Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرآن الكَرِيْمِ ضُنَّفَاتُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلٌ عناصر الموضوع مفهوم صفات الله عز وجل ٥٨ صفات الله في الاستعمال القرآني ٥٩ الألفاظ ذات الصلة ٦٠ منهج السلف في الإيمان بصفات الله ٦٣ أنواع صفات الله تعالى ٦٧ دلائل إثبات صفات الكمال لله تعالى ٧٩ طريقة القرآن في عرض صفات الله ٨٥ الصفات المنفية عن الله تعالى ٩٢ ٩٤ ثمرات الإيمان بصفات الله تعالى المُجَلَدَ الحَاذِى وَالعشْرُونْ حف الصاد مفهوم صفات الله عز وجل أولًا: المعنى اللغوي: قال ابن فارس: ((الصفة: الأمارة اللازمة للشيء))(١)، وقال: ((النعت: وصفك الشيء بما فيه من حسن))(٢)؛ لأن الصفة: مصدر وصفت الشيء أصفه وصفًا، وصفة، مثل: وعد، وعدًا، وعدة (٣). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: ((هي الاسم الدال على بعض أحوال الذات وهي الأمارة اللازمة بذات الموصوف الذي يعرف بها)) (٤)، ((وهي ما وقع الوصف مشتقًا منها، وهو دالٌّ عليها، وذلك مثل العلم والقدرة ونحوه))(٥). ((فإذا قيل: إن الله بكل شيء عليم، وهو رحمن رحيم، وعلى كل شيء قدير، فالمعاني القائمة بالرب تعالى التي دل عليها هذا الكلام، من العلم، والرحمة والقدرة، هي الصفات المقصودة، وإنكار ذلك مكابرة، أو عناد وضلال، وإلحاد))(٦). ((وقد نص الأئمة على أن صفاته داخلة في مسمى أسمائه، فلا يقال: إن علمه وقدرته زائدة عليه. ومن قال من أهل السنة: إن الصفات، زائدة على الذات، فمراده: أنها زائدة على ما أثبته أهل التعطيل، الذين أثبتوا ذاتًا مجردة عن الصفات؛ لأنه ليس في الوجود ذات مجردة عن الصفات، كما لا يمكن وجود صفات بلا ذات تقوم بها، فتخيل وجود أحدهما دون الآخر من الهوس»(٧). والخلاصة: أن صفات الله هي التي تقوم بذاته، فهي نعوت الكمال القائمة بالذات الإلهية كالعلم والحكمة والسمع والبصر والكلام ... إلخ. (١) مقاييس اللغة ٤٤٨/٥. (٢) المصدر السابق ١١٥/٦. (٣) المصدر السابق. (٤) التعريفات، الجرجاني ص ١٣٣. (٥) الكليات، الكفوي ص٥٤٦ ويعنى بالوصف هنا الاسم؛ فالعلم صفة، والعالم وصف دال عليها، والقدرة صفة، والقادر وصف دال عليها. (٦) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري، عبدالله الغنيمان ١/ ٦٢. (٧) المصدر السابق ٢٢٦/١. ٥٨ جوب القرآن الكريم صفات الله عز وجل صفات الله في الاستعمال القرآني لم ترد ((صفات الله)) كمركب إضافي في الاستعمال القرآني، ولكن تحدث القرآن عن صفات الله عز وجل من خلال: أولًا: الحديث عن ألفاظ ذات صلة بصفات الله تعالى. كحديث القرآن عن أسماء الله تعالى الحسنى بما تتضمنه من صفات الكمال التي تليق بجلاله وكماله سبحانه وتعالى مثل: الحي، القيوم، الرحيم، الودود، العزيز، السميع، القدير، العليم، البصير. ثانيًا: الحديث عن أنواع صفات الله تعالى: فقد تحدث القرآن الكريم عن صفات الله تعالى في كثير من آياته، وهي تنقسم إلى: ١. الصفات الذاتية: كالحياة، والعلم، والقدرة، والعزة، والسمع، والبصر، والقوة. ٢. الصفات الفعلية: كالاستواء على العرش، والخلق، والرزق، والإتيان والمجيء لفصل القضاء يوم القيامة، والغضب، والرضا، والمحبة، والكره، والقبض، والبسط، وغير ذلك من أفعال الرب تبارك وتعالي. ٣. الصفات المقابلة أو السلبية: كالنوم، والموت، والضلال، والنسيان، والعجز، والتعب، والظلم، والبخل، والفقر، وغير ذلك مما تحدث عنه القرآن. www. modoee.com ٥٩ حرف الصاد الألفاظ ذات الصلة الأسماء: ١ الاسم لغة: مشتق من السمو والعلو (١). وهو اللفظ الموضوع لمعنّى تعيينًا أو تمييزًا، وقيل: هو العلامة توضع على الشيء يعرف بها (٢). الحسنى لغة: حسنی علی وزن «فعلی» تأنیث أفعل التفضیل، فحسنی تأنيث أحسن، ککبری تأنيث أكبر، وصغرى تأنيث أصغر، ولذلك يخطئ من يقول: ((إنها تأنيث حسن))؛ لأن تأنيث ((حسن)) ((حسنة))، ومن أجل ذلك لا يصح أن نقول: ((إن أسماء الله حسنة))، والصواب هو أن نقول: ((إن أسماء الله حسنى)» كما وصفها الله بذلك (٣). الأسماء الحسنى اصطلاحًا: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((الأسماء الحسنى المعروفة هي التي يدعى الله بها، وهي التي جاءت في الكتاب والسنة، وهي التي تقتضي المدح والثناء بنفسها)) (٤). وقيل: أسماء الله تعالى الحسنى: هي التي تسمى بها سبحانه، واستأثر بها لنفسه جل وعلا(٥). الصلة بين صفات الله والأسماء الحسنى: أسماء الله الحسنى هي الأصل الذي يؤخذ منها الصفات العلى، ومن هنا فالعلاقة ذات صلة كبيرة إذ مبناها على الأصل وفرعه، وقد قال ابن القيم رحمه الله: ((إثبات صفات الكمال الذي أثبته لنفسه وتنزيهه عن العیوب والنقائص والتمثيل وأن ما وصف الله به فهو الذي يوصف به لا ما وصفه به الخلق)) (٦). ولعل هذا مما يبين لنا العلاقة بين الاسم والصفة. (١) انظر: الصحاح، الجوهري ٦/ ٢٣٨٣. (٢) معتقد أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات، التميمي ص ٢٩. (٣) انظر: المصدر السابق ص ٣٠. (٤) شرح العقيدة الأصفهانية ص٣١. (٥) مفهوم الأسماء والصفات، سعيد ندى، مجلة الجامعة الإسلامية، العدد ٤٥، ص٧٩. (٦) الصواعق المرسلة ١/ ١٥٤. جَوَنُور لِلْقُرآن الكَرِيمِ ٦٠ صفات الله عز وجل ومن أهم ما يبين هذه الصلة الكبيرة بين الأسماء والصفات ما يلي: أولًا: ((إن أهل السنة يؤمنون بأن كل اسم من أسماء الله يدل على معنى الذي نسميه ((الصفة)) فلذلك كان لزامًا على من يؤمن بأسماء الله تعالى أن يراعي الأمور التالية: ١. الإيمان بثبوت ذلك الاسم لله عز وجل. ٢. الإيمان بما دل عليه الاسم من المعنى أي ((الصفة)). ٣. الإيمان بما يتعلق به من الآثار والحكم والمقتضى. مثال ذلك: ((السميع : اسم من أسماء الله الحسنى، فلابد من الإيمان به من: إثبات اسم ((السميع» باعتباره اسمًا من أسماء الله الحسنى. إثبات «السمع» صفة له. إثبات الحكم («أي الفعل) وهو أن الله يسمع السر والنجوى. إثبات المقتضى والأثر: وهو وجوب خشية الله ومراقبته وخوفه والحياء. منه عز وجل))(١). وكذلك الصفات: «فأهل السنة يرون أنه لزامًا على من أراد إثبات الصفات والإيمان بأنها صفات كمال تثبت لله حقيقة أن يراعي الأمور التالية: ١. إثبات تلك الصفة فلا يعاملها بالنفي والإنكار. ٢. أن لا يتعدى بها اسمها الخاص الذي سماها الله به، بل يحترم الاسم كما يحترم الصفة، فلا يعطل الصفة ولا يغير اسمها ويعيرها اسمًا آخر، كما تسمي المعطلة سمعه وبصره وكلامه ((أعراضا)) ويسمون وجهه ويديه وقدمه ((جوارح وأبعاضًا)) ويسمون علوه على خلقه واستواءه على عرشه («تحیزًا». ٣. عدم تشبيهها بما في المخلوق، فإن الله سبحانه ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. ٤. اليأس من إدراك كنهها وكيفياتها، فالعقل قد يئس من تعرف كنه الصفة وكيفيتها، فإنه لا يعلم كيف الله إلا الله، وهذا معنى قول أهل السنة: ((بلا كيف)»، أي: بلا كيف يعقله البشر، فإن من لا تعلم حقيقة ذاته وماهيته كيف تعرف كيفية نعوته وصفاته؟ ولا يقدح ذلك في الإيمان بها، ومعرفة معانيها، فالكيفية وراء ذلك. ٥. تحقيق المقتضى والأثر لتلك الصفات، فلكل صفة عبودية خاصة هي من موجباتها (١) معتقد أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات، التميمي ص ٣٥. www. modoee.com ٦١ حرف الصاد ومقتضياتها -أعني من موجبات العلم بها والتحقق بمعرفتها - فعلم العبد بتفرد الرب بالخلق والرزق والإحياء والإماتة، يثمر له عبودية (( التوكل»، وعلم العبد بجلاله الله وعظمته وعزه، يثمر له الخضوع والاستكانة والمحبة))(١). ثانيًا: إن أسماء الله مشتقة من صفاته: وترجع أسماء الله الحسنى من حيث معانيها إلى أحد الأمور التالية: ١. صفات معنوية: كالعليم، والقدير، والسميع، والبصير. ٢. ما يرجع إلى أفعاله: كالخالق، والرازق، والبارئ، والمصور. ٣. ما يرجع إلى التنزيه المحض: ولا بد من تضمنه ثبوتًا إذ لا كمال في العدم المحض: كالقدوس، والسلام، والأحد. ٤. ما دل على جملة أوصاف عديدة ولم يختص بصفة معينة بل هو دال على معنى مفرد نحو: المجيد، العظيم، الصمد. (٢) (١) المصدر السابق ص ٣٦ (٢) الصفات الإلهية تعريفها أقسامها، التميمي ١٧ -١٨. ٦٢ جَوَسُولَةُ النَّفِيَّة القرآن الكريمِ صفات الله عز وجل منهج السلف في الإيمان بصفات الله لقد فهم السلف الصالح آيات الصفات فهمًا صحيحًا، حيث آمنوا بها إيمانًا يقينيًا، وذلك بإثباتها إثباتًا يثبت به اللفظ ومعناه اللائق به، ونفيها نفیًا يستوجب ضده، وهو الكمال المنفي من هذا السلب، فالواجب في أسمائه الحسنى وصفاته العليا أن تثبت على ما جاء به الكتاب والسنة على الوجه اللائق بجلال الله وعظمته، فلا ينفى منها اسم ولا ينفى من معانيها صفة ولا تشبه بصفات المخلوقين. أولًا: بيان طريق أهل السنة والجماعة في أسماء الله تعالى وصفاته مع أمثلة توضح تلك الطريقة: أهل السنة والجماعة طريقتهم في أسماء الله وصفاته أنهم يعتبرون أن ما ثبت من أسماء الله وصفاته في کتاب الله أو فيما صح عن رسول الله صلی الله عليه وسلم، فهو حق على حقيقته يراد به ظاهره ولا يحتاج إلى تحريف المحرفين وذلك لأن تحريف المحرفین مبني علی سوء فهم، أو سوء قصد حيث ظنوا أنهم إذا أثبتوا تلك النصوص، أو تلك الأسماء والصفات على ظاهرها ظنوا أن ذلك إثبات للتمثيل، ولهذا صاروا يحرفون الكلم عن مواضعه، وقد يكونون ممن لم يفهموا هذا الفهم ولکن لهم سوء قصد في تفريق هذه الأمة الإسلامية شيعًا کل حزب بما لديهم فرحون. ولهذا كانت طريقتهم أن أسماء الله وصفاته توقيفية لا يمكن لأحد أن يسمي الله بما لم يسم به نفسه، أو أن يصف الله بما لم یصف به نفسه. فإن أي إنسان يقول: إن من أسماء الله كذا، أو ليس من أسماء الله، أو أن من صفات الله کذا، أو ليس من صفات الله بلا دلیل أنه لاشك قول على الله بلا علم(١). وقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِيَ الْفَوَِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَآلْإِثْمَ وَالْبَغْىَ بِغَيْرِ اَلْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنْزِّلْ إِهِ. سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اَللَّهِ مَا لَا نَعْلَمُونَ ()﴾ [الأعراف: ٣٣]. قال ابن كثير رحمه الله تعالى: ((وقوله: ﴿وَأَنْ تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِلَّ ◌ِهِ، سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: تجعلوا له شريكًا في عبادته، وأن تقولوا عليه من الافتراء والكذب من دعوى أن له ولدًا ونحو ذلك، مما لا علم لكم به))(٢). ثم إن طريقتهم في أسماء الله تعالى أن ما سمى الله به نفسه. فإن كان من الأسماء المتعدية فإنهم يرون من شرط تحقيق الإيمان به ما يلي: (١) انظر معتقد أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات، التميمي ص ٣٦. (٢) تفسير القرآن العظيم ٤٠٩/٣. www. modoee.com ٦٣ حرف الصاد ١. أن يؤمن المرء بذلك الاسم اسمًا له عز وجل. ٢. أن يؤمن بما دل عليه من الصفة سواء كانت الدلالة تضمنًا أو التزامًا. ٣. أن يؤمن بأثر ذلك الاسم الذي كان مما ما دل عليه هذا الاسم من الصفة وهي البصر دل عليه الاسم من الصفة(١). وهنا أضرب أمثلة: من أسماء الله تعالى: ((البصير)) وقد ورد في آيات كثير منها