Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
الطنچُ
طـ ،
عناصر الموضوع
مفهوم الطبع
٣٨٨
الطبع في الاستعمال القرآني
٣٩٠
الألفاظ ذات الصلة
٣٩١
أسباب الطبع
٣٩٧
طرق تجنب الطبع
٤١٠
٤٢٨
نتائج الطبع على القلوب
المُجَلَدَ الحَاذِى وَالعشْرُونْ
حرف الطاء
مفهوم الطبع
أولًا: المعنى اللغوي:
أصل مادة ( ط ب ع) تدل على معنيين:
الأول: نهاية ینتهي إليها الشيء حتى يختم عندها.
والثاني: طبع الإنسان وسجيته، أي: ما طبع عليه الإنسان في مأكله ومشربه، وسهولة
أخلاقه وحزونتها، وعسرها ويسرها، وشدته ورخاوته، وبخله وسخائه(١)
وقيل: إنّ أصل الطبع: الصدأ، والوسخ، والدنس، يكثر على السيف وغيره، ثم استعير
فيما يشبه ذلك من الأوزار والآثام وغيرهما من المقابح (٢).
وقال الراغب: ((الطبع: أن تصوّر الشيء بصورة مّا، كطبع السّكّة، وطبع الدّراهم، وهو
[المنافقون: ٣].
أعم من الختم وأخص من النقش، ومنه قوله تعالى: ﴿فَطْيَعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾
وبه أعتبر الطّبع والطبيعة التي هي السجية، فإن ذلك هو نقش النفس بصورة مّا، إمّا من
حيث الخلقة، وإمّا من حيث العادة، وهو فيما ينقش به من حيث الخلقة أغلب)) (٣).
وأما مادة (ق ل ب) فتدل على معنيين:
الأول: خالص شيء وشريفه.
الثاني: رد شيء من جهة إلى جهة.
فمن الأول: قلب الإنسان، سمي بذلك؛ لأنه أخلص شيء فيه وأرفعه. وخالص كل شيء
وأشرفه قلبه.
ومن الثاني: قَلَبَتُ الثوب قَلْبًا. وقلبت الشيء: كَبَيْتُه، وقَلَّبْتُه بيدي تقليبًا(٤).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
الطبع اصطلاحًا: أَثر یثبت على الشيء بعد إحكام غلقه وسده، ویکون لازمًا له، لكيلا
يدخل فيه شيء ولا يخرج منه شيء (٥).
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٣/ ٤٨٣، لسان العرب، ابن منظور ٢٣٢/٨.
(٢) انظر: مجاز القرآن، أبو عبيدة ١٢٥/٢، النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير ١٢٢/٣.
(٣) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٥١٥.
(٤) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ٩/ ١٤٣، مقاييس اللغة، ابن فارس ١٧/٥.
(٥) انظر: مفردات القرآن، الفراهي ص٣٤٩.
٣٨٨
جوبيبو
القرآن الكريم
الطبي
و(الطََّعُ) بتحريك الباء: الدنس، وقد حمل بعضهم قوله تعالى: ﴿طَبَعَ اَللَّهُ عَلَى
قُلُوبِهِمْ﴾ [النحل: ١٠٨]. على ذلك، ومعناه: دنّسه، ومن ذلك أيضًا: طبع الله على قلب
الكافر؛ کأنه ختم علیه حتى لا يصل إليه هدى ولا نور، فلا يوفق لخير (١).
قال ابن عاشور: ((الطبع: إحكام الغلق بجعل طين ونحوه على سد المغلوق بحيث لا
ينفذ إليه مستخرج ما فيه إلا بعد إزالة ذلك الشيء المطبوع به، وقد يَسِمُون على ذلك الغلق
بِسِمَة تترك رَسْمًا في ذلك المجعول، وتسمى الآلة الواسمة طابَعًا - بفتح الباء-)(٢).
والطبع: أثر يثبت في المطبوع ويلزمه فهو يفيد من معنى الثبات واللزوم ما لا يفيده الختم؛
ولهذا قيل: طبع الدرهم طبعًا، وهو الأثر الذي يؤثره فلا يزول عنه(٣).
والقلب اصطلاحًا: هو محل النفس والعقل والعلم والفهم والعزم. وسمي قلبًا لتقلبه في
الأشياء بالخواطر والعزوم والاعتقادات والإرادات (٤).
وعرفه الجرجاني فقال: «هو لطيفة ربانية لها بهذا القلب الجسماني الصنوبري الشكل
المودع في الجانب الأيسر من الصدر تعلق، وتلك اللطيفة هي حقيقة الإنسان، ويسميها
الحكيم: النفس الناطقة، والروح باطنه، والنفس الحيوانية مركبة، وهي المدرك، والعالم من
الإنسان، والمخاطب، والمطالب، والمعاتب))(٥).
