Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْ سُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ الضَّلال عناصر الموضوع مفهوم الضلال ٣٠٢ الضلال في الاستعمال القرآني ٣٠٤ الألفاظ ذات الصلة ٣٠٥ الضلال والهداية بيد الله تعالى ٣٠٨ ٣١٢ شراء الضلالة ٣١٤ الضلال المبين والبعيد ٣١٧ أنواع الضلال ٣٢٠ أسباب الضلال ٣٢٦ مجالات الضلال ٣٣١ مظاهر الضلال ٣٣٦ آثار الضلال في الدنيا والآخرة ٣٣٨ علاج الضلال المُجَلَدَ الحَادِى وَالعشْرُونْ حرف الضاد مفهوم الضلال أولًا: المعنى اللغوي: الضاد واللام أصل يدل على ضياع الشيء، وذهابه في غير حقه، يقال: ضَلَّ اللبن في الماء، بمعنى: استهلك وضاع، وأضل الميت، إذا دفن، وكأنه شيء قد ضاع، يقال: ضَلَلْت أَضِلُّ وأَضَلُّ، لغتان، وضَلَلْتُ أَضِلُّ وأَضَلُّ، وهما لغتان أيضًا، والضَّلَال والضَّلَالة بمعنىّ واحدٍ، ورجلٌ ضِلِّلٌ ومُضَلّلٌ، إذا كان صاحب ضلالٍ وباطلٍ (١). وكل جائرٍ عن القصد فهو ضالٌّ، وما كان ضد الهدى والرشاد فهو ضلالٌ وضلالةٌ(٢)، وكل حيادةٍ عن طريق الحق فهو ضلالٌ أيضًا، والنسيان من الضلال(٣). وأما قولهم: الضالة، فإنها لا تقع إلا على الحيوان ذكرًا كان أو أنثى، وأما الأمتعة من غير الحيوان، فلا يقال لها ضالة، ولكنها تسمى لقطة (٤). إن مادة ضل جاءت في اللغة على معانٍ متعددة، منها: ضاع، ومات، وصار ترابًا وعظامًا، وخفي وغاب، ونسي(٥). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: إن الضلال والضلالة مصطلحان متقاربان، لكنهما يختلفان في نقاط، أهمها(٦): إن الضلالة والضلال يشتركان في أن كليهما يعني فقد ما يوصل إلى المطلوب، إلا أن الضلال يختص بأنه خطأ الشيء في مكانه دون الاهتداء إليه. والضلالة بمعنى الهلاك والإضاعة، والضلال بمعنى الضياع والعدول عن الطريق المستقیم. وعلى هذا فإن الضلالة أعم من الضلال، لكن الضلال أخص وأدق في طبيعة تشخيص أمراض الأمة، كما أنه محل هذه الدراسة، ومن ثم فقد فطن العلماء للفرق بينهما، وهذه (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٥٦/٣، المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده ١٥٣/٨. (٢) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٥٦/٣، المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده ١٥٣/٨، لسان العرب، ابن منظور ٣٩٠/١١. (٣) انظر: مشارق الأنوار، القاضي عياض ٥٨/٢، (٤) انظر: الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي، الأزهري ص ١٧٧. (٥) انظر: القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص ١٠٢٤. (٦) انظر: الكليات، الكفوي ص٥٧٦. ٣٠٢ جوبيه القرآن الكريمِ الضلال بعض تعريفاتهم لمصطلح الضلال، وذلك فيما يأتي: عرفه السيوطي رحمه الله بأنه: ((اعتقاد الباطل حقًا، أو الكذب صدقًا، أو القبح جميلًا، وبالعكس)) (١). وعرفه الراغب الأصفهاني رحمه الله تعالى بأنه: «العدول عن الطريق المستقيم، ويضاده الهداية» (٢). وعرفه الجرجاني والمناوي رحمهما الله تعالى بأنه: ((فقدان ما يوصل إلى المطلوب))(٣). وذكر البعض تعريفًا له بأنه: كل عدول عن النهج عمدًا أو سهوًا قليلًا كان أو كثيرًا(٤). وبالنظر إلى التعريفات السابقة لمصطلح الضلال يتبين أن التعريف الأخير هو الراجح؛ لموافقته المعنى اللغوي من جهة، ولاشتماله على جميع المعاني المتفرعة من مادة ضل في القرآن الكريم من جهة أخرى، والله أعلم. (١) مقاليد العلوم، السيوطي ص٢٠٢. (٢) المفردات، الراغب الأصفهاني ص٥٠٩. (٣) التعريفات، الجرجاني ص١٣٨، التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص٢٢٣. (٤) انظر: التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ٢٢٣. www. modoee.com ٣٠٣ حرفالضاد الضلال في الاستعمال القرآني وردت مادة (ض ل ل) في القرآن الكريم (١٩١) مرة (١). والصيغ التي وردت، هي: الصيغة عدد المرات المثال الفعل الماضي ﴿وَلَا تَتَّبِعُواْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ ٥٨ ﴾[المائدة: ٧٧] ٧٧ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ السَّبِيلِ الفعل المضارع ٥٩ أَنفُسَهُمْ ﴾ [النساء: ١١٣] المصدر ٤٨ ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلََّ الضَّلَلُ﴾ [يونس: ٣٢] اسم الفاعل ١٧ ﴿وَأَغْفِرْ لِأَبِىَ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ ﴾ [الشعراء: ٨٦] أفعل التفضيل ٩ # # [ الفرقان: ٤٤] ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّكَ لْأَنْعَجِ بَلّ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا وجاء الضلال في القرآن الكريم على ثلاثة وجوه (٢): الأول: الضلال بمعناه اللغوي الذي هو ضد الهدى، وهو الحيرة والضياع والبعد عن الصواب، ويدخل فيه الغواية والخطأ والخسران وغير ذلك: ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُرْ جِيلًا كَثِيرًا﴾ [يس: ٦٢] يعني: أغوى. الثاني: الإبطال: ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اَللَّهِ أَضَلَ أَعْمَلَهُمْ ) [محمد: ١]. يعني: أبطلها. الثالث: الجهل أو النسيان: ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَأَمْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَنَّهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَمُهُمَا الْأَخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢] يعني: تنسى. (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٤٢١-٤٢٤، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، باب الضاد ص ٧١٤-٧١٧. (٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص ٣١٠- ٣١٢، نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر، ابن الجوزي، ص٤٠٦ - ٤٠٩، بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي، ٤٨١/٣-٤٨٥. جوسيق القرآن الكريمِ ٣٠٤ الَمَّت ◌َابِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوَكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّ الضال الألفاظ ذات الصلة الغي: ١ الغي لغةً: الإمعان في الضلال، قال تعالى: ﴿مَاضَلَّ صَاحِبُّكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ٢]. فهو غاوٍ، وغويٌّ وغيان، وأغواه أضله وأغراه (١). الغي اصطلاحًا: ((سوء التصرف في الشيء، وإجراؤه على ما يسوء عاقبته)) (٢). الصلة بين الغي والضلال: الضلال أوسع دلالةً، إذ إنه يعني: أن لا يجد السالك إلى مقصده طريقًا أصلًا، سواء أكان حكمًا أو عملًا، والغواية: أن لا يكون له إلى المقصد طريق مستقيم. الكفر: ٢ الكفر لغة: الستر والتغطية، يقال لمن غطى درعه بثوب: قد كفر درعه، والمكفر: الرجل المتغطي بسلاحه، وهو ضد الإيمان، لأنه تغطية للحق (٣). الکفر اصطلاحًا: ((الجحود بالوحدانية أو النبوة، أو الشريعة، أو بثلاثتها))(٤). وقيل: هو تغطية الحق بالباطل، بما يكون نقيض الإيمان (٥). الصلة بين الكفر والضلال: الضلال أوسع مضمونًا من الكفر؛ إذ إن الكفر يعني الجانب العمد من العدول عن المنهج، بما يكون نقيضًا للإيمان. (١) انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٢/ ٦٦٧. (٢) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ٢٥٥. (٣) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١٩١/٥. (٤) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص٤٧٩، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٢/ ٧٩١. (٥) انظر: مقاليد العلوم، السيوطي ص٧٤. www. modoee.com ٣٠٥ حرفالضاد الشرك: ٣ الشرك لغة : مأخوذ من شرك، ومنه: «أشرك بالله: كفر أي: جعل له شريكًا في ملکه تعالى الله عن ذلك))(١)، وقد يأتي بمعنى المخالطة والنصيب، لكن المراد هنا هو الكفر. الشرك اصطلاحًا: تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائصه سبحانه (٢). الصلة بين الشرك والضلال: الشرك والضلال يتفقان أن كونهما عدولٌ عن المنهج، لكن الضلال أعم كونه يشمل العدول سهوًا أو عمدًا، وأن الضلال العمد أعم من الشرك؛ إذ إن من الضلال ما لا يخرج من الدين، ومنه ما يخرج. الهلاك: ٤ الهلاك لغةً: الموت، يقال: هلك هلاكًا، وهلكًا، وتهلوكًا وهلوكًا، واستهلك المال: أنفقه وأنفذه، وأهلكه: باعه، والمهلكة: المفازة(٣). الهلاك اصطلاحًا: (تداعي الشيء إلى أن يبطل ويفنى)) (٤). الصلة بين الهلاك والضلال: الضلال أعم وأشمل من كون أن الهلاك يعني النفاذ والموت والإنفاق والبيع، فقد لا يترتب على فعله حكم شرعي، وقد يترتب، أما الضلال فهو جانب له علاقة بالقلب أولًا من کونه یترتب عليه حكم شرعي غالبًا. (١) تاج العروس من جواهر القاموس، الزبيدي، ٢٢٤/٢٧. (٢) أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة، نخبة من العلماء، ص ٥٨. (٣) انظر: القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص٩٥٨. (٤) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ٣٤٤. ٣٠٦ جوبي القُرآن الكَرِيْمِ الضلال الحق: ٥ الحق لغة: هو نقيض الباطل وخلافه، وهو مصدر من حق الشيء إذا ثبت وكان واجباً(١)، ولا يصح إنكاره، يقول ابن فارس: يدل على إحكام الشيء وصحته(٢). الحق اصطلاحًا: هو الحكم المطابق للواقع في الأقوال والعقائد والأديان، ويقابله الباطل (٣). الصلة بين الحق والضلال: الحق هو ضد الباطل، الذي أعم من الضلال، والحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير بتغير زمان أو مكان. (١) انظر: العين، الفراهيدي ٣/ ٦، المصباح المنير، الفيومي ١٤٣/١. (٢) مقاييس اللغة ١٥/٢-١٧ بتصرف. (٣) انظر: التعريفات، الجرجاني ص ٨٩. www. modoee.com ٣٠٧ حرف الضاد الضلال والهداية بيد الله تعالى من الأمور المسلم بها أن الضلال والهداية بيد الله تعالى؛ فلا يضل أحدٌ إلا بعلمه، ولا يهتدي أحدٌ إلا بإذنه، وسوف يتم تناول هذا - إن شاء الله تعالى- بالتفصيل فيما يلي: أولًا: الضلال والهداية بمشيئة الله تعالى: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَتِنَا صُدُ وَبُكْمٌ فِ اَلُلُمَتِ مَن يَشَهِ اللَّهُ يُضْلِلَّهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٣٩]. أي: مثلهم في جهلهم، وقلة علمهم، وعدم فهمهم، كمثل أصم، وهو الذي لا یسمع، أبکم وهو الذي لا یتکلم، وهو مع هذا في ظلماتٍ لا يبصر، فکیف یهتدي مثل هذا إلى الطريق أو يخرج مما هو فيه، ولهذا فهو المتصرف في خلقه بما يشاء(١). وقوله: ﴿مَن يَشَإِ اللّهُ يُصْلِلَهُ﴾ دل على أنه شاء ضلال الكافر وأراده؛ لينفذ فيه عدله، وقوله: ﴿وَمَن يَشَأْ يَجْعَلَهُ عَلَى صِرَاطٍ تُسْتَقِيمٍ﴾ أي: على دين الإسلام؛ لينفذ فيه فضله، والمشيئة راجعة إلى الكاذبين، فمنهم من یضله ومنهم من یهديه (٢). (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٥٥/٣. (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤٢٢/٦. وقال تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ. يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِّ وَمَن يُرِدَأَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَضَعَّلُفِ السَّمَلِّ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥]. ج أي: فمن يرد الله تعالى أن يكتب له الهداية التوفيقية فضلًا عن الإرشادية يشرح صدره، فيوسع قلبه لقبول الإيمان، والخير، وذلك أن الإنسان إذا اعتقد في عملٍ من الأعمال أن نفعه زائد، وخيره راجح، مال بطبعه إليه، وقويت رغبته فيه، فتسمى هذه الحالة سعة النفس وانشراح الصدر، والشرح نورٌ يقذفه الله تعالى في قلب العبد، فيعرف بذلك النور الحق، فيقبله وينشرح صدره له. وأما من يريد الله تعالى أن يكتب له الضلالة فإنه يجعل صدره ضيقًا؛ حتى لا يدخله الإیمان، فلیس للخير فيه منفذ(٣). وقد وردت آية أخرى قريبة من هذا المعنى، وهي قوله تعالى: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِّ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ، وَلِيًّا قُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧]. وفي ذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين) (٤)، ولا يكون ذلك إلا بشرح الصدر (٣) انظر: لباب التأويل، الخازن ١٥٤/٢ -١٥٥. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم، باب من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين ٢٥/١، رقم ٧١، ومسلم في صحيحه، كتاب ٣٠٨ القرآن الكريم الضلال وتنويره(١). وقد وضع القرآن الكريم عدة معالم في هذا الموضوع، منها: ١. لا هادي لمن أضله الله تعالى. قد ورد معنى كون الهداية والإضلال بيده سبحانه في قوله تعالى: ﴿وَمَن يَهْدِ اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِّ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَمُمْ أَوْلِيَآءَ ط٠/٠١٠١٠٠٠ مِن دُونِهِ، وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمَا وَصُّمَّاً مَّأْوَهُمْ جَهَنٌَّ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧]. قال الإمام الرازي: ((فالمقصود تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وهو أن الذين سبق لهم حكم الله بالإيمان والهداية وجب أن يصيروا مؤمنين، ومن سبق لهم حكم الله بالضلال والجهل استحال أن ينقلبوا عن ذلك الضلال، واستحال أن يوجد من يصرفهم عن ذلك الضلال)» (٢). ثم تبين هذه الآية الكريمة أن هؤلاء ١١٧]. الضالين الذين أضلهم الله تعالى سيسحبون يوم القيامة على وجوههم، أو یمشون بها، فکما مشوا في الدنيا على أقدامهم سيمشون يوم القيامة على وجوههم (٣). الزكاة، باب النهي عن المسألة ٧١٨/٢، رقم ١٠٣٧. (١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٧/ ٨١. (٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٢١/ ٤١١. (٣) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ٢٦٧/٣. ثم تأتي الفاصلة القرآنية في هذه الآية لتبين عاقبة الضالين بأنهم «كلما أكلت لحومهم، فسكن لهبها، بدلوا أجسادًا أخر، ثم صارت ملتهبةً أكثر مما كانت)) (٤). وإن هذه الآية الكريمة حالها كحال الآيات المكية، تبين أن الهداية هنا هداية إلى الإيمان، والضلال فهو استحباب الكفر على الإيمان، ولذلك فإن سحب الولاية المذكور في الآية يأتي في سياق أن الكافرين الضالين إذا اختاروا الضلالة سوف يكتب لهم الغواية، وسيستدرجون إلى مزيد من الذنوب؛ حتى يأخذهم الله تعالى للعذاب الأليم، يضاف إلى أن مبدأ النصرة لهم من دون الله تعالى محالٌ في حقهم. ٢. عِلْم الله تعالى بالضالين. قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُ عَن سَبِيلِهٌ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: فقد بينت الآية السابقة أن الرسول صلى الله عليه وسلم إن يطع أكثر أهل الأرض من کفار قریش فیما يدعونه إلى ملة آبائهم؛ فإن أكثر أهل الأرض كانوا كفارًا، وإن هؤلاء الكفار ما يتبعون إلا الظن في أكل الميتة واستحلالها، وما هم إلا كاذبون في استحلالهم الميتة (٥). (٤) التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ١/ ٤٥٥. (٥) انظر: تفسير السمر قندي ١/ ٤٧٧. www. modoee.com ٣٠٩ حرفالضاد وتأتي هذه الآية لتبين أن الله تعالى الذي جليًا في قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَسُولٍ هو رب كل شيءٍ، هو أعلم من يضل عن إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ، لِيُبَيِّنَ لَمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ سبيل الله الذي هو الدين(١). اُلْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم: ٤]. فهو يعلم أن محمدًا صلى الله عليه وسلم على الهدى، وأن المشركين ضلوا عن سبيله، وفي هذا بشارةٌ للنبي محمد صلى الله عليه وسلم أنك على الصراط المستقيم، أما المشركون فهم الذين عدلوا عن الصراط المستقيم عمدًا وإمعانًا في