قوله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. ومن صفاته: البصر: قال تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَتِى تُجَدِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِيَ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَّكُمَاْ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ٢﴾ [المجادلة: ١]. وقد ذكر ابن كثير رحمه الله سبب نزول هذه الآية فقال: ((عن عائشة قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة إلى النبي صلی الله عليه وسلم تکلمه وأنا في ناحية البیت، ما أسمع ما تقول، فأنزل الله عز وجل: ﴿قَدّ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَِّى ◌ُجَدِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ إلى آخر الآية وهكذا رواه البخاري في كتاب التوحيد تعليقًا فقال: وقال الأعمش، عن تميم بن سلمة، عن عروة، عن عائشة، فذكره)) (٢ (١) انظر معتقد أهل السنة والجماعة ص ٣٦، الصفات الإلهية تعريفها، أقسامها، التميمي ١٧-١٨. (٢) تفسير القرآن العظيم ٣٤/٨. ويجب على طريق أهل السنة والجماعة أن يثبت هذا الاسم من أسماء الله فيدعى الله به ويعبد به فيقال مثلًا عبد البصير ويقال یا بصیر یا علیم وما أشبه، و کذلك أيضًا یثبت فنثبت لله بصرًا عامًا شاملًا لا يخفى عليه أي شيء وإن ضعف، كما نثبت أيضًا أثر هذه الصفة وهي أن الله تبارك وتعالی یبصر كل شيء وبهذا ننتفع انتفاعًا كبيرًا من أسماء الله وصفاته لأنه يلزم من هذه الأمور الثلاثة التي أثبتناها في الاسم إذا كان متعديًا أن نتعبد الله به فنحقق قول الله عز وجل: ﴿وَلِلَّهِ آلْأَسْمَاءُ اَلْمُسْنَ فَدَعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]. قال ابن سعدي رحمه الله تعالى: ((ومن تمام كونها ((حسنى)) أنه لا يدعى إلا بها، ولذلك قال: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا ﴾ وهذا شامل لدعاء العبادة، ودعاء المسألة، فيدعى في کل مطلوب بما يناسب ذلك المطلوب، فيقول الداعي مثلًا: اللهم اغفر لي وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم، وتب علي يا تواب، وارزقني يا رزاق، والطف بي يا لطيف، ونحو ذلك))(٣). ومن أسمائه ((الحي)). فإن الحي من أسماء الله عز وجل، والحديث أخرجه البخاري في صحيحه تعلیقًا، رقم ٧٣٨٥. (٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٣١٠. جَوَسُو ◌َة النفسية القرآن الكريم ٦٤ صفات الله عز وجل نثبته اسمًا لله فنقول من أسماء الله تعالى: العظيم أنه يتركز على ثلاثة أسس من جاء بها كلها فقد وافق الصواب وكان على الاعتقاد «الحي» وندعو الله به فنقول: «یا حي، يا قيوم)) وهو متضمن لصفة الحياة الكاملة المطلقة وقد ورد في آيات كثيرة منها قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِى لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدٍِ وَكَفَى بِهِ، بِذُنُوبِ عِبَادِهِ، خَبِيرًا • [الفرقان: ٥٨]. ٥٨ الذي کان علیه النبي صلي الله عليه وسلم، وأصحابه والسلف الصالح، ومن أخل بواحد من تلك الأسس الثلاثة فقد ضل. وكل هذه الأسس الثلاثة يدل عليها قرآن عظيم. ((وإنما قال: ﴿عَلَى الْحَيِّ الَّذِى لَا يَمُوتُ ﴾، لأن من توكل على الحي الذي يموت فإذا مات المتوكل عليه صار المتوكل ضائعًا، وأما الله تعالى فهو حي لا يموت فلا يضيع المتوكل عليه)).(١) ونؤمن بما دل عليه من صفة، سواء كان ذلك تضمنًا أو التزامًا، وهي الحياة الكاملة التي تتضمن كل ما يكون من صفات الكمال في الحي من علم، وقدرة، وسمع، وبصر، وکلام وغير ذلك، فعلى هذا نقول إذا كان الاسم من أسماء الله غير متعد فإن تحقیق الإیمان به یکون بأمرین: أحدهما: إثباته اسمًا من أسماء الله. والثانى: إثبات ما دل عليه من الصفة على وجه الكمال اللائق بالله تبارك وتعالى.(٢) وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: «اعلموا أن مبحث آيات الصفات دل القرآن (١) اللباب في علوم الكتاب ٥٥٤/١٤. (٢) انظر معتقد أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات ص ٣٦، الصفات الإلهية تعريفها أقسامها ص ١٧ - ١٨. أحد هذه الأسس الثلاثة هو تنزيه الله جل وعلا عن أن یشبه شيء من صفاته شيئًا من صفات المخلوقين. وهذا الأصل يدل عليه قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوَّا أَحَدٌّ [الإخلاص: ٤]. ﴿فَلَا تَضْرِبُو ◌ْلِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤]. الثاني من هذه الأسس: هو الإيمان بما وصف الله به نفسه، لأنه لا يصف الله أعلم بالله من الله ﴿َأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٠]. والإيمان بما وصفه به رسوله صلى الله علیه وسلم لأنه لا يصف الله بعد الله أعلم بالله من رسول الله صلی الله عليه وسلم، فيلزم كل مكلف أن يؤمن بما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله صلی الله علیه وسلم وينزه ربه جل وعلا عن أن تشبه صفته صفة المخلوقين. وحيث أخل بأحد هذين الأصلين وقع في هوة ضلال، لأن www. modoee.com ٦٥ حرفالصاد من تنطع بين يدي رب السموات والأرض وأن ذلك تشبيه بل عليهم أن يثبتوا له صفة سمعه وبصره على أساس ﴿لَيْسَ کَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾. وتجرأ على الله بهذه الجرأة العظيمة ونفى عن ربه وصفا أثبته لنفسه فهذا مجنون فالله جل وعلا يثبت لنفسه صفات كمال وجلال فكيف يليق لمسكين جاهل أن يتقدم بين يدي رب السموات والأرض ويقول هذا الذي وصفت به نفسك لا يليق بك ويلزمه من النقص كذا وكذا، فأنا أؤوله وألغیه وآتی ببدله من تلقاء