Indexed OCR Text

Pages 21-40

الضَّعف
وسلم: (ألا أنبئكم بأکبر الکبائر ثلاثًا؟ قلنا:
بلى يارسول الله، قال: الإشراك بالله وعقوق
الوالدين. و کان متکثًا فجلس فقال: ألا وقول
الزور، وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى
قلنا لیته سكت)(١).
فجاء العقوق في ترتيب الجرائم بعد
الشرك بالله عز وجل فكما أن بر الوالدين
جاء بعد الأمر بالتوحيد في أعمال البر،
فكذلك ففي المقابل جاء النهي عن العقوق
وبيان خطره بعد النهي عن الشرك. وعن أبي
هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله
ثم رغم أنف: من أدرك أبويه عند الكبر،
أحدهما أو كلاهما فلم يدخل الجنة)(٢).
أي: التصق بالرغام وهو التراب، وهو
دعاء عليه بالذل والفقر، ودليل على أن
عقوق الوالدين أو إيذاءهما أو ضربهما من
الكبائر الموجبة لدخول النار.
حقوق في الدنیا ومستمرة بعد الممات:
قد جعل الإسلام البر والإحسان إلى
الوالدين موصولًا بعد مماتهم أيضًا وهذا
لعظم حقهما، فمن ذلك: الاستغفار
(١) أخرجه البخاري كتاب الأدب، باب عقوق
الوالدين من الكبائر، رقم ٥٩٧٥، ومسلم
في صحيحه، كتاب الإيمان، باب أكبر الكبائر
الإشراك بالله، رقم ٨٧.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة،
باب رغم أنف من أدرك أبويه أو أحدهما عند
الكبر فلم يدخل الجنة، رقم ٢٥٥١.
للوالدين وطلب الرحمة لهما في حياتهما
وبعد الممات، فهذا نبي الله نوح عليه السلام
يدعو ربه قائلًا: ﴿رَّبِّ أَغْفِرْ لِ وَلِوَ لِدَىَّ وَلِمَن
دَخَلَ بَيْقِ مُؤْمِنًا وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ وَلَا نَزِدِ
الظَّالِمِينَ إِلََّ نَبَارًا﴾ [نوح: ٢٨].
وقال تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ أَرْحَمْهُمَا كَّا رَبِّيَانِ
صَغِيرًا﴾ [الإسراء : ٢٤].
فأمر الله عز وجل الأبناء بالترحم على
آبائهم والدعاء لهم، وأن ترحمهما كما
رحماك وترفق بهما كما رفقا بك (٣).
وقال صلى الله عليه وسلم: (إذا مات ابن
عليه وسلم قال: (رغم أنف، ثم رغم أنف، آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: أو ولد صالح
يدعو له)(٤)
حقوق بعد الممات:
٠
ومن ذلك: أداء الدين الذي عليهما، فعن
ابن عباس رضي الله عنهما: (أن امرأة من
جهینة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم
فقالت: إن أمي نذرت أن نحج فلم تحج
حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: (نعم حجي
عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت
قاضیته؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء)(٥).
ومن ذلك: الصدقة الجارية، فالصدقة
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن ٥/ ٥٨٠.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الوقف،
باب ما يلحق الإنسان ثوابه بعده، رقم ١٦٣١.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب جزاء
الصيد، باب الحج والنذور عن الميت
والرجل يحج عن المرأة، رقم ١٨٥٢.
www. modoee.com
٢٧٣

حرف الضاد
٢. حقوق أصحاب الضعف
عن المیت یصل ثوابها إلیه، فعن ابن عباس
رضي الله عنهما، أن رجلاً(١) قال لرسول الطارئ:
الله صلى الله عليه وسلم: إن أمه توفيت
أينفعها إن تصدقت عنها؟ قال: (نعم)، قال:
فإني لي مخرافًا، فأنا أشهدك أني قد تصدقت
به عنها(٢).
ومن ذلك: الصوم عنهما، فيجوز الصيام
عنهما إذا ماتا وعليهما صيام، فعن ابن
عباس رضي الله عنهما قال: جاءت امرأة
إلی رسول الله صلی الله علیه وسلم فقالت:
یارسول الله، إن أمي ماتت وعلیھا صوم نذر
أفأصوم عنها؟ قال: (أرأيت لو كان على
أمك دين فقضيته أكان يؤدي ذلك عنها؟)
قالت: نعم، قال: (فصومي عن أمك)(٣).
ومن ذلك: الحج والعمرة عن الوالدين،
فيستحب الحج والعمرة عن الوالدين إذا
ماتا أو كانا كبيرين لا يستطيعان الحج، فعن
کبیر لا یستطیع الحج ولا العمرة ولا الظعن،
قال: (احجج عن أبيك واعتمر) (٤).
(١) في بعض الروايات عند البخاري رقم ٢٧٦٢:
أن هذا الرجل هو سعد بن عبادة رضي الله
عنه.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوصايا،
باب إذا وقف أرضًا ولم يبين الحدود فهو
جائز، رقم ٢٧٧٠.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصوم،
باب من مات وعليه صوم، رقم ١٩٥٢.
(٤) أخرجه أبوداود في سننه، كتاب المناسك،
باب الرجل يحج عنه غيره، ١٦٢/٢، رقم
أولًا: الفقراء والمساكين وغيرهم من
المحتاجين:
الفقیر من لا مال له ولا کسب يقع موقعًا
من حاجته، من الفقار كأنه أصيب فقاره،
والمسكين من له مال أو كسب لا يكفيه، من
السكون كأن العجز أسكنه(٥).
وهؤلاء الفقراء والمساكين ومن شابههم
من المحتاجين كالسائل وابن السبيل
والغارمين طائفة من الناس ينبغي العناية بهم
واحترامهم ورعايتهم، حتى لا يتحولوا عالة
على الناس أو ضررًا على الأمة أو تنشأ عقدة
في نفوسهم، كما ينبغي أن يشعروا أنهم
مثل غيرهم من الأفراد، لذا توالت الوصايا
القرآنية والنبوية في حقهم: فبين سبحانه
وتعالى أن هذه الرعاية لهؤلاء الفقراء
أبي رزين أنه قال: يارسول الله، إن أبي شيخ والمساكين تقوم على أن المال مال الله،
وأن العباد مستخلفون فیه، أعطاه الله لهم.
قال تعالى: ﴿ءَامِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَنفِقُواْ
مِمَّا جَعَلَكُم ◌ُسْتَخْلَفِينَ فِيَّةِ فَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمُ
وَأَنْفَقُواْلَهُمْ أَجْرُ كَبِيرٌ﴾ [الحديد: ٧].
وذكر سبحانه وتعالى أنه هو الذي يبسط
الرزق على من يشاء ويضيق على من يشاء:
١٨١٠.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٩٩/١، رقم ١٨٨.
(٥) التفسير المنير، الزحيلي ٥/ ٦١٢.
جَوَبُوالَةُ النَّفتية
القرآن الكريم
٢٧٤