الضلال (٢). وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ إنما يطلب منه أن يبلغ ويبين، ولم يكلف أن عَن سَبِيلِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القلم: ٧]. أي: إن الله تعالی الذي هو ربك یا محمد صلى الله عليه وسلم هو أعلم بمن عدل عن طريق الحق وهو أعلم أيضًا بالمهتدين الذين يتبعون ذلك الحق. والمقصود أن الله تعالى يبين بأنه هو ما يريدون، وما أرسلوا به إليهم(٥)، قال الأعلم بالنبي محمد صلی الله عليه وسلم وأنه المهتدي وأن قومه هم الضالون(٣). ٣. الإضلال بعد إقامة الحجة بالرسل وورثتهم. قد ورد ذكر الإضلال بعد إقامة الحجة (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم ١٣٧٥/٤. (٢) انظر: تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين ٩٤/٢. (٣) انظر: الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب ١٢ / ٧٦٢٣. فالمعنى: لست يا محمد صلى الله عليه وسلم ببدع من الرسل، وإنما أرسلناك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور، على عادتنا في رسلنا، في أن نبعثهم بألسنة القوم الذين أرسلوا إليهم؛ ليقع البيان والعبارة المتمكنة، ثم إن النبي صلی الله عليه وسلم يهدي ويضل، بل إن ذلك بيد الله تعالى، ينفذ فيه سابق قضائه، وله فى ذلك العزة التي لا تعارض (٤). وإن من لطفه تعالى أنه يرسل إلى خلقه رسلاً منهم بلغاتهم؛ ليفهموا عنهم الرسول صلى الله عليه وسلم: (لم يبعث الله عز وجل نبيًّا إلا بلغة قومه)(٦). وقد أفردت كلمة ((لسان)) رغم إضافته إلى القوم؛ لأن المراد اللغة، وهي اسم جنس (٤) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٢٣/٣. (٥) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤ /٤٧٧. (٦) أخرجه أحمد في مسنده، حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، ٣٢٣/٣٥، رقم ٢١٤١٠. وصححه الألباني في صحيح الجامع، ٢/ ٩٢٢، رقم ٥١٩٧. جَوَسُولَة النفسية القرآن الكريمِ ٣١٠ الضلال يقع على القليل والكثير(١). وثمة سؤال يتم طرحه، وهو: كيف تذكر فلا يمكن أن يكون هذا القرآن إلا مستقى من هذه الآية أنه ما من رسولٍ إلا ویبعث بلغة قومه، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى كافة الخلق، مع اختلاف لغاتهم؟ وجواب ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم بعث من العرب بلسانھم، والناس تبعٌ لهم(٢). ثانيًا: نسبة الضلال إلى الإنسان: قد ورد ذكر نسب الضلال إلى الإنسان جليًا في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ ضَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُ عَلَى نَفْسِىٌّ وَإِنِ اُهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوجِىّ إِلَىَ رَبَِّّ إِنَّهُ. سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ [سبأ: ٥٠]. أي: قل یا محمد صلى الله عليه وسلم إن عدلت عن الطريق الواضحة، فإن إثم ضلالتي وعدولي عن المنهج يكون على نفسي(٣)، فإن ما تدینت به من الدین إن كان ضلالًا -كما تقولون- فإنما وبال ضلالي يعود إلى نفسي، فكيف أختار الوبال على نفسي، مع أنه لا جنون بي، ولا منفعة دنيوية تعود إلي؟! وإن كان هذا هدايةً، فليس من قبل نفسي، ولا من عند أحدٍ من أهل هذا البلد؛ (١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٤٠/٩. (٢) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٣/ ٣٠. (٣) انظر: فتح البيان، القنوجي ٢١٠/١١. لأن ظاهر الأمر أني أميٌّ ما كتبت ولا قرأت، الله تعالی وحیًا فلزم، بل وجب علیکم أن تتبعوني، فتهتدوا كما اهتدیت (٤). إن الرد القرآني في هذه الآية الكريمة على الكفار -الذين زعموا أنه صلى الله عليه وسلم غير صادق في دعوى الرسالة، وأنه على ضلال- كان قاطعًا بأنه على هدىً، بقوله: ﴿قُلْ جَآءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِىُّ الْبَطِلُ وَمَايُعِيدُ﴾ [سبأ: ٤٩]. وانتقل هنا إلى متاركة جدالهم، وتركهم وشأنهم؛ لقلة جدوى مراجعتهم، وصيغة القصر هنا لتبين أن الضلال المفروض على نفسي لا عليكم؛ لأنهم كانوا يحاولون أن يقلعوه عما دعاهم إليه، ولم يقتصروا على صدودهم(٥). (٤) انظر: التفسير المظهري، ٣٨/٨. (٥) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٣٩/٢٢. www. modoee.com ٣١١ حرف الضاد شراء الضلالة ورد شراء الضلالة في موضعين من القرآن الكريم، وهما: الأول: قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَشْتَّرَوُاْ الضَّلَلَّةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت ◌َجَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٦]. حيث إن هذه الآية جاءت في سياق الحديث عن المنافقين وصفاتهم؛ حتى حكم عليهم بأنهم أخذوا الضلالة، وتركوا الهدى، فيكونون بذلك قد استبدلوا الكفر بالإيمان؛ لأن استبدالهم الضلالة بالهدى كان استحبابًا فيه، ومثل هؤلاء المنافقين في الوصف القرآني قوم ثمود؛ حيث قال الله تعالى فيهم: ﴿ وَأَمَّا تَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ فَاسْتَحَبُّواْ اَلْعَمَى عَلَى الْمُدَى﴾ [فصلت: ١٧]. وتأتي الفاصلة القرآنية لتبين أن النتيجة عند الله تعالى أن صفقتهم في هذه البيعة كانت خاسرة، ومن ثم فإنهم لم يكونوا