نفسي من غير استناد إلى الكتاب أو السنة. سبحانك هذا بهتان عظيم! ومن ظن أن صفة خالق السموات والأرض تشبه شيئا من صفات الخلق فهذا مجنون جاهل، ملحد ضال، ومن آمن بصفات ربه جل وعلا منزها ربه عن تشبيه صفاته بصفات الخلق فهو مؤمن منزه سالم من ورطة التشبيه والتعطيل. وهذا التحقيق هو مضمون قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ اَلْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. فهذه الآية فيها تعليم عظيم يحل جميع الإشكالات ويجيب عن جميع الأسئلة حول الموضوع. ذلك لأن الله قال: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ بعد قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ. شَىْءٌ﴾ ومعلوم أن السمع والبصر من حيث هما سمع وبصر يتصف بهما جميع الحيوانات، فكأن الله يشير للخلق ألا ينفوا عنه سمعه وبصره بادعاء أن الحوادث تسمع وتبصر فالله جل وعلا له صفات لائقة بكماله وجلاله والمخلوقات لهم صفات مناسبة لحالهم و کل هذا حق ثابت لا شك فيه. إلا أن صفة رب السموات والأرض أعلى وأكمل من أن تشبه صفات المخلوقین، فمن نفي عن الله وصفا أثبته لنفسه فقد جعل نفسه أعلم بالله من الله سبحانك هذا بهتان عظیم! ومن ظن أن صفة ربه تشبه شيئًا من صفة الخلق فهذا مجنون ضال ملحد لا عقل له يدخل في قوله تعالى: ﴿تَلَّهِ إِن كُنَّا لَفِى ضَلَلٍ مُّبِينٍ ﴿ إِذْ نُوِّيِكُمْ بِرَبِّ الْعَلَمِينَ ٩٨ [الشعراء: ٩٧-٩٨]. ومن يسوى رب العالمين بغيره فهو مجنون»(١). (١) منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات، محمد الأمين الشنقيطي ١-٤. ٦٦ جوبيـ القرآن الكريمِ صفات الله عز وجل أنواع صفات الله تعالى أولًا: الصفات الذاتية: هي التي لم يزل ولا يزال متصفًا بها، وَالْإِكْرَاءِ ﴾ [الرحمن: ٢٧]. (يخبر تعالى أن جميع أهل الأرض سيذهبون ويموتون أجمعون، وكذلك أهل السموات، إلا من شاء الله، ولا يبقى أحد سوى وجهه الكريم؛ فإن الرب تعالى فضابطها: هي التي لا تنفك عن الذات. أو: التي لم يزل ولا يزال الله متصفًا بها. أو: الملازمة لذات الله تعالى. وضابط هذه الصفات: هي ما قام بالذات الإلهية مما يميزها عن غيرها، ووردت به نصوص وتقدس لا يموت، بل هو الحي الذي لا یموت أبدًا. الكتاب والسنة(١). كالعلم والقدرة والسمع والبصر والعزة والحكمة والعلو والعظمة. ومنها الصفات الخبرية: كالوجه واليدين والعينين. وتأمل اسم الله الأحد المتضمن صفة الأحدية، فهذه الصفة تدل على الكمال المطلق؛ كما تدل على نفي صفة الولادة والتولد، وإن ورد ذلك في آية أخرى وهي قوله في سورة الإخلاص: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ )) [الإخلاص: ٣]. وقوله في سورة الجن: ﴿مَا أَّخَذَ صَحِبَةٌ نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اَللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩]. وَلَا وَلَدًا﴾ [الجن: ٣]. قال ابن عباس: ﴿ذُو الْجَدَلِ وَالْآگرَامِ ﴾ ذو وصفة النفس كما في قوله تعالى: العظمة والكبرياء» (٢). ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤]. فهي تدل على الكمال المطلق، ولنضرب (١) الصفات الإلهية تعريفها أقسامها، التميمي ص ١٢. أمثلة على هذه الصفات الذاتية والتي منها: ١. الوجه. قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلِ وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَىْءٍ حَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]. وقد نعت تعالى وجهه الكريم في هذه الآية الكريمة بأنه ﴿ذُو الْجَدَلِ وَآلْإِكْرَامِ﴾ أي: هو أهل أن يجل فلا يعصى، وأن يطاع فلا يخالف، كقوله: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْمَشِ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨]. وكقوله إخبارًا عن المتصدقين: ما ٢. الیدان. قال تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ﴾ [ص: ٧٥]. (٢) تفسير القرآن العظيم ٧/ ٤٩٤ بتصرف. www. modoee.com ٦٧ حفالصاد ((إن لفظ اليد جاء في القرآن على ثلاثة مثناة، فهو مما باشرته يده)(١). أنواع. مفردًا، ومثنى، ومجموعًا. فالمفرد: كقوله: ﴿تَبَرَكَ الَّذِى بِبَدِهِ الْمُلْكَ ﴾ [الملك: ١]. ﴿خَلَقْتُ بِيَدَكَّ﴾ کقوله: والمثنی ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَآَ كقوله: والمجموع [يس: ٧١]. فحيث ذكر اليد مثناة. أضاف الفعل إلى نفسه بضمير الإفراد، وعدى الفعل بالباء إليهما، وقال: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَكَ﴾. وحيث ذكرها مجموعة أضاف الفعل إليها، ولم يعد الفعل بالباء. فهذه ثلاثة فروق: فلا يحتمل ﴿خَلَقْتُ بِيَدَىَّ﴾ من المجاز ما يحتمله عملت أیدینا فإن كل أحد يفهم من قوله: عملت أيدينا ما يفهمه من قوله: عملنا وخلقنا، كما يفهم ذلك من قوله: فبما كسبت أيديكم وأما قوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَىَ﴾ فلو كان المراد منه مجرد الفعل لم يكن لذكر اليد بعد نسبة الفعل إلى الفاعل معنى فكيف وقد دخلت عليها الباء؟! فکیف إذا ثنيت؟! وسر الفرق أن الفعل قد يضاف إلى يد ذي اليد، والمراد الإضافة إليه كقوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَارَكَ﴾ [الحج: ١٠]. ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ﴾ وأما إذا أضيف إليه الفعل، ثم عدي بالباء إلى اليد مفردة أو ٣. العينان. قال تعالى: ﴿وَأَصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨]. ((أي اصبر على أذاهم ولا تبال بهم فإنك بمرأى منا وتحت كلاءتنا والله يعصمك من الناس. ﴿وَحَلْتَهُ عَ ذَاتِ أَلَّوَحِ وَدُسُرٍ و قوله: تَّجْرِى بِأَعْيُنِنَا جَزَآءُ لِّمَن كَانَ كُفِرْ ﴾ [القمر: ١٣ - ١٤]. وقوله: ﴿تَجْرِی پأعيُنَا﴾: أي بأمرنا بمرأى منا وتحت حفظنا وكلاءتنا ﴿جَزَآءُ لِّمَن كَانَ ﴾ أي: جزاء لهم على كفرهم بالله وانتصارًا لنوح عليه السلام)) كبرياء(٢). ثانيًا: الصفات الفعلية: هي التي تتعلق بمشيئته، إن شاء فعلها وإن شاء لم يفعلها، وضابطها: هي التي تنفك عن الذات. كالاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا .. إلخ. وقد تكون الصفة ذاتية فعلية باعتبارين کالكلام، فإنه باعتبار أصله صفة ذاتية، لأن الله تعالی لم یزل ولا يزال متكلماً، وباعتبار آحاد الكلام صفة فعلية، لأن الكلام يتعلق بمشيئته، يتكلم متى شاء بما شاء، كما في (١) التفسير القيم، ابن القيم ص ٤٥٤. (٢) تفسير القرآن العظيم ٧ / ٤٠٧، ٤٤٢. ٦٨ جوبي القرآن الكريم صفات الله عز وجل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُ: إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُكُنْ فَيَكُونُ ﴾ [يس: ٨٢]. وكل صفة تعلقت بمشيئته تعالى فإنها تابعة لحكمته «فإعادته للأموات، فرد من أفراد آثار خلقه، ولهذا قال: ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُ، إِذَا أَرَادَ شَيْئًا﴾ نكرة في سياق الشرط، فتعم كل شيء. ﴿أَنْ يَقُولَ لَهُ,كُنْ فَيَكُونُ ﴾ أي: في الحال من غير تمانع)»(١). ومن الصفات الفعلية: صفات العفو والمغفرة والرحمة والعزة والقدرة. قال تعالى: ﴿إِن نُبْدُواْ خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوَّا قَدِيرًا ()﴾ [النساء: ١٤٩]. ((وقد بين تعالى في هذه الآية أن العفو مع القدرة من صفاته تعالی، وکفی بذلك حثًا عليه، وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ أَلَا تُحِبُونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢] دليل على أن العفو والصفح على المسيء المسلم من موجبات غفران الذنوب، والجزاء من جنس العمل، ولذا لما نزلت قال أبو بكر: بلى والله نحب أن يغفر لنا ربنا، ورجع للإنفاق على مسطح، ومفعول ((أن يغفر الله)) محذوف للعلم به، أي: یغفر لكم ذنوبكم»(٢). (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٧٠٠. (٢) أضواء البيان، الشنقيطي ٤٨٨/٥. وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ. وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]. ((أخبر تعالى بأن العزة كلها لله وحده لا شريك له، ولمن جعلها له كما قال في الآية الأخرى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠]. وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ. وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]. والمقصود من هذا التهييج طلب العزة من جناب الله، والالتجاء إلى عبوديته، والانتظام في جملة عباده المؤمنين الذين لهم النصرة في هذه الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد))(٣). صفة الرحمة والعلم: قال تعالى ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةُ وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧]. قال ابن جرير رحمه الله تعالى: ((ویعني بقوله: ﴿وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةٌ وَعِلْمًا﴾: وسعت رحمتك وعلمك كل شيء من خلقك، فعلمت كل شيء، فلم يخف عليك شيء، ورحمت خلقك، ووسعتهم برحمتك)» (٤). وقد جمع الدليلين العلم والرحمة معًا في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا﴾))(٥). (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٣٥/٢. (٤) جامع البيان ٢١/ ٣٥٥. (٥) أضواء البيان، الشنقيطي ٦٩/٨. www. modoee.com ٦٩ حرف الصاد ذكرت في سبعة مواضع ((أنه جل وعلا صفة المحبة. ﴿وَأَحْسِنُوَأْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ وصف نفسه بالاستواء على العرش، قال تعالى: ووصف غيره بالاستواء على بعض المخلوقات، فتمدح جل وعلا في سبع آيات من كتابه باستوائه على عرشه، ولم يذكر صفة الاستواء إلا مقرونة بغيرها من صفات الكمال، والجلال، القاضية بعظمته وجلاله جل وعلا، وأنه الرب وحده، المستحق لأن يعبد وحده الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]: ((إثبات المحبة لله عز وجل؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾؛ وهي محبة حقيقية على ظاهرها؛ وليس المراد بها الثواب؛ ولا إرادة الثواب خلافًا للأشاعرة، وغيرهم من أهل التحريف الذين يحرفون هذا المعنى العظيم إلى معنى لا يكون بمثابته؛ فإن مجرد الإرادة وقد علمت مما تقدم أنه لا إشكال في ذلك، وأن للخالق جل وعلا استواء لائقًا بكماله وجلاله، وللمخلوق أيضا استواء مناسبًا لحاله، وبين استواء الخالق والمخلوق من المنافاة ما بين ذات الخالق والمخلوق على نحو لیس کمثله شيء وهو السميع البصير كما تقدم إيضاحه)) (٣). ليست بشيء بالنسبة للمحبة؛ وشبهتهم أن المحبة إنما تکون بین شیئین متناسبين؛ وهذا التعليل باطل، ومخالف للنص، ولإجماع السلف، ومنقوض بما ثبت بالسمع والحس من أن المحبة قد تكون بين شيئين غير متناسبين؛ فقد أثبت النبي صلى الله عليه وسلم: (أن أحدًا - وهو حصی- جبلٌ بحبنا «ولهذا قال الإمام مالك رحمه الله تعالى وقد سئل عن قوله تعالى: ﴿الرَّحَْنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى (٥)﴾ [طه:٥]. ونحبه)(١)؛ والإنسان يجد أن دابته تحبه، وهو يحبها؛ فالبعير إذا سمعت صوت صاحبها حنت إلیه،وأتت إليه؛ وكذلك غيره من المواشي؛ والإنسان يجد أنه يحب نوعا من ماله أكثر من النوع الآخر))(٢). صفة الاستواء على عرشه. كيف استوى؟ فقال: ((الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة )). هذا هو اللفظ المشهور عنه واللفظ الذي والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، (١) تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين، الفاتحة نقل عنه بالسند قال: الاستواء غير مجهول، والبقرة ٢/ ٣٩١. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المعازي، باب أحد يحبنا ونحبه، ٥/ ١٠٣، رقم ٤٠٨٤، ومسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب فضل المدينة، ٩٩٣/٢، رقم ١٣٦٥. (٣) أضواء البيان ٢/ ٢٨-٢٩ بتصرف وحذف. جَوَسُورَةُ النَّفِينَ القرآن الكريم ٧٠ صفات الله عز وجل والسؤال عنه بدعة(١). وهذا اللفظ أدق من اللفظ الذي سقناه قبل، لأن كلمة ((الکیف غير معقول)) تدل على أنه إذا انتفى عنه الدليلان النقلي والعقلي فإنه لا یمکن التكلم به. هذه الصفة من صفات الله لم يرد اسم من أسماء الله مشتق منه فلم يرد من أسمائه المستوى، ولكننا نقول: إنه استوى على العرش ونؤمن بهذه الصفة على الوجه اللائق به ونعلم أن معنى الاستواء هو العلو، فهو علو خاص بالعرش، ليس العلو المطلق علی جمیع المخلوقات، بل هو علو خاص ولهذا نقول في قوله تعالى: ﴿أَسْتَوَى عَلَى اُلْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]. أي: علا واستقر على وجه يليق بجلاله وعظمته، ولیس کاستواء الإنسان على البعير والكرسي مثلًا؛ لأن استواء الإنسان على البعير والكرسي استواء مفتقر إلى مكانه الذي يستوي علیه، أما استواء الله جل ذكره فإنه ليس استواء مفتقر، بل إن الله تبارك وتعالى غني عن كل شيء، كل شيء مفتقر إلى الله، والله تبارك وتعالى غني عنه. ومن زعم أنه بحاجة إلى عرش یقله فقد أساء بربه عز وجل فهو سبحانه وتعالى غير مفتقر إلى شيء من مخلوقاته، بل جميع مخلوقاته مفتقرة إليه. (١) انظر الحلية، أبو نعيم ٣٢٥/٦-٣٢٦. فاعلم أنه لا يجوز أبدًا أن يتخيل كيفية ذات الله، أو كيفية صفة من صفاته، واعلم أنك إن تخيلت أو حاولت التخیل فإنك لا بد أن تقع في أحد محذورين: إما التحريف والتعطيل، وإما التمثيل والتشبيه. ولهذا يجب علينا أن لا نتخيل أي شيء من كيفية صفات الله عز وجل، لا أقول لا تثبتوا المعنی یجب أن یثبت، لكن تخيل کیفیة تلك الصفة لا يمكن أن تتخيلها وعلى أي مقیاس تقیس هذا التخيل. لا یمکن أبدًا أن تتخیل کیفیة صفات الله عز وجل لا بالتقدیر ولا بالقول يجب عليك أن تتجنب هذا لأنك تحاول ما لا يمكن الوصول إليه بل تحاول ما يخشى أن يوقعك في أمر عظيم لا تستطيع الخلاص منه إلا بسلوك التمثيل والتعطيل وذلك لأن الرب جلت عظمته لا یمکن لأحد أن يتخيله على کیفیة معینة لأنه إن فعل ذلك فقد قفا ما ليس له به علم وقد قال الله تعالی: ﴿ وَلَانَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]. وإن تخيله على وصف مقارب بمثيل فقد مثل الله والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. وبهذا نعلم أن من أنكر صفات الله أنکرها لأنه تخيل أولًا، ثم قالوا: هذا التخيل يلزم منه التمثيل ثم حرفوا !! www. modoee.com ٧١ حرف الصاد ولهذا نقول: إن كل معطل ومنكر للصفات فإنه ممثل سبق تمثيله تعطیله، مثل أولًا وعطل ثانیًا ولو أنه قدر الله حق قدره ولم يتعرض لتخيل صفاته سبحانه ما احتاج إلى هذا الإنكار وإلى هذا التعطيل»(١). صفة النزول. قال تعالى: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَاَلْمَلَكُ صَفَّاصَفًا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِى سِنَّةٍ أَيَّامٍ ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْمُرْشِ﴾ [الحديد: ٤]))(٤). [الفجر: ٢٢]. قال ابن كثير: ((﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ يعني: لفصل القضاء بين خلقه، وذلك بعد ما يستشفعون إليه بسيد ولد آدم على الإطلاق محمد صلی الله عليه وسلم، بعدما يسألون أولي العزم من الرسل واحدًا بعد واحد، فكلهم يقول: لست بصاحب ذاكم حتى تنتهي النوبة إلى محمد صلى الله عليه وسلم فيقول: (أنا لها، أنا لها).(٢)، فيذهب فيشفع عند الله في أن يأتي لفصل القضاء فيشفعه الله في ذلك، وهي أول الشفاعات، وهي المقام المحمود كما تقدم بيانه في سورة ((سبحان)) فيجيء الرب تعالى لفصل القضاء كما يشاء، والملائكة يجيئون بين يديه صفوفًا صفوفًا))(٣). (١) انظر منهاج أهل السنة والجماعة في العقيدة والعمل، ابن عثيمين ٨ - ١٧. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب كلام الرب عز وجل يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم، ٩/ ١٤٦ رقم ٧٥١٠. (٣) تفسير القرآن العظيم ٣٩٩/٨. وقال ابن القيم: ((المجيء والإتيان والذهاب والهبوط هذه من أنواع الفعل اللازم القائم به، كما أن الخلق، والرزق، والإماتة، والإحياء، والقبض، والبسط أنواع الفعل المتعدي وهو سبحانه موصوف بالنوعين وقد يجمعهما كقوله: خَلَقَ وقد تكون الحكمة معلومة لنا، وقد نعجز عن إدراكها، ولكننا نعلم علم اليقين أنه سبحانه لا يشاء شيئًا إلا وهو موافق للحكمة، كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ٣٠° •[ الإنسان: ٣٠] (٥). الفرق بين القسمين: أن الصفات الذاتية لا تنفك عن الذات، أما الصفات الفعلية يمكن أن تنفك عن الذات على معنى أن الله إذا شاء لم يفعلها. ولكن مع ذلك فإن كلا النوعين يجتمعان في أنهما صفات لله تعالى أزلًا وأبدًا لم يزل ولا يزال متصفًا بهما ماضيًا ومستقبلًا لائقان بجلال الله عز وجل(٢). و(«صفات الله عز وجل ذاتية وفعلية، والصفات الفعلية متعلقة بأفعاله، وأفعاله لا (٤) مختصر الصواعق ٢٥٤/٢. (٥) القواعد المثلى، ابن عثيمين ٢٣-٢٥. (٦) انظر: شرح العقيدة الطحاوية، ابن أبي العز ص١٧٢. ٧٢ جوبيه القرآن الكريم صفات الله عز وجل منتھی لها))(١). و «معاني صفات الله عز وجل الثابتة بالكتاب أو السنة معلومة، وتفسر على الحقيقة، لا مجاز ولا استعارة فيها البتة، أما الکیفیة؛ فمجهولة»(٢). ثالثًا: صفات مقابلة: وفي الآيات والأحاديث، نجد أفعالًا لربنا سبحانه وتعالى وهي كما يلي بحسب التتبع: أفعال: الخداع، المكر، الكيد، الاستهزاء، اللعن، الغضب، الاستخلاف، الإغراق، السخرية، السخط، النسيان، التدمير، النزول، الفرح، الضحك. فهل يمكن أن نشتق من هذه الأفعال- وأمثالها- أسماء لله تعالى فنسميه جل وعلا بالأسماء الآتية؟