الضَّعف
﴿قُلٌّ إِنَّ رَبِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ
أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: ٣٦].
لذا يجب عليهم الالتزام بأوامر
وتوجيهات المالك الأصلي للمال الموزع
للأرزاق بعلمه وقدرته. فدعا سبحانه
وتعالى إلى الجلوس معهم ورعايتهم
وملاطفتهم، فقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ
الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِ يُرِيدُونَ
وَجْهَةٌ، وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوْةِ
الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٢٨].
وفرض الله عز وجل الزكاة وفاء
بحاجات المحتاجين، وتحقيقًا لمصالح
المجتمع، والزكاة مورد مالي ضخم
حيث تعتبر من أهم موارد الدخل للفقراء
والمساكين والمحتاجين من أصحاب
الديون وغيرهم، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا
الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَكِينِ وَالْعَمِلِينَ
عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ فُلُوبُهُمْ وَفِى الْرِقَابِ وَالْغَرِمِينَ
وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَبْنِ السَّبِيلِّ فَرِيضَةٌ مِّنَ
اللَّهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠].
وقال تعالى: ﴿وَفِّ أَمْوَلِهِمْ حَقٌ لِلِسَّيْلِ
وَاْحْرُوُمِ﴾ [الذاريات: ١٩].
ومن شأن اعتبار ذلك حقًا وليس منة أن
لا يحس الفقراء والمساكين بالعار عندما
يأخذون الصدقات من الأغنياء لأنهم بنص
القرآن يأخذون حقهم مثل الشريك يأخذ
حقه في الربح من شرکه. وكذلك عند
قسمة الميراث إذا حضر القسمة الأقارب
والفقراء والمساكين الذين لا حظ لهم في
الميراث ولا مال لهم، فطيب خاطرهم
بجزءٍ من المال أو جزءٍ التركة، قال تعالى:
﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَ وَاَلْيَنَمَّ
وَالْمَسَكِينُ فَأَرْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُواْ لَمْ قَوْلًا
مَّعْرُوفًا﴾ [النساء: ٨].
ولم يكتف التشريع القرآني بفرض
حقوق مالية للفقراء والمساكين في أموال
الأغنياء فحسب، بل فرض على المخالفين
لأحكامه الشرعية أن يدفعوا جزءًا من مالهم
عند كل مخالفة لأحكام الشريعة حدد
لها كفارة تكفيرًا عن تلك المخالفة، من
ذلك:كفارة اليمين.
قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اَللَّهُ بِاللَّغْوِ فِّ
أَيْمَنِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدُمُ الْأَيْمَنِّ
فَكَفَّرَتُّهُ إِطْعَامُ عَشَرَةٍ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا
تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة: ٨٩].
ومنها: كفارة الظهار، قال تعالى: ﴿فَمَنْلَّمْ
يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤].
ومنها: كفارة التمتع في الحج، قال
تعالى: ﴿فَنَ تَمَنَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَّ فَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ
أَلْدِيِ ﴾ [البقرة: ١٩٦].
ومنها: كفارة قتل الصيد في الحج، قال
تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُتَعَمِّدًا فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا
قَثَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ، ذَوَا عَدْلٍ مِّنَكُمْ هَدْيًا بَلَغَ
الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّرَةٌ طَعَاءُ مَسَكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ
www. modoee.com
٢٧٥

حرفالضاد
صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥].
وشرع تبارك وتعالى الفدية لمن لم
يتمكن من العباد المكلفين من القيام ببعض
ما افترض الله عليهم أو لمن لا يتمكن من
أدائه على الوجه الأكمل، فقد أباح لهم
الفطر ورخصة لهم مقابل فدية.
قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ.
فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرً فَهُوَ خَيْرٌ
لََّّ، وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
[البقرة: ١٨٤].
وشرع لهم الأضاحي والهدى فقال
تعالى: ﴿لِيَشْهَدُواْ مَنَفِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ
أَسْمَ اللَّهِ فِيَ أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ
بَهِيمَةِ الْأَنْفَرِّ فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْبَآَيِسَ
الْفَقِيَرَ﴾ [الحج: ٢٨].
وقال تعالى: ﴿ وَالْبُدْنَ جَعَلْتَهَا لَكُمْ
مِّن شَعَيْرِ اللَّهِ لَّكُمْ فِيهَا خَيْرٌّ فَاذَّكُرُواْ أَسْمَ اللّهِ
عَلَيْهَا صَوَآَفَّ فَإِذَا وَجَتْ جُنُوبُّهَا فَكُلُواْ مِنْهَا
وَأَْعِمُواْ الْقَانِعَ وَالْمُعْتَّ﴾ [الحج: ٣٦].
أي: الفقير الذي لا يسأل تقنعًا، وتعففًا،
والفقير الذي يسأل، فكل منهما له حق
فيهما(١).
وشرع لهم الحقوق التطوعية من الأموال،
كالصدقات في قوله تعالى: ﴿إِن تُبْدُواْ
الصَّدَقَتِ فَنِعِمَّا مِىّ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا
اَلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١].
(١) تيسير الكريم الرحمن ص ٢٨٥.
وفي الغنيمة للفقراء والمساكين، قال
تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَيِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ
لِلَّهِ خُمُسَهُ، وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى وَاَلْيَتَلَى
وَاَلْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١].
وفي الفيء في قوله تعالى: ﴿مَآ أَفَاءَ اللّهُ
عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلَّهِ وَ الرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَ
وَاُلْيَنَّمَى وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ كَنَ لَا يَكُونَ دُوَلَدٌ
بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾[الحشر: ٧].
وفي النفقات والإحسان إليهم، قال
تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونٌّ قُلْ مَآ
أَنَفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَلِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَاَلْتَ
وَاْسِكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلُ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ
اللَّهَ بِهِ، عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٥].
وجعل من أسباب المغفرة، الإنفاق على
الضعفاء من اليتامى والمساكين، فقال تعالى:
﴿فَلَا أَقْنَحَمَ اٌلْعَقَبَةَ ، وَمَا أَدْرَنِكَ مَا الْعَقَبَةُ (١)
فَكُّ رَقَبَةٍ ٣ ) أَوْ إِطْعَدٌ فِ يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَقِ يَنِيمًا
ذَا مَقْرَبَةٍ { أَوْ مِسْكِينَا ذَا مَتْرَبَةٍ ، ثُمَ كَانَ مِنَ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَوَصَوْ بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْ بِالْمَرْحَّةِ )
أُوْلَكَ أَعْضَبُ اَلْيَّمْنَةِ﴾ [البلد: ١١ - ١٨].
وذكر تعالى أنه يسلط عقوبته في الحياة
الدنيا على من منع إعطاء حق المساكين
والفقراء، فقال تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَهُمْ كُمَا بَلَوْنَاً
أَصْحَبَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْتَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ
١٧
وَلَا
١٩
يَسْتَثْنُنَ فَطَافَ عَيْهَا طَيِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآَيِمُونَ
فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِ فَتَنَدَ وْأَمُصْبِحِينَ (١) أَنِ أَغْدُواْ
﴾ فَأَنْطَلَقُواْ وَهُمْ يَنَخَفَنُونَ
٢٢
عَلَى حَرّئُكُمْ إِنْ كُمُ صَدِمِينَ
٢٧٦
مُوسُو ◌َر التفسير
جوبسين جر
القرآن الكريمِ

الضَّعف
(٣) أَّا يَدْخُلَّهَا أَلْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ ( وَغَدَوْاْ عَلَى
حَرْمٍ قَدِرِينَ ﴿ فَلْنَا رَأَوْهَا قَالُواْ إِنَّا لَعَلُونَ ) بَلْ نَحْنُ
مَخْرُومُونَ﴾ [القلم: ١٧ - ٢٧].
وقد ذم الكفار لاتصافهم بترك إطعام
المسكين ترهيبًا لمن يحذو حذوهم، فقال
تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ) وَلَا
يَحُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الحاقة: ٣٣-٣٤].
وذكر أن من ترك الإنفاق عليهم
والاهتمام بإطعامهم، من أوصاف أهل
النار، فقال تعالى: ﴿الَّ أَنْخَبَ آلِينِ) فِ
جَّتٍ يَتََّ لُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ آ ◌َمَا سَلَكُكُمْفِي
سَقَّرَ ا قَالُوْ لَمْنَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٢) وَلَّمْ نَكُ نُطْعِمُ
آلْمِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٣٩ - ٤٤].
ثانيًا: الضعفاء لأسباب بدنية (أولوا
الضرر):
لا شك أن منزلة ذوي الاحتياجات
الخاصة من مبادئ الإسلام كسائر ما ينزل
بساحة الفرد أو الجماعة من المسلمين من
إبتلاء، وبمقتضى العقيدة الإسلامية ينبغي
استقباله على أنه قدر الله عز وجل المكتوب
في الأزل لا راد له إلا هو.
قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَىْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ
وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَلِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَتِّ
وَبَشِّرِ الصَّبِينَ ﴿ الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُم مُّصِيبَةٌ
قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَبِعُونَ أُوْلَبَكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ
مِن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَتِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾
[البقرة: ١٥٥- ١٥٧].
وقد أولى الإسلام ذوي الاحتياجات
الخاصة عناية فائقة، وراعي ظروفهم واعتني
بشئونهم، وأوجب عليهم من العطف
واللطف مالم يفعله مع غيرهم، فجعل لهم
أسس لمعاملتهم، وطرق الإنفاق عليهم،
كما يتجلى ذلك في القرآن الكريم والسنة
النبوية، نذكر منها:
على المستوى النفسي:
فقد اهتم الإسلام بهذا الجانب اهتمامًا
كبيرًا فحفظ لهم هذا الاعتبار الأدبي في
أحكام الشرع ما ورد من النهي عن السخرية
من الآخرين والتنابز بالألقاب، قال تعالى:
﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى
أَنْ يَكُونُواْ خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَلَّهُ مِّن نِسَآءٍ عَوَ أَنْ يَكُنَّ
غَيْرٌ مِنْهُنَّ وَلَا نَّلْمِزُوَاْ أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَرُواْ بِالْأَلْقَبِّ
يِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيَمَنِ﴾ [الحجرات:
١١].
والتنابز بالألقاب: هو دعاء المرء صاحبه
بما یکرهه من اسم أو صفة، وعم الله تعالى
بنهيه ذلك ولم يخصص به بعض الألقاب
دون بعض، فغير جائز لأحد من المسلمين
أن ينبز أخاه باسم يكرهه، أو صفة يكرهها (١).
ولا شك أن مناداة صاحب الاحتياجات
الخاصة بها من أكره الأشياء إلى قلبه.
ج على المستوى البدني:
(١) سيول النفحات في تفسير سورة الحجرات،
محمد ضيف الله ص٦٦.
www. modoee.com
٢٧٧

