ممکن، والممكن لا
يترجح إلا بترجيح الواجب، والممكنات
بأسرها منتهية إلى قضائه وقدره(٦).
لذا ورد نفي إلحاق الضر من المخلوق
للمخلوق في آيات كثيرة، وبين الله فيها أن
النفع والضر لا يحصلان إلا بمشيئته (٧).
وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّ
أَنْفُسَهُمَّ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَىْءٍ﴾ [النساء:
والآداب، باب تحريم الظلم، رقم ٢٥٧٧.
(٥) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٣٣٩.
(٦) مفاتيح الغيب، الرازي ١٦ / ٦٩.
(٧) المصدر السابق ١٥/ ٦٨.
www. modoee.com
٢٣٧

حرف الضاد
١١٣] دليلٌ على ذلك، لذا قيل: وما يضرك كانوا يعادونه ويقصدونه بالسوء، فما قدر
على الإضرار بهم، وكانوا أنصاره وصحابته
يحبونه، فما قدر على إيصال نفع من منافع
الدنيا إليهم، والعاجز عن الإضرار والنفع
كيف يعقل أن يكون إلهًا؟!(٣).
هؤلاء الذين هموا لك أن يزيلوك عن الحق
في أمر هذا الخائن من قومه وعشيرته من
شيء؛ لأن الله مثبتك ومسددك في أمورك،
ومبين لك أمر من سعوا في إضلالك عن
الحق في أمره، ففاضحه وإياهم، فأنت یا
محمد صلى الله عليه وسلم حفظت الله
فحفظك وسددك (١).
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ
أَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ
ضَرَّا وَلَا نَفْعَاْ وَاللّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [المائدة:
٧٦ ].
قيل هو: عيسى بن مريم، أي: لا يستطيع
أن یضر کم بمثل ما یضرکم به الله من البلايا
والمصائب في الأنفس والأموال، ولا أن
ینفعکم بمثل ما ينفعكم به من صحة الأبدان
والسعة والخصب، ولأن كل ما يستطيعه
البشر من المضار والمنافع فبأقدار الله
وتمکینه، فكأنه لا يملك منه شيئا، وهذا
دليل قاطع على أن أمره مناف للربوبیة حیث
جعله لا يستطيع ضرًا ولا نفعًا، وصفة الرب
أن یکون قادرًا على كل شيء لا يخرج مقدر
على قدرته(٢).
وهذا دليل آخر على فساد قول النصارى،
وهو يحتمل أنواعًا من الحجة، أن اليهود
(١) جامع البيان، الطبري ٥/ ٢٧٥.
(٢) الكشاف، الزمخشري ١/ ٦٩٨.
فإذا كان هذا عيسى بن مريم الذي
وصفه قومه بالألوهية والربوبية وغيرها من
الأوصاف، ما استطاع دفع الضرر عن نفسه،
ولا عن غيره، فغيره أعجز من أن يلحق
ضررًا بغيره، إلا بإذنه تعالى.
وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ
مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكٌ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذَّا مِنَ
الفََّلِمِينَ﴾ [يونس: ١٠].
قيل: هذا وصف لكل مخلوق أنه لا ينفع
ولا يضر، وإنما النافع والضار هو الحق
تعالى (٤).
بعد أن تبين لنا نفي إلحاق الضرر من
المخلوق للمخلوق إلا بإذن الله، فلابد من
الإرشاد إلى السلامة من شر الأشرار وكيد
الفجار بالإتيان بالأسباب التي تدفع الضر
عن المخلوقين، والتي سيأتي بيانها - إن شاء
الله-؛ لأن المنفي عنه هو استطاعة المخلوق
للضر، ولیس نفي وقوع الضر، فوقوعه ثابت
بإذن الله، كما قال تعالى: ﴿وَ إِن تَصْبِرُواْ
وَتَتَّقُواْ لَا يَضُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي ٥٢/١٢-٥٣.
(٤) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ١٣٩/١٧،
تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٣٧٥.
٢٣٨
جَوَسُوع
لِلْقُرآن الكَرِيمِ

الضُّر
يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: ١٢٠](١).
وفي الحديث عن عبد الله بن عباس
رضي الله عنهما قال: (كنت خلف النبي
صلی الله عليه وسلم يوما، فقال: (يا غلام،
إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك
احفظ الله تجده تجاهك، وإذا سألت فسال
الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم
أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك فلن
ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو
اجتمعت على أن يضروك فلن يضروك إلا
بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام
وجفت الصحف)(٢).
ثالثًا: النهي عن إلحاق الضرر في
التعامل:
١. والد المولود ووالدته.
قال تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَلُودِ لَّهُ رِزْقُهُنَّ وَ كِسْوَتُهُنَّ
بِالْعْرُوفِّ لَا تُكَلَّفُ نَفْسُّ إِلَّا وُسْعَهَاً لَا تُضَارَّ
وَلِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ، وَعَلَى الْوَارِثِ
مِثْلُ ذَلِكَ ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
﴿وَ عَلَى الْمَلُودِ لَّهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ
قوله:
(١) انظر: معالم التنزيل، البغوي، ٣٤٦/١،
المحرر الوجيز في الكتاب العزيز، ابن عطية
٤٩٨/١.
(٢) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب صفة القيامة،
٤/ ٦٦٧، رقم ٢٥١٦.
قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
١٣١٧/٢، رقم ٧٩٥٧.
