Indexed OCR Text
Pages 21-40
الصياحى أعذار الفطر الله تبارك وتعالى خلق الخلق، وهو أعلم بهم وبما يمرون به من أحوال، من صحة ومرض، يسبب له عدم الاستطاعة للعبادة، أو يسبب له الوقوع في مشقة، ففرض عليهم الصيام، وهو -كما تقدم- الإمساك عن جميع المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وبما أن الإنسان قد یقع في عذر يمنعه من الصيام، فسيتناول البحث بالحديث أعذار الفطر في الأسطر التالية، وهي كالتالي: أولًا: أصحاب الأعذار في الفطر: المسافر والمريض. قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنكُم مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ [البقرة: ١٨٤]. بمعنى أن الله سبحانه وتعالى فرض على عباده صيام رمضان فمن كان مسافرًا أو مريضًا فيجوز أن يفطر ويصوم فيما بعد، والسفر هو قطع المسافة يقال ذلك إذا خرج للارتحال أو لقصد موضع فوق مسافة العدوى(١)؛ لأن العرب لا يسمون مسافة العدوى سفرًا وقال (١) الفقهاء يقولون: مسافة العدوى وكأنهم استعاروها من هذه العدوى؛ لأن صاحبها يصل فيها الذهاب والعود بعدو واحد لما فيه من القوة والجلادة. انظر: المصباح المنير، الفيومي ٣٩٨/٢، تاج العروس، الزبيدي ١٩/٣٩. بعض المصنفين: ((أقل السفريوم))(٢). قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في هذه الآية: (( ثم بين حكم الصيام على ما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام، فقال: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنكُم مَِّيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ ؛ أي: المريض والمسافر لا يصومان في حال المرض والسفر؛ لما في ذلك من المشقة عليهما، بل يفطران ويقضيان بعدة ذلك من أيام أخر، وأما الصحيح المقيم الذي يطيق الصيام، فقد كان مخيرًا بين الصيام وبين الإطعام، إن شاء صام، وإن شاء أفطر، وأطعم عن كل يوم مسكينًا، فإن أطعم أكثر من مسکین عن کل یوم فهو خير، وإن صام فهو أفضل من الإطعام، قاله ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، وطاوس، ومقاتل ابن حيان، وغيرهم من السلف؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّةٌ، وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمَّ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾))(٣). وقال البغوي رحمه الله: ((قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَيِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ أباح الفطر لعذر المرض والسفر وأعاد هذا الكلام؛ ليعلم أن هذا الحكم ثابت في الناسخ ثبوته في المنسوخ. واختلفوا في المرض الذي يبيح الفطر، (٢) المصباح المنير، الفيومي ٢٧٨/١. (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٩٨/١. www. modoee.com ٢٠٧ حف الصاد فذهب أهل الظاهر إلى أن ما يطلق عليه اسم فقال قوم: مسيرة يوم، وذهب جماعة إلى مسيرة يومين، وهو قول الشافعي رحمه الله، وذهب جماعة إلى مسيرة ثلاثة أيام، وهو قول سفيان الثوري، وأصحاب الرأي)) (٢). المرض یبیح الفطر وهو قول ابن سیرین، قال طريف بن تمام العطاردي: دخلت على محمد بن سیرین في رمضان، وهو يأكل فقال: إنه وجعت أصبعي هذه، وقال الحسن وإبراهيم النخعي: هو المرض الذي تجوز معه الصلاة قاعدًا، و ذهب الأكثرون إلى أنه مرض يخاف معه من الصوم زيادة علة غير محتملة، وفي الجملة أنه إذا أجهده الصوم أفطر، وإن لم يجهده فهو كالصحيح. وأما السفر، فالفطر فيه مباح والصوم جائز عند عامة أهل العلم إلا ما روي عن ابن عباس وأبي هريرة وعروة بن الزبير وعلي بن الحسين أنهم قالوا: لا يجوز الصوم في السفر ومن صام فعليه القضاء، واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس من البر الصوم في السفر)(١)، وذلك عند الآخرين في حق من يجهده الصوم فالأولى له أن يفطر، والدليل عليه حديث: (كان رسول الله صلی الله عليه وسلم في سفر فرأی زحامًا، ورجلًا قد ظلل علیه، فقال ما هذا؟ قالوا هذا صائم، فقال: (ليس من البر الصوم في السفر). واختلفوا في السفر الذي يبيح الفطر، (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصوم، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لمن ظلل عليه واشتد الحر: ليس من البر الصوم في السفر، رقم ١٩٤٦. وقال القرطبي رحمه الله: ((اختلف العلماء في السفر الذي يجوز فيه الفطر والقصر، بعد إجماعهم على سفر الطاعة كالحج والجهاد، ويتصل بهذين سفر صلة الرحم، وطلب المعاش الضروري. أما سفر التجارات والمباحات فمختلف فيه بالمنع والإجازة، والقول بالجواز أرجح))(٣). فمن رحمة الله تبارك وتعالى خفف على المسافر والمريض فأباح لهم الفطر في رمضان؛ لكونهما مظنة المشقة. # كبير السن. وخفف الله سبحانه وتعالى عن الشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصيام يفطر، ويتصدق عن كل يوم مسكينًا، كما أخبر الله بذلك، فقال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ. فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، قال ابن عباس رضي الله عنه في تفسير الآية: «هو الشيخ الكبير کان یطیق صوم شهر رمضان وهو شاب فکبر، وهو لا يستطيع صومه فلیتصدق على مسكين واحد لكل يوم أفطره، حين يفطر (٢) معالم التنزيل، البغوي ١٩٩/١ - ٢٠٠، بتصرف يسير. (٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٧٧/٢. ٢٠٨ لِلْقُرْآن الكَرِيمِ الصياحى وحین یتسحر))(١). وقال سعيد بن المسيب رحمه الله في الآية: ((هو الكبير الذي كان يصوم فكبر وعجز عنه، وهي الحامل التي ليس عليها الصيام. فعلى كل واحد منهما طعام مسكين مد من حنطة لکل یوم حتی یمضي رمضان»، وقرأ ذلك آخرون: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ. فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ وقالوا: ((إنه الشيخ الكبير والمرأة العجوز اللذان قد كبرا عن الصوم، فهما یکلفان الصوم ولا یطیقانه، فلهما أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم أفطراه مسكينًا، وقالوا: الآية ثابتة الحكم منذ أنزلت لم تنسخ، وأنكروا قول من قال: إنها منسوخة)»(٢)، وكان ابن عباس رضي الله عنه: يقرؤها: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ ويقول: ((هو الشيخ الكبير يفطر، ويطعم عنه»(٣). وقال الحافظ ابن کثیر رحمه الله: ((وأما الشيخ الفاني الهرم الذي لا يستطيع الصيام فله أن يفطر ولا قضاء عليه؛ لأنه ليست له حال يصير إليها يتمكن فيها من القضاء، ولكن هل يجب عليه إذا أفطر أن يطعم عن کل یوم مسكينًا إذا كان ذا جدة؟ فيه قولان للعلماء، أحدهما: لا يجب عليه إطعام؛ لأنه ضعيف عنه لسنه، فلم يجب عليه فدية (١) جامع البيان، الطبري ١٧١/٣. (٢) المصدر السابق. (٣) المصدر السابق ٣/ ١٧٢. کالصبي؛ لأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها، وهو أحد قولي الشافعي. والثاني -وهو الصحيح، وعليه أكثر العلماء -: أنه يجب علیه فدیة عن کل یوم، کما فسره ابن عباس وغيره من السلف على قراءة من قرأ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ أي: يتجشمونه، كما قاله ابن مسعود وغيره، وهو اختيار البخاري فإنه قال: وأما الشيخ الكبير إذا لم يطق الصيام، فقد أطعم أنس - بعد أن كبر عامًا أو عامين- كل يوم مسكينًا خبزًا ولحمًا، وأفطر)) (٤). # الحامل والمرضع. يباح للحامل والمرضع الإفطار إذا خافتا على أنفسهما أو على الولد، سواء أكان الولد ولد المرضعة أم لا، أي نسبًا أو رضاعًا، وسواء أكانت أمًا أم مستأجرة، وكان الخوف نقصان العقل أو الهلاك أو المرض، والخوف المعتبر: ما كان مستندًا لغلبة الظن بتجربة سابقة، أو إخبار طبيب مسلم حاذق عدل. ودليل الجواز لهما: القياس على المريض والمسافر، وقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله عز وجل وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن الحبلى والمرضع الصوم) (٥). (٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ٥٠٠. (٥) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الصوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء في الرخصة في الإفطار للحبلى والمرضع، www. modoee.com ٢٠٩ حرف الصاد المرضع على نفسها أو ولدها الهلاك. وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله: ((ومما يلتحق بهذا المعنى: الحامل والمرضع، إذا خافتا على أنفسهما أو ولديهما، ففيهما خلاف كثير بين العلماء، فمنهم من قال: يفطران ويفدیان ويقضيان، وقيل: يفدیان فقط، ولا قضاء. وقيل: يجب القضاء بلا فدية. وقيل: يفطران، ولا فدية ولا قضاء))(١). من لحقه الجوع والعطش الذي يخشي الهلاك بسببه. فالذي لحق به الجوع والعطش وهو صائم الذي يخشى الهلاك بسبب ذلك فله أن یفطر ویمکن أن یستدل على ذلك بقول الله تعالى: ﴿فَأَنَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦ ]. ويقول: ﴿وَلَا تُلْقُوَ بِأَيْدِيَّكُمْ إِلَى النَُّكَةِ وَأَحْسِنُواْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّالْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]. الحائض والنفساء. يحرم على الحائض والنفساء أن تصوم، فمن أصابها الحيض أو النفاس فإن عليها أن تفطر أيام إصابتها بذلك حتى تطهر ثم رقم ٧١٥، والنسائي في سننه، كتاب الصوم، باب وضع الصيام عن الحبلى والمرضع، رقم ٢٣١٥. وحسنه الألباني في صحيح الجامع، ١/ ٣٧٥، رقم ١٨٣٠. (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ٥٠١. ويحرم الصوم إن خافت الحامل، أو تصوم، وتقضي بعد ذلك، عن معاذة، قالت: (سألت عائشة رضي الله عنها فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة. ؟ فقالت: أحرورية أنت؟ قلت: لست بحروریة، ولکني أسأل، قالت: (کان یصیبنا ذلك، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة)(٢). روى الترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كنا نحيض على عهد رسول الله صلی الله علیه وسلم، ثم نطهر، فیأمرنا بقضاء الصيام، ولا يأمرنا بقضاء الصلاة)، وقال: ((والعمل على هذا عند أهل العلم لا نعلم بينهم اختلافًا، أن الحائض تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة)) (٣)، والنفساء تقاس على الحائض. ثانيًا: التيسير في الصيام وحكمه: إن الله تبارك وتعالى شرع هذا الدين ويسره للناس وهو العالم بأحوالهم، فراعى المسافر والمریض، ومن كان في بدنه ما یشق معه الصيام، فأباح لهم الفطر في نهار رمضان وقضاؤه في أيام أخر؛ لأنه يريد الیسر بعباده، (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحيض، باب وجوب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة، رقم ٣٣٥. (٣) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الصوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء في قضاء الحائض الصيام دون الصلاة، رقم ٧٨٧. ٢١٠ مُوسْو ◌َرَ لِلْقُرآن الكَرِيمِ الصياحى فقد قال سبحانه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَوَلَا وسفركم، وقال عطاء: ﴿وَلِتُكْمِلُواْ الْمِدَّةَ﴾ أي: عدد أيام الشهر))(٢). يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾. قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: ((ومن كان به مرض في بدنه يشق عليه الصيام معه، أو يؤذيه أو کان على سفر أي في حال سفر -فله أن يفطر، فإذا أفطر فعليه بعدة ما أفطره في السفر من الأيام؛ ولهذا قال: ﴿يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ أي: إنما رخص لكم في الفطر في حال المرض وفي السفر، مع تحتمه في حق المقيم الصحیح، تیسیرًا علیکم ورحمة بکم»(١). وقال البغوي رحمه الله: (( قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اَلْيُسْرَ﴾ بإباحة الفطر في المرض والسفر ﴿وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ قرأ أبو جعفر: العسر واليسر ونحوهما بضم السين، وقرأ الآخرون بالسكون. وقال الشعبي: ما خير رجل بين أمرين فاختار أيسرهما إلا كان ذلك أحبهما إلى الله عز وجل: ﴿وَلِتُكْمِلُواْ الْمِدَّةَ﴾ قرأ أبو بكر بتشديد الميم، وقرأ الآخرون بالتخفيف، وهو الاختيار لقوله تعالى: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]. والواو في قوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُواْ اُلْمِدَّةَ﴾ واو النسق، واللام لام كي، تقديره: ويريد لكي تكملوا العدة، أي: لتكملوا عدة أيام الشهر بقضاء ما أفطرتم في مرضكم (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥٠٣/١. قضاء الصوم: ثم إن الله تبارك وتعالى فرض على من أفطر في رمضان لعذر ما أن يقضيه فيما بعد، فقال: ﴿وَمَن كَانَ مَرِيضًّا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَنَّامٍ أُخَرَ﴾، وتقديره: من كان مريضًا، أو على سفر فأفطر فعدة من أيام أخر، قال ابن قدامة المقدسي رحمه الله: ((ويلزم المسافر، والحائض، والمريض القضاء، إذا أفطروا، بغير خلاف؛ لقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَّيِيضًا أَوْ عَلَى سَفَّرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾))(٣). وقال ابن بطال رحمه الله: ((اختلف الناس في الحوامل والمراضع، فقال بعض العلماء: إذا ضعفن عن الصيام، وخافت على نفسها وولدها أفطرت، وأطعمت عن كل یوم مسکینًا، فإذا فطمت ولدها قضته، وهو قول مجاهد، وبه قال الشافعي وأحمد. وقال آخرون: عليهما الإطعام ولا قضاء، وهو قول ابن عباس، وابن عمر، وسعيد بن جبير. وقال آخرون: عليهما القضاء ولا إطعام عليهما، وجعلوهما بمنزلة المريض، وهو قول عطاء، والنخعي، والحسن، والزهري، وربيعة، والأوزاعي، وأبي حنيفة، والثوري، (٢) معالم التنزيل، البغوي ١/ ٢٠١. (٣) المغني، ابن قدامة ١٤٦/٣. www. modoee.com ٢١١ حرف الصاد وروی ابن عبد الحكم عن مالك مثله، ذكره ابن القصار، وهو قول أشهب. وفرقة رابعة فرقت بين الحبلى، والمرضع، فقال في الحبلى: هي بمنزلة المريض تفطر وتقضى ولا إطعام عليها، والمرضع تفطر وتطعم وتقضى، هذا قول مالك في المدونة، وهو قول الليث. قال أبو عبيد: وكل هؤلاء إنما تأولوا قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ. فِذْيَةٌ﴾ فمن أوجب القضاء والإطعام معًا ذهب إلى أن الله حكم في تارك الصوم من عذر بحكمين، فجعل الفدية في آية والقضاء في أخرى، فلما لم يجد ذكر الحامل جميعًا عليهما احتياطًا لهما وأخذًا))(١). الصيام والأعمال الصالحة إن المتأمل في العبادات يدرك حكمة الله تبارك وتعالى ووحدانيته، فهو الخالق وحده وهو المشرع، ولأنه واحد جعل العبادات مترابطة، والصيام من جملة العبادات، فقد جعله الله تبارك وتعالى مرتبطًا بعبادات عدة، نقف مع كل عبادة على حدة على النحو التالي: ١. الصيام والصلاة. الصيام والصلاة عبادتان عظيمتان، وهما ركنان من أركان الإسلام، وقد قال النبي والمرضع مسمى في واحدة منهما جمعهما صلی الله عليه وسلم كما في حديث جبريل عليه السلام وسأله عن الإسلام: (الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا)(٢). وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان، والإسلام، والإحسان، وعلم الساعة، رقم ٥٠، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب معرفة الإيمان، والإسلام، والقدر وعلامة الساعة، رقم ٨. (١) شرح صحيح البخارى، ابن بطال ٤/ ٩٣، بتصرف يسير. مَؤُوالَهُ النَّفْسِيَةْ القرآن الكريم ٢١٢ الصياحى الزكاة، والحج، وصوم رمضان) (١). والصيام والصلاة كلاهما عبادات كان من أجود الناس، وأجود ما يكون في مکفرات لما بينهما إذا اجتنبت الكبائر، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلی الله عليه وسلم كان يقول: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن إذا اجتنب الكبائر)(٢)، وشرع الاجتماع في صلاة التراويح في شهر رمضان المبارك، شهر الصيام. ٢. الصيام وقراءة القرآن: شهر الصيام، هو شهر القرآن، وكان نزول القرآن في رمضان، قال الله تبارك وتعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ هُدَّى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ اُلْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وقد كان جبريل عليه السلام ينزل فيدارس النبي صلى الله عليه وسلم القرآن في رمضان، عن ابن عباس رضي الله (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: بني الإسلام على خمس، رقم ٨، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: بني الإسلام على خمس، رقم ١٦. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطهارة، باب الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر، رقم ٢٣٣. عنهما: (أن رسول الله صلی الله عليه وسلم رمضان، حين يلقاه جبريل، يلقاه كل ليلة يدارسه القرآن، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل، أجود من الريح المرسلة)(٣). فقد كان السلف الكرام رحمهم الله يكثرون من قراءة القرآن في شهر القرآن، فکان البعض منهم یختم القرآن کل یوم ختمة، والبعض يختم القرآن في رمضان ستين مرة، ولا زال الناس يقبلون على قراءة القرآن في شهر رمضان إلى يومنا هذا. ٣. الصيام والاعتكاف: الاعتكاف يطلق على الاحتباس على الشيء (٤). وقال ابن الأثير: ((هو الإقامة على الشيء، وبالمكان ولزومهما، يقال: عكف يعكف ويعكف عكوفًا فهو عاكف، واعتكف یعتکف اعتكافًا فهو معتکف. ومنه قیل لمن لازم المسجد وأقام على العبادة فیه: عاكف ومعتكف)»(٥). وقال الجرجاني رحمه الله: ((الاعتكاف: (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصوم، باب أجود ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يكون في رمضان، رقم ١٩٠٢. (٤) مختار الصحاح، الرازي ص ٢١٦. (٥) النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير ٢٨٤/٣. www. modoee.com ٢١٣ حرف الصاد هو في اللغة المقام والاحتباس، وفي الشرع: يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى لبث صائم في مسجد جماعةٍ بنية))(١). وقد ذكر الله تبارك وتعالى الاعتكاف في الآيات التي ذكر الصيام فيها في سورة البقرة، ونھی عن مباشرة النساء حال کونهم عاكفين في المساجد، وهذا دليل على كون الاعتكاف في المسجد، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَشِرُوهُنَ وَأَنْتُمْ عَلَكِفُونَ فِي الْمَسَجِدِ﴾ أي: لا تقربوهن ما دمتم عاكفين في المسجد ولا في غيره. قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: ((كان الفقهاء المصنفون يتبعون كتاب الصيام بكتاب الاعتكاف، اقتداءً بالقرآن العظيم، فإنه نبه علی ذکر الاعتكاف بعد ذكر الصوم، وفي ذكره تعالى الاعتكاف بعد الصيام إرشاد وتنبيه على الاعتكاف في الصيام، أو في آخر شهر الصيام)»(٢). وقال ابن سعدي رحمه الله: ((ودلت الآية على مشروعية الاعتكاف، وهو لزوم المسجد لطاعة الله تعالى، وانقطاعًا إليه، وأن الاعتكاف لا يصح إلا في المسجد))(٣). وقد اعتكف النبي صلى الله عليه وسلم في العشر الأواخر من رمضان عن عائشة رضي الله عنها، زوج النبي صلى الله عليه وسلم: (أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان (١) التعريفات، الجرجاني ص ٣١. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ٥١٩. (٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٨٧. توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده)(٤)، وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: (کان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يومًا)(٥). ٤. الصيام والصدقة. الصيام والصدقة بينهما ارتباط، فرمضان شهر الجود والكرم، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: (کان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وأجود ما یکون في رمضان، حين يلقاه جبريل، وكان جبريل عليه السلام يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن، فلرسول اللهصلی اللهعليه وسلم أجودبالخير من الريح المرسلة)(٦). قال النووي رحمه الله: ((وفي هذا الحديث فوائد منها بيان عظم جوده صلى الله (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاعتكاف، باب الاعتكاف في العشر الأواخر، والاعتكاف في المساجد كلها، رقم ٢٠٢٦، ومسلم في صحيحه، كتاب الاعتكاف، باب اعتكاف العشر الأواخر من رمضان، رقم ١١٧٢. (٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاعتكاف، باب الاعتكاف في العشر الأوسط من رمضان، رقم ٢٠٤٤. (٦) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب، باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم، رقم ٣٥٥٤، ومسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير من الريح المرسلة، رقم ٢٣٠٨. ٢١٤ القرآن الكريم الصياحى عليه وسلم ومنها استحباب إكثار الجود في رمضان))(١). وقال القسطلاني رحمه الله: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس(أسخاهم)بالخیر، وكان أجودما یکون في رمضان)»؛ لأنه شهر يتضاعف فيه ثواب الصدقة و((ما)) مصدرية، أي: أجود أكوانه يكون في رمضان» (٢). وشرعت صدقة الفطر في شهر الصيام رمضان، وذلك بصلاة التراويح، وفي عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: (فرض النبي صلى اللهعليه وسلم صدقة رمضان على الحروالعبد، والذكر والأنثى صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير) قال: (فعدل الناس به نصف ) (٣) صاعٍ من بر)(٣). وعنه رضي الله عنهما، قال: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمین، وأمر بها أن تؤدی قبل خروج الناس إلى الصلاة) (٤). (١) شرح النووي على مسلم ٦٩/١٥. (٢) إرشاد الساري، القسطلاني ٣٥٢/٣. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة، باب صدقة الفطر على الحر والمملوك، رقم ١٥١١، ومسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب زكاة الفطر على المسلمين من التمر والشعير، رقم ٩٨٤. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة، باب فرض صدقة الفطر، رقم ١٥٠٣، ومسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب زكاة الفطر فظهر بهذا أن شهر الصيام شهر مسارعة للخيرات، ومن ذلك فعل الصدقات، وخير السباقين والمسارعين رسول الهدى صلى الله عليه وسلم فقد كان أجود الناس في رمضان. ٥. الصیام وقيام الليل. إن قيام الليل مستحب في كل وقت، ويتأكد استحبابه في شهر الصيام، شهر حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه)(٥). ٦. الصيام والدعاء. إن الدعاء عبادة من أعظم العبادات، بل لا تجد عبادةً إلا والدعاء له النصيب الأوفر فيها، ولقد قال رب العزة والجلال في كتابه الكريم في وسط آيات الصيام في سورة البقرة: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍّ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِ وَلْيُؤْمِنُواْ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦]. وهذا فيه إشارة عظيمة لأهمية الدعاء على المسلمين من التمر والشعير، رقم ٩٨٤. (٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب تطوع قيام رمضان من الإيمان، رقم ٣٧، ومسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الترغيب في قيام رمضان، وهو التراويح، رقم ٧٥٩. www. modoee.com ٢١٥ حرف الصاد ومكانته وقت الصيام، ويمكن أن يستدل لذلك بما روي عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة لا يرد دعاؤهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم، يرفعها الله فوق الغمام يوم القيامة، ويفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب عز وجل: بعزتي لأنصرنك ولو بعد حین)(١). والشاهد في الحديث: (والصائم حتى يفطر). فيمكن أن يقال ملخصًا: إن الدعاء عبادة عظمى، داخل في كل عبادة، فلا تخلو عبادة من العبادات من دعاء، وفق الله الجميع لرضاه وتقواه، والحمد لله رب العالمين. مبطلات الصيام إن الله تبارك وتعالى بين لنا في كتابه الکریم أغلب الأحکام، وبین لنا النبي صلى الله عليه وسلم ووضح ما أجمل في القرآن؛ ففي الكتاب والسنة بيان جميع الأحكام. وقد قال الله سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَقَْمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ اُلْإِسْلَمَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. وقال سبحانه آمرًا بأخذ ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمَآ ءَاتَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَاتَهَنَكُمْ عَنْهُ فَانْنَهُواْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧]. ومما بينه في كتابه الكريم وبين لنا النبي صلى الله عليه وسلم في سنته مبطلات الصيام، والمبطلات: منها: ما يبطل الصوم عامة: فيبطل الصوم عامة إذا انتفى شرط من شروطه سواء كان شرط وجوب کالإسلام، أو شرط صحة كالطهارة من الحيض أو النفاس، فلو ارتد إنسان وهو صائم بطل صومه إجماعًا، ويلزمه القضاء إن رجع إلى الإسلام، وكذلك لو طرأ الحيض أو النفاس على امرأة وهي صائمة بطل صومها وعليها القضاء وقت الطهارة، ويبطل الصوم كذلك بعمل ما ينافيه کالأكل والشرب والجماع، أو تناول ما كان مغذیًا من الإبر الطبية وغيرها، ولا بد أن يكون (١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده، رقم ٩٧٤٣. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة، رقم ١٣٥٨. جَوَسُو ◌َرَ النَّفْسِير القرآن الكريمِ ٢١٦ الصياحى الصائم ذاكرًا مختارًا فیما یتناوله. الجماع في قبلٍ أو دبرِ أنزل أو لم ينزل، لكن لو أكل الصائم شيئًا، أو شرب ناسيًا والكفارة هي عتق رقبة، فمن لم يجد فصوم فلا شيء عليه، ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلی الله عليه وسلم: (من نسي وهو صائم، فأكل أو شرب، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه)(١). ومنها: ما يبطل الصوم ويوجب القضاء فقط: يبطل الصوم ويوجب القضاء فقط دون الكفارة، کالأكل أو الشرب، أکل ما لا يؤكل عادة، أو شرب ما لا یشرب عادة، أو تناول أي شيء عامدًا عن طريق الفم، أو كمن فرط فأكل أو شرب أو جامع ظنًا منه أن الفجر لم يطلع والفجر قد طلع، أو أفطر قبل غروب الشمس ظاناً غروبها، و کذلك من أخرج منه من غیر جماع کمن استمنی أو قبل أو کرر النظر فأنزل، أو مساحقة امرأتين إذا أنزلت، فمن وقع في شيء من ذلك فقد بطل صومه وعليه القضاء والتوبة إلى الله تبارك وتعالى. ومنها: ما يبطل الصوم ويوجب القضاء والكفارة: ويبطل الصيام ويوجب القضاء والكفارة (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصوم، باب الصائم إذا أكل أو شرب ناسيا، رقم ١٩٣٣، ومسلم في صحيحه، كتاب الصيام، باب أكل الناسي وشربه وجماعه لا يفطر، رقم ٠١١٥٥ شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا، وقد ثبت أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: (بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم، إذ جاءه رجلٌ، فقال: يا رسول الله، هلكت. قال: (ما لك؟) قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هل تجد رقبة تعتقها؟)، قال: لا، قال: (فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين)، قال: لا، فقال: (فهل تجد إطعام ستين مسكينا). قال: لا، قال: فمكث النبي صلى الله عليه وسلم، فبینا نحن علی ذلك أتي النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيها تمر -والعرق المكتل- قال: (أين السائل؟) فقال: أنا، قال: (خذها، فتصدق به)، فقال الرجل: أعلى أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها -يريد الحرتين- أهل بيت أفقر من أهل بيتي، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه، ثم قال: (أُطعمه أهلك)(٢). (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصوم، باب إذا جامع في رمضان، ولم يكن له شيء، فتصدق عليه فليكفر، رقم ١٩٣٦، ومسلم في صحيحه، كتاب الصيام، باب تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان على الصائم، ووجوب الكفارة الكبرى فيه وبيانها، وأنها تجب على الموسر والمعسر وتثبت في ذمة المعسر حتى يستطيع، رقم ١١١١. www. modoee.com ٢١٧ حرف الصاد يوجب القضاء فقط، ومنها ما يوجب القضاء والكفارة، فعلى الإنسان المسلم أن يكون مراقبًا لله تبارك وتعالى حتى يأتي بصومه كما ينبغي، وعمومًا فمن الناس من لا يقع في شيء من مبطلات الصوم المتقدمة، لكنه يجرح صومه بالكلام في أعراض الناس، والغيبة، والنميمة، والسباب، والشتم، وقول الزور وقد ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلی الله عليه وسلم: حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)(١). فظهر بهذا أن الصيام له مبطلات منها ما حقه آكد، كتأكد تحريم الزنا من الشيخ، والخيلاء من الفقير، والمراد من قوله: (فليس لله حاجة) أي: إرادة، بيان عظم ارتکاب ما ذکر، وأن صيامه كلا صيام، ولا معنی لاعتبار المفهوم هنا فإن الله لا يحتاج إلى أحد هو الغني سبحانه ذكره ابن بطال، وقيل: هو كناية عن عدم القبول، كما يقول المغضب لمن رد شيئًا عليه: لا حيلة لي في كذا، وقيل: إن معناه أن ثواب الصيام لا يقاوم في حکم الموازنة ما يستحق من العقاب لما (من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله ذكر)) (٣)، والحمد لله رب العالمين. قال ابن بطال رحمه الله: «قال المهلب: فيه دليل أن حكم الصيام الإمساك عن الرفث وقول الزور، كما يمسك عن الطعام والشراب، وإن لم يمسك عن ذلك فقد تنقص صيامه وتعرض لسخط ربه، وترك قبوله منه. وقال غيره: وليس معناه أن يؤمر بأن یدع صیامہ إذا لم يدع قول الزور، وإنما معناه التحذير من قول الزور))(٢). وقال ابن الأمير الصنعاني رحمه الله: ((الحديث دليل على تحريم الكذب والعمل به وتحريم السفه على الصائم وهما محرمان على غير الصائم أيضًا إلا أن التحريم في (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصوم، باب من لم يدع قول الزور، والعمل به في الصوم، رقم ١٩٠٣. (٢) شرح صحيح البخارى، ابن بطال ٢٣/٤. (٣) سبل السلام، الصنعاني ١ / ٥٦٧. مَشَابَةُ النَّسِيّة الْقُرْآن الكَرِيمِ ٢١٨ الصياحى فوائد الصيام إن من حكمة الله سبحانه أنه لا يشرع شيئًا من العبادات إلا لمصلحة الإنسان، وإن هذا الدين الإسلامي دين مبني بعد إفراد الله بالعبادة على الحكمة العظيمة، والخير الكثير، فشرع الله تبارك وتعالى أحكام هذا الدين لفوائد مرجوة، ومقاصد جليلة، فإن لهذه الشريعة الإسلامية تكاليف سامية المقاصد، نبيلة الفوائد، بدیعة الأسرار، نذكر شيئًا من فوائدها: ١. أن الصوم سبب في دخول الجنة. وأن الله سبحانه أعد للصائمين بابًا في