حرف الضاد
الخاصة كثيرًا من التكاليف وخفف عنهم
في أخری، کما دلت على ذلك أحكام كثيرة
وشواهد عديدة، كسبب نزول قوله تعالى:
﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرٌ أُوْلِ الضَّرَدِ
وَالْمُجَهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهُ
الْمُجَهِدِينَ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٥].
فعن سهل بن سعد الساعدي أنه رأى
مروان بن الحكم في المسجد، فأقبلت
حتى جلست إلى جنبه، فأخبرنا أن زید بن
ثابت أخبره: (أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم أملى عليه: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ غَيْرٌ أُوْلِ الضَّرَدِ وَالْمُجَهِدُونَ فِي سَبِيلِ الَّهِ﴾
[النساء: ٩٥].
فجاءه ابن أم مكتوم وهو يملها علي
قال: يارسول الله، والله لو استطيع الجهاد
لجاهدت-وكان أعمى- فأنزل الله على
رسوله صلى الله عليه وسلم وفخذه على
فخذي، فثقلت علي حتى خفت أن ترض
فخذي، ثم سري عنه فأنزل الله: ﴿غَيْرُ أُوْلِ
الشَّرَرِ﴾(١).
ومعنى الآية الكريمة: لا يعتدل
المتخلفون عن الجهاد في سبيل الله من
أهل الإيمان بالله وبرسوله، المؤثرون الدعة
والخفض والقعود في منازلهم على مقاساة
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير،
باب (لا يستوي القاعدون من المؤمنين)، رقم
٤٥٩٢.
(٢) التسهيل لتأويل التنزيل، سورة النساء،
مصطفى بن العدوي ٢١٨/٢.
٢٧٨
جونيو
القرآن الكريمِ
لقد وضع الإسلام عن ذوي الاحتياجات حزونة الأسفار والسير في الأرض، ومشقة
ملاقاة أعداء الله بجهادهم في ذات الله،
وقتالهم في طاعة الله، إلا أهل العذر منهم
بذهاب أبصارهم، وغير ذلك من العلل التي
لا سبيل لأهلها - للضرر الذي بهم- إلى
قتالهم وجهادهم في سبيل الله(٢).
وخفف الشارع الحکیم علیهم من بعض
التکالیف الشرعية بما يوافق حالهم ويناسب
ضعفهم ويتماشى مع إعاقتهم أو إصابتهم،
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَىَ الضُّعَفَآءِ
وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ
مَا يُنفِقُونَ حَرَجُ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِةٍ، مَا عَلَى
الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
[التوبة: ٩١].
ومعنى الآية: ليس على الضعفاء
العاجزين عن القتال لعلة في تكوينهم،
أو الشيخوخة تقعدهم، ولا على المرضى
الذين لا يستطيعون الحركة والجهد، ولا
علی المعدمین الذین لا یجدون ما يتزودون
به ليس على هؤلاء حرج إذا تخلفوا عن
المعركة في الميدان، وقلوبهم مخلصة لله
ورسوله، لا يغشون ولا يخدعون، ويقومون
بعد ذلك بما يستطيعونه-دون القتال- من
حراسة أو صيانة أو قيام على النساء والذرية
في دار الإسلام، أو أعمال أخرى تعود

الضَعف
بالنفع على المسلمین. لیس علیھم جناح،
وهم يحسنون بقدر ما يستطيعون. وقوله
تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ
حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [الفتح: ١٧].
فالأعمى والأعرج معهما عذر دائم
هو العجز المستمر عن تكاليف الخروج
والجهاد، والمريض معه عذر موقوت
بمرضه حتی ییراً.
·وعلى المستوى الاجتماعي:
وكفى بهذه المكانة الاجتماعية لذوي
الاحتياجات الخاصة من خلال حدث مهم
سجله القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿عَبَسَ
وَتَوَلَّكْ ل أَنْ جَهُ الْأَعْمَىِ ) وَمَا يُدْرِبِكَ لَعَلَّهُ يَزََّ
) أَوْ يَذْكَّرُ فَنَنفَعَهُ الذِّكْرَ أَمَّا مَنِ أُسْتَغْفَ فَأنْتَ لَهُ
تَصَدَّى وَمَا عَلَيْكَ أَلَّيَزَّى وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَىِ لُ وَهُوَ
يَخْشَى ل ◌َأَنْتَ عَنْهُ فَلَغَى﴾ [عبس: ١- ١٠].
اللطيف (١).
ومن المستوى الاجتماعي أيضًا: الدمج
والانسجام في المجتمع، فقد حرص
الإسلام على الانسجام الاجتماعي من جهة
ودمج ذوي الاحتياجات الخاصة في النسيج
الاجتماعي.
وهذا ما أكد عليه القرآن في قوله تعالى:
﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجُ
وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ
تَأْكُوْ مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ ءَابَآيِكُمْ أَوْ
بُيُوتِ أُمَّهَتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَنِكُمْ أَوْ بُيُوتٍ
أَخَوَيَكُمْ أَوْ بُيُوتٍ أَعْمَمِكُمْ أَوْ بُيُوتِ
عَنَّتِكُمْ أَوْ بُوتِ أَخْوَلِكُمْ أَوْ بُيُوتِ
خَلَيْكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَائِحَةُ:
أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيَكُمْ جُنَاعُ أَنْ
تَأْكُلُواْ جَمِيعًا أَوْ أَشْتَانًا﴾ [النور: ٦١].
والمعنى: أنهم كانوا يتحرجون من الأكل
سبب نزول هذه الآيات الكريمات،
أنه جاء رجل من المؤمنين أعمى يسأل
النبي صلی الله عليه وسلم ويتعلم منه،
وهو عبدالله ابن أم مكتوم رضي الله عنه،
وجاء النبي صلى الله عليه وسلم رجل
من الأغنياء، وكان صلى الله عليه وسلم
حريصًا على هداية الخلق، فمال صلى الله
علیه وسلم، وأصغی إلی الغني، وصد عن
الأعمى الفقير، رجاء لهداية ذلك الغنى،
مع الأعمى، لأنه لا يرى الطعام وما فيه من
الطيبات، فربما سبقه غيره إلى ذلك ولا
مع الأعرج، لأنه لا يتمكن من الجلوس،
فيفتات عليه جليسه، والمريض لا يستوفي
من الطعام كغيره، فكرهوا أن يؤاكلوهم
لئلا يظلموهم، فأنزل الله هذه الآية رخصة
في ذلك. قال الضحاك: كانوا قبل البعثة
يتحرجون من الأکل مع هؤلاء تقذرًا وتعززًا
وطمعًا في تزكيته، فعاتبه الله بهذا العتاب ولئلا يتفضلوا عليهم، فأنزل الله هذه
(١) تيسير الكريم الرحمن ص ٣٥٤.
www. modoee.com
٢٧٩