بِالمَعْرُوفِ﴾ أي: وعلى والد الطفل نفقة
الوالدات وكسوتهن بالمعروف، أي: بما
جرت به عادة أمثالهن في بلدهن من غير
إسراف ولا إقتار، بحسب قدرته في يساره،
وتوسطه وإقتاره، کما قال تعالى: ﴿لِشُفِقْذُو
سَعَدْيِّنِ سَعَيِّةٍ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيَّهِ رِزْقُهُ، فَلْيُنفِقْ مِمَّا
ءَثَنَهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا مَآ ءَاتَنهَاَ سَيَجْعَلُ
اللَّهُ بَعْدَ عُسْرِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٧].
قال الضحاك: إذا طلق زوجته وله منها
ولد، فأرضعت له ولده، وجب على الوالد
نفقتها و کسوتها بالمعروف.
وقوله: ﴿لَا تُضَارَّ وَلِدَةٌ بِوَلَدِهَا ﴾ أي:
بأن تدفعه عنها؛ لتضر أباه بتربيته، ولكن
لیس لها دفعه إذا ولدته حتى تسقيه اللبن
الذي لا يعيش بدون تناوله غالبا، ثم بعد
هذا لها دفعه عنها إذا شاءت، ولكن إن كانت
مضارة لأبيه، فلا يحل لها ذلك، کما لا يحل
له انتزاعه منها لمجرد الضرار لها، ولهذا
قال: ﴿وَلَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِءً ﴾ أي: بأن يريد
أن ينتزع الولد منها إضرارا بها.
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ
قيل: في عدم الضرار لقريبه، قاله مجاهد
والشعبي والضحاك، وقيل: عليه مثل ما
على والد الطفل من الإنفاق على والدة
الطفل والقیام بحقوقها وعدم الإضرار بها،
وهو قول الجمهور، وقد استدل بذلك من
ذهب من الحنفية والحنابلة إلى وجوب نفقة
www. modoee.com
٢٣٩

حرف الضاد
الأقارب بعضهم على بعض، وهو مروي عن
عمر بن الخطاب وجمهور السلف(١)، ومن
هدايات الآية: أنه عبر عن الوالد بالمولود
له؛ إيماء إلى أنه الحقيق بهذا الحكم؛
لأن منافع الولد منجزة إليه، وهو لاحق به
ومعتز به في القبيلة، حسب مصطلح الأمم،
فهو الأجدر بإعاشته، وتقويم وسائلها(٢)،
وفي الآية دلالة على: ((على وجوب نفقة
الأقارب المعسرين، على القريب الوارث تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُوْقُ بِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
الموسر)) (٣).
٢. الكاتب والشهود.
قال تعالى: ﴿وَلَا يُضَارُّ كَاتِبٌ وَلَا
شَهِيدٌ﴾.
قال الطبري رحمه الله: ((معنى ذلك:
ولا يضار كاتب ولا شهيد، بمعنى: ولا
يضارهما من استكتب هذا أو استشهد هذا
بأن یأبی علی ھذا إلا أن یکتب له، وهو
مشغول بأمر نفسه، ويأبى على هذا إلا أن
يجيب إلى الشهادة وهو غير فارغ، وإنما قلنا
هذا القول؛ لأن الخطاب من الله عز وجل
في هذه الآية من مبتدئها إلى انقضائها على
وجه افعلوا أو لا تفعلوا، إنما هو خطاب
لأهل الحقوق والمكتوب بينهم الكتاب
والمشهود لهم أو عليهم بالذي تداينوه بينهم
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ٤٧٧.
(٢) التحرير والتنوير ٤١١/٢.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص١٠٤.
من الديون، فأما ما كان من أمر أو نهي فيها
لغيرهم، فإنما هو على وجه الأمر والنهي
للغائب غير المخاطب كقوله: ﴿وَلْيَكْتُب
بَّيْنَكُمْ كَاتِبُ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
وكقوله: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ﴾
[البقرة: ٢٨٢].
وما أشبه ذلك، فالواجب إذا كان
المأمورون فيها مخاطبين بقوله:
وَإِن
أشبه منه بأن يكون مردودا على الكاتب
والشهید، ومع ذلك إن الكاتب والشهيد لو
كانا هما المنهيين عن الضرار لقيل: وإن
يفعلا فإنه فسوق بهما، لأنهما اثنان، وإنما
غير مخاطبين بقوله: ﴿وَلَا يُضَارَّ﴾ بل
النھي بقوله: ﴿ولا يُصآر﴾ نھي للغائب غير
المخاطب، فتوجیه الكلام إلی ما كان نظیرا
لما في سياق الآية، أولی من توجیھہ إلی ما
كان منعدلا عنه)) (٤).
وقال ابن عاشور رحمه الله: (انهي
عن المضارة، وهي تحتمل أن يكون
الكاتب والشهيد مصدرًا للإضرار، أو أن
یکون المكتوب له والمشهود له مصدرًا
للإضرار؛ لأن (يضار) يحتمل البناء للمعلوم
وللمجهول، ولعل اختيار هذه المادة هنا
مقصود؛ لاحتمالها حكمين؛ ليكون الكلام
موجهًا فيحمل على كلا معنييه؛ لعدم
(٤) جامع البيان، الطبري ١١٧/٥.
مَوَسُولَةُ النَّقتي
القرآن الكريمِ
٢٤٠

الصُّر
تنافيهما، وهذا من وجه الإعجاز.