: الخادع أو المخادع، الماكر، الكايد، المستهزئ، اللاعن، الغاضب، المستخلف، المغرق، الساخر، الساخط، الناسي، المدمر، النازل الفرح، الضاحك؟ لا ينبغي أن نسمي الله بهذه الأسماء، ونقرنها بالأسماء الحسنى كالرحمن، والرحيم، والغفور، والودود، واللطيف، والعلي، والكبير، والسميع، والبصير، ونحو ذلك مما سمى الله تعالى به نفسه من أسمى وأجل وأعظم الأسماء، ولا أن نصف الله بها على سبيل الإطلاق، (١) القواعد المثلى، ابن عثيمين ص ٣٠. (٢) انظر التدمرية، ابن تيمية ص ٤٣ -٤٤. بل نصفه بها بقيودها وأحوالها وضوابطها التي استخدمت فيها. ولنضرب أمثلة من القرآن الكريم تبين ذلك: قال تعالى في المنافقين: ﴿يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ٩]. فإنه ذكر هذا عقيب قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَ بِأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَاهُم بِمُؤْمِنِينَ [البقرة: ٨]. فكان هذا القول منهم كذبًا وظلمًا في حق التوحيد والإيمان بالرسول صلى الله علیه وسلم وأتباعه. ((وقوله تعالى: ﴿يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي: بإظهارهم ما أظهروه من الإيمان مع إسرارهم الكفر، يعتقدون بجهلهم أنهم يخدعون الله بذلك، وأن ذلك نافعهم عنده، وأنه يروج علیه كما يروج على بعض المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَنْهُم اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كُمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى ﴾ [المجادلة: ١٨]. شَىْءٍ أَ إِنَّهُمْ هُمُ الْكَذِبُونَ ® ولهذا قابلهم على اعتقادهم ذلك بقوله: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُونَ﴾ [البقرة: ٩]. يقول: وما يغرون بصنيعهم هذا ولا يخدعون إلا أنفسهم، وما يشعرون إِنَّ بذلك من أنفسهم، كما قال تعالى: www. modoee.com ٧٣ حرف الصاد اٌلْمُنَفِقِينَ يُحَدِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَدِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]))(١). وقال تعالى حيث ذكر بعض مكر اليهود بقوله: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ اَلْمَكِرِينَ ﴾ [آل عمران: ٥٤]. ((قال تعالى مخبرًا عن ملأ بني إسرائيل فیما هموا به من الفتك بعیسی، عليه السلام، وإرادته بالسوء والصلب، حين تمالؤوا علیه ووشوا به إلى ملك ذلك الزمان، وكان کافرًا، فأنهوا إليه أن هاهنا رجلا یضل الناس ويصدهم عن طاعة الملك، ويفند الرعایا، ويفرق بين الأب وابنه إلى غير ذلك مما تقلدوه في رقابهم ورموه به من الكذب، وأنه ولد زانية حتى استثاروا غضب الملك، فبعث في طلبه من يأخذه ويصلبه وینکل به، فلما أحاطوا بمنزله وظنوا أنهم قد ظفروا به، نجاه الله من بينهم، ورفعه من روزنة ذلك البيت إلى السماء، وألقى الله شبهه على رجل ممن کان عنده في المنزل، فلما دخل أولئك اعتقدوه في ظلمة الليل عيسى، عليه السلام، فأخذوه وأهانوه وصلبوه، ووضعوا على رأسه الشوك. وكان هذا من مكر الله بهم، فإنه نجی نبیه ورفعه من بین أظهرهم، وتر کھم في ضلالهم يعمهون، يعتقدون أنهم قد ظفروا بطلبتهم، وأسكن الله في قلوبهم قسوة وعنادا للحق ملازما لهم، وأورثهم (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ١٧٧. ذلة لا تفارقهم إلى يوم التناد؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللَّهُ غَيْرٌ اَلْمَكِرِينَ﴾))(٢). وبين بعض مكر قوم صالح بقوله: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْرًا وَمَكَّرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ فَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَقَّرْنَهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ [النمل: ٥٠- ٥١]. وَمَكَرُوا مَكْرًا﴾ دبروا أمرهم على قتل صالح وأهله على وجه الخفية حتى من قومهم خوفا من أوليائه ﴿وَمَكَّرْنَا مَكْرًا﴾ بنصر نبينا صالح عليه السلام وتيسير أمره وإهلاك قومه المكذبين ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾))(٣). قال تعالى: ﴿فَلَمَّآ ءَاسَفُوْنَا أَنْثَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَهُمْ أَجْمَعِينَ [الزخرف: ٥٥]. ((قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿مَاسَفُوْنَا﴾ أسخطونا. وقال الضحاك، عنه: أغضبونا. وهكذا قال ابن عباس أيضًا، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومحمد بن كعب القرظي، وقتادة، والسدي، وغيرهم من المفسرين»(٤). قال تعالى: ﴿إِنّهُمْ يَكِيدُونَكَيدًا ()وَآكِيدُ كَيْدًا ﴾ [الطارق: ١٥- ١٦]. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٦/٢. (٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ٦٠٦. (٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٣٢/٧. ٧٤ جَوَسُو ◌َرَ النَّفْسِير القرآن الكريم صفات الله عز وجل (قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (٥) وَأَكِدُ يمدهم: يملي لهم. وقال مجاهد: يزيدهم. كَيْدًا (١) نسبة هذا الفعل له تعالى، قالوا: إنه من باب المقابلة كقوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللّهُ﴾، وقوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِهُ ونَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٤ -١٥]. وقد اتفق السلف أنه لا ينسب إلى الله تعالى على سبيل الإطلاق، ولا يجوز أن يشتق له منه اسم، وإنما يطلق في مقابل فعل العباد؛ لأنه في غير المقابلة لا يليق بالله تعالى، وفي معرض المقابلة فهو في غاية العلم والحكمة والقدرة، والكيد أصله المعاجلة للشيء بقوة (١). ثم شرع ابن جرير يوجه هذا القول وينصره؛ لأن المكر والخداع والسخرية على وجه اللعب والعبث منتف عن الله، عز وجل بالإجماع، وأما على وجه الانتقام والمقابلة بالعدل والمجازاة فلا يمتنع ذلك. قال: وبنحو ما قلنا فيه روي الخبر عن ابن عباس: حدثنا أبو کریب، حدثنا عثمان، حدثنا بشر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿اللّهُ يَسْتَهْزِئُ ◌ِمْ﴾ قال: يسخر بهم للنقمة منهم. وقوله تعالى: ﴿وَمُدُّهُمْ فِي ◌ُغْيَيْهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ قال السدي: عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن أناس من الصحابة قالوا: (١) أضواء البيان الشنقيطي ٤٩٦/٨. قال ابن جرير: والصواب يزيدهم على وجه الإملاء والترك لهم في عتوهم ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وتمردهم، كما قال: وَأَبْصَرَهُمْ كَمَا لَوْ يُؤْمِنُواْ بِ= أَوَّلَ مَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِى ◌ُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ [الأنعام: ١١٠]))(٢). وصفة النسيان كما في قوله تعالى: ﴿نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]. وقوله ﴿فَالْيَوْمَ نَفسَهُمْ كَمَا نَسُوالِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ [الأعراف: ٥١]. أي: نعاملهم معاملة من نسيهم؛ لأنه تعالی لا یشذ عن علمه شيء ولا ينساه، كما قال تعالى: ﴿لَّا يَضِلُّ رَبِّ وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢]. وإنما قال تعالى هذا من باب المقابلة، كما قال: ﴿نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]. وقال: ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَنَتْكَ ءَايَتُنَا فَنَسِينَهَا وَكَذَلِكَ اَلْيَوْمَ تَنْسَى ١)﴾ [طه: ١٢٦]. وقال تعالى: ﴿وَقِيلَ آلْيَوْمَ نَنسَنگُمْكَا نَسِتُمْ لِقَآءُ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الجاثية: ٣٤]. وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله ((وقوله: ﴿فَلْيَوْمَ نَنسَهُمْ كَمَا نَسُوالِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ قال: نسيهم الله من الخير، ولم ينسهم من الشر)»(٣). والسبب في أنه لا ينبغي ولا يشرع لنا (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ١٨٤. وانظر: جامع البيان، الطبري ١/ ٣٠٣. (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٢٤/٣. www. modoee.com ٧٥ حف الصاد أن نسمي الله سبحانه بمثل تلك الأسماء بالأنواع المحمودة منها كالحليم، والحكيم، كالخادع وما ماثل ذلك أمران: الأول: أنه لم يرد بها النص في الكتاب أو السنة. المخادع، والماکر، والکاید، والمستهزئ، والغاضب، والناسي، والمدمر وما ماثلها- لیست ممدوحة على إطلاقها، بل تمدح في مواضع، وتذم في مواضع أخرى، ومن ثم لا يجوز أن تطلق أفعالها على الله مطلقًا، فلا ينبغي أن يقال بإطلاق: الماكر، المخادع، المستهزئ، الکائد. وغر هذا الجاهل أنه سبحانه وتعالى أطلق على نفسه هذه الأفعال، فاشتق له منها أسماء، وأسماؤه كلها حسنى، فأدخلها في الأسماء الحسنى، وأدخلها وقرنها بالرحيم، الودود، الحكيم، الكريم. وهذا جهل عظيم. فإن هذه الأفعال ليست ممدوحة مطلقًا، بل تمدح في موضع وتذم في موضع، فلا يجوز إطلاق أفعالها على الله مطلقًا، فلا يقال: إنه تعالى يمكر ويخادع يستهزئ ویکید. وكذلك بطريق الأولى لا يشتق له منها أسماء یسمی بها، بل إذا كان لم يأت في أسمائه الحسنى المريد، ولا المتكلم، ولا الفاعل، ولا الصانع، لأن مسمياتها تنقسم إلى ممدوح ومذموم، وإنما يوصف والعزيز، والفعال لما يريد، فكيف يكون منها الماكر، المخادع، المستهزئ؟ ثم يلزم هذا الغالط أن يجعل من أسمائه الثاني: أن هذه الأسماء - كالخادع أو الحسنى: الداعي، والآتي، والجائي، والذاهب، والقادم، والرائد، والناسي، والقاسم، والساخط، والغضبان، واللاعن، إلى أضعاف أضعاف ذلك من الأسماء التي أطلقت على نفسه أفعالها في القرآن. وهذا لا يقوله مسلم ولا عاقل. والمقصود أن الله سبحانه لم يصف نفسه بالكيد، والمكر، والخداع إلا على وجه الجزاء لمن فعل ذلك بغير حق، وقد علم أن المجازاة على ذلك حسنة من المخلوق، فكيف من الخالق سبحانه؟!(١). وقال ابن القيم في موضع آخر: ((والصواب أن معانيها- ((أي: معاني هذه الألفاظ)) تنقسم إلى محمود، ومذموم، فالمذموم، منها: يرجع إلى الظلم والكذب، فما يذم منها إنما يذم لكونه متضمنًا للكذب، أو الظلم، أو لهما جميعًا. وهذا هو الذي ذمه الله تعالى))(٢). ثم قال: ((فعلم أنه لا يجوز ذم هذه الأفعال على الإطلاق، كما لا تمدح على الإطلاق، والمكر والكيد والخداع لا يذم (١) انظر: مختصر الصواعق المرسلة، البعلي ٣٢/٢-٣٤. (٢) المصدر السابق ٣٤/٢-٣٥. صَوْسُور القرآن الكريم ٧٦