حرفالضاد
الآية (١).
على المستوى المادي:
فلهم في أموال القادرين حق معلوم
يحقق لهم كفايتهم فيكفل لهم مستوى
العيش الكريم بتوفير الغذاء والكساء
والمسكن والدواء.
قال تعالى: ﴿وَأَلَِّينَ فِ أَقْوَهِمْ حَقٌ تَعْلُومٌ
لِلِسَّابِلِ وَالْمَعْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٤-٢٥].
ثانيًا: نصرة الضعفاء والمحتاجين:
النصرة في الدين من الإيمان بالله عز
وجل، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ
إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠].
ونصرة الضعفاء والمحتاجين من
الإيمان، قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَاوَوا
وَنَصَرُّوَا أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّاْ لَهُم مَّغْفِرَةٌ
وَرِزْقٌّ كَرِيمٌ ﴾ [الأنفال: ٧٤].
بل عقد الله تعالى بينهم وبين هؤلاء
الضعفاء عقد موالاة ومحبة فقال: ﴿أوْلَيْكَ
بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٢].
والولاية هي المحبة والمودة والمناصرة،
فلقد اهتم الإسلام اهتمامًا كبيرًا بالضعفاء
من الفقراء والمساكين وأبناء السبيل
وذوي الاحتياجات الخاصة، وحدد الدين
الإسلامي مسئولية المسلم نحو مجتمعه
وأكد على كرامة الفرد واحترامه وإعطاء
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٠٨/٣.
كل ذي حق حقه، وأوجب نصرته وعدم
خذلانه، لأن ترك النصرة والإعانة شيء
شنيع، فلابد من نصرة المسلم للمسلم، كما
قال صلى الله عليه وسلم: (ولينصر الرجل
أخاه ظالمًا أو مظلومًا)(٢).
والمعنى: إذا كان مظلومًا أن تأخذ له
بحقه، وإذا كان ظالمًا أن تأخذ له من نفسه،
وأن تأخذ على يديه، والنصرة هي الإعانة.
وقد أمر الشارع الحكيم بنصرة الضعفاء
والمحتاجين وإعطائهم حقوقهم ويكون
ذلك بأمور:
منها: الدفاع عنهم وعدم تركهم مع
من يؤذيهم: لقوله صلى الله عليه وسلم:
(المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله،
ولا يحقره، التقوى هاهنا -ويشير إلى صدره
ثلاث مراتٍ- بحسب امرئ من الشر أن
يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم
حرامٌ دمه وماله وعرضه)(٣).
أي: لا یتر که مع من يؤذيه ولا فیما یؤذيه،
بل ينصره ويدفع عنه، وهذا أخص من ترك
الظلم، وقد یکون واجبًا وقد یکون مندوبًا
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الظلم، باب
لينصر الرجل أخاه ظالمًا أو مظلومًاً، رقم
٢٥٨٤.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المظالم
والغصب، باب لا يظلم المسلم المسلم ولا
يسلمه، رقم ٢٤٤٢، ومسلم في صحيحه،
كتاب البر والصلة، باب المسلم أخو المسلم
لا يظلمه ولا يخذله، رقم ٢٥٦٤.
٢٨٠
مَوَسُوعَةُ النَفسِير
القرآن الكريمِ

الضَّعف
بحسب اختلاف الأحوال(١).
ويتجلى رقى الإسلام ونصرته للضعفاء
في الحفاظ على كرامة الخادم وعدم إهانته
وتوفير مقومات الحياة الكريمة له، وتوفير
کل أشكال الحماية لهم من الذین قد يدفعهم
المال أو المنصب أو السلطان إلى ظلم عباد
الله والإساءة إليهم.
وقد ضرب لنا رسول الله صلى الله
عليه وسلم أروع الأمثلة في التعامل معهم
واحترام مشاعرهم، وهذا أنس رضي الله
عنه يحدثنا عن رحمته وشفقته بالخدم،
قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحسن الناس خلقًا. فأرسلني يومًا لحاجة،
فقلت: والله لا أذهب، وفي نفسي أن أذهب
لما أمرني به نبي الله صلى الله عليه وسلم،
فخرجت حتى أمر على صبيانٍ وهم يلعبون
في السوق، فإذا رسول الله صلى الله عليه
وسلم قد قبض بقفاي من ورائي، قال:
فنظرت إليه وهو يضحك، فقال: يا أنيس
أذهبت حيث أمرتك؟ قلت: نعم، أنا أذهب
يارسول الله. قال أنس: والله لقد خدمته
تسع سنين ما علمته قال لشيءٍ صنعته: لم
فعلت كذا وكذا؟ أو لشيءٍ تركته: هلا فعلت
كذا وكذا)(٢).
(١) فتح الباري، ابن حجر ١٣٨/٥.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوصايا،
باب استخدام اليتيم في السفر والحضر إذا
كان صلاحًا له، رقم ٢٧٦٨، ومسلم في
ومنها: ستر عيوبهم وقضاء حوائجهم
وتنفيس كرباتهم: بين الرسول صلى الله
عليه وسلم أن الجزاء من جنس العمل فذكر
فضل إعانة المؤمن أخاه المؤمن في الدنيا،
و کذلك فضل تفریج کربه، وستر عیبه.
قال تعالى: ﴿ مَّن يَشْفَعْ شَفَعَةً حَسَنَةً
يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَعَةٌ سَيِّئَةً
يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٥].
والشفاعة الحسنة: أن توصل الخير إلى
الغیر، وأن تسعى في قضاء حوائجهم دون
أن يأخذوا ما ليس بحقهم، أو أن يعتدوا على
حق الغير.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال،
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا
يستر عبدٌ عبدًا في الدنيا إلا ستره الله يوم
القيامة)(٣).
وعنه أيضًا قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (من نفس عن مؤمن كربةً
من کرب الدنیا، نفس الله عنه كربة من کرب
يوم القيامة، ومن يسر على معسر، يسر الله
عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا
ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون
صحيحه، كتاب فضائل النبي صلى الله عليه
وسلم باب کان النبي صلى الله عليه وسلم من
أحسن الناس خلقاً، رقم ٢٣٠٩.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر
والصلة، باب الستر على العبد، رقم ٢٥٩٠.
www. modoee.com
٢٨١

حرف الضاد
العبد ما كان العبد في عون أخيه)(١).
ومنها: تفعيل دور وسائل الإعلام في
رعاية الضعفاء والمحتاجين ونشر قضياهم،
والدعوة لنصرتهم وإعانتهم وذلك من
خلال توجيه الناس بعدم التحقير والتقليل
من شأنهم، لقوله صلى الله عليه وسلم: (إن
الله عليه وسلم، أتكسر ثنية الربيع؟ لا والذي
بعثك بالحق لا تكسر ثنیتها.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(يا أنس كتاب الله القصاص).
فرضي القوم فعفوا، فقال رسول الله
صلی الله عليه وسلم: (إن من عباد الله من
الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم لو أقسم على الله لأبره) (٣).
ولكن إنما ينظر إلى قلوبكم)(٢).
والقيام بذكر قضاياهم وإشهار حقوقهم
وتبيين المظالم التي وقعت عليهم، يقول
سبحانه وتعالى: ﴿لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوْءِ
مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِّ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾
[النساء: ١٤٨].
وما كان النبي صلى الله عليه وسلم يترك
أحدًا من أصحابه قريبًا أو بعيدًا إلا ونصره،
روي البخاري بسنده، أن أنس ابن مالك
حدث (أن الربيع وهي ابنة النضر-وهي
عمة أنس- كسرت ثنية جارية، فطلبوا إليها
العفو فأبوا، فعرضوا الأرش فأبوا، فأتوا
رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبوا إلا
القصاص، فأمر رسول الله صلى الله عليه
وسلم بالقصاص.
فقال أنس بن النضر: یا رسول الله صلى
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الذكر، باب
الاجتماع على تلاوة كتاب الله، رقم ٢٦٩٩.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر
والصلة، باب المسلم أخو المسلم لا يظلمه
ولا يخذله، رقم ٢٥٦٤.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الديات،
باب السن بالسن، رقم ٦٨٩٤.
٢٨٢
القرآن الكريم