والمضارة: إدخال الضر بأن يوقع
المتعاقدان الشاهدين والكاتب في الحرام
والخسارة، أو ما يجر إلى العقوبة، وأن
يوقع الشاهدان أحد المتعاقدين في إشاعة
حق أو تعب في الإجابة إلى الشهادة. وقد
أخذ فقهاؤنا من هذه الآية أحكامًا كثيرة
تتفرع عن الإضرار؛ منها ركوب الشاهد من
المسافة البعيدة، ومنها ترك استفساره بعد
المدة الطويلة التي هي مظنة النسيان، ومنها
استفساره استفسارًا يوقعه في الاضطراب،
ويؤخذ منها أنه ينبغي لولاة الأمور جعل
جانب من مال بيت المال لدفع مصاريف
انتقال الشهود وإقامتهم في غير بلدهم
وتعويض ما سينالهم من ذلك الانتقال من
الخسائر المالية في إضاعة عائلاتهم، إعانة
على إقامة العدل بقدر الطاقة والسعة» (١)
والآية تدل على النهي عن مضارة الكاتب
والشهود.
(١) التحرير والتنوير ٣١٢/١.
وسائل دفع الضر
هناك عدة وسائل لدفع الضر في القرآن
الكريم، منها:
أولًا: الالتجاء إلى الله تعالى:
يخبرنا الله تعالى أنه لا إله إلا هو، وأنه لا
ينبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له، فإنه
مالك كل شيء وخالقه وربه، قال تعالى:
﴿وَلَهُمَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَصِبَأْ أَفَغَيَّرَ
اَللَِّ نَثَّقُونَ﴾ [النحل: ٥٢].
قال ابن عباس ومجاهد: أي: دائمًا،
وقيل: واجبًا، قيل: خالصًا، أي: له العبادة
وحده ممن في السموات والأرض، كقوله
تعالى: ﴿أَلَئِلَّهِالدِّينُّ الْخَالِصَُّ وَالَّذِينَ أَّخَذُواْ
مِن دُونِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرُِّونَآَ
إِلَى اللَّهِ زُلْفَىَ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِ مَا هُمْ فِيهِ
يَخْتَلِفُونَُ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ كَذِبٌ
كَفَارٌ ﴾ [الزمر: ٣].
ثم أخبر أنه مالك النفع والضر، قال
تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِّنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا
مَشَكُمُ اَلْضُُّّ فَإِلَيْهِ شَجْرُونَ﴾ [النحل: ٥٣].
وأن ما بالعباد من رزق ونعمة وعافية
ونصر فمن فضله عليهم، وإحسانه إليهم،
وعلموا أن كل ما يتقلبون فيه من نعمة منه
سبحانه، ثم أخبر سبحانه عن طبيعة الإنسان
من حيث هو، إذا مسه الضر، من مرض،
أو مصيبة اجتهد في الدعاء، وسأل الله في
www. modoee.com
٢٤١

حرفالضاد
جميع أحواله؛ قائمًا وقاعدًا ومضجعًا،
وفائدة ذكر هذه الأحوال: أن المضرور لا
یزال داعيًا، ولا يفتر عن الدعاء حتی یزول
عنه الضر، فهو يدعونا في حالاته كلها(١)،
وألح في الدعاء؛ لیکشف عنه ضره، كما قال
تعالى: ﴿ وَمَاپِكُم مِّننِعْمَتِ﴾ قال ابن عباس:
يريد الأسقام والأمراض والحاجة، ﴿فَإِلَيْهِ
◌َجْتَرُونَ﴾ ترفعون أصواتكم إليه بالاستغاثة،
يقال: جأر يجأر جئورًا (٢)، ويقال: جأر
الرجل إلی الله، أي: تضرع بالدعاء(٣)، قال
الأعشى: (٤)
فطافت ثلاثًا بين يوم وليلةٍ وکان النكير
أن تضيف وتجأرا
فذكر الله تعالى: أن الإنسان في وقت
الكرب، يبتهل إلى ربه بالدعاء في جميع
أحواله، فإذا فرج الله كربه، أعرض عن
ذکر ربه ونسي ما کان فيه، ومنه قوله تعالى:
﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَنَ ضُرِّ دَعَا رَبَّهُ, مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَ إِذَا
خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِىَ مَا كَانَ يَدْعُوْاْ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ
وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادَالِيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ، قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ
(١) انظر: الكشاف، الزمخشري ٣١٧/٢، مدارك
التنزيل، النسفي ٢/ ١٢٠.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٤/ ١٢١، زاد
المسیر، ابن الجوزي، ٤ / ٤٥٧.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١١٤/١٠.
(٤) انظر: أدب الكاتب، ابن قتيبة الدينوري،
٢١٧/١.
ومنهم من نسبه للنابغة الجعدي، انظر: شرح
أدب الكاتب، الجواليقي ١/ ٩٩.
قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَبِ النَّارِ﴾ [الزمر: ٨].
وقوله: ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنسَنَ ضُرُّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا
خَوَّلْنَهُ نِعْمَةٌ مِّنَا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلَّمّ
بَّ هِىَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:
٤٩].
وقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الشُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ
مَن تَدْعُونَ إِلَّ إِيَّاهُ فَمَّا تَجَنَّكُمْإلَى الْبَرِ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ
الإِنسَنُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧].
وقوله: ﴿وَأَيُوبَ إِذْنَادَى رَبَّهُ( أَنِ مَسَّنَِ
الشُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الزَّحِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣].
وقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرُّ دَعَوْاْ رَبَّهُم
◌ُنِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ
مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٣](٥).
كل هذه الآيات تشير إلى لجوء الإنسان
وقت الضر إلى إله واحد، أحد صمد،
ولعلمهم أنه لا یکشف الضر إلا هو.