راشدين في صنيعهم ذلك(١)؛ إذ إنهم أضاعوا ما سعوا له، ولم يعرفوا ما يوصل إلى خير الآخرة، ولا ما يضر المسلمين، وهذا نداءٌ عليهم بسفه الرأي، وهو العلة لعدم ربح التجارة، حيث شبه سوء تصرفهم بسوء تصرف من يريد الربح، فيقع في الخسران (٢). قال السمرقندي رحمه الله: ((وفي الآية دليل أن الشراء قد يكون بالمعنى دون اللفظ وهو المبادلة؛ لأن الله تعالى سمى استبدالهم الضلالة بالهدى شراء، ولم يكن هنالك لفظ شراء)» (٣)؛ ولذلك فإن الربح قد أسند إلى التجارة على عادة العرب في قولهم: ربح بيعك، وخسرت صفقتك، وهو من الإسناد المجازي (٤). الثاني: قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَّرَوَأْ الضَّلَكَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةَ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥]. حيث وردت هذه الآية في معرض الحديث عن اليهود عامة، وعلمائهم خاصة، فقد بينت الآية السابقة أن هناك وعيدًا شديدًا لمن كتم ما أنزل تعالى على رسله من العلم الذي أخذ الله تعالى الميثاق على أهله أن يبينوه ولا يكتموه، فيكونون يبتغون بذلك تحصيل المال، فمن تعوض عنه بالحطام الدنيوي، ونبذ أمر الله تعالى فإن هذا المال الذي يأخذونه نارٌ في بطونهم؛ لأنه اكتسابٌ حصل لهم بأقبح المكاسب، وأعظم المحرمات، ولیس الأمر کذلك فحسب، بل یسخط الله تعالی علیھم، ویعرض عنهم يوم القيامة، ولا يطهرهم من الأخلاق الرذيلة، (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٨٥/١. (٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٩٨/١. (٣) تفسير السمر قندي ١/ ٣٠. (٤) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٥٤/١. ٣١٢ القرآن الكريمِ الضال وفوق كل هذا أعد الله لهم عذابًا كثير إخفائه وإلقائه الشبهة فيه أعظم العقاب، فلما الألم (١). وتبين هذه الآية الكريمة جرأة اليهود في استهانتهم بعذاب النار، الذي أعده الله تعالى لهم، وفي ذلك يقول الإمام الرازي -رحمه الله تعالى -: ((اعلم أنه تعالى لما وصف علماء اليهود بكتمان الحق وعظم في الوعيد عليه، وصف ذلك الجرم؛ ليعلم أن ذلك العقاب إنما عظم لهذا الجرم العظيم، واعلم أن الفعل إما أن يعتبر حاله في الدنيا أو في الآخرة، أما في الدنيا فأحسن الأشياء الاهتداء والعلم، وأقبح الأشياء الضلال والجهل، فلما تركوا الهدى والعلم في الدنيا، ورضوا بالضلال والجهل، فلا شك أنهم في نهاية الخيانة في الدنيا، وأما في الآخرة فأحسن الأشياء المغفرة، وأخسرها العذاب، فلما تركوا المغفرة ورضوا بالعذاب، فلا شك أنهم في نهاية الخسارة في الآخرة. وإذا كانت صفتهم على ما ذكرناه، كانوا لا محالة أعظم الناس خسارًا في الدنيا وفي الآخرة، وإنما حكم تعالى عليهم بأنهم اشتروا العذاب بالمغفرة لأنهم لما كانوا عالمين بما هو الحق، وكانوا عالمين بأن في إظهاره وإزالة الشبهة عنه أعظم الثواب، وفي (١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٨٢. أقدموا على إخفاء ذلك الحق كانوا بائعين للمغفرة بالعذاب لا محالة)) (٢). ثم تأتي الفاصلة القرآنية باستفهام توبيخي، يعني: ما الذي أصبرهم، وأي شيء صبرهم على النار؛ حتى تركوا الحق واتبعوا الباطل، ويحتمل أن يكون الاستفهام للتعجب والتقرير بأن الراضي بموجب الشيء لابد أن یکون راضيًا بمعلومه ولازمه، إذا علم ذلك اللزوم، فلما أقدموا على ما يوجب النار، ويقتضي عذاب الله تعالى مع علمهم بهذه العاقبة المنتظرة صاروا كالراضين بعذاب الله تعالى، والصابرين علیه(٣). إن ما بدر من علماء اليهود بهذه الصفقة الغبية أشبه بكونها («صفقة يدفعون فيها الهدى، ويقبضون الضلالة، ويؤدون المغفرة ويأخذون فيها العذاب، فما أخسرها من صفقة وأغباها! ويا لسوء ما ابتاعوا وما اختاروا! وإنها لحقيقة، فقد كان الهدى مبذولًا لهم فتركوه وأخذوا الضلالة، وكانت المغفرة متاحة لهم فتركوها واختاروا العذاب)» (٤). (٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٠٦/٥. (٣) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٥/ ٢٠٦. (٤) في ظلال القرآن، سيد قطب ١٥٨/١. www. modoee.com ٣١٣ حرفالضاد الضلال المبين والبعيد وصف الله تعالى في القرآن الكريم الضلال بأنه بعيدٌ تارةً، وبأنه مبين تارةً أخری، وسیتم الوقوف إن شاء الله تعالى هنا على هذه المواضع كما وردت في السياق القرآني؛ لتجلية ما في ذلك من حكمٍ وأسرار أطلعنا الله تعالى عليها، وذلك فيما يأتي: أولًا: وصف الضلال بالمبين: وقد ورد ذلك في ستة عشر موضعًا، ومنها: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِيمٌ لِأَبِيهِ مَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةً إِّ أَرَئِكَ وَقَوْمَكَ فِىِ ضَلَلٍ مُّبِينٍ﴾ [الأنعام: ٧٤]. أتتنسك لصنم تعبده من دون الله؟! إني أراك وكل السالكين مسلكك تائهين لا تهتدون أين تسلكون، بل أنتم في حيرة وجهلٍ، وأمركم في الجهالة والضلال، وهذا بينٌ واضحٌ لكل ذي عقلٍ سليمٍ(١). كما وصف قوم نوحِ نوحاً عليه السلام بالضلال بالمبين في قوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ: إِنَّا لَتَكَ فِ ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [الأعراف: ٦٠]. والقوم هنا هم قوم نوح عليه السلام، والمعنى: إنا لنراك يا نوح في دعوتك إيانا قد صرت من الضالين التائهين عن طريق (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٨٩/٣. الحق، وهكذا حال الفجار، ومثل هذا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُواْ إِنَّ هَؤُلَاءٍ لَضَاَلُونَ﴾ [المطففين: ٣٢] (٢). كما وصفت امرأة العزيز بالضلال بالمبين في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِ الْمَدِينَةِ آمْرَأَتُّ الْعَزِيزِ تُزَوِّدُ فَنْهَا عَن نَّفْسِهِ، قَدْ شَغَفَهَا حُبَّ إِنَّا لَهَا فِ ضَلَلِ تُّبِينٍ ﴾ [يوسف: ٣٠]. إن هذا القول جاء على لسان نسوةٍ وصفًا لامرأة العزيز على حبها ليوسف عليه السلام، وتعلق قلبها به، لكن الله تعالى عصمه منها(٣). كما وُصِفَ أبو يوسف بالضلال المبين في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِنَا مِنَّا وَتَحْنُ عُصْبَةُ إِنَّ أَبَانَا لَفِىِ ضَلَلٍ ◌ُّبِينٍ﴾ [يوسف: ٨]. والمقصود بالضلال هنا الذهاب عن وجه التدبير في إيثار اثنين على عشرة مع استوائهم في الانتساب إليه (٤). كما وصف الكافرين بالضلال المبين في قوله تعالى: ﴿أَسَمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَاَ لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فيِ ضَلَلٍ مُّبِينٍ﴾ [مريم: ٣٨]. والضلال هنا هو ضلال عن طريق الجنة (٢) انظر: المصدر السابق ٣/ ٤٣٢. (٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٩/ ١٧٧. (٤) انظر: المصدر السابق ٩/ ١٣٠. ٣١٤ القرآن الكريم الضلال بخلاف المؤمنین(١). كما وصف قوم إبراهيم عليه السلام بالضلال المبين في قوله تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ كُمْ أَنْتُمْ وَءَابَآ ؤُكُمْ فِي ضَلَلِ تُِّينٍ﴾ [الأنبياء: ٥٤]. الضلال هو العدول عن المنهج عدولا ظاهرًا لا يخفى على عاقل(٢). كما وصف جنود إبليس بالضلال المبين في قوله تعالى: ﴿قَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِىِ ضَلَلٍ تُبِينٍ﴾ [الشعراء: ٩٧]. الضلال هنا هو الخطأ البين(٣). ويتبين -بعد الرجوع إلى تفسير بعض النماذج القرآنية التي وصفت الضلال بالمبين- الملاحظات الآتية: الملاحظة الأولى: إن السواد الأعظم من الآيات التي وصفت الضلال بالمبين مكيةٌ؛ حيث بلغ عدد المكيات منها أربع عشرة آية، في مقابل آیتین مدنیتین. الملاحظة الثانية: إن الضلال المبين الذي ورد في المواضع التي ذكر فيها تحتمل المعاني الآتية: ١. البين الواضح لكل ذي عقلٍ سلیم. ٢. الخطأ البين. ٣. الظاهر الذي لا يخفى على عاقل. ٤. الخسران الظاهر. (١) انظر: لباب التأويل، الخازن ١٨٨/٣. (٢) انظر: مدارك التنزيل، النسفي ٤٠٨/٢. (٣) انظر: تفسير السمر قندي ٢/ ٥٦٠. ٥. الغواية الظاهرة. ٦. الضلال الظاهر الواضح. ٧. لا شبهة فیه. ٨. ذهابٌ عن الحق. ولا شك أن جميعها تدور حول المعنى العام للضلال، الذي هو عدول عن المنهج عمدًا کان أو سهوًا، مما یبین أن الضلال له وجوه متعددة، متفرعة عن المعنى العام له؛ لتعالج الموقف المناسب بمعنیّ يختص به. ثانيًا: وصف الضلال البعيد: وقد ورد ذلك في سبعة مواضع، منها: وصف الله تعالى الكافرين بالضلال البعيد في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُواْ ضَلَلا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٦٧]. أي: إن الذين كفروا بالله تعالى صدوا عن سبيله قد بعدوا عن المنهج بعدًا عظيمًا شاسعًا (٤). كما وصف الله تعالى الكافرين أيضًا بقوله: ﴿ الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا عَلَى اُلْأَخِرَةِ وَيَصُدُونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجَأْ أُوْلَئِكَ فِ ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ [إبراهيم: ٣]. الضلال هنا هو عدولٌ عن طريق الحق، وقيل: يجوز أن يراد بالضلال البعيد، أي: ذي بعدٍ، أو فيه بعدٌ؛ لأن الضال يبعد عن (٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٧٦/٢. www. modoee.com ٣١٥ حف الضاد الطريق(١). والشرك بالله، والتحاكم إلى الطاغوت، والکفر بالله وملائكته و کتبه ورسله واليوم كما وصف الله تعالى قرين السوء بالضلال البعيد في قوله تعالى: ﴿قَالَ مِنُهُ. الآخر، والدعاء من دون الله تعالى ما لا ينفع رََّامَا أَْغَيْتُهُ، وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَلٍ بَعِيدٍ﴾ [ق: ولا يضر. ٢٧]. الضلال ثابت للإنسان الضال بالأصالة ملازم لتكوينه، والبعيد مستعارٌ للبالغ في قوة النوع حدًا لا يبلغ إليه إدراك العاقل بسهولة، كما لا تبلغ سير السائر إلى المكان البعيد إلا بمشقة أو بعيد الزمان، أي: قديم أصيل، والمعنى: إن تمكن الضلال منه يدل على أنه لیس فیه بتابع لما يمليه غيره عليه(٢). ويتضح هنا أن مصطلح الضلال البعيد في المواضع السابقة التي ذكر فيها يعني أحد خمسة احتمالات: إما أي ذي بعدٍ عن الحق والطريق المستقیم. وإما أنه ضلال قدیم أصيل. وإما البعد عن الصواب. وإما الخروج عن الهدى والبعد عن القصد. وإما البعد عن الحق بعدًا عظيمًا. ويتضح أيضًا أن للضلال البعيد أسبابًا، منها: استحباب الحياة الدنيا على الآخرة، والصد عن سبيل الله تعالى والكفر به، (١) انظر: لباب التأويل، الخازن ٢٨/٣. (٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣١٤/٢٦. ٣١٦ مَوَسُولَةُ النَِّيَة القرآن الكريمِ الضلال أنواع الضلال ورد في القرآن الكريم ما يبين أن الضلال منه ما کان عن عمدٍ یحاسب عليه المرء عند الله تعالى، ومنه ما كان عن جهلٍ ونسيان، وتوضيح ذلك فيما يأتي: أولًا: ضلال التعمد وقد أخذ هذا الموضوع مساحةً في الخطاب القرآني، ومن أمثلته: ١. ضلال قوم نوح عليه السلام. قال تعالى: ﴿إِنَّكَ إِن تَذَرَّهُمْ يُضِلُواْ عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوْإِلََّفَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٧]. أي: إنك إن تترکهم دون أن تهلکھم، فأبقيت أحدًا منهم حيًا، سيدعون عباد الله تعالی المؤمنین إلی الضلال، ولا يلدوا إلا كفرةً فجرةً من أمثالهم، وهذا تعليلٌ لدعائه عليهم جميعًا بالهلاك (١). فسيدنا نوحٌ صلى الله عليه وسلم عرف أن قومه لن يؤمنوا، بل سيزدادون في الكفر، من خلال أمرين: الأول: النص القرآني، كما قال تعالى: ﴿وَأُوْجِىَ إِلَى نُوجِ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ فَلَا نَبْتَيِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ [هود: ٣٦]. والآخر: الاستقراء؛ فقد لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، تعرف على طباعهم (١) انظر: مدارك التنزيل، النسفي ٥٤٦/٣، التفسير الوسيط، طنطاوي ١٢٥/١٥. وجربهم، حیث کان القوم یتوارثون عمليات التضليل، والتكذيب لنبي الله نوح صلى الله عليه وسلم، وقوله: ﴿وَلَا يَلِدُواْ إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾، أي: أنهم يكونون في علمك کذلك، أو أنهم سیصیرون کذلك، ولا شك أن هذا الطلب من نبي الله نوح صلى الله عليه وسلم يحمل معنىً عظيمًا في الرحمة بذرية القوم التي ستأتي تباعًا إن لم ينالوا عقابهم؛ حتى لا تحاسب هذه الذرية على ممارسات التضليل(٢). ٢. حرص أهل الكتاب على التضليل للنبي محمد صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: ﴿وَدَّت ◌َطَّابِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَوْ يُضِلُوَتَكُمْ وَمَا يُضِلُونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [آل عمران: ٦٩]. حيث تبين هذه الآية الكريمة أن فريقًا من أهل الكتاب کانوا یتمنون إضلال المؤمنین، وفتنتهم عن دينهم، بإلقاء الشبه التي توهن الاعتقاد(٣)، والحال أن وبال ضلال هؤلاء المضلين عائدٌ عليهم، وأما نفس الضلال فمحالٌ؛ لأنهم يضلون المؤمنين بالانتقال من الإيمان إلى الكفر، وهم لا يعرفون الإيمان قط (٤). (٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٦٥٩/٣٠. (٣) انظر: المنتخب في تفسير القرآن الكريم، لجنة من علماء الأزهر ص ٨١. (٤) انظر: تفسير ابن عرفة ٣٧١/١. www. modoee.com ٣١٧ حرف الضاد ٣. الوصف بالضلال لمن أمعن في ثانيًا: ضلال الجهل والنسيان: الكفر. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيَمَنِهِمْ ثُمَّ أَزْدَادُواْ كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَّوْبَتُهُمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٠]. ومقصود هذه الآية فيه «أربعة تأويلات: أحدها: أنھم الیھود کفروا بالمسيح، ثم ازدادوا كفرًا لمحمد، لن تقبل توبتهم عند موتهم، وهذا قول قتادة. الثاني: أنهم أهل الكتاب لن تقبل توبتهم؛ لذنوبٍ ارتكبوها مع الإقامة على كفرهم، وهذا قول أبي العالية. الثالث: أنهم قومٌ ارتدوا ثم عزموا على إظهار التوبة على طريق التورية، فأطلع الله نبیه علی سریر تهم، وهذا قول ابن عباس. الرابع: أنهم اليهود والنصارى كفروا بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد إيمانهم قبل مبعثه، ثم ازدادوا کفرًا إلى حضور آجالهم، وهذا قول الحسن)) (١). والذي يترجح من خلال السياق القرآني أن رأي الحسن هو الأقرب إلى الصواب؛ ولذلك وصفوا بعد كل ما صدر منهم بأنهم هم الضالون (٢) الذين عدلوا عن المنهج الحق عمدًا وظلمًا. (١) النكت والعيون، الماوردي ٤٠٨/١. (٢) انظر: تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين ٣٠٢/١. ورد ضلال الجهل والنسيان في القرآن الكريم من خلال جوانب عديدة، منها: ١. الضلال في حق النبي صلى الله عليه وسلم معناه الجهل بالأحكام الشرعية. قال تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَّأَلَّا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٧]. ويترجح أن الضلال هنا يعني أن النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم كان ضالًا جاهلًا عن علم الشرائع والأحكام في دين الله تعالی، فهداه الله تعالی إلی ذلك. ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِى مَا الْكِتَبُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَهُ نُورًا تَّهْدِى بِهِ، مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢](٣). ٢. تعليم الله للمؤمنين شرائعهم حتى لا يضلوا. قال تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُوأُ وَاَللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٧٦]. إن الله تعالى يذكر في هذه الآية الكريمة سبب تولي القرآن الكريم لبيان أحكام الميراث، وهو ألا يذهب الناس إلى طرقٍ (٣) انظر: غاية الأماني، شهاب الدين الشافعي ص٤٠٤. ٣١٨ جوسين القرآن الكريم الضلال ضالةٍ بأمور، منها إهمال الميراث جملةٌ، وألا يعطوا أحدًا من الورثة شيئًا، وجعل الحرية للمورث یوصي بماله لمن يشاء من غير قيد، وفي ذلك ضلالٌ أي ضلالٍ، إذ يترك ورثته ضياعًا، ويعطي المال غيرهم، وحرمان من يشاء المورث وإعطاء من يشاء، وفي ذلك إثارة للبغضاء والعداوة (١). وتأتي هذه الآية الكريمة في فاصلتها لتبین أنه تعالی یبین أحکامه التي يحتاجونها، ويشرحها فضلاً منه وإحسانًا؛ لكي يهتدوا ببيانه، ويعملوا بأحكامه، ولأن لا يضلوا عن الصراط المستقيم بسبب جهلهم وعدم علمهم(٢). ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتکم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه)(٣). ٣. الشعور بالضلال عند الصدمة. قال تعالى: ﴿فَا رَأَوْهَا قَالُواْ إِنَّا لَضَلُونَ﴾ [القلم: ٢٦]. (١) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ٤/ ٢٠٠١. (٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٢١٧. (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب فرض الحج مرة في العمر ٩٧٥/٢، رقم ١٣٣٧. فإن هذه الآية جاءت في معرض الحديث عن ابتلاء أصحاب الجنة، حيث اجتهدوا في اجتماعاتهم السرية على أن يمنعوا الفقراء من حقهم في خيرات جنتهم، وتعاهدوا فيما بينهم أن يأتوا صباح اليوم التالي لمؤامرتهم، فيقطفوا جميع الثمار ويبيعوها أو يدخروها؛ حتى لا ينتفع الفقراء من هذا الخیر، فأحرقت بأمر الله تعالى ليلًا، فلما رأوها في اليوم التالي قالوا: إنا لضالون عن الطريق، من قوة الصدمة، كأنهم لما رأوا جنتهم محترقة سبق إلى ذهنهم أنها ليست هي، وأنهم ضلوا الطريق، فلما تأملوا وعرفوا أنها هي قالوا: بل نحن من حرم خيرها؛ لشؤم عزمنا على البخل، وبسبب ما وقع منا من العزم على منع المساكين من خيرها، ولخساستنا وخباثة نفوسنا، وبعدما بان لهم ذلك، قال أعدلهم رأيًا وعقلًا على وجه التقريع والتشنيع لإخوانه: ألم أقل لكم وقت مشاورتكم على حرمان الفقراء هلا تذكرون الله تعالى بالخير، ولم لا تشكرون نعمه بالإنفاق على الفقراء (٤). ٤ . ضلال المرأة بنسيانها. قال تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَأَمْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ أَن تَضِلّ إِحْدَ مُهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَمُهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: (٤) انظر: غرائب القرآن، النيسابوري ٣٣٨/٦، فتح القدیر، الشوكاني ٣٢٥/٥. www. modoee.com ٣١٩ حرف الضاد ٢٨٢]. ووجه قوله: ﴿أَنْ تَضِلَ إِحْدَثُهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَهُمَا الْأُخْرَى﴾، أنه لما كان الضلال سبب الإذکار، وهو متقدم عليه صار لتعلق کل واحدٍ منهما بالآخر، أي: فتذكرها إن ضلت (١). أحكام الدين قبل الإسلام. قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحُ أَنْ تَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَتٍ فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ عِندَ اَلْمَشْعَرِ الْحَرَاءِ * وَأَذْكُرُوهُ كَمَا هَدَنْكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ، لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: ١٩٨]. أي: لا حرج عليكم في الشراء والبيع قبل الإحرام وبعده، فما دام الأمر كذلك فاذكروا الله تعالى بتوحيده وتعظيمه كما ذكركم بالهداية، وما كنتم من قبله إلا من الضالين، والضلال هنا بمعنى الجهل بالمعارف الحقيقية (٢) وإن الشاهد هنا هو فاصلة الآية التي تطلب من المسلمين أن يذكروا الله تعالى؛ لهدايته لهم الإرشادية لأحكام الدين بعد هدايته التوفيقية للإسلام. (١) انظر: تفسير الراغب الأصفهاني ١/ ٥٩٠. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٤ /١٦٣، الوجيز، الواحدي ص١٥٧. أسباب الضلال ورد في القرآن الكريم ما يبين أسباب الضلالة، ومنها: أولًا: مخالفة أمر الله تعالی ومعصيته: ورد الحديث عن مخالفة أمر الله ٥. ضلال المسلمين عن معرفة ومعصيته واضحًا في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اَللّهُ وَرَسُولُهُ: أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَّهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمُ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلَّا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]. فقد وردت هذه الآية بعد الآية التي سميت آية النساء؛ لما ثبت أن أم عمارة الأنصارية أتت النبي صلی الله عليه وسلم فقالت: ما أرى كل شيء إلا للرجال، وما أرى النساء يذكرن بشيء، فنزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] الآية (٣). وتأتي هذه الآية لتبين أنه ما صح وما استقام لرجل ولا امرأة من المؤمنين والمؤمنات إذا قضى رسول الله أن يختار رأيًا غير ما قضاه الله ورسوله (٤). ولما كان الإیمان قد یدعی کذبًا لخفاء (٣) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة الأحزاب ٢٠٧/٥، رقم ٣٢١١. وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن الترمذي، ٧/ ٢١١. (٤) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود ١٠٤/٧. ٣٢٠ جَنُور القرآن الكريم