الضَّعف
الاستضعاف
أولًا: أسباب الاستضعاف:
١. قلة العدد.
قال تعالى: ﴿وَأَذْكُرُواْ إِذْ أَنْتُمْ قَلِلٌ
◌ُسْتَضْعَفُونَ فِى الْأَرْضِ تَّخَافُونَ أَنْ يَتَخَطّفَكُمُ
النَّاسُ فَاوَنِكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ، وَرَزَقَّكُم مِّنَ
اُلَّيِّبَتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٦].
صور الله سبحانه وتعالى الحال فقال:
﴿إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ أي: عدد قليل فإن الإسلام
إذ نشأ كان عدد المسلمين قليلًا، وكان
المشركون يستذلونهم، ويستضعفونهم،
ويؤذونهم، مرة بالسخرية والاستهزاء،
ومرة بالضرب والأذى، ومرة بوضع
الحجر المحمي علی ظهورهم، حتی کانوا
يضطروهم إلى أن ينطقوا بكلمة الكفر،
وقلوبهم مطمئنة بالإيمان، ولم يسلم النبي
صلى الله عليه وسلم من الأذى، حتى إنه
ليرمي عليه فرث الجزور وهو يصلي، ومع
هذا الاستضعاف في الأرض غير مستقرين
في أنفسهم وأموالهم فهم في خوف وفزع
واضطراب، ولذا وصفهم الله تعالى بقوله:
وَتَخَافُونَ أَنْ يَنَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾
والتخطف معناه: سلبهم أو سلب
أموالهم سريعًا من غير تلبث، والتخطف هو
موضع الخوف، ولا یکون معه استقرار أبدًا،
فلا يأمن التاجر، ولا العامل، ولا الزارع، لا
على ماله، ولا على نفسه (١).
وجاء ذلك في أقوال بعض التابعين،
فقد روي عن قتادة السدوسي في هذه
الآية أنه قال: كان هذا الحي من العرب
أذل الناس ذلًا، وأشقاها عيشًا، وأجوعها
بطونًا، وأعراها جلودًا، وأبينها ضلالًا، من
عاش منهم عاش شقيّا، ومن مات منهم
زوي في النار. یؤکلون، ولا يأكلون، والله
ما نعلم من حاضر أهل يومئذ من کانوا شرًا
منزلًا منهم حتى جاء الإسلام، فمکن به في
البلاد، ووسع به في الرزق، وجعلهم ملوكًا
على رقاب الناس، وبالإسلام أعطى الله ما
رأيتم، فاشكروا الله على نعمة، فإن ربكم
منعم يحب الشكر، وأهل الشكر في مزيد
من الله(٢).
وفي هذه الآية من العبرة: التي يجب
على المؤمنین أن یتذکروها أنه أورث من
اهتدى بهديه سعادة الدنيا وبسطة السلطان
ومكن لأهله في الأرض وأنالهم ما لم
یکونوا یرجونه لولا هدی الدین، وأورثهم
في الآخرة فوزًا ورضوانًا من ربهم وروحًا
وريحانًا وجنة نعيم هذا حين كانوا يعملون
بهديه فلما أعرضوا عنه ونأوا بجانبهم
عاقبهم الله بما جرت به سننه في الأرض
(١) زهرة التفاسير، أبو زهرة ٦/ ٣١٠٣.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٣٠/٢.
www. modoee.com
٢٨٣

حرف الضاد
فأضاعوا ملکهم وسلط عليهم أعداءهم،
فليعتبر المسلمون بما حل بهم، وليرجعوا
إلى تاريخ أسلافهم، وليستضيئوا بنورهم
وليثوبوا إلى رشدهم، لعله يعيد إليهم تراثهم
الغابر وعزهم الماضي: ﴿إِنَ الْأَرْضَ
لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِهُ وَالْعَقِبَةُ
لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨](١).
وبسبب جهل المسلمين بدينهم وبعدهم
عنه، يمروا هذه الأيام بمرحلة استضعاف
رهيبة غير معهودة في سالف عصورهم، فقد
تسلط عليهم الأعداء في جميع المجالات،
ولم يعد لهم هيبة في أعين أعدائهم، وما
ذلك إلا بسبب الذنوب والمعاصي التي
طغت على المجتمعات الإسلامية فأورثتها
المذلة أمام الأعداء، وعدم العمل بالشريعة
الإسلامية وتحكيمها على مستوى الفرد
والمجتمع.
فعن ثوبان رضي الله عنه قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يوشك
أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة
على قصعتها، قالوا: أو من قلة يارسول
الله؟ قال: بل أنتم كثير، ولكنكم غثاء كغثاء
السيل، ولينزعن الله المهابة من قلوب
أعدائكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن.
قالوا: وما الوهن يارسول الله؟ قال: حب
الدنيا وكراهية الموت)(٢).
٢. الاختلاف والتفرق.
قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَضَّى
بِه نُوحًا وَالَّذِىّ أَوْ حَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِ»
إِبْرَهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَىّ أَنْ أَقِيمُواْ الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُواْ
فِيدَ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا نَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ
اللّهُ يَجْتَِّىّ إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِىّ إِلَيْهِ مَن
يُنِيبُ ﴿ وَمَا نَفَرَّقُواْ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَ هُمُ
الْعِلْمُ بَغْيًّا بَيْنَهُمَّ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ
إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى لَّقُضِىَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْرِقُوا
الْكِنَبَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِی شَكٍ مِّنْهُ مُرِبٍ
ث ◌َلِذَلِكَ فَادْعُ وَأَسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتٌّ وَلَّا
تَنَِّعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [الشورى: ١٣ - ١٥].
أمر تعالى باجتماع المسلمين على
دينهم، ونهاهم عن التفرقة، وأخبرهم أنهم
ينبغي لهم أن لا يغتروا بما أنزل الله عليهم
من الكتاب. فإن أهل الكتاب لم يتفرقوا حتى
أنزل الله عليهم الكتاب الموجب للاجتماع،
ففعلوا ضد ما یأمر به کتابهم، وذلك كله بغيًا
وعدوانًا منهم، فإنهم تباغضوا وتحاسدوا،
وحصلت بينهم المشاحنة والعداوة، فوقع
الاختلاف فاحذروا أيها المسلمون أن
(٢) أخرجه أحمد في مسنده، ٣٣١/١٤، رقم
٨٧١٣، وأبوداود في سننه، كتاب الملاحم،
باب في تداعي الأمم على الإسلام، ٤ /١١١،
رقم ٤٢٩٧.
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة،
٦٤٧/٢، رقم ٩٥٨.
(١) تفسير المراغي ٣٤٤/٣.
وَضوري
جَوَسُورَة التَّقِينَ
القرآن الكريمِ
٢٨٤

الضَّعف
تكونوا مثلهم
٠
(١)
فالإسلام أمر بالوحدة والالتئام ومنع
التفرق والانقسام لأن التفرق والانقسام
يؤدي إلى التصدع والانفصام لذلك فهو
يرفض التحزب والانشطار في قلب الأمة
المحمدية الواحدة. ولهذا فقد ذم الله عز
وجل الفرقة ونهى عنها في أكثر من موضع
في كتابه؛ لأنها سببًا في تمزيق وحدة الأمة
المسلمة فيستضعفها أعدائها.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ
وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْءٍّ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى
اللَّهِ ثُمَّ يُكَبِّثُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٩].
فنجد أن المراد بالذين فرقوا دينهم وكانوا
شيعًا أهل الكتاب والمراد بجعل الرسول
صلى الله عليه وسلم بريئًا منهم تحذير أمته
من مثل فعلهم ليعلم أن من فعل فعلهم من
هذه الأمة فالرسول صلی الله عليه وسلم
برئ منهم بالأولى، فهذه الآية ((عامة في كل
من فارق دين الله وكان مخالفًا له، فإن الله
بعث رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره علی
الدین کله، وشرعه واحد لا اختلاف فيه ولا
افتراق، فمن اختلف فيه قد برأ رسوله مما
هم فیه»(٢).
كما أن الاختلاف والتنازع مدعاة للفشل
وهو الخيبة والنكول عن إمضاء الأمر
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص٣٧٥.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٧٧/٣.
وأكبر أسبابه الضعف والجبن، قال تعالى:
﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَا تَنَزَعُواْ فَتَغْشَلُواْ
وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦].
وأما قوله: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ فمعناه
تذهب قوتكم وترتخي أعصاب شدتكم
فيظهر عدوكم عليكم. والريح في اللغة
الهواء المتحرك وهي مؤنثة وقد تذكر بمعنی
الهواء وتستعار للقوة والغلبة إذ لا يوجد في
الأجسام أقوى منها فإنها تهيج البحار وتقتلع
أكبر الأشجار وتهدم الدور والقلاع.
وقال الأخفش وغيره تستعار للدولة
لشبهها بها في نفوذ أمرها. ويقولون هبت
(رياح فلان)) إذا دالت له الدولة وجرى أمره
علی ما یرید کما یقولون ركدت ريحه أو
رياحه إذا ضعف أمره وولت دولته(٣).
وبين سبحانه وتعالى أن الاختلاف
والتفرق سببًا في تسليط الأقوياء على
الضعفاء، فقال تعالى حكاية عن فرعون:
﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِ الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا
شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَايِفَةٌ مِنْهُمْ يُذَيِّحُ أَنَاءَ هُمْ
وَيَسْتَخِيِ نِسَآءَ هُمَّ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ
[القصص: ٤].
أي: وفرقهم فرقًا مختلفة، وأحزابًا
متعددة، وأغرى بينهم العداوة والبغضاء،
کیلا یتفقوا على أمر ولا یجمعوا على رأي،
ویشتغل بعضهم بالکید لبعض، وبذا یلین
(٣) المصدر السابق ٢٠/١٠.
www. modoee.com
٢٨٥