حتى المشركون الذين عبدوا من دون الله
أصنامًا، يتوجهون إليها وقت الرخاء، إذا
أصابهم الضر نسوا ما كانوا يعبدون من قبل،
ورجعوا إلى الفطرة السليمة، وتضرعوا إليه
تعالی؛ لعلمهم أنها لا تنفع ولا تضر، حتى
فرعون الذي طغى وتجبر حين توسط البحر
وعلم أن لا ملجأ من الله إلا إليه كما في قوله
تعالى: ﴿وَجَوَزْنَا بِبَنِىّ إِسْرَِّيِلَ الْبَحْرَ فَبَعَهُمْ
فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًّاً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ
(٥) انظر: تفسير السمر قندي، ١٥٢/٢، تفسير
السمعاني ٣٦٩/٢.
٢٤٢
جوبيـ
القرآن الكريم

الضُّر
الْغَرَقُّ قَالَ ءَامَنْتُ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا الَّذِىّءَامَنَتْ بِهِ
بَنُواْ إِسْرَّهِيلَ وَأَنّاً مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠].
وكان من قبل يقول: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُنَّأَيُّها
اُلْمَلَأُ مَا عَلِّمْتُ لَكُم مِنْ إِلَهٍ غَيْرِى
فَأَوْقِدْلِى يَنْهَمَنُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل ◌ِ صَرْحًا
أَّعَلِّ أَطَّلِعُ إِلَ إِلَهِ مُوسَىْ وَإِّ لَأَظْتُهُ مِنَ
اٌلْكَذِبِينَ﴾ [القصص: ٣٨].
وقال تعالى عنه: ﴿فَمَآ ءَامَنَ لِمُوسَىَّ إِلَّا
ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ، عَلَى خَوْفٍ مِّنِ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيْهِمْ
أَنْ يَفْئِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُه ◌َمِنَ
الْمُسْرِفِينَ﴾ [يونس: ٨٣].
فوجب على الإنسان أن يكون مشغولًا
بالمنعم وقت النعمة، وملتجئًا إليه في كل
أوقاته.
قال القرطبي: ((وهذه الحالة التي ذكرها
الله تعالى لا تختص بأهل الكفر، بل تتفق
لكثير من المسلمين، تلين ألسنتهم بالدعاء
وقلوبهم بالخشوع والتذلل، عند نزول ما
يكرهون، وتضرعوا لرفع ما نزل بهم من
الضر ودفع ما أصابهم من المكروه، ومما
يدل على أن الآية تعم المسلم والكافر، كما
يشعر به لفظ الناس ولفظ الإنسان)»(١).
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْغُرُّ فِي الْبَحْرِ
ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلََّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧].
نموذجًا للالتجاء إلى الله وقت الشدة
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي،
٨/ ٣٩٧، فتح القدير، الشوكاني ٤٢٩/٢.
والضر، أي: ذهب عن قلوبكم كل ما
تعبدون غير الله تعالى، كما اتفق لعكرمة
بن أبي جهل لما ذهب فارًا من رسول الله
صلی الله عليه وسلم حين فتح مكة، فذهب
هاربًا فركب في البحر ليدخل الحبشة،
فجاءهم ريح عاصف، فقال القوم بعضهم
لبعض: إنه لا يغني منكم إلا أن تدعو الله
وحده، فقال عكرمة في نفسه: والله إن كان
لا ينفع في البحر غيره، فإنه لا ينفع في البر
غيره، اللهم لك علي عهد لئن أخرجتني
منه لأذهبن، فلأضعن یدي في يد محمد،
فلأجدنه رءوفًا رحیمًا، فخرجوا من البحر،
فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
فأسلم وحسن إسلامه(٢)، وهكذا الإنسان
حتى الكافر، إذا ضاقت به الحيل، ولم يجد
منفذًا، لجأ إلى المنفذ الحقيقي، الذي لا
ینسد.
ثانيًا: اتخاذ الأسباب الواقية:
من وسائل دفع الضر:
١. اتخاذ الأسباب الواقية قبل وقوع
الضرر.
فالوقاية خير من العلاج، فكل من
رزقه الله تعالى الهداية والسداد والتوفيق
والرشاد، فإنه مستثنى من قوله تعالى:
(٢) صححه ابن الملقن في البدر المنير ٩/ ١٥٣،
وعبدالحق الإشبيلي في الأحكام الصغرى
٥٤٩.
www. modoee.com
٢٤٣

حرف الضاد
﴿ وَإِذَا مَسََّ الْإِنسَنَ اُلُّرُّ دَعَانَا لِجَنْسِهِ: أَوْ
قَاعِدًا أَوْ قَايِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَُّ مَرَّ كَأَن
لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَى ضُرِّ مَسَّةٌ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا
كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٢].
هذه الآية في وصف حال غير المؤمن،
أما فالمؤمن فإنه يعرف الله في السراء
والضراء، ولا تنقطع صلته بالله على أي
حال كان، كما قال صلى الله عليه وسلم:
(عجبًا لأمر المؤمن، لا يقضي الله له قضاء
إلا کان خیرًا له، إن أصابته ضراء صبر فكان
خیرًا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرًا
له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن)(١).
فمن كان في وقت النعمة مشغولاً
بالمنعم، لزم أن يكون وقت البلاء مشغولاً
بالمبتلي. وإذا كان المنعم والمبتلي واحدًا
كان نظره أبدًا على مطلوب واحد، وكان
مطلوبه منزها عن التغيير مقدسًا عن التبدل،
ومن كان كذلك وقت البلاء، وفي وقت
النعماء، غرقًا في بحر السعادات، واصلاً
إلى أقصى الكمالات(٢).
