Indexed OCR Text
Pages 21-39
الضاذا به، قال: ﴿لِمُؤْمِنِ﴾ أي: عبد الله بن جحش المنافقين، بأنهم أقسموا بالله طاقة ما قدروا، وزيد، ﴿ولا مُؤمنةٍ ﴾، أي: زينب بنت جحش وغيرها، فعلق الأمر بالإيمان؛ إعلامًا بأن من اعترض غير مؤمن، وإن أظهر الإيمان بلسانه(١). والخيرة هنا تعني أن يختاروا من أمرهم ما شاؤوا، بل يجب عليهم أن يجعلوا آراءهم واختيارهم تبعًا لرأيه عليه السلام، واختياره، والمقصود هنا كل مؤمن وكل مؤمنة؛ لوقوع ذلك في سياق النفي(٢). إن هذه الآية تبين أن من يعص الله ورسوله في أمر من الأمور، ويعمل برأيه، فخالف الكتاب والسنة، فقد ضل طريق الحق، وعدل عن الصراط المستقيم؛ فهو بين الانحراف عن سنن الصواب(٣). ثانيًا: عدم طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم: لقد برز عدم طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم واضحًا في قوله تعالى: ﴿قُلّ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حِلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا يُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَغُ الْمُّبِينُ﴾ [النور: ٥٤]. تأتي هذه الآية في معرض الحديث عن (١) انظر: نظم الدرر، البقاعي ٣٥٤/١٥. (٢) انظر: روح البيان، إسماعيل حقي ٧/ ١٧٧. (٣) انظر: مراح لبيد، محمد بن عمر الجاوي ٢٥٤/٢. لو أمرتنا أن نخرج من ديارنا ونسائنا وأموالنا لخرجنا، ولو أمرتنا بالجهاد لجاهدنا، فيقول الله تعالى لهم: لا تقسموا، فإن الأولى بكم من إيمانكم أن تطيعوا الطاعة المعروفة، والقول المعروف، بإخلاص القلب، ولا حاجة إلى اليمين، والمعنى: قد عرفت طاعتكم، وهي الكذب والتكذيب، أي: المعروف منكم الكذب دون الإخلاص، فالله تعالى خبير بما تعملون من طاعتكم بالقول، ومخالفتكم بالفعل (٤). لأن طاعة الله وطاعة الرسول بإخلاص الطاعة، وترك النفاق، فإن تولوا فإنما على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ما حمل من تبليغ الرسالة، وعليهم ما حملوا من الطاعة له، ثم يأتي هذا الشرط وهو إن تطيعوا رسولکم صلی الله علیه وسلم تهتدوا، وما على الرسول إلا التبليغ المبين (٥). وقد سبقت الإشارة إلى أن الهداية تأتي في مقابل الضلالة بكل جوانبها، ومن ثم فإن الاستدلال بهذه الآية یکون من باب المخالفة. وقد كان بعض السلف يقول: من أَمَّرَ السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة، (٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٩٦/١٢. (٥) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٩٦/١٢ www. modoee.com ٣٢١ حرف الضاد ومن أمر البدعة والهوى على نفسه قولًا علم يعتمدونها في ذلك، ثم تأتي الفاصلة القرآنية ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾، وفعلًا نطق بالبدعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ﴾ (١). أي: بالمتجاوزين حدودهم، الذين تسلحوا بالھوی(٣). ثالثًا: اتباع الهوى: لقد ورد اتباع الهوى في آيات عديدة، منها: قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِِّ نُّهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِّقُل لََّ أَنَّعُ أَهْوَاءَكُمٌّ قَدْ ضَلَلْتُ إِذَا وَمَآ أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ٥٦]. أي: قل إني صرفت وزجرت بما نصب لي من الأدلة وأنزل علي من الآيات في أمر التوحيد عن عبادة ما تعبدون من دون الله تعالى، أو ما تسمونها آلهة، وتأتي ﴿قُل لَّا أَّعُ أَهْوَاءَكُمْ﴾ تأكيدًا لقطع أطماعهم، وإشارة إلى علة الامتناع عن متابعتهم، واستجهالًا لهم، وبيانًا لمبدأ ضلالهم، فإن المطلوب لمن تحرى الحق أن يتبع الحجة ولا يقلد (٢). وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَُِّّلُونَ بِأَهْوَآَيِهِم بِغَيْرِ عِلْيٍّ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١١٩]. أي: وإن كثيرًا من الكافرين ليعدلون عن المنهج المستقيم، متسلحين بما تهواه أنفسهم من تحيل الميتة وتحريمها بغير (١) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٣٠٣/٣. (٢) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ٢/ ١٦٤. وقال تعالى: ﴿يَدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِفَةٌ فِي الْأَرْضِ فَأَحْكُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحِّ وَلَا تَتَّعِ اَلْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلٍ اَللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُواْيَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦]. أي: یا داود صلی الله عليه وسلم إنا جعلناك خليفةً في الأرض لتدبر الناس بأمرٍ نافذ الحکم فيهم، حیث یأمر الله تعالى أن یحکم بين الناس بالعدل، وألا یمیل مع ما يشتهي إذا خالف أمر الله تعالى، فيضله ذلك الهوى عن دين الله تعالى وطريقه جل جلاله، ثم تأتي الفاصلة القرآنية لتبين أن الذين تركوا الإيمان بيوم الحساب، فضلوا عن هذا الدین لهم عذابٌ شديدٌ يوم القيامة (٤). وقال تعالى: ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ أَّخَذَّ إِلَهَهُ هَوَنُ وَأَضَلَّهُ اَللَّهُ عَلَى عِيٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ، وَقَلِهِ، وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَوَّةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِّ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٣]. أي: إنما يأتمر بهواه فمهما رآه حسنًا فعله، ومهما رآه قبيحًا تركه، فیکون بذلك (٣) انظر: تفسير الجلالين، المحلي والسيوطي ص١٨٣. (٤) انظر: لباب التأويل، الخازن ٣٩/٤. ٣٢٢ البيـ لِلْقُرآن الكَرِيمِ الضلال قد استحق إضلال الله تعالی له على علم منه، بأنه یضله لعلمه أنه يستحق ذلك، أو أنه يضله الله بعد بلوغ العلم إليه، ولا شك أن الثاني يستلزم الأول، ولا ينعكس(١). رابعًا: اتباع الشيطان: لقد ورد اتباع الشيطان واضحًا في آياتٍ عديدة، منها: قوله تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِلُ فِی اَللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ ◌َّرِيدٍ ) [الحج: ٣، ٤]. كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ, مَن تَوَلَاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ, وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ حيث جاءت هذه الآيات إثر بيان عظيم شأن الساعة المنبئة عن البعث بيانًا لحال بعض المنكرين لها، حيث بينت أن بعض الناس من يجادل في شأن الله تعالى، ويقول فيه ما لا خير فيه من الأباطيل ملابسًا بغير علمٍ، أي: دون دليلٍ من القرآن الكريم أو من السنة النبوية، ويتبع فيما يتعاطاه من المجادلة، أو في کل ما یأتي، وما یذر من الأمور الباطلة، التي من جملتها اتباع كل عاتٍ متمرد متجرد للفساد، والمراد هنا إما رؤساء الكفر الذين يدعون من دونهم إلى الكفر؛ فهم شياطين الإنس، وإما إبليس وجنوده؛ فهم شياطين الجن (٢). (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٦٨/٧. (٢) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٦/ ٩٢. وقال تعالى: ﴿وَدَخَلَ اٌلْمَدِينَةَ عَ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَئِلَانِ هَذَا مِن شِيعِهِ، وَهَذَا مِنْ عَدُوِّيٌَّ فَاسْتَغَنَهُ الَّذِى مِن شِيعَئِهِ، عَلَى الَّذِى مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ, مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهٌ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ تُبِينٌ﴾ [القصص: ١٥]. إن هذه الآية تبين أن نبينا موسی صلى الله علیه وسلم بعد أن بلغ أشده واستوى وأوتي من الحكم والعلم الشيء الكثير -وأن هذا جزاء کل محسن في طاعته- قد دخل المدينة على حين غفلة من أهلها، إما وقت مقولته، أو غير ذلك من الأوقات التي بها يغفلون عن الانتشار، ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَئِلَانِ﴾، أي: يتخاصمان ويتضاربان، ﴿هَذَا مِنْ شِيعَيْهِ﴾ من بني إسرائيل، ﴿وَهَذَا مِنْ عَدُوِيٍ﴾ من القبط، ﴿فَاسْتَغَنَهُ الَّذِى مِن شِيعَئِهِ، عَلَى الَّذِىمِنْ عَدُوِّهِ ﴾؛ لأنه قد اشتهر وعلم الناس أنه من بني إسرائيل. واستغاثته لموسی صلى الله عليه وسلم دليل على أنه صلى الله عليه وسلم بلغ مبلغًا يخاف منه، ويرجى من بيت المملكة والسلطان، فوكز الذي من عدوه استجابةً لاستغاثة الإسرائيلي، فأماته من تلك الوکزة؛ لشدتها وقوة موسی صلی الله عليه وسلم، فندم موسى عليه السلام لما جرى منه، وقال هذا من تزيين الشيطان، بوسوسته، فلذلك أجريت ما أجريت، بسبب عداوته البينة، www. modoee.com ٣٢٣ حرفالضاد وحرصه على الإضلال(١). وقال تعالى: ﴿أَلَمّ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَرْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى اَلَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوّا أَن يَكْفُرُواْ بِهِ، وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ صَلَلَا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠]. أي: ألم تر يا محمد صلى الله عليه وسلم إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بالقرآن والتوراة، ووصفهم بادعاء الإيمان بالقرآن؛ لتأكيد العجيب من حالهم، وتشديد التوبيخ والاستقباح؛ لبيان كمال المباينة بين دعواهم المقتضية حتمًا للتحاكم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وبين ما صدر عنهم من مخالفة الأمر المحتوم، يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت الداعي إلى الطغيان، بالحكم على خلاف المنزل إليك، والمنزل على من قبلك، فيعصون الله تعالى، ويطيعون الشيطان، ويريد الشيطان جناً كان أو إنسًا أن يضلهم ضلالًا بعيدًا عن الحق والهدى(٢). وقال تعالى: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَّ مُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِكُنَّ ءَاذَانَ اْلْأَنْعَمِ وَلَّ مُنَّهُمْ فَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ﴾ [النساء: ١١٩]. أي: لأحرفنهم عن دين الله تعالى إلى دينٍ شرعه لهم إبليس كهيئة البحائر (١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٦١٣. (٢) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ١٩٣/٣. والسوائب(٣)، وقيل: لأضلنهم عن الحق، ولأمنينهم الأماني الباطلة، كطول الحياة، وألا بعث ولا عقاب، ومعنى ﴿فَلَيُبَتِكُنَّ﴾: يشقون آذان الأنعام؛ لتحريم ما أحل الله تعالى (٤). خامسًا: اتباع الكبراء والرؤساء: قد برز اتباع الكبراء والرؤساء واضحًا في قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ رَيَّنَاْ إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكْبِرَاءَ نَافَأَ ضَلُّونَا السَّبِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٧]. تبين هذه الآية الكريمة أن الكبراء والسادة هم الذين لقنوا الكافرين الأتباع، والتعبير عنهم بعنوان السيادة والكبر؛ لتقوية الاعتذار، وإلا فهم في مقام التحقير والإهانة، وقد قرئ (سادة))؛ و((سادات)) على جمع الجمع -كما ورد عن ابن عامر الشامي-؛ للدلالة على الكثرة، تم تأتي الفاصلة القرآنية لتبين اعتراف الأتباع بأن الكبراء والسادة الذين هم رؤساؤهم في الشرك والشر، صرفوهم عن طريق الإسلام والتوحيد، بما زينوه لهم من الكفر والشرك، ولا شك أن حال الأتباع حينما قالوا كانت معاناة، وقسوة، وشدة في العذاب في النار(٥). ويلاحظ في هذه الآية الكريمة أن الكفار (٣) انظر: الدر المنثور، السيوطي ٦٨٨/٢. (٤) انظر: البحر المديد، ابن عجيبة ١/ ٥٦٢. (٥) انظر: روح البيان، إسماعيل حقي ٢٤٤/٧، التفسير المظهري ٣٨٦/٧، الصحيح المسبور، حكمت ياسين ٤ / ١٤٦. ٣٢٤ جَوَسُولَة القرآن الكريم الضلال ينادون الله تعالى بصفة الربوبية؛ لأنهم يتحننون إليه، ويتوسلون إليه تعالى؛ لعل هذه الغمة تذهب عنهم، وتبين هذه الآية الكريمة أن الأتباع يقولون عن السادات والكبراء بأنهم أضلوهم السبيل؛ ليبينوا أنهم كانوا الحريصين على الإسلام، لكن قادة الكفر قد نصبوا المصائد والفخوخ والمشانق؛ حتى يحرفوهم عن الحق. سادسًا: اتباع الآباء: وقد ورد اتباع الآباء واضحًا في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَّ كِلُونَ مِنْهَا فَمَالُِونَ مِنْهَا الْبُطُونَ ٦ ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ ، ثُمّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ ) إِنَّهُمْ أَلْفَوْ ءَابَآَ هُمْ ضَآلِينَ﴾ [الصافات: ٦٦-٦٩]. ولقد ضل عن قصد السبيل قبلهم من الأمم الخالية (٢). وبعد كل ما تقدم من بيان تقليدهم لآبائهم في الكفر، يتضح أنهم عريقون في الضلالة، وهم في الوقت ذاته مقلدون، لا یفکرون ولا يتدبرون، بل يطيرون معجلين يقفون خطى آبائهم الضالین غیر ناظرین، ولا متعقلین، وقد کان ضلالهم بعد الإنذار والتحذير، وفي ذلك يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِم مُنذِرِينَ ﴿ فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَلِقِبَةُ الْمُنذَرِينَ﴾ [الصافات: ٧٢ - ٧٣](٣). حيث إن الآية التاسعة والستين جاءت تعليلا بما جازى الله تعالى الكافرين به من العذاب، وإبداءً للمناسبة، بینه وبین جرمهم، فإن جرمهم كان تلقيًا لما وجدوا عليه آباءهم من الشرك وشعبه، بدون نظر ولا اختيار لما يختاره العقل، فكان جزاؤهم أنهم يطعمون طعامًا مؤلمًاً، ويسقون شرابًا قذرًا، بدون اختيارٍ منهم، كما تلقوا دين آبائهم تقليدًا واعتباطًا(١). فإن أولئك القوم وجدوا آباءهم على ضلالة، فهم على آثار آبائهم يسرعون، (٢) انظر: الموسوعة القرآنية، الأبياري ١١/ ٥٠، أوضح التفاسیر، محمد الخطيب ص٥٤٧. (١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٢٦/٢٣. (٣) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٩٩١/٥. www. modoee.com ٣٢٥ حرف الضاد مجالات الضلال ويقصد بمجالات الضلال هنا تلك الجوانب التي يقع فيها انحراف وضلال، وهي: أولًا: العقائد: سنتناول هنا بيان ضلال الكافرين عن اتباع الدين، في أصوله ومعتقداته؛ حيث إن القرآن الكريم بين ضلالهم من خلال جوانب عديدة، منها: مجمله ومفصله. قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالْكِنَبِ الَّذِى نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ، وَالْكِتَبِ الَّذِىّ أَنْزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرُ بِاللَّهِ وَمَلَئِكَتِهِ، وَكُنُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَاَلْيَّوْمِ الْآَخِ فَقَدْ صَلَّ صَلَلاً بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦]. والضلال هنا بعدٌ عن الحق، وقد جاء في رأس هذه الآية أمرٌ للمؤمنين بأن يؤمنوا بالله تعالى، أي: يثبتوا على الإيمان، كأن تقول للرجل الواقف: اثبت واقفًا، وقال البعض: هو خطابٌ للمنافقين، الذين آمنوا باللسان أن يؤمنوا بالقلب، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه خطابٌ لأهل الكتاب، أي: أنهم كما آمنوا بموسى وعيسى -عليهما السلام-، يؤمرون في هذه الآية بأن يؤمنوا بمحمد، والكتاب الذي نزل على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وهو القرآن، والكتاب الذي أنزل من قبل، أي: كل الكتب المنزلة من قبل القرآن (١). ٢. الضلال بعبادة غير الله تعالى. قال تعالى: ﴿ وَمَا سُقِطَ فت ◌َيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُواْ لَيِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٩]. ولما ندم الذين عبدوا العجل الذي ١. ضلالهم بالكفر بكل الدين وصف جل ثناؤه صفته عند رجوع موسى صلى الله عليه وسلم إليهم، واستسلموا لموسى صلى الله عليه وسلم، وحكمه فیھم، ورأوا أنهم قد جاروا عن قصد السبيل، وذهبوا عن دين الله تعالى، وكفروا بربهم، عندها قالوا تائبين إلى الله تعالى، منيبين إليه من كفرهم به: ﴿لَيْنِ لَّمْ يَرْحَمْنَارَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾(٢). وفي هذه الآية دليلٌ على أن بني إسرائيل الذين اجتازوا البحر مع نبيهم موسی صلى الله عليه وسلم، ونجوا بفضل الله تعالى من فرعون وقومه، قد ضلوا حينما أخرج لهم السامري عجلًا جسدًا له خوارٌ، وقال لهم: هذا إلهكم وإله موسى، وبعد تلبسهم (١) انظر: تفسير القرآن، السمعاني ٤٩٠/١، تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين ١/ ٤١٣. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١١٩/١٣. ٣٢٦ بَرُ النَّفِيَّة جوبي القرآن الكريمِ الضال بعبادته أرادوا أن يرجعوا إلى الله تعالى تائبين منيبين، وقبل أن يقبل الله تعالى توبتهم رجع موسی إلی قومه غضبان أسفًا؛ لأن الله تعالی کان قد أخبره أن قومه قد فتنوا، وأن السامري قد أضلهم؛ فكان حال رجوعه حال غضبٍ وأسف، فلا تنفع بني إسرائيل الشرائع ما داموا قد كفروا بالعقائد؛ ولذلك ألقى الألواح وفعل ما فعل بأخيه هارون، إذ إنه أو صاه قبل أن يذهب إلى ربه أن يصلح ولا یتبع سبیل المفسدين، فابتدره أخوه هارون صلى الله عليه وسلم قائلًا له: ﴿أَبْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ أُسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْيَقْنُلُونَنِى فَلَ تُشْمِتْ بِى الْأَعْدَآءَ وَلَا تَجْعَلْنِ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٠]. وعندها استغفر موسى صلى الله عليه وسلم له ولأخيه هارون صلى الله عليه وسلم وطلب أن يدخلا في رحمة الله تعالی. وقد ورد في آياتٍ أخری أنه ليس هنالك أضل ممن يدعو من دون الله تعالى من لا ينتصر ولا يستجيب، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَابِهِمْ غَفِلُونَ﴾ [الأحقاف: ٥]. والمراد: ليس هناك أضل ممن يقف أمام الأصنام والأوثان، ويطلب منهم الرزق والخير، وما شابه؛ لأنهم لا يمكن أن يستجيبوا له إلى يوم القيامة، فهم لا يسمعون، ولا يفهمون؛ إذ إنهم غافلون (١). وقد وردت آية أخرى في السياق نفسه تبين أن الذي يختار الكفر بعد إيمانه فهو ضالٌ، قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِآلْإِيمَنِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ١٠٨]. حيث قيل في معنى هذه الآية: إنه من يتبدل الشدة بالرخاء فقد عدل عن السبيل(٢)، وقيل: من يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عما لا يعنيه بعد وضوح الحق فقد ضل سواء السبيل(٣)، والراجح أن الكفر هنا ما هو مخرجٌ من الملة، وإن كان السياق القرآني حمالًا للمعاني السابقة. ٣. ضلال الكافرين في يأسهم من رحمة الله. قال تعالى: ﴿قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ* إِلََّ الضَّالَّونَ﴾ [الحجر: ٥٦]. حيث إن نبينا إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين طلب من ضيوفه الملائكة بعدما بشروه بغلام عليم - وهو النبي إسحاق صلى الله عليه وسلم - أن يبينوا له بأي شيء يبشرون؟ فقالوا له: بشرناك بالصدق، فلا تکن من اليائسين من رحمة الله تعالى، فأجابهم بسؤال فيه دهشة واستغراب، ومن (١) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي ٩/ ٦. (٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم ٢٠٤/١. (٣) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ١٩٣/١. www. modoee.com ٣٢٧ حرفالضاد ييأس من رحمة ربه إلا الضالون الجاهلون الذي هو عبادة الشيطان، فكيف تصرف الذين خسروا الدنيا والآخرة؟! حيث إن عقولكم إلى عبادة من لا يرزق ولا يحيي ولا یمیت؟!(٣). القنوط من رحمة الله تعالی کبیرةٌ، سيما إذا كان من جهة الولد (١). ٤. حكم الله تعالى على الضالين بأنهم لن یھتدوا. قال تعالى: ﴿إِن تَحْرِصْ عَلَى هُدَنهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَن يُضِلُّ وَمَا لَهُم ◌ِّن نَّصِرِينَ﴾ [النحل: ٣٧]. أي: إن تحرص يا محمد صلى الله عليه وسلم على هدى هؤلاء المشركين على الإيمان بالله تعالى، واتباع الحق، فإن من أضله الله تعالی لا هادي له، فلا تجهد نفسك في أمره، وبلغه ما أرسلت به؛ لتتم الحجة، ثم إنهم ما لهم من ناصرٍ ينصرهم من الله تعالى إذا أراد عقوبتهم (٢). ٥. المفاصلة العقدية بين الحق والباطل. قال تعالى: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقٌّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَلَّ فَنَّ تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣٢]. أي: هذا الدین کله الالتزام به هو الحق، وليس هؤلاء الذين جعلتموهم معه شرکاء، فماذا بعد عبادة الله تعالى الحق إلا الضلال (١) انظر: تفسير السمر قندي ٢٥٨/٢، معالم التنزيل، البغوي ٦١/٣. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٧ / ٢٠٢. ثانيًا: الأحكام الشرعية: تتناول هنا بيان ضلال المضلين في الأحكام الشرعية، التي تعتبر المفصل للعقائد، التي سبق ذكر بعضها، ومن هذه الأحكام الشرعية: العبادات، والمعاملات. وسيتم الوقوف على كل واحدٍ من هذين التفرعين، بما يعالج هذا الموضوع - إن شاء الله تعالى -. أما العبادات: فقد وردت آية توضح ضلال المتمسكين بغير الله تعالى، وهم يظنون أن هذا خيرٌ لهم عند الله تعالى، قال الله عز وجل: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونٍ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنَفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءَ شُفَعَتُنَا عِندَ اللّهِ قُلْ أَتُنَِّقُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِ السَّمَوَتِ وَلَا فِ الْأَرْضَِّ سُبْحَنَهُ. وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨]. أي: ومن شأن المعبود القدرة على النفع والضر، وليس هذا متوفرًا لدى الأوثان، التي هي جمادٌ لا تقدر على فعل أي شيء، فهلا تخبرون الله تعالى بكونهم شفعاء عنده، وهذا إنباء بما ليس بمعلوم الله تعالى، فإن قیل: کیف أنبأوا الله بما لا يعلم؟ (٣) انظر: الوجيز، الواحدي ص ٤٩٧. ٣٢٨ جوية القرآن الكريمِ الضلال فالجواب هو أن هذا تهكمٌّ بهم، وبما عنه قبل إنزال الشرائع الحقة؛ لأنه لا يسمى ما صدر عنهم ضلالًا، ولا يؤاخذون به، فكأنه تسلیةٌ للذين استغفروا للمشرکین قبل ذلك، وفيه دليلٌ على أن الغافل غير مكلف بما لا يستند بمعرفته العقل (٣). ادعوه من الحال الذي هو شفاعة الأصنام، وإعلام بأنه الذي أنبأوا به باطل؛ فكأنهم يخبرونه بشيء لا يتعلق علمه به، کما یخبر الرجل بما لا يعلمه (١). وأما المعاملات: فقد ورد ذلك في آياتٍ تبين أن العلاقة بين الإنسان وربه ليست علاقة ضلال؛ لأن الله تعالى يبين الحق من الباطل؛ فإما أن یشکر الإنسان فيهتدي، وإما أن يكفر فيضل، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَنْهُمْ حَُّبَيِّنَ لَهُومَا يَتَّقُونَّ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٥]. هذه الآية من تتمة ما تقدم من تأكيد مباينة المشركين، والبراءة منهم، وترك الاستغفار؛ وذلك لأنهم حقت عليهم الكلمة، حيث قامت عليهم الحجة بإبلاغ الرسول إليهم ما يتقون، ودلالته إياهم على الصراط السوي، فضلوا عنه فأضلهم الله، فاستحقوا عقابه، إنه تعالى عليمٌ بجميع الأشياء(٢). وليس من قبيل العادة في القرآن الكريم أن يصف الله تعالى المشركين بأنهم ضالون عن طريق الحق، وأن أحكامه تجري عليهم بعد أن هداهم للإسلام؛ حتى يبين لهم بالوحي صريحًا أو دلالةٌ ما يجب اتقاؤه من محظورات الدين، فلا ينزجر أحدٌ عما نهي (١) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٦/ ١٤. (٢) انظر: المصدر السابق ٥١٧/٥. ثم وردت آية أخرى في سياق الضلال في المعاملات، تبين العلاقة بين الناس بعضهم لبعض، بين فريق المؤمنين المهتدين، وبين فريق الكافرين الضالين، فقال تعالى: ◌َيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا أُهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُّكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٥]. أي: الزموا أمر أنفسكم وإصلاحها، واحفظوها من ملابسة المعاصى والإصرار على الذنوب، فواجبٌ عليكم أنفسكم (٤). والضلال هنا ليس ضلال الكفر، ولكن في الضلال عن الحق في الإسلام؛ لأن من المسلمين من يقصرون فيجب دعوتهم إلى الحق، وإذا لم يلتزموا فعندها لا يضر من دعاهم هذه الضلالة التي هم فيها (٥). وقد وردت آیة کریمة تبین أن المشرکین حينما أقيمت عليهم الحجة بأمرهم بالإنفاق (٣) انظر: إرشاد العقل السليم أبو السعود ٤ /١٠٨. (٤) انظر: المصدر السابق ٨٧/٣، مفاتيح الغيب، الرازي ١٢/ ٤٤٨. (٥) انظر: تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين ٥١/٢. www. modoee.com ٣٢٩ حرف الضاد في سبيل الله تعالى توطئةً لأمرهم بالإسلام لكل نقطة من النقطتين السابقتين، وذلك إذا بهم يقلبون الحق ضلالًا، وهذه الآية هي فيما يأتي: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقَكُمْ اللّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَلْعَمَهُ: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَلِ تُبِينٍ﴾ [يس: ٤٧]. فإن هذه الآية تأتي في سياق الحديث عن المشركين الذين من الكفر ما بلغوا؛ حيث تبين أنهم إذا قيل لهم من قبل المؤمنين الداعين إلى الله تعالى: أنفقوا مما منحكم الله تعالى من الرزق، وهذا لإقامة الحجة علیھم؛ لبیان ضلالهم؛ إذ إنه ليس بعد الكفر ذنب، حينها يردون على المؤمنين بقولهم: إذا لم يشأ الله أن يطعمهم لم نطعمهم؟ ثم تأتي الفاصلة القرآنية لتبين أن المشركين وصلوا إلى عمىّ عن الحقيقة؛ حتى قلبوا الموازين فقالوا للمؤمنين: ما أنتم إلا غارقون في الضلال البائن بينونةً واضحةٌ(١). ثالثًا: الأخلاق: ورد في القرآن الكريم ما يبين أن أهل الضلال لازمهم صفة البعد الكامل عن الأخلاق، كما أن القرآن الكريم بين أن الدعاة استخدموا مصطلح الضلالة في دعوتهم لأقوامهم، وسیتم الوقوف - إن شاء الله تعالى- هنا على بعض النماذج القرآنية (١) انظر: المصدر السابق ٤/ ٤٦. ١. استهزاء أهل الضلال بالرسول صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًّا أَهَذَا الَّذِى بَعَنَ اللَّهُ رَسُولًا ) إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ ءَالِهَتِنَا لَوْلاً أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَاً وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أضلَ سَبِيلًا ﴾ [الفرقان: ٤٢،٤١]. حيث يبين الله تعالى في هاتين الآيتين أن المشركين إذا رأوا النبي صلى الله عليه وسلم لا يتخذونه إلا هزوا، متسائلين سؤالًا فيه عدم تقدیر، أهذا الذي بعث الله رسولًا، ثم يتمادون في قلة أدبهم، وبشاعة ألفاظهم، وزيادة تعديهم على حدود الإنسانية، بقولهم: لقد كاد محمد صلى الله عليه وسلم أن يصرفنا عن طريق الحق، وعن عبادتنا، ولكننا حبسنا أنفسنا على عبادتها، ويبين الله تعالى أنهم سوف يعلمون حين یرون العذاب -وکانت يوم بدر-من أضل دینًا؟ أهم أم محمد صلى الله عليه وسلم (٢)، ويجوز أن يكون العذاب في الآخرة عند الله تعالى(٣). ٢. استخدام مصطلح الضلال في دعوة (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٥/١٣. (٣) انظر: تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين ٢٦١/٣. ٣٣٠ القرآن الكريمِ الضال الدعاة لأقوامهم. وقد ورد ذلك في حق نبي الله تعالى موسى صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ﴿قَالَ فَعَلْنُهَا إِذَا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٢٠]. أي: ((قال موسى لفرعون: فعلت تلك الفعلة التي فعلت، أي: قتلت تلك النفس التي قتلت إذًا وأنا من الضالين. يقول: وأنا من الجاهلين قبل أن يأتيني من الله وحي بتحريم قتله علي» (١). ولا شك أن هذا المصطلح يحمل بين جنباته تأدبًا عظيمًا من النبي موسى صلى الله عليه وسلم؛ إذ إنه حسم النقاش بكونه فعل تلك الفعلة، وكان من الجاهلين عن معرفة ذلك الحکم، فهو یبین أن عذره فيما فعل کونه جاهلا، ولم تأته الرسالة بعد. وقد ورد في القرآن الكريم ما يبين أن العبد الصالح الذي انتصر للرسل الثلاثة الذين كذبهم قومهم، قال لقومه: إن اتخذت آلهةً من دون الله تعالى إني إذًا لمن المنحرفين عن المنهج، والكافرين بالله، حيث قال تعالى: ﴿ إِّ إِذَّا لَّفِى ضَلَالٍ تُبِينٍ﴾ [يس: ٢٤]. (١) جامع البيان، الطبري ٣٤٠/١٩. مظاهر الضلال إن الضلال بكل جوانب معناه الشامل تتحدد له مظاهر، يحكم من خلالها على أن هذا المظهر دالٌ على الضلال، وسيتم هنا - إن شاء الله تعالى - توضيح لكل مظهرٍ على حدة، من خلال الآتي: أولًا: الشرك بالله تعالى: إن الشرك بالله تعالى من الأمور التي يصل من خلالها الإنسان إلى الضلال الكبير، ويمكن توضيح هذه الظاهرة من خلال ما يأتي: ١. تفضيل الحياة الدنيا على الآخرة، والصد عن سبيل الله يؤدي إلى الضلال. قال تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُواْ عَن سَبِيلِهِهُ قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيَرَكُمْ إِلَى النَّارِ ﴾ [إبراهيم: ٣٠]. إن كفار قريش وأمثالهم ممن هم على طريقتهم نفسها قد جعلوا لله تعالى أمثالًا في العبادة، أو في التسمية، وكل هذا لأجل الإضلال عن طريق الحق (٢). وإن الإضلال عن سبيل الله يعني الإضلال عن التوحید، حیث یأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأمرهم على (٢) انظر: مدارك التنزيل، النسفي ١٧٣/١. www. modoee.com ٣٣١ حرف الضاد سبيل التوبيخ بأن يتمتعوا بشهواتهم وعبادة ثانيًا: عبادة الأصنام والأوثان: الأوثان، والأمر يحمل معنى التهديد أيضًا إيذانًا بأن المهدد عليه كالمطلوب للإفضاء إلی المهدد به، وأن الأمرین کائنان لا محالة، ولذلك علله بقوله: ﴿فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ ﴾، وأن المخاطب لانهماكه فيه كالمأمور به من أمر المطاع (١). ٢. الإشراك بالله تعالى ضلالٌ بعيد. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ ◌ِاَللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلاً بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦]. هذه الآية تعقيب على الآية السابقة؛ للإشارة إلى أن المراد باتباع غير سبيل المؤمنين اتباع سبيل الكفر، من شرك وغيره، فعقبه بالتحذير من الشرك(٢). ومعنى الآية إذًا: فقد سلك غير طريق الحق، وضل عن الهدى، وبعد عن الصواب، وأهلك نفسه وخسرها فى الدنيا والآخرة، وفاتته سعادة الدارين(٣)، وإن کل ذنبٍ قابلٌ للغفران إلا الإشراك بالله تعالى، وعبادة غيره، ومعاندة رسول الله الحق، فإن الله تعالى من شأنه المغفرة إلا أن يشرك في عبادته، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء (٤) (١) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ١٩٩/٣. (٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٠٢/٥. (٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤١٤/٢. (٤) انظر: المنتخب، لجنة من علماء الأزهر ص ١٣٠. وقد برز ذلك واضحًا في آياتٍ، منها: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِيمُ لِأَبِهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةً إِّ أَرَئِكَ وَقَوْمَكَ فِى ضَلَلٍ مُّبِينٍ ﴾ [الأنعام: ٧٤]. أي: اذكر أيها الرسول لهؤلاء المشركين الذين تبين لك بالحجج بطلان شركهم، حين قال إبراهيم عليه السلام لأبيه آزر منكرًا عليه وعلى قومه شركهم وعائبًا عليهم جميعًا عبادة الأصنام دون الله تعالى، ثم قال له: إني أراك وقومك الذین یعبدون هذه الأصنام في ضلال عن الصراط المستقيم؛ فهو ضلالٌ بينٌ لا شبهة فيه للهدى (٥). وقال تعالى: ﴿وَ إِذْ قَالَ إِنْزَهِيْمُ رَبِّ أَجْعَلْ هَذَا أَلْبَلَدَ ءَامِنًا وَأَجْتُبْنِ وَيَنِىَّ أَنْ تَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ ﴿ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِى فَإِنَّهُ مِنِّيَّ وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٥، ٣٦]. وهذا دعاءٌ من نبينا إبراهيم صلى الله عليه وسلم لله تعالى أن يجعل مكة المكرمة بلدًا آمنًا، وأن يباعده الله تعالى وبنيه عن عبادة الأصنام، ثم تعلل الآية الثانية بأن هذه الأصنام أضلت عن الطريق المستقيم كثيرًا من الناس، وتأتي الفاصلة القرآنية لتدلل علی تأدب نبینا إبراهیم صلی الله عليه وسلم في الطلب من الله تعالی لصالح بنیه، حیث (٥) انظر: تفسير المراغي ١٦٨/٧. ٣٣٢ جوسين القرآن الكريم الضلال يقول: من اتبع منهجي التوحيدي لله فهو الله عليه وسلم، حينما دعاهم إلى عبادة الله تعالى وحده، وبين لهم خوفه وشفقته عليهم مني، ومن عصاني بضلاله أو إضلاله عن الدين فيما دون الشرك فإنك غفور رحيم (١). من العذاب الأبدي، والشقاء السرمدي؛ لاستكبارهم وعدم انقيادهم له، وقدحهم وقال تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ كُمْ أَنْتُمْ وَمَابَآؤُكُمْ فِ ضَلَلِ مُّبِينٍ﴾ [الأنبياء: ٥٤]. فيه أعظم قدح، ونسبوه إلى الضلال الذي هو عدول عنّ الطريق، ولم يكتفوا بمجرد الضلال، حتى جعلوه ضلالًا مبينًا واضحًا لكل أحد(٣). أي: في ضلال بين واضح، وأي ضلال أبلغ من ضلالهم في الشرك وترك التوحيد، أي: فلیس ما قلتم يصلح للتمسك به، وقد اشتركتم وإياهم في الضلال الواضح البين لأي أحد(٢). ثالثًا: الاستهزاء بالرسول صلى الله عليه وسلم: ورد في القرآن الكريم ما يبين أن الكفار بلغوا من ضلالهم ما جعلهم يستهزئون برسلهم، وهناك نموذجان من هذا الاستهزاء: ١. الاستهزاء بنبي الله نوح صلى الله علیه وسلم. قال تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ* إِنَّا لَغَكَ فِي ضَلَلٍ مُّبِينٍ﴾ [الأعراف: ٦٠]. حيث رد الكفار - وهم أشراف القوم ورؤساؤهم، حیث سموا بالملأ؛ لما يلتمس عندهم من المعروف وجودة الرأي؛ أو لأنهم يملؤون العيون أبهة- على نبيهم نوح صلى (١) انظر: فتح القدير، الشوكاني ١٣٤/٣، ١٣٥. (٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٥٢٥. ٢. دفع شبهة الضلال والإغواء عن الرسول صلی الله عليه وسلم. قال تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُّكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ٢]. فبعد أن أقسم الله تعالى بالقرآن الذي نزل على قلب النبي صلى الله عليه وسلم، وعبر عنه بالنجم يبين في هذه الآية أن النبي محمدًا الذي أنزل عليه القرآن، والذي هو من قريش التي تعرف نسبه، وشرفه فهو لیس بضالٍ ولا بمجنون، وليس بغوي يعتقد باطلًا، بل هو رشيد مرشد، دالٌّ عَلَّى الله تعالى، لم يتكلم بالقرآن عن هوى نفسه، ولا عن رأيه أصلًا، فما القرآن إلا وحيٍّ من الله تعالى، يجدد إيحاؤه إليه صلى الله عليه وسلم وقتًا بعد وقت (٤). ولا شك أنهم قصدوا الاستهزاء بالرسول (٣) انظر: المصدر السابق ص ٢٩٢. (٤) انظر: مراح لبيد، محمد بن عمر الجاوي ٢/ ٤٦٣. www. modoee.com ٣٣٣ حرف الضاد صلى الله عليه وسلم، لكن هذه الآية جاءت خلق الله تعالى السماوات والأرض، وأن لتدفع هذا الاستهزاء. وقد سبقت الإشارة إلى آية أخرى، وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِى بَعَنَ اللَّهُ رَسُولًا ) إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ ءَالِهَتِنَا لَوْلًا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَأْ وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤١، ٤٢]. حيث يقول المشركون إذا رأوك رأي العين فيتخذونك مهزوءًا به: هل هذا الذي بعثه الله رسولًا؟! فقد قارب أن يضلنا عن عبادة الله، ولو لم نصبر عليها لصرفنا عنها، ثم تأتي الفاصلة القرآنية لتبين أنه سوف يعلم المشرکون حین یأتیهم عذاب الله تعالى من أخطأ طريقًا (١). رابعًا: تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله: وقد ورد ذلك جليًا في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِىُّ زِيَادَةٌ فِ الْكُفْرِّ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُّوَاِقُواْ عِدَّةَ مَا حَتَّمَ اَللَّهُ فَيُحِلُوا مَا حَزَّمَ اَللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَلِهِمْ وَاللَّهُلَا يَهْدِى اَلْقَوْمَ الْكَفِينَ﴾ [التوبة: ٣٧]. فبعد أن بينت الآيات السابقة بعض أحكام الأشهر الحرم، وأنها أربعة، يوم (١) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٤٤٧/٣. مَوَسُ عَدَاً القرآن الكريم الله تعالى معيته مع المتقين، تبين هذه الآية الكريمة بأسلوب الحصر أن تأخير المحرم إلى صفر زيادة مبالغة في الكفر والإثم (٢)؛ فإن هذا التأخير عدولٌ عن المنهج الحق، من قبل الكافرين، حيث يحلونه إذا قاتلوا فيه، ويحرموا مكانه صفرًا، وأما إذا لم يقاتلوا فيه حرموه (٣). وكأنهم يستهزئون بهذه الأشهر الحرم؛ فإن الذي التزموا به فقط هو موافقة عدة هذه الأشهر، وهي أنها أربعة خلال العام، فالمصيبة أنهم أحلوا ما حرم الله تعالى، وقد زين لهم عملهم السيئ، ثم تأتي الفاصلة لتقرير أن الله تعالى لا يكتب الهداية التوفيقية للقوم الذين وصلوا إلى مرحلة الكفر الخارج عن الملة، والمقصود هنا كفار قريش، رغم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. خامسًا: القتل: لقد برز ضلال القتل واضحًا في قوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلَدَهُمْ سَفَهَا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَزَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ أَفْتِرَآءَ عَلَى اللَّهِّ قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٠]. فقد بين الله تعالى في هذه الآية الكريمة (٢) انظر: تفسير السمر قندي ٢/ ٥٧. (٣) انظر: الوجيز، الواحدي ص ٤٦٣. ٣٣٤ الضلال أن کفار قریش وغیرهم ممن سار علی نفس طریقتهم قد خسروا؛ لأنهم وأدوا بناتهم، وحرموا البحيرة بعقولهم، فقتلوا الأولاد سفهًا في الرأي خوف الفقر، وحجروا على أنفسهم في أموالهم، ولم يخشوا في ذلك الفقر، فأبان ذلك عن تناقض آرائهم، وكان من العرب من تقتل الولد سفهًا بغير حجة منهم في قتلهم، وهم ربيعة ومضر، وكانوا يقتلون لأجل الحمية، ومنهم من يقول: الملائكة بنات الله(١) وتأتي الفاصلة القرآنية لتبين أن من فعل هذا قد ضل عن طريق الحق والرشاد، وما كان مهتديًا إلى طريق الصواب(٢). سادسًا: موالاة الأعداء: لقد عالج القرآن الكريم هذا المظهر الذي هو علامةٌ دالةٌ علی ضلال کل من وقع في شركه، وذلك من خلال الآتي: ١. دفع شبهة الموالاة للادعاء في حق الله. قال تعالى: ﴿مَّا أَشْهَدُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُّدًا﴾ [الكهف: ٥١]. أي: وما كنت متخذ المضلين أعوانًا(٣). (١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٩٦/٧-٩٧. (٢) انظر: لباب التأويل، الخازن ١٦٣/٢. (٣) انظر: تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين وفي هذا بيان لقبح ما اقترفوه من ادعاء باطل. ٢. اعتراف الكافرين بأن المجرمين هم من أضلهم. قال تعالى: ﴿وَمَآ أَضَلَّنَاْ إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾ [الشعراء: ٩٩]. أي: وما دعانا إلى الضلال إلا المجرمون الأوائل ممن سبقنا (٤). ٣. نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن طاعة أكثر أهل الأرض. قال تعالى: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى اْأَرْضِ يُضِلُّوَكَ عَن سَبِيلِ اللَّهَّ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا اُلِّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١١٦]. إن أهل الله تعالى قليلون عددًا، وإن كانوا كثيرين وزنًا وخطرًا، وأما الأعداء ففیهم کثرة، فإن لاحظتهم یا محمد صلى الله عليه وسلم فتنوك، وإن صاحبتهم منعوك عن الحق وقلبوك (٥)؛ لأن المشركين كانوا يدعون إلى عبادة الأوثان فما يتبعون بعبادتهم الأوثان إلا ادعاء آلهة بظن منهم(٦)، وإن ما كان من ظنٍ في القرآن الكريم فهو یقین(٧). ٦٩/٣. (٤) انظر: الوجيز، الواحدي ص٧٩٢. (٥) انظر: لطائف الإشارات، القشيري ١/ ٤٩٦. (٦) انظر: تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين ٢/ ٩٣. (٧) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم www. modoee.com ٣٣٥ حرفالضاد آثار الضلال في الدنيا والآخرة إن للضلال آثارًا عظيمة تحل بكل ضالٍ في الدنيا والآخرة؛ إذ إن الله تعالى قد يمهلهم، لكنه قطعًا لا يهملهم، ويمكن تقسيم هذه الآثار إلى: أولًا: آثار الضلال في الدنيا: بالنظر في آيات القرآن الكريم التي أوردت موضوع الضلال يمكن الخروج بمعرفة آثار الضلال في الدنيا، ومن خلال جوانب، أهمها: ١. الضال يضيق صدره، ولا يتسع للهداية. قال تعالى: ﴿وَمَن يُرِدَّ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّغَدُ فِي السَّمَآءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]. أي: شديد الضيق، كأنما يصعد في السماء؛ لشدته و ثقله عليه (١). ٢. العذاب الأليم في الدنيا. ومثال هذا ما لحق بقوم نوح صلى الله عليه وسلم وغيره من الغرق، وغير ذلك من العذابات؛ فقد قال الله تعالى عن قوم نوح عليه السلام: ﴿ فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ. فِ الْقُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُ أَبِتَايَتِنَاْ إِنَّهُمْ ٠١٣٧٥/٤ (١) انظر: الوجيز، الواحدي ص ٣٧٤. كَانُواْ قَوْمًا عَبِينَ﴾ [الأعراف: ٦٤]. أي: ((فكذب نوحًا قومه إذ أخبرهم أنه لله رسولٌ إليهم، يأمرهم بخلع الأنداد، والإقرار بوحدانية الله، والعمل بطاعته، وخالفوا أمر ربهم، ولجوا في طغيانهم يعمهون، فأنجاه الله في الفلك والذين معه من المؤمنین به»(٢). ٣. الضالون من الإنس يوبخهم القرآن بأن الأنعام أعلى منهم شأنًا في الهداية. قال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَّ إِنْ هُمْ إِلَّكَالْأَنْعَمِّ بَلَّ هُمْ أَضَلَ سبيلاً ﴾ [الفرقان: ٤٤]. أي: ((أخطأ طريقًا)) (٣). ٤. الختم على سمع وقلب الضال، وكذلك الغشاوة علی بصره. قال تعالى: ﴿أَفْرَءَيْتَ مَنِ أَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَنُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣]. أي: أفرأيت الكافر الذي اتخذ دينه ما يهواه، وعدله الله عن المنهج المستقيم على ما سبق في علمه قبل أن يخلقه أنه ضالٌ (٤). ٥. الضال بغير علم يكون في الدنيا أسوأ الظالمين. (٢) جامع البيان، الطبري ١٢/ ٥٠٢. (٣) انظر: تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين ٢٦٢/٣. (٤) انظر: الوجيز، الواحدي ص٩٩١. ٣٣٦ جَوْسُو ◌َرَ النَّفْسَيْ القرآن الكريم الضا قال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اُفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمُّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٤]. فإن الله تعالى بين أنه يوجد أظلم ممن كذب على الله تعالى، وافترى بتحريم شيء لم يحرمه الله تعالى؛ لأجل أن يضل الناس بجهل، أو افتراء علیه جاهلا بصدور التحريم(١). ٦. تمكن الشيطان من الضالين. قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ, مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ. يُضِلُّهُ، وَيَدِيدِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج: ٤]. فإن من جعل الشيطان وليّا له من دون الله تعالى فشأنه أن يضله ذلك الشيطان عن طريق الجنة، أو طريق الحق (٢). ٧. ضلال الأعمال للكافرين. قال تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَمْسَا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَلَهُمْ﴾ [محمد: ٨]. وضلال الأعمال هنا: جعلها على غير هدىّ واستقامة (٣)، وذلك من خلال