حرف الضاد
شديدة إلى ذلك الشيء. بعدما كان بينهم
في الجاهلية من العداوة والبغضاء وتسافك
الدماء ما هو معروف في جملته، ومنها أن
الحروب تطاولت بين الأوس والخزرج مئة
وعشرين سنة حتى أطفأها الإسلام، وألف
له قیادهم، ولا یصعب علیه خضوعهم
واستسلامهم، وتلك هي سياسة الدول
الكبرى في العصر الحاضر، وذلك هو
دستورها في حكمها لمستعمراتها، وقد
نقش حکامها في صدورهم ذلك الدستور
الذي ساروا عليه ((فرق تسد)) وطالما أجدى الله بين قلوبهم برسوله صلى الله عليه
وسلم. فصاروا بهذه الألفة أسعد الناس،
عليهم في سياسة تلك البلاد، التي يعمها
الجهل ويطغى على أهلها حب الظهور.
ويرضون بالنفاية والقشور (١).
ثم صاروا سادات الأرض وأنقذهم بذلك
من النار فكانوا به سعداء الدارين والفائزين
بالحسنيين(٢).
وقال تعالى: ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اَللَّهِ
جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ﴾ [آل عمران: ١٠٣].
فالإسلام يأمر باتحاد وإتفاق كل قوم
تضمهم أرض وتحكمهم الشريعة على
الخير والمصلحة فيها، وإن اختلفت أديانهم
وأجناسهم، ويأمر مع ذلك باتفاق أوسع،
وهو الاعتصام بحبل الله بين جميع الأقوام
والأجناس لتتحقق بذلك الأخوة في الله،
ولذلك قال بعد الأمر بالاعتصام والاجتماع
والنهي عن التفرق: ﴿وَأَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ
عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءُ فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم
بِنِعْمَتِهِ: إِخْوَاناً﴾ [آل عمران: ١٠٣].
يشير إلى ما كان عليه المؤمنون في عصر
التنزيل من أخوة الإيمان التي بها قاسم
الأنصار والمهاجرين أموالهم وديارهم
وبها كانوا يؤثرون بعضهم بعضًا بالشيء
على نفسه، وهو في خصاصة وحاجة
(١) تفسير المراغي ١١٨/٧.
جوسين
القرآن الكريم
والتفرق والاختلاف قسمان:
الأول: هو الخلاف في الفهم والرأي
ولا مفر منه لأنه مما فطر عليه البشر، كما
قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ ◌َجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً
وَحِدَةٌ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١٨) إِلَّا مَن رَّحِمَ
رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمُّ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَ
جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود:
١١٨-١١٩].
فاستواء الناس في العقول والأفهام مما
لا سبيل إليه ولا مطمع فيه إذ هو من قبيل
الحب والبغض، فالأخوة الأشقاء في البيت
الواحد تختلف أفهامهم في الشيء، كما
یختلف حبهم له ومیلهم إلیه.
الثاني: هو الافتراق في الدين وذهاب
أهله مذاهب تجعلهم شيعًا تتحكم فيهم
الأهواء، وهو أشد الأشياء ضررًا في البشر
(٢) المنار، محمد رشيد رضا ٤/ ٩٨٥.
٢٨٦

الضَّعف
لأنه يطمس أعلام الهداية التي يلجأ إليها أن المستضعفين لا يعتذرون يومئذ إلى
الملائكة بـ ((الضعف))، وإنما يعتذرون
في إزالة المضار التي في النوع الأول من
الخلاف. هذا النوع من الخلاف هو الذي
ذلت به الأمم بعد عزها، وهوت بعد رفعتها
وضعفت بعد قوتها كما حصل من الفرق
الإسلامية (١).
بالاستضعاف. والسبب واضح، فلم يجعل
الله تعالى في النظام الاجتماعي والسياسي
والاقتصادي ضعيفًا وقويًا، وإنما الإنسان
هو الذي يأذن للآخرين أن يستدرجوه إلى
الضعف، ويسلبوه إرادته وقوته وصموده
ولافتراق هذه الأمة في دينها وما تبعه من
ضعفها في دنياها أربعة أسباب كلية:
وكفاءاته وإمكاناته، فيكون مستضعفًا.
ليس في النظام الاجتماعي ضعف وقوة،
١. السياسية والتنازع على الملك.
ولكن في هذا النظام استضعافًا واستكبارًا،
٢. عصبية الجنس والنسب.
وأحدهما يستدعي الآخر. من كل ذلك
٣. عصبية المذاهب في الأصول والفروع.
تحولوا إلى كتلة عائمة تطيع وتتبع من
٤. القول في دين الله بالرأي.
غير نقاش ولا مراجعة، وإلى هذا المعنى
وهناك سبب خامس قد دخل في كل منها
وهو دسائس أعداء هذا الدین و کیدهم له.
يشير قوله تعالی حکایة عن فرعون وقومه:
﴿فَأَسْتَخَفَّ قَوْمَهُ، فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا
٣. الضعف المعنوي.
فَسِقِينَ ﴾ [الزخرف: ٥٤].
عموم الضعف في المؤمنين يرجع إلى
ضعف الدين وهو الضعف المعنوي، الذي
يجعل صاحبه يرضى بالذل والقعود، يفر
من حياة العز والكبرياء ويقبل حياة الذل
والخنوع، ولقد وصفهم سبحانه وتعالى
في كتابه بأنهم ظالمي أنفسهم، فقال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَقَّهُمُ الْمَلَتِكَةُ ظَالِمِىّ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ
فِيمَ كُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِ الْأَرْضِ﴾ [النساء:
٩٧].
فهذا هو الجواب على السؤال السابق:
فيم كنتم؟ قالوا: كنا مستضعفين. ولاحظ
(١) انظر: المصدر السابق ٤ / ٩٨٦ - ٩٨٧.
وهكذا نجد أن الاستكبار يؤدي إلى
الاستضعاف، والاستضعاف يؤدي إلى
الاستكبار. وهؤلاء المستضعفون عذابهم
كبير وأليم لأن جريمتهم هي تمكين
المجرمین من أنفسهم ومن المؤمنین، ولولا
رضوخهم للظلم لم يتمكن الظالمون من
ظلم المستضعفين واستضعافهم وإذلالهم.
وهذا وصف آخر للمستضعفين حال
تخاذلهم عند لقاء العدو بحجة الضعف،
فقال تعالى حكاية عن بني إسرائيل مع نبي
الله موسى عليه السلام: ﴿قَالُواْ يَمُوسَى إِنَّ
www. modoee.com
٢٨٧