ومن شأنه أن یکون کثیر الدعاء والتضرع
في أوقات الراحة والرفاهية، حتى يكون
مجاب الدعوة وقت المحنة، عن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال: (من سره
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزهد
والرقائق، باب المؤمن أمره كله خيرٌ، رقم
٢٩٩٩.
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٤١/١٧ -٤٣.
جوببيو
القرآن الكريمِ
أن يستجيب الله له عند الشدائد والكرب،
فليكثر الدعاء عند الرخاء)(٣).
٢. التقوى والصبر والتوكل.
قال تعالى: ﴿وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا
يَضُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ
مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: ١٢٠].
وقوله تعالى: ﴿وَالصَِّينَ فِ الْبَأْسَآءِ
وَأَلْضَّرَّآءِ وَحِينَ أَلْبَأْسُِ أُوْلَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ
وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧].
في الآية الأولى يرشدهم الله تعالى إلى
السلامة من شر الأشرار، وكيد الفجار،
باستعمال الصبر والتقوى والتوكل على الله
الذي هو محيط بأعدائهم، فلا حول ولا قوة
لهم إلا به، وهو الذي ما شاء كان وما لم
يشأ لم يكن، ولا يقع في الوجود شيء إلا
بتقدیره ومشيئته، ومن توكل على الله كفاه،
ثم شرع في ذكر قصة غزوة أحد وما كان فيها
من الاختبار لعباده المؤمنين، والتميز بين
المؤمنين والمنافقين وبيان الصابرين (٤).
وقيل: فإذا أتيتم بالأسباب التي وعد الله
عليها النصر -وهي الصبر والتقوى- فلن
(٣) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الدعوات،
باب ما جاء أن دعوة المسلم مستجابة،
٤٦٢/٥، رقم ٣٣٨٢.
قال الترمذي: غريب.
وحسنه الألباني في صحيح الجامع،
١٠٧٨/٢، رقم ٦٢٩٠.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري، ٤ /٦٨، المحرر
الوجيز، ١/ ٤٩٨.
٢٤٤

الضُّر
یضرکم مکرهم، بل يجعل الله مكرهم في
نحورهم؛ لأن محيط بهم علمه وقدرته، فلا
منفذ لهم، ولا يخفى عليهم منهم شيء(١).
٣. الرضا بقضاء الله وقدره.
ومثاله: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىْ رَبَّهُ أَنِّ مَسَّفِىَ
الشُُّّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الزَّحِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣].
وقوله: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْفًا فَأَضْرِب ◌ِّهِ، وَلَا
تَّحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُّ إِنَّهُ أَوَّبٌ ﴾ [ص:
٤٤].
فجعلوه أسوة وقدوة عندما يصيبهم
الضر (٢).
إلا أن هناك من يرى أن الشكوى تقدح
في الصبر، فبين العلماء أن الشكوى مع
الرضا بقضاء الله لا تقدح في الصبر، وفي
ذلك قیل: أليس أن الشکوی تقدح في کون
أيوب صابرًا؛ لأنه قال: ﴿أَنّ مَسَِّىَ الصُّرُّ﴾
الآية؟.
الجواب: قال سفيان بن عيينه رحمه الله:
((من شكا إلى الله تعالى فإنه لا يعد جزءًا
إذا کان في شكواه راضیًا بقضاء الله؛ إذ لیس
من شرط الصبر استحلاء البلاء، ألم تسمع
قول يعقوب عليه السلام ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُواْ
بَنِى وَحُزْنِ إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا
تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٨٦]))(٣).
(١) انظر: فتح القدير: الشوكاني، ٨٤/٢-٨٥،
تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٤٥.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٥٢٩.
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي ٤١/١٧ -٤٣.
واعلم أن المؤمن إذا ابتلي بيلية ومحنة
وجب عليه أن يكون راضيًا بقضاء الله
غير معترض بالقلب واللسان عليه، وإنما
وجب عليه ذلك؛ لأن الله تعالى مالك على
الإطلاق، وملك بالاستحقاق، فله أن يفعل
في ملكه ما يشاء، كما يشاء، ولأنه تعالى
حكيم على الإطلاق منزه عن فعل الباطل
والعبث، فكل ما فعله فهو حكمة وصواب،
وإذا كان كذلك فحينئذ يعلم أنه تعالى إن
أبقى عليه تلك المحبة فهو عدل، وإن أزالها
فهو فضل، فحينئذ عليه الصبر والسكوت
وترك الغلق والاضطراب (٤).
٤. إصلاح النفوس.
بفعل الخيرات ولزوم الشرع بما فيه
من جهاد وأمر بمعروف ونهي عن المنكر،
والاستقامة علی الدین، وطاعة الله وغيرها.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ
أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَن ضَلَّ إِذَا أُهْتَدَيْتُمْ إِلَى اَللَّهِ
مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَِّّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾
[المائدة: ١٠٥].
ذكر السمرقندي: من أسباب دفع الضر،
ما روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه:
سئل عن هذه الآية فقال: إذا رأيتم شحًا مطاعًا
وهوىّ متبعًا ودنيا مؤثرةً وإعجاب كل ذي
رأي برأيه، فعليكم بخويصة أنفسكم. وروى
عمر بن جابر اللخمي عن أبي أمية قال:
(٤) المصدر السابق ٢٢/ ١٨١.
www. modoee.com
٢٤٥

حرفالضاد
سألت أبا ثعلبة الخشني عن هذه الآية فقال: المنكر(٣).