والطبع على القلوب: ((كناية عن بلوغها مستوى من القسوة وجفاف عواطف الخير، فهي
لا تتأثر ببيان، ولا تستجيب لموعظة. فكأنها بيوت مقفلة مطبوع عليها، أو قطعة من المعدن
قد علاها الصدأ فغشاها)) (٦).
وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (من ترك ثلاث جمع تهاونًا بها، طبع الله على
قلبه)(٧)، أي: ختم عليه وغشاه ومنعه ألطافه (٨).
(١) انظر: الصحاح، الجوهري ١٢٥٣/٣، مقاييس اللغة ٤٣٨/٣، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي
٤٩٥/٣.
(٢) التحرير والتنوير ١٧/٦ - ١٨.
(٣) الفروق اللغوية، العسكري ص٧٣.
(٤) انظر: نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص ٤٨٢.
(٥) انظر: التعريفات ص ١٧٨.
(٦) صراع مع الملاحدة، الميداني ص٣٨٨.
(٧) أخرجه أحمد في مسنده، ٢٥٥/٢٤، رقم ١٥٤٩٨، وأبو داود في سننه، ٢٨٥/٢، رقم ١٠٥٢،
والترمذي في سننه، ١ / ٦٣٠، رقم ٥٠٠.
وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود ٢١٨/٤، رقم ٩٦٥.
(٨) انظر: النهاية في غريب الحديث، ابن الأثير ١١٢/٣.
www. modoee.com
٣٨٩
حرف الطاء
الطبع في الاستعمال القرآني
وردت مادة (طبع) في القرآن (١١) مرة (١).
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
٦
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ فَطْبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [المنافقون: ٣]
﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَ كُلِّ قَلْبٍ مُتَكَبٍِّ جَبَّارٍ
٢٥
الفعل المضارع
٥
[غافر: ٣٥]
وجاء الطبع في القرآن بمعنى إحكام الإغلاق مع الختم (٢).
(١) انظر: المعجم المفهرس، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٤٢٥، المعجم المفهرس الشامل، عبدالله
جلغوم، ص٧١٩.
(٢) التحرير والتنوير ١٧/٦ - ١٨.
٣٩٠
وضوي
جَوَسُ حَرَ النَّفْسِير
القرآن الكريم
الطبع
الألفاظ ذات الصلة
الختم:
١
الختم لغة:
الخاء والتاء والميم أصل واحد، وهو بلوغ آخر الشيء، وكثيرًا ما يفسر الختم بالطبع؛
لأن الطبع على الشيء لا يكون إلا بعد بلوغ آخره (١). وقيل: الختم: هو التأثير في الطين
ونحوه(٢).
الختم اصطلاحًا:
قال الكفوي: الختم في الاصطلاح: ((قريب من (الكتم) لفظًا لتوافقهما في العين واللام،
وكذا معنى؛ لأن الختم على الشيء يستلزم كتم ما فيه))(٣). والختم: أصله في الحسيات،
ومنه ختم الكتاب بالطين لتأمين إيصاله دون فض، واستعمل بتوسع في الختم المعنوي،
ومنه الختم على القلوب (٤).
الصلة بين الختم والطبع:
لم يفرق اللغويون بين الختم والطبع، قال ابن منظور: الختم على القلب: أي: أن لا
يفهم شيئًا ولا يخرج منه شيء كأنه طبع. وفي التنزيل العزيز: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة:
٧]؛ هو كقوله: ﴿طَبَعَ اَللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [النحل: ١٠٨]. فلا تعقل ولا تعي شيئًا (٥)، وقال
الدامغاني: إنّ ختم کطبع (٦).
وقال الزجاج: معنى ختم في اللغة وطبع معنى واحد، وهو التغطية على الشيء،
والاستيثاق من أن لا يدخله شيء (٧).
وفّق العسكري بين الختم والطبع بقوله: ((إن الطبع أثر يثبت في المطبوع ويلزمه، فهو
يفيد من معنى الثبات واللزوم ما لا يفيده الختم، ولهذا قيل: طبع الدرهم طبعًا، وهو الأثر
الذي يؤثره فلا يزول عنه، كذلك أيضًا قيل: طبع الإنسان؛ لأنه ثابت غير زائل. وقيل: طبع
(١) انظر: مقاييس اللغة ٢٤٥/٢.
(٢) انظر: تاج العروس ٤٣٩/٢١.
(٣) الكليات، الكفوي ص٤٣١.
(٤) قواعد التدبر الأمثل، عبد الرحمن حبنكة ص٤٦١.
(٥