حرفالضاد
فِيَهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُواْ تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَّحْزَنُواْ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ
مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩].
[المائدة: ٢٢].
والمعنى: أن موسى عليه السلام لما
قرب بقومه من حدود الأرض المقدسة
أمرهم بدخولها مستعدين لقتال من يقاتلهم
من أهلها وأنهم لما غلب عليهم من الضعف
والذل باضطهاد المصرين لهم وظلمهم
إياهم، أبوا وتمردوا واعتذروا بضعفهم وقوة
أهل تلك البلاد (١).
ومن هذا يتضح لنا: ((أن الشعوب التي
تنشأ في مهد الاستبداد، وتساس بالظلم
والاضطهاد، تفسد أخلاقها، وتذل نفوسها،
ويذهب بأسها، وتضرب عليها الذلة
والمسكنة، وتألف الخضوع، وتأنس بالمهانة
والخنوع، وإذا طال عليها أمد الظلم، تصير
هذه الأخلاق موروثة مکتسبة، حتی تکون
كالغرائز الفطرية، والطبائع الخلقية، وهذا
شأن البشر في كل ما يألفونه ويجرون عليه
من خير وشر، وإيمان وكفر))(٢).
وهذا الضعف المعنوي يخالف القضايا
التي حرص الإسلام على تأصيلها في نفوس
المسلمين أينما كانوا وهي القوة المعنوية
حيث وجه الإسلام المسلمين إلى ضرورة
أن يبقوا محافظين على هذا الأمر، فقد قال
(١) المنار، محمد رشيد رضا ٢٤٦/٦.
(٢) المصدر السابق ٢٤٩/٦.
٤. الرق.
الأصل في الإنسان الحرية، وکان وقوع
الرق في التاريخ البشري خروجًا عن هذه
القاعدة، وكان لأحوال عارضة وقعت نتيجةً
لكثير من التقلبات التي تعرض لها الإنسان
من حروب سواء كانت عادلة أو ظالمة، أو
كوارث طبيعية، أو عدوان من الإنسان على
الإنسان، أو استغلال لحالة ضعف يمر بها،
وإذا نظرنا في أسباب الرق في البيئات التي
ظهرت فيها في صور من الظلم المباشر كبيع
الحر أو قهر إنسان للتغلب عليه، أو استغلال
حالة ضعف يمر بها كدينٍ يرهقه، ويعجز
عن الوفاء به، أو جريمة يرتكبها كسرقة أو
قتل إذا لم يقتل، أو يلتقط التقاطًا فيقع تحت
حکم غيره: إما أن یرمه، أو يسترقه لنفسه، أو
يبيعه لغيره.
وقد كشف القرآن الكريم عن بعض هذه
الأساليب من خلال ما جرى ليوسف عليه
السلام كما في قوله تعالى: ﴿وَجَآَتْ سَيَّارَةٌ
فَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فَأَدِلَى دَلْوَهُ، قَالَ يَنَبُشْرَى هَذَا
عُلَمْ وَأَسَرُوهُ بِضَعَةٌ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ
وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسِ دَرَهِمَ مَعْدُودَةٍ
وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّهِدِينَ﴾ [يوسف: ١٩-
٢٠].
وما أجراه على أخيه في الظاهر حسب
٢٨٨
قَ الَشية
جَوَنُور
القرآن الكريم

الضَّعف
القوانين التي كانت سائدة: ﴿وَقَالَ الَّذِى هي: الفقر والجهل والمرض زائدًا الغربة-
أُشْتَرَنَهُ مِن مِّصْرَ لِمْرَأَتِهِ، أَكْرِمِى مَثْوَنُهُ
عَسَى أَن يَنفَعَنَّا أَوْ نَنَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ [يوسف: ٢١].
وما أجراه على أخيه في الظاهر حسب
القوانين التي كانت سائدة: ﴿قَالُواْ جَزَّوُهُ
مَنْ وُجِدَ فِى رَحْلِهِ، فَهُوَ جَزَّؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِى
الَّلِينَ﴾ [ يوسف: ٧٥](١).
وأيضًا ما حدث لسلمان الفارسي رضي
الله عنه حين شغل الرق حينًا من الزمن، فقد
كان مولى أحد الوجهاء، فذهب إلى النبي
صلى الله عليه وسلم، فأشار عليه النبي صلى
الله علیه وسلم أن یکاتب سیده، فکاتبه على
ثلاثمائة نخلة يغرسها له وأربعين أوقية من
ذهب.
ومن هذه المعاني السابقة يتبين أن الرق
حالة حكمية تضرب على الرقيق فتحول بينه
وبين كمال أهليته لا إزالة أصلها، أي يلحق
بھا نقص حیث یصبح بذاته مملوكًا لسیده،
فلا يملك ولا یمارس لنفسه أيًا مما يتعلق
به حق من الاسترقاق الجماعي. وذلك ما
يحرمه الإسلام حين يقرر مبادئ المساواة،
ويحرم الظلم بكل صوره (٢).
٥. الفقر والحاجة.
عوامل استضعاف الإنسان الأساسية
(١) الرق قضية إنسانية وعلاج قرآني، أحمد
البشايرة ص ١١٥.
(٢) انظر: المصدر السابق ص ١٣٠- ١٣١.
التي يعبر عنها القرآن الكريم بابن السبيل-
فهذه العوامل تتكاتف على المستضعف
وتجعله في إطار الضعف ليأتي المستكبر
فيستضعفه ويكرس استضعافه ويحاول أن
يبقيه في حالة الاستضعاف.
ولعل استضعاف الفقر (الاستضعاف
المالي) هو أهم عامل من عوامل
الاستضعاف، وهذا ما حدثتنا السيرة عنه،
((بأن الذين دخلوا في الإسلام، في الفترة
المكية كان معظمهم خليطًا من الفقراء
والضعفاء والأرقاء، وهذه الظاهرة هي
الثمرة الطبيعية لدعوة الأنبياء في فترتها
الأولى، فكان هؤلاء المستضعفون يعتبرون
أن الأنبياء هم طوق النجاة لهم.
ألم تر إلى قوم نوح عليه السلام كيف
كانوا يعيرونه بأن أتباعه الذين من حوله
ليسوا إلا من أراذل الناس ودهمائهم: ﴿مَا
نَرَئِكَ إِلَّا بَشَرًّا مِثْلَنَا وَمَا نَرَئِكَ أَتَبَعَكَ إِلَّا
اُلَّذِينَ هُمْ أَرَافِلْنَا بَادِىَ الَرَّأْيِ﴾ [هود: ٢٧].
وإلى فرعون وشيعته كيف كانوا يرون
اتباع موسى عليه السلام أذلاء مستضعفين.
قال تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءَ لَشِرْدِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾
[الشعراء: ٥٤].
حتى قال عنهم بعد أن تحدث عن هلاك
فرعون وأشياعه: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ
يُسْتَضْعَفُونَ مَشْرِقَ الْأَرْضِ وَمَغَرِبَهَا
www. modoee.com
٢٨٩