لقد سألت عنها خبيرًا، سألت عنها رسول
الله صلی الله علیه وسلم فقال: (يا أبا ثعلبة
ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، فإذا
رأيت دنيا مؤثرة وشحًا مطاعًا وإعجاب کل
ذي رأي برأيه فعليك بنفسك، فإن من بعدكم
أياما الصابر المتمسك يومئذ بمثل الذي أنتم
علیہ لہ کأجر خمسين عاملًا. قالوا يا رسول
الله: کأجر خمسين عاملاً منهم؟ قال: لا بل
كأجر خمسين عاملًا منكم)(١).
وقيل: حفظ النفس من ملابسة المعاصي
والإصرار على الذنوب (٢).
وقيل: اجتهدوا في إصلاحها وكمالها
وإلزامها سلوك الصراط المستقيم، فإنكم إذا
أصلحتم لا يضركم من ضل عن الصراط،
ولم يهتد إلى الدين القويم، إنما يضر
نفسه، ولا یتم هدی الإنسان إلا بالإتيان بما
يجب عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن
(١) أخرجه أبو داوود في سننه، كتاب الملاحم،
باب الأمر والنهي، ١٢٣/٤، رقم ٤٣٤١،
والترمذي في سننه، أبواب تفسير القرآن، باب
ومن سورة المائدة، ٢٥٧/٥، رقم ٣٠٥٨.
قال الترمذي: حديث حسن غريب.
وضعفه الألباني في ضعيف الجامع، ١٣٤٦،
رقم ٢٣٤٤.
وانظر: تفسير السمر قندي، ١ / ٤٤٥ -٤٤٥،
معالم التنزيل، البغوي، ٢/ ٧٢.
(٢) البسيط، الواحدي ٣٣٨/١-٣٣٩، تفسير
الجلالين، ص١٥٨.
عَلَيْكَمْ
وقال ابن زيد: معنى الآية
أَنْفُسَكُمْ﴾ في الاستقامة على الدين ولا
يضركم ضلال الأسلاف إذا اهتديتم (٤).
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق العوفي
عن ابن عباس في قوله: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ
يقول: إذا ما أطاعني العبد فيما أمرته من
الحلال والحرام فلا يضره من ضل إذا عمل
بما أمرته به. وأخرج ابن جرير من طريق
الضحاك عن ابن عباس الآية: ما لم يكن
سيفًا أو سوطًا (٥).
ثالثًا: المصالحة والتفاهم:
وذلك بمصانعة أهل الدنيا لدنياهم،
وتحب أهل الآخرة لآخرتهم، وتخفي
ذنبك بینك وبین ربك فإنك إن فعلت ذلك
فلا يضرك من ضل إذا اهتدیت. وذلك بأن
تحب من أحب الله من أحمر وأبيض، وأن
تجتنب الغيب(٦).
وقيل: اشتغال الإنسان بخاصة نفسه
وتركه العرض لمعائب الناس والبحث عن
أحوالهم، فإنهم لا يسألون عن حاله، فلا
يسأل عن حالهم، كقوله تعالى: ﴿كُلُّنَفْسِ یِمَا
كَسَبَتْ رَمِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨].
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٢٤٦.
(٤) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٢/ ٢٥٠.
(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم ١٢٢٥/٤-١٢٢٨.
(٦) الدر المنثور، السيوطي ٢١٨/٣.
جَوَسُولَةُ التَّقِيَّة
القرآن الكريم
٢٤٦

الضّر
وقوله تعالى: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى
ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِئُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ
تَخْتَلِفُونَ ﴾ [الأنعام: ١٦٤].
وقوله تعالى: ﴿مَنِ أَهْتَدَىْ فَإِنَّمَا يَدِى
لِنَفْسِهِ، وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَاً وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ
وِزْدَ أُخْرَىُّ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾
[الاسراء: ١٥].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى،
وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةُ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ وَلَوْ
كَانَ ذَا قُرْبٌ﴾ [فاطر: ١٨](١).
ومن صور المصالحة والتفاهم في
الإسلام، والتي كانت سببًا لدفع الضر
ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم
حينما وصل المدينة بالمصالحة مع اليهود
وإبرام العهود، حتى يأمن المسلمين شرهم،
واستطاع بذلك دفع ضرهم وأذاهم عن
المسلمين.
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٤٤/٦.
آثار نزول الضر
لحوق الضرر بالإنسان له آثار ونتائج،
منها:
أولًا: الإخلاص لله تعالى عند اشتداد
الضر:
عند اشتداد الضر على الإنسان مسلمًا
کان أو كافر، فإنه يعود إلى الله وحده كاشف
الضر، فینیب ويتضرع إلى الله تعالى، وقد
بين الله ذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ
اُلُُّّ فِ الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّ إِيََّهُ فَلَمَّا نَجَنْكُمْ إِلَى
اَلْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنسَنُ كَفُورًا﴾ [الاسراء: ٦٧].
وقوله: ﴿ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّ إِيَّاهُ﴾ أي:
ذهب عن قلوبکم کل ما تعبدون غير الله،
كما اتفق لعكرمة بن أبي جهل لما ذهب فارا
من رسول الله صلى الله عليه وسلم حين
فتح مكة، فذهب هاربًا، فركب في البحر
لیدخل الحبشة، فجاءتھم ربح عاصف، فقال
القوم بعضهم لبعض: إنه لا يغني عنكم إلا
أن تدعو الله وحده. فقال عكرمة في نفسه:
والله لئن كان لا ينفع في البحر غيره، فإنه
لا ينفع في البر غيره، اللهم لك علي عهد،
لئن أخرجتني منه لأذهبن فأضعن يدي في
يديه، فلأجدنه رءوفًا رحيمًا. فخرجوا من
البحر، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم فأسلم وحسن إسلامه، رضي الله عنه
www. modoee.com
٢٤٧

حرفالضاد
وأرضاه(١).