إبطالها؛ لأنها كانت في طاعة الشيطان (٤). (١) انظر: فتح البيان، القنوجي ٢٦١/٤. (٢) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٦/ ٩٣. (٣) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٤٦٩/٨. (٤) انظر: التفسير الميسر، نخبة من أساتذة التفسير ص٥٠٧. ثانيًا: آثار الضلال في الآخرة: من آثار الضلال في الآخرة: ١. اعتراف الشيطان القرين بضلال من كان معه. قال تعالى: ﴿قَالَ قِيُّهُ رَيَّنَامَا أَلْغَيْتُهُ وَلَكِن كَانَ فِ ضَلَلِ بَعِيدٍ﴾ [ق: ٢٧]. أي: ((قال شيطانه الذي كان معه في الدنيا: ربنا ما أضللته، ولكن كان في طريق بعيدٍ عن سبيل الهدى» (٥). ٢. العمى عن الهدى إلى الجنة يوم القيامة، ومن ثم دخول النار. قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فِى هَذِهِه أَعْمَى فَهُوَ فِ الْآَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٢]. أي: «من كان في الدنيا أعمى عن حجج الله تعالى الدالة على وجوده و علمه وقدرته، فلم يؤمن به، ولم يعبده فهو في الآخرة أشد عمىّ وأضل سبيلًا)) (٦). ٣. يحشر الضالون يوم القيامة عميًا وصمًا وبكمًا قال تعالى: ﴿وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِّ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَْ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِهٌ وَتَخْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبَّكْمًا وَصُمَّاً فَأْوَنَّهُمْ جَهَنَّمٌ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَهُمْ (٥) المصدر السابق ص٥١٩. (٦) أيسر التفاسير، الجزائري ٢١٥/٣. www. modoee.com ٣٣٧ حرف الضاد سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧]. فإن الإضلال هنا يعني: العدول عن المنهج؛ لفساد الطبع(١). علاج الضلال إن القرآن الكريم قد بين أن هذا المرض الخطير الذي يوصل مرتكبه إلى الخروج من الملة له علاج، لكنه يحتاج إلى صدقٍ في الطلب من الله تعالى لأن ينجيه من ذلك المرض، ويمكن تلخيص العلاج القرآني لهذا الضلال، من خلال الآتي: ١. عدم اتباع الشيطان. قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَآءَ هُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهٌِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَّ أُوْلِ آلْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ. مِنْهُمُّ وَلَوْلَا فَضْلُ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَأَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَنَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣]. والخطاب للجميع فإن الكل لولا فضل الله لاتبع الشيطان إلا القليل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم (٢). ٢. الرجوع إلى الله تعالى بصدق التوبة. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اَللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِأَلْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَّ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ٦٨ يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَيَخْلُدْفِهِ. مُهَانَا (٦) إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَلِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللّهُ سَيْئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ (١) انظر: المنتخب في تفسير القرآن الكريم، لجنة من علماء الأزهر ص ٤٢٣. (٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم ١٠١٧/٣. ٣٣٨ جوبيه القرآن الكريمِ الضلال * وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٢) وَمَن تَابَ وَعَمِلَ فَإِنِ تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَّاحِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا يُحِلْتُوٌ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَغُ صَلِكَا فَإِنَّهُ يَنُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ [الفرقان: ٦٨-٧١]. اَلْمُبِينُ﴾ [النور: ٥٤]. فإن إخلاص التوحيد، ونبذ كل أثر للشرك في العبادة لله تعالى، والتنزه عن قتل النفوس التي حرم الله تعالى، والبعد عن الزنى الذي عليه إثم عظيم في الدنيا والآخرة إلا التائبين إلى الله تعالى عن الذنوب، الذين صدقوا في إيمانهم، وأتبعوا ذلك بالطاعات، والأعمال الصالحات، فهؤلاء يجعل الله لهم مکان السیئات الحسنات، فیثابون علیھا أجزل الثواب، وهكذا مضی أمر الله تعالى، فإن من تاب من إثمه، وظهر أثر ذلك في إقباله على الطاعة، واجتنابه المعصية، فهو الذي يقبل الله توبته، وبها يرجع إلى ربه بعد نفاره(١). ٣. ذكر الله تعالی کثیرًا. قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذَكُرُواْ اللَّهَ ذِكْرًاكَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١]. حیث «أمر سبحانه عباده بأن يستكثروا من ذكره، بالتهليل والتحميد والتسبيح والتكبير، وكل ما هو ذكر لله تعالى)) (٢). ٤. طاعة الله تعالى، وطاعة الرسول صلی الله عليه وسلم. قال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولٌ (١) انظر: المصدر السابق ص ٥٤٠. (٢) فتح القدير، الشوكاني ٤/ ٣٣٠. ((أي: أطيعوا طاعة من صميم قلوبكم، لا من ظاهر أقوالكم، وذكر الرسول مع الله؛ للإشارة إلى التلازم بينهما، وإلى أن طاعة الرسول واجبة على الأمة؛ لكيلا يتململ اليهود، والمنافقون من إجابة الرسول، زاعمين في نفوسهم الفاسدة الفصل بين طاعة الله وطاعة رسوله، فیعصون الرسول، ويحسبون أنهم يحسنون صنعًا، والخطاب للمنافقين ومن في قلوبهم مرض)» (٣). ٥. اتباع سبيل المؤمنين. قال تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدٍ مَا نَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ، مَا تَوَلَّ وَنُصْلِهِ، جَهَنَّمٌ وَسَآءَتْ مَصِيرًا [النساء: ١١٥]. فإن سبیل المؤمنین هو دین الله تعالى (٤). موضوعات ذات صلة: الاستقامة، الصد عن سبيل الله، الغلو، الفساد، الكفر، الهداية (٣) زهرة التفاسير، أبو زهرة ١٠/ ٥٢١٨. (٤) انظر: تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين ٤٠٦/١. www. modoee.com ٣٣٩