حرف الضاد
الَّتِ بَرَكْنَا فِيهَا﴾ [الأعراف: ١٣٧](١).
أن يجعل أولئك الضعفاء يدينون لغير الله،
والفقر والحاجة في الحق ليس عذرًا والله خالقهم ورازقهم وكافلهم دون سواه؟
لأن من أخلد إلى السكون، وقعد عن نصرة
الدين، وعذر نفسه بأنه فقير ضعيف ليس
له حول ولا قوة، ففي الحقيقة غير معذور
لا أحد. لا أحد إلا أنفسهم الضعيفة. فهم
ضعفاء لا لأنهم أقل قوة مادية من الطغاة،
ولا لأنهم أقل جاهًا أو مالًا أو منصبًا أو
لأنه تنازل عن أخص خصائص الإنسان مقامًا كلا، إن هذه كلها أعراض خارجية
لا تعد بذاتها ضعفًا يلحق صفة الضعف
بالضعفاء إنما هم ضعفاء لأن الضعف في
أرواحهم وفي قلوبهم وفي اعتزازهم بأخص
خصائص الإنسان(٢).
الکریم علی الله حین تنازل عن حريته
الشخصية في الاعتقاد والاتجاه، وجعل
نفسه تبعًا للمستكبرين والطغاة، ودان لغير
الله من عبيده واختارهم على الدينونة لله.
والضعف ليس عذرًا، بل هو الجريمة، فما
یرید الله لأحد أن یکون ضعيفًا، وهو يدعو
الناس كلهم إلى حماه يعتزون به والعزة لله.
قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ،
وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾
[المنافقون: ٨].
والقوة المادية -كائنة ما كانت- لا تملك
أن تستعبد إنسانًا يريد الحرية، ويستمسك
بكرامته الآدمية، فقصارى ما تملكه تلك
القوة أن تملك الجسد، تؤذيه وتعذبه وتكبله
وتحبسه. أما الضمير، أما الروح. أما العقل
فلا يملك أحد حبسها ولا استذلالها، إلا أن
يسلمها صاحبها للحبس والإذلال.
من ذا الذي يملك أن يجعل أولئك
الضعفاء تبعًا للمستكبرين في العقيدة وفي
التفكير، وفي السلوك؟ من ذا الذي يملك
(١) فقه السيرة النبوية، البوطي ص ٧٠.
ولذلك انتهى الضعفاء والطغاة
المستکبرون إلى عذاب الله على سواء.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَلُّونَ بِالنَّارِ
فَيَقُولُ السُّعَفَوْ لِلَّذِينَ أَسْتَكْبَرُواْ إِنَّا
كُتَّالَكُمْ تَبَعَا فَهَلْ أَنْتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا
مِنَ النَّارِ ) قَالَ الَّذِينَ أَسْتَكْبَرُواْ إِنَّا
كُلُّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾
[غافر: ٤٧ -٤٨].
وللأسف نجد الآن بسبب الفقر والضيق
والعوز من يترك دينه ويتنصر لأجل مال أو
وظيفة أو زواج، وفي الحقيقة-كما سبق
وقلنا- هذا ليس عذرًا ولا حول ولا قوة إلا
بالله.
٦. الضعف الطبيعي.
وهذا الضعف لا يأتي في إطار التجاذب
بين المستضعفين والمستكبرين، كقوله
(٢) انظر: في ظلال القرآن ٢٠٩٦/٤.
٢٩٠
القرآن الكريم

الضَّعف
تعالى: ﴿أَيْوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ
يِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ لَهُ.
فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَّهُ, ذُرِيَّةٌ
مُعَفَاءٍ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَأَحْتَرَقَتْ﴾
[البقرة: ٢٦٦].
وقوله تعالى: ﴿فَإِن كَانَ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ
سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ
وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
وقوله: ﴿لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى
الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا
يُنفِقُونَ حَرَجُ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، مَا عَلَى
الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١].
وقوله: ﴿وَلْيَخْشَ اَلَّذِينَ لَوْ تَرَّكُواْ مِنْ
خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَفَا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواْ اللَّهَ
وَلْيَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء: ٩].
فالآيات الأربع تتناول حالات الضعف
الناتج عن صغر السن ((الذرية)) أو ضعف
البدن أو العقل ((بالسفه)) أو كبر السن وهي
كلها حالات ضعف لا تجري عليها سنن
وقوانين الاستضعاف، لأن الاستضعاف
إنما هو وضع اجتماعي بالأساس ناتج عن
ظروف ضعف يمكن أن تكون طارئة أو
يمكن العمل على إزالتها بالعمل والجهد
والعرق والكفاح والإصلاح.
في حاجة إلى أن تستضعف في الأساس.
وقد استثنى الله عز وجل أولئك الوعيد
لأنهم أصحاب استضعاف حقيقي، فقال
تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَقَّهُمُ الْمَلَتِكَةُ ظَالِىّ
أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي
اْأَرْضَِّ قَالُواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اُللَّهِ وَسِعَةً فَنْهَاجِرُوا
فِيهَاً فَأُوْلَكَ مَأْوَهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيًّا
٩٧
ـ) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَآءِ
وَاُلْوِلْدَنِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةٌ وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾
[النساء: ٩٧-٩٨].
ففي الآية الأولى تحدث عن
المستضعفین الغیر معذورین، لأنه كان يجب
عليهم الهجرة إلى المؤمنين الذين يعتزون
بهم، فهم بحبهم لبلادهم، وإخلادهم إلى
أرضهم، وسکونھم إلی أهلیهم ومعارفهم،
ضعفاء في الحق لا مستضعفون.
ثم قال تعالى في الآية الثانية: ﴿إِلَّا
اٌلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْرِجَالِ وَاَلْنِسَاءِ وَاَلْوِلْدَنِ ﴾،
دل الوعيد في الآية السابقة مع الاستثناء في
هذه الآية على أن أولئك الذين اعتذروا عن
عدم إقامة دینهم وعدم الفرار به هجرة إلى
الله ورسوله غير صادقين في اعتذارهم فإن
الاستضعاف الحقيقي عذر صحيح ولذلك
استثنی أهله من الوعيد بهذه الآية.
وقرن الرجال بالنساء والولدان فيها يشعر
أما هذه الحالات من الضعف فقد لا يطرأ
عليها تغيير -اللهم إلا في حالة الذرية التي
بأن المراد بالرجال الشيوخ الضعفاء والعجزة
يرجى لها مع السنين أن تكبر- فهي ليست الذين هم كمن ذكر معهم ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً
www. modoee.com
٢٩١

حرفالضاد
وَلَا يهتَدُونَ سچيلًا ﴾ أي قد ضاقت بهم الحيل
كلها، وعميت عليهم الطرق جميعها فلم
يهتدوا طريقًا منها، إما للزمانة والمرض،
وأما للفقر والجهل بمسالك الأرض(١).
وذكر سبحانه وتعالى أصحاب
الاستضعاف الحقيقي في قوله: ﴿لِلْفُقَرَآءِ
الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا
يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ
يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَآءُ مِنَ التَّعَقُّفِ
تَعْرِفُهُم بِسِيمَهُمْ لَا يَسْتَلُونَ النَّاسَ
إِلَحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣].
أي: منعوا من الكسب الذي يطلبه
صاحبه مجاهدًا في طلبه. والإحصار هو
التشديد في التضيق بالمنع من الحركة
والسير والعمل؛ والمنع يكون لعجزٍ مطلق
بمرض أو شيخوخة أو صغر أو غير ذلك.
ثانيًا: وسائل مقاومة الاستضعاف:
١. الوحدة.
إذا كانت الفرقة هي طريق الاستضعاف
والانحطاط، فإن الوحدة هي سبيل القوة
والارتقاء. وإن اتحاد الأمة الإسلامية على
أسس من ديننا العظيم أمل كل المسلمين
الصادقين في كل مكان، ذلك أن الإسلام
هو الذي جعل من العرب المتناحرين أخوة
في دین الله.
(١) المنار، محمد رشيد رضا ٢٥٦/٥.
جوبيع
القرآن الكريم
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾
[الحجرات: ١٠].
كما أن الإسلام بعقيدته الصحيحة
وعبادته الصادقة، وأخلاقه الرفيعة، صهر
الأمم والشعوب والحضارات التي دخلت
فيه وجعل منهم أمة واحدة مترابطة ترابط
الجسد الواحد لا فرق بين الفارسي ولا
البربري، ولا الرومي ولا العربي، ولا بين
الفقير والغنى إلا بالتقوى.
وأصبحت أمة الإسلام أمة واحدة في
عقيدتها ومنهجها.
قال تعالى: ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بَحَبْلِ اَللَّهِ جَمِيعًا
وَلَا تَفَرَّقُواْ﴾ [آل عمران: ١٠٣].
وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِهِ أُسَتَّكُمْ أُمَّةُ وَحِدَةً
وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَأَنَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥٢].
هذه دعوة إلى الإخاء الإنساني، وإلى
إزالة هذه السدود التي تعزل المجتمعات
الإنسانية بعضها عن بعض، وخاصةً إِذا
کانوا جمیعًا يتجهون إلى الله، ویؤمنون به،
فوجهتهم جميعًا هي الله، وإن كان لكلٍ
وجهة هو موليها، وكذلك ينبغي أن تكون
وجھتھم جمیعًا هي الإنسانیة، وإن کان لکل
إنسان لونه، ووطنه، وجنسه(٢).
ومن أهم الأسباب في تحقيق الوحدة أن
يجتمع المسلمون على أصول ثابتة:
(٢) التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم الخطيب
٠١١٤٤/٥
٢٩٢