ومعنى الآية: أن الكفار إنما يعتقدون في
أصنامهم وسائر معبوداتهم أنها نافعة لهم في
غير هذه الحالة، فأما في هذه الحالة فإن كل
واحد منهم يعلم بالفطرة علمًا لا يقدر على
مدافعته أن الأصنام ونحوها لا فعل لها (٢).
وفي معنى هذه الآية جاءت آيات
كثيرة، منها: ﴿هُوَ الَّذِى يُسَبِّكُ فِ اَلْبَرِّ وَاَلْبَحْرِ
حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْقُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِيجٍ طَيِّبَةٍ
وَفَرِحُواْ بِهَا جَتْهَا رِيعُ عَاصِفٌ وَجَاءَ هُمُ
الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ
دَعَو ◌ْاللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ أَلَّذِينَ لَبِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ،
لَكُونَنَّ مِنَ الشَّكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢].
﴿قُلْ مَن يُنَجِيَكُم مِّنْ ظُلُمَتِ الْبِّ وَاَلْبَعْرِ
تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَّيِنْ أَنْجَنَا مِنْ هَذِهِ، لَتَكُونَنَّ
مِنَ الشَّكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٦٣].
إلى غير ذلك من الآيات(٣).
وقصة فرعون مع شدة كفره یعترف بالله
ساعة الضر والهلاك ويرجع إلى فطرته،
فالرجوع إلى الله تعالى من سائر الناس
ساعة الكرب والشدة دليل على ما هو كامن
في نفوسهم من الفطرة التي فطرهم الله
عليها (٤).
وخص الله الشدة في البحر بالذكر؛
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥/ ٩٦.
(٢) فتح القدير، الشوكاني ٢٤٣/٣.
(٣) أضواء البيان، الشنقيطي ٣/ ١٧١ - ١٧٢.
(٤) تفسير السمعاني ٢٦١/٣.
لأن اليأس عند وقوع الشدة فيه أغلب.
وهذه الحالة عند اشتداد الضر يستدل بها
في إثبات وجود الله تعالى، ونفي الشركاء
عنه تعالى، وقد ذكر الإمام الألوسي في
تفسيره: ((من اللطائف أن بعض الناس قال
لبعض الأئمة: أثبت لي وجود الله تعالى ولا
تذكر لي الجوهر والعرض. فقال: هل ركبت
البحر؟ قال نعم، قال: فهل عصفت الريح؟
قال: نعم، قال: هل أشرفت بك السفينة على
الغرق؟ قال: نعم، قال: يئست من نفع من
في السفينة ونحوهم من المخلوقين لك
وإنجائهم مما أنت فيه إياك، قال: نعم، قال:
ذلك هو الله عز وجل فاستحسن ذلك))(٥).
ثانيًا: بيان عجز الآلهة المزعومة عند
اللجوء إليها حال الضر:
إن ما تم ذكره -سابقًا- من أن الكفار
حينما يشتد عليهم الضر ينسوا آلهتهم ولا
يرجعون إليها بل يرجعون إلى الإله الحق،
الذي يملك النفع والضر، دليل واضح في
إثبات عجز الآلهة المزعومة عن دفع ضر أو
جلب نفع. وقد ورد في القرآن الكريم آيات
کثیرة تدل على ذلك:
منها: ما ذكر مقارنة بين القادر الذي
يخلق من العدم ثم یعید الخلق من بعد فنائه،
وبين العاجز وهو الآلهة التي يعبدونها،
(٥) روح المعاني، الألوسي ١١٥/١٥.
٢٤٨
جوسيو
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ

الضّر
قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَّكَابِكُ مَّنْ يَبْدَوُأ
اْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللّهُ يَبْدَقُالْخَلْقَ ثُمَ يُعِيدُهُ فَأَنَّ
تُؤْفَكُونَ﴾ [يونس: ٣٤].
ومنها: ما وضح الله فیه ثلاث احتمالات
لإثبات عجز الآلهة.
قال تعالى: ﴿أَمّ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ أَمْ هُمُ
اَلْخَلِقُونَ ﴿ أَمْ خَلَقُواْ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَّ
بَلَ لَّا يُوقِنُونَ (٦) أَمْ عِندَهُمْ خَزَآَيْنُ رَيِّكَ أَمَّ هُمُ
اَلْمُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٥-٣٧].
والاحتمال الرابع هو أن يكون هناك
خالق غير هذه المخلوقات وأن يتصف هذا
الخالق بصفات لا تشبه صفات المخلوق
وهو الاحتمال الصحيح.
وكذلك سيدنا إبراهيم عليه السلام
استطاع أن يثبت قدرة الله تعالى بإثبات عجز
غيره ممن أدعى الألوهية، في ذلك يقول الله
تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِى حَجَّ إِبْرِئِمَ فِى رَبِّهِ»
أَنْ ءَاتَنُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِنَّهِمُ رَنِّيَ الَّذِى
يُحْيِ، وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحِى، وَأُمِيتٌ قَالَ إِبْرَهِئُمُ
فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِ بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ
الْمَغْرِبِ فَبُّهِتَ الَّذِى كَفَرَّ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ
الظَّلِمِينَ ﴾ [البقرة: ٢٥٨].