الجنة لا يدخل منه أحد غيرهم، وأنه يشفع لأصحابه، وأن الله سبحانه أعد للصائمين أجرًا عظيمًا، کما سیأتي بعد جزاء الصائمین. ٢. أن الصيام يمنع أو يخفف المنكرات، ويعلم الالتزام بفعل الخيرات. فالصائم يترك كليًا أو وقت صيامه الدخان، والقات والشمة، فالصائم تراه قارئًا للقرآن، غاضًا بصره عن الحرام، مؤديًا للصلاة في المسجد مع المسلمين، متقربًا لله تعالی بأنواع القربات، یتصدق ویحسن للفقراء والمساكين والمحتاجين؛ لأنه شعر بشيء مما هو واقع بهم وهو الجوع، متنفلًا لله بصلاة التراويح، والقيام، قال الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله: (( قال بعض السلف: أهون الصيام ترك الشراب والطعام، وقال جابر: إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم، ودع أذى الجار، ولیکن عليك وقار وسكينة يوم صومك، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء!))(١). ٣. في الصيام جملة من الفوائد الصحية. فيما أن الصيام هو الإمساك عن الطعام والشراب، فعندما يمسك الإنسان فترة من الوقت عن الأكل والشرب فإن الجهاز الهضمي يرتاح وقتًا لا بأس به، ويأخذ فترة للتخلص من الفضلات التي به، وكذلك يتخلص الجسم من السموم، والدهون الموجودة في الجسم، فالجسم البشري يتعرض لكثير من المواد الضارة والسموم التي قد تتراكم في أنسجته، وهذه السموم تأتي للجسم عبر الغذاء الذي يتناوله بكثرة، وتذكر بعض المراجع الطبية أن جميع الأطعمة تقريبًا في هذا الزمان تحتوي على كميات قليلة من المواد السامة، وهذه المواد تضاف إلى الطعام في أثناء إعداده، أو حفظه كالنكهات، والألوان، ومضادات الأكسدة، والمواد الحافظة، والإضافات الكيميائية للنبات أو الحيوان. هذا بالإضافة إلى (١) لطائف المعارف ابن رجب ص ١٥٥. www. modoee.com ٢١٩ حف الصاد السموم التي نستنشقها مع الهواء من عوادم وعاء شرًا من بطنه، بحسب ابن آدم لقيماتٌ يقمن صلبه، فإن كان ولا محالة فاعلا فثلثٌ لطعامه، وثلثٌ لشرابه، وثلثٌ لنفسه)(٢)، وحتى يكون خفيفًا نشيطًا فيقدر على أعمال العبادة من صلوات التراويح إلى التهجد ... إلخ(٣). السيارات، وغازات المصانع، وسموم الأدوية التي يتناولها الناس بغير ضابط، إلى غير ذلك من سموم الكائنات الدقيقة التي تقطن أجسامنا بأعداد تفوق الوصف والحصر، وأخيرًا مخلفات الاحتراق الداخلي للخلايا والتي تسبح في الدم كغاز ثاني أكسيد الكربون، والیوریا، والکریاتین، والأمونيا، والكبريتات، وحمض اليوريك، ومخلفات الغذاء المهضوم، والغازات السامة التي تنتج من تخمره وتعفنه مثل الأندول، والسكاتول، والفينول(١). وعلاج مرض البول السكري في مراحله الأولى، وخاصة عند السمنة يكون بالصيام والحمية عن المواد السكرية والنشوية، وعفونة الأمعاء، وتخمراتها يعالج بالصيام. ومرض ضغط الدم يفيد فيه الصيام بالإقلال من الملح، والدسم الذي يحوي الكولسترول الذي يسبب تصلب الشرایین. وعسر الهضم يعالج بالحمية، وبتنظيم وجبات الطعام، وعدم إدخال الطعام على الطعام، وهذا موجود في الصيام. وللاستفادة من الصيام ينبغي ألا يسرف الإنسان في الأكل في الفطور، أو السحور، وأن يتبع الحديث النبوي: (ما ملأ ابن آدم (١) انظر: رحلة الإيمان في جسم الإنسان، د.حامد محمد حامد ١٩٩١. ٤. يعلم الناس الصبر. الصبر بجميع أنواعه، صبر على طاعة الله تبارك وتعالى بترك الشهوات، الأكل والشرب والجماع وغيرها طلبًا لمرضاة الرب عز وجل، والنفس كما هو معلوم تحب مثل هذه الأشياء فيلزمها تركها ويصبر على ذلك، وصبر عن معصية الله يلزم نفسه الإمساك عن جميع المفطرات؛ لأن ترك الإمساك معصية لرب الأرض والسماوات، وصبر على أقدار الله فالله سبحانه قدر هذا الإمساك وجعله عبادة من العبادات فلابد من الرضا بما قدر، والعمل بما أراد سبحانه، فظهر بهذا أن الصوم يعد مدرسةً لتعليم الصبر. ٥. الصوم يعد مدرسة لتعليم النظام (٢) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء في كراهية كثرة الأكل، رقم ٢٣٨٠، وأحمد في المسند، رقم ١٧١٨٦ . وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم ٥٦٧٤. (٣) انظر: مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ٣٠٦/٧. ٢٢٠ جَوَسُو القرآن الكريمِ الصياحى والالتزام بالمواعيد. وذلك لأن الصيام لا بد له من تبييت النية من الليل، ثم الإمساك من طلوع الفجر إلى وقت الغروب، فلا يفطر الإنسان إلا وقت غروب الشمس. ٦. يعلم الصوم أهمية وحدة المسلمین واجتماعها. وذلك أن المسلمين في جميع أنحاء المعمورة یجب علیھم صيام شهر واحد هو رمضان، وكلهم يمسكون من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، نظام دقيق من خالق حكيم سبحانه وتعالى. وقد ذكر الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله فوائد متعددة للصيام نذكرها مختصرة: فمنها: كسر النفس فإن الشبع، والري، ومباشرة النساء تحمل النفس على الأشر والبطر والغفلة. ومنها: تخلي القلب للفكر والذكر؛ فإن تناول هذه الشهوات قد يقسي القلب ويعميه، ويحول بين العبد وبين الذكر والفكر، وتستدعي الغفلة. وخلو الباطن من الطعام والشراب ينور القلب ويوجب رقته ويزيل قسوته، ويخلیهللذكر والفكر. ومنها: أن الغني يعرف قدر نعمة الله عليه بإقداره له على ما منعه كثيرًا من الفقراء من فضول الطعام والشراب والنكاح؛ فإنه بامتناعه من ذلك في وقت مخصوص، وحصول المشقة له بذلك يتذكر به من منع من ذلك على الإطلاق فيوجب له ذلك شکر نعمة الله علیه بالغنى، ويدعوه إلى رحمة أخيه المحتاج ومواساته بما يمكن من ذلك. ومنها: أن الصيام يضيق مجاري الدم التي هي مجاري الشيطان من ابن آدم؛ فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فتسكن بالصيام وساوس الشيطان وتنكسر سورة الشهوة والغضب (١). وكل هذه الفوائد مصداقًا لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُواْ خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٤]. نسأل الله أن يوفقنا الإخلاص العمل لوجهه الكريم. (١) لطائف المعارف ابن رجب ص ١٥٥. www. modoee.com ٢٢١ حرف الصاد جزاء الصائمين إن الله تبارك وتعالى كريم جواد يعطي على القليل الكثير، يضاعف الأجر لعباده، يعمل العبد العبادة فيثيبه رب العالمين الأجر الكبير، فالحسنة بعشر أمثالها ثم تضاعف إلى سبعمائة ضعف إلا الصوم؛ فإنه له سبحانه ويجزي عليه بالأجر العظيم. وذكر الله جل وعلا جزاء الصائمين في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ وَالْقَنِينَ وَاَلْقَلِئَتِ وَالصَّدِقِينَ وَالصَّدِقَتِ وَالصَّبِنَ وَالصَّبِرَتِ وَالْمُتَصَدِّقَتِ وَالصَّنَِّمِينَ وَالْخَشِعِينَ وَالْخَشِعَتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالصَّنَّبِمَتِ وَالْحَفِظَتِ وَاْخَفِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالذَّكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥]. فالله سبحانه وتعالى جمع أصحاب هؤلاء الصفات ثم قال في آخر الآية: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾، قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: (أي: هيأ لهم منه لذنوبهم مغفرة وأجرًا عظيمًا وهو الجنة))(١). والماوردي رحمه الله يقول: «قواعد الله لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ لعملهم، قاله ابن جبير)» (٢). (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٤٢١. (٢) النكت والعيون، الماوردي ٤ / ٤٠٤. وقال السعدي رحمه الله: «صاعد اللَّهُ لَهُم﴾ أي: لهؤلاء الموصوفين بتلك الصفات الجميلة، والمناقب الجليلة، التي هي، ما بين اعتقادات، وأعمال قلوب، وأعمال جوارح، وأقوال لسان، ونفع متعد وقاصر، وما بين أفعال الخير، وترك الشر، الذي من قام بهن، فقد قام بالدین کله، ظاهره وباطنه، بالإسلام والإيمان والإحسان. فجازاهم على عملهم بـ ((المغفرة)) لذنوبهم؛ لأن الحسنات يذهبن السيئات، ﴿وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ لا يقدر قدره، إلا الذي أعطاه، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، نسأل الله أن يجعلنا منهم»(٣). لعظم هذه العبادة جعلها له سبحانه، ويجازي عبده بها، بخلاف غيرها من العبادات؛ فإن كل عمل ابن آدم له إلا الصيام کما ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قال الله: كل عمل ابن آدم له، إلا الصيام؛ فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله، فليقل إني امرؤ صائم) (٤). (٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٦٦٥. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصوم، باب هل يقول إني صائم إذا شتم، رقم ١٩٠٤، ومسلم في صحيحه، كتاب الصيام، باب فضل الصيام، رقم ١١٥١. ٢٢٢ فَضْو القرآن الكريم الصياحى وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: له) (٤). قال رسول الله صلی الله عليه وسلم: (کل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله عز وجل: إلا الصوم؛ فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي)، (للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه)(١). يعني: أن الصوم أحب العبادات إلي، والمقدم عندي؛ لأنه قال: (الصيام لي)، فأضافه إلی نفسه وکفی به فضلا على سائر العبادات(٢). وبین النبي صلی الله عليه وسلم حین طلب منه أن یرشد إلی أمر یؤخذ عنه، فأرشد إلى الصيام، وقال: (فإنه لا مثل له)، وفي رواية (لا عدل له)، كما ثبت عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: (أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: مرني بأمر آخذه عنك، قال: (عليك بالصوم؛ فإنه لا مثل له)(٣). وفي رواية: (عليك بالصوم؛ فإنه لا عدل (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصيام، باب فضل الصيام، رقم ١١٥١. (٢) عمدة القاري، العيني ٢٦٠/١٠. (٣) أخرجه النسائي، كتاب الصيام، باب وجوب الصيام، رقم ٢٢٢٠، وأحمد في المسند، رقم ٢٢٢٧٦. وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم ٤٠٤٣. قال المناوي رحمه الله: «عليك بالصوم أي: الزمه، فإنه لا مثل له أي: لأنه يقوي القلب والفطنة، ويزيد في الذكاء والزكاء ومكارم الأخلاق»(٥). وقال رحمه الله: ((وإذا صام المرء اعتاد قلة الأكل والشرب، وانقمعت شهواته، وانقلعت مواد الذنوب من أصلها، ودخل في الخیر من كل وجه وأحاطت به الحسنات من كل جهة»(٦). ثم إن الله سبحانه وتعالى يجازي الصائمين بالدخول من باب خاصٍ بهم في الجنة لا يدخل معهم غيرهم، باب يقال له: الريان كما ثبت في الصحيحين من حديث سهل رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (إن في الجنة بابًا يقال له: الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غیرهم، يقال: أین الصائمون؟ فیقومون لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد)(٧). (٤) أخرجه النسائي، كتاب الصيام، باب وجوب الصيام، رقم ٢٢٢٢، وأحمد في المسند، رقم ٢٢١٤٩. (٥) التيسير بشرح الجامع الصغير، المناوي ١٣٧/٢. (٦) فيض القدير شرح الجامع الصغير، المناوي ٣٣٠/٤. (٧) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصوم، www. modoee.com ٢٢٣ حرفالصاد الصيام، وكرامة الصائمين)) (١). وقال المناوي رحمه الله: ((إن في الجنة بابًا يقال له: الريان) بفتح الراء وشد المثناة التحتية فعلان من الري وهو باب یسقى منه الصائم شرابًا طهورا (يدخل منه) إلى الجنة، (الصائمون يوم القيامة) يعني الذين يكثرون الصوم في الدنيا (لا يدخل منه أحد غيرهم) كرر نفي دخول غيرهم تأكيدًا، (يقال) أي: تقول الملائكة بأمر الله تعالى في الموقف (أين الصائمون) المكثرون للصيام (فيقومون) أي: فينهضون إلى المنادي، فيقال لهم: ادخلوا الجنة (فيدخلون منه فإذا دخلوا) منه أي: دخل آخرهم (أغلق) بالبناء المفعول (فلم يدخل منه) بعد ذلك (أحد) عطف على أحد، أي: لم يدخل منه غیر من دخل، ولا يعارضه أن جمعًا تفتح لهم أبواب الجنة يدخلون من أيها شاءوا؛ لإمكان صرف مشيئة غير مکثري الصوم عن دخول باب الريان)» (٢). وثبت في السنة أن الصيام يشفع لصاحبه یوم القيام كما في حديث عبد الله بن عمرو باب الريان للصائمين، رقم ١٨٩٦، ومسلم في صحيحه، كتاب الصيام، باب فضل الصيام، رقم ١١٥٢. (١) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، النووي ٣٢/٨. (٢) التيسير بشرح الجامع الصغير، المناوي ٠٣٢٤/١ قال النووي: ((وفي هذا الحديث فضيلة رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب، منعته الطعام والشهوات بالنهار، فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل، فشفعني فيه)، قال: (فيشفعان)(٣). فهذا بعض ما ورد في جزاء الصائمین، فحري بكل أحد أن يتعب نفسه في مرضاة ربه، ويكابد النهار ويجوع ويعطش؛ ليحصل على ما تفضل الله به على عباده الصائمين. وفق الله الجميع لطاعته ورضاه. (٣) أخرجه أحمد في المسند، رقم ٦٦٢٦، والبيهقي في شعب الإيمان، رقم ١٨٣٩. قال المنذري في الترغيب والترهيب: ((أخرجه أحمد والطبراني في الكبير، ورجاله محتج بهم في الصحيح))، وأخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب الجوع وغيره بإسناد حسن والحاكم وقال: (( صحيح على شرط مسلم))، انظر: الترغيب والترهيب، لعبد العظيم بن عبد القوي المنذري ٢/ ٥٠، رقم ١٤٥٥، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: «حسن صحیح)، رقم ٩٨٤. جُوَسُولَةُ النَّفتنة القرآن الكريم ٢٢٤ الصياحى الإعجاز التشريعي في الصيام إن كتاب الله تبارك وتعالى جاء بشرائع الهدى لإصلاح الخلق، وإقامتهم على طريق الحق والفلاح، فلم تسم شريعة من الشرائع أن تبلغ ما في شريعة القرآن من: إحكام، ويسر، ودقة، ذلك أنها شريعة الله تبارك وتعالى التي تنطلق في تكاليفها من رحمة الله تبارك وتعالى بعباده، ومراعاة مصالحهم وقدراتهم البشرية، قال جل وعلا: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وقال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاً﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وقال سبحانه: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦]. فمن مظاهر التيسير ورفع الحرج عن هذه الأمة، أنه راعی للمسافر مکانته فأباح له الفطر في رمضان، والقضاء في وقت آخر، وكذلك المريض، وأباح للمرضع والحامل الفطر والقضاء فيما بعد، فكتاب الله سبحانه معجز في نظمه وبلاغته، معجز في تشريعه، معجز في كل شيء. فالله سبحانه وتعالى قال في كتابه الكريم: ﴿وَأَنْ تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٤]. فالصوم خير لنا في دنيانا وأخرانا، خير لنا في صحتنا، وشفاء كثير من الأمراض، فصحة الأبدان من الأمراض والأسقام من عاجل ذلك الخير، ولأهمية الصيام وأثره في الطب يطلب الأطباء من المريض أحيانًا الصيام لإجراء فحص، أو لإجراء جراحة، وهناك فرق بين الصيام الشرعي والصيام الطبي، فالصيام الشرعي تقدم أنه الإمساك عن الطعام والشراب والجماع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس مع النية، أما بالنسبة للصيام الطبي فهو: الامتناع الكلي أو الجزئي عن تناول المأكولات والمشروبات معًا، أو عن تناول المأكولات فقط لفترة من الزمن طالت أم قصرت (١). قال الشيخ محمد راتب النابلسي حفظه الله: ((رأى العلماء أن في الصوم وقايةً وعلاجًا من أمراضٍ كثيرةٍ، فبعض الأمراض المستعصية قد يكون علاجها في الصوم؛ كالتهاب المعدة الحاد، وإقياء الحمل العنيد، وبعض أنواع داء السكري، وارتفاع التوتر الشرياني، والقصور الكلوي الحابس للملح، وخناق الصدر، والالتهابات الهضمية المزمنة، وحصيات المرارة، وبعض الأمراض الجلدية. الصوم علاجٌ لبعض الأمراض، ولكنه إذا طبق كما شرعه النبي عليه الصلاة والسلام فهو وقايةٌ من أمراضٍ كثيرةٍ. ثم إن في الصيام - كما يقرر (١) انظر: التداوي بالصوم، شيلتون ١٩٨٧. www. modoee.com ٢٢٥ حرف الصاد الأطباء- صحةً نفسيةً، وإن في الصيام رفعًا والسهولة))(٢). لمستوى النفس، وتعويدًا لها على الحرية من كل قيدٍ، وكل عادة رفعًا لمستوى النفس، وأفضل عادة ألا يتعود الإنسان أي عادةٍ، هذا الذي يدمن التدخين، كيف استطاع أن يقلع عنه في رمضان، إذًا في الإمكان أن يقلع عنه، وأكبر شاهدٍ على ذلك شهر الصيام. إذًا الإنسان یقوي إرادته بالصيام، والإنسان بالصيام ينمي إخلاصه، إن الصيام عبادة الإخلاص، وإن الصيام أيضًا ينمي مشاعر الإنسان، فقد يكون الطعام والشراب متوفرًا، ولا يستطيع الإنسان أن یأکل أو يشرب منه شيئًا))(١). وقد يكون من أوجه الإعجاز التشريعي في الصيام أن الله سبحانه شرع هذه العبادة وهو يعلم باستطاعة الناس له، فشرع لهم ما يستطيعون و کلفهم به، ويستحيل أن یکلف الله تبارك وتعالى عباده مالا طاقة لهم به، قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْمُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. قال الإمام الرازي رحمه الله: (الله تعالی أوجب الصوم على سبيل السهولة واليسر فإنه ما أوجبه إلا في مدة قليلة من السنة ثم ذلك القليل ما أوجبه على المريض ولا على المسافر وكل ذلك رعاية لمعنى اليسر (١) موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، محمد راتب النابلسي ١/ ٧٤. ومن هذا اليسر والسهولة أنه راعى أصحاب الأعذار، فأباح لهم الفطر والقضاء في أيام أخر، كل هذا رحمة بهم. يضاف إلى ذلك أن الكفارات ومنها الصيام أخذت طابع العقاب، وذلك لمخالفة الإنسان أوامر الرحمن، ولكنها مع ذلك يؤديها الإنسان عبادةً لله تبارك وتعالى، فهي عقوبة زاجرة وجابرة، صيام شهرين متتابعين في كفارة قتل الخطأ والوقاع، وصيام ثلاثة أيام في كفارة اليمين، والصيام فى بقية الكفارات فيه كلفة ومشقة على الإنسان؛ كونه عقوبة له على ما اقترف من الإثم، ومع ذلك عبادة يؤديها الإنسان، فيعيش أيام الصيام ويكون وقت أداء الكفارة بمثابة محطة يقف فيها الإنسان، فتتولد له الكثير من معاني الندم والتوبة، والله تبارك وتعالى أعلم. ومن أوجه الإعجاز التشريعي للصيام ما يلي(٣): ١. التخلص من السموم. يتعرض الجسم البشري لكثير من المواد الضارة والسموم التي قد تتراكم في أنسجته، وهذه السموم تأتي للجسم عبر الغذاء الذي (٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٥٨/٥. (٣) نقلاً من موقع جامعة الإيمان بالجمهورية اليمنية: بحث بعنوان: (( من أوجه الإعجاز العلمي في الصيام)). ٢٢٦ مَوَسُولَة النفسية القرآن الكريم