وغيرها من الآيات الكثيرة التي تدل على
عجز الآلهة عند اللجوء إليها في كشف الضر
وبيان حقيقتها، وبطلان ألوهيتها (١).
(١) منها: المائدة / ٧٦ والرعد / ١٦ وطه / ٨٩
والفرقان / ٣ والنمل / ٦٤ والمؤمنون ٩١-
٩٢ والحج / ٧٣-٧٤ و النحل / ٢٠ - ٢١ و
فصفات الآلهة الضعف والعجز، وهي
غير قادرة على الخلق، ولا تستطيع نصر
نفسها ولا عابدیها، لا تجيب ولا تستجيب،
ولا تضر ولا تنفع، فاقدة كل الحواس، لا
تملك من أمر نفسها شيئًا، کما صورها لنا
سيدنا إبراهيم عليه السلام.
قال تعالى: ﴿فَرَاغَ إِلَى ءَالِهَنِهِمْ فَقَالَ أَلَا
تَأْكُلُونَ ( مَا لَكُمْ لَا تَطِقُونَ فَرَاعَ عَلَيْهِمْ
ضَرْباً بِأَلْيَمِينِ﴾ [الصافات: ٩١-٩٣].
وقوله: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ، كَبِيرُ هُمْ هَذَا
فَسْشَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يَنْطِقُونَ ) فَرَجَعُواْ
إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُواْ إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ
٦٤
ثُمَّ تَكِسُواْ عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ
يَنطِقُونَ ﴿ قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن
دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ
٦ أُفِ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا
تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٣ -٧٦].
انظر كيف استطاع سيدنا إبراهيم عليه
السلام إثبات عجز الآلهة وإقامة الحجة على
عابديها. كما ستتبرأ من عابديها يوم القيامة،
﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ أَتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ أَنَّبَعُوا وَرَأَوْأْ
اَلْعَذَابَ وَتَقَطّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة:
١٦٦].
وقوله: ﴿إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُواْ دُعَلَ كُمْ وَلَوْ
سَمِعُواْ مَا أَسْتَجَابُواْ لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ يَكْفُرُونَ
بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر:
فاطر / ١٣ - ١٤.
www. modoee.com
٢٤٩

حرف الضاد
١٤].
ويعرض عند الرخاء، كذلك المسرفون وهم
فتستحيل الألوهية لمن يتصف بهذه المجاوزون الحد في الكفر والمعصية في
(٣)
الصفات.
ثالثًا: المشرك يزداد طغيانًا بعد كشف
الضر عنه، والمؤمن يزداد إيمانًا:
هذا إخبار عن طبيعة الإنسان، وأنه إذا
مسه ضر من مرض أو مصيبة اجتهد في
الدعاء، وسأل الله في جميع أحواله، ألح
ليكشف الله عنه ضره. فلما كشف الضر
عنه استمر في غفلته معرضًا عن ربه وكأنه
ما جاءه ضر، فکشفه الله عنه(١).
قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسََّ الْإِنسَنَ الشُّرُّ
دَعَانَا لِجَنْسِهِ: أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَايِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ
ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّوْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرِّ مَسَّةٌ كَذَلِكَ
زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [يونس:
١٢].
مر طاغيًا على ترك الشكر؛ لنسيانه ما دعا
الله فيه وما صنع به، کما زین لهذا الكافر
الدعاء عند البلاء والإعراض عند الرخاء (٢).
ذم الله تعالى من هذه صفته وطريقته
فقال: ﴿مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرِّ مَسَّةُ
كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾.
وهذه صفات الكافر في الغالب، كما
ذكر ابن الجوزي: «الكافر يدعو عند البلاء
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٣٥٩.
(٢) انظر: البسيط الواحدي، ٤٩١/١، معالم
التنزيل، البغوي، ٣٤٦/٢.
عملهم)» (٣).
وقيل: يراد به المشركون الذين يرون
أن للأصنام أفعالًا من الشفاء وجلب الخير
ودفع الضر، فهم إذا شفاهم الله عظموا
أصنامهم وأضافوا ذلك الشفاء لها (٤).
إلا أن الله استثنى من هذه الصفات
الذميمة من رزقه الله الهداية والسداد
والتوفيق والرشاد من عباده المؤمنين بقوله:
﴿وَلَيْنْ أَذَقْنَهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّنْهُ
لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِىَّ إِنَّهُ لَفَرِحُ فَخُورُ (
١٠
إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ أَوْلَكَ لَّهُم
مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [هود: ١٠- ١١] (٥).
قال الفراء: هذا استثناء منقطع معناه:
لكن الذين صبروا وعملوا الصالحات
فإنهم إن نالتهم شدة صبروا، وإن نالوا نعمة
شكروا، أولئك لهم مغفرة لذنوبهم وأجر
كبير هو الجنة(٦).
فالمؤمن يزداد إيمانًا بکشف الضر عنه،
أما الكافر فيزداد طغیانًا وكفرًا، ومن ذلك
حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(عجبًا لأمر المؤمن لا يقضي الله له قضاء
إلا کان خیرًا له، إن أصابته ضراء فصبر كان
(٣) زاد المسير، ابن الجوزي ٤/ ١٣.
(٤) المحرر الوجيز: ابن عطية ٣/ ٤٠١.
(٥) أضواء البيان، الشنقيطي، ٢/ ١٥٢.
(٦) معالم التنزيل، البغوي ٣٧٥/٢.
٢٥٠
جوسين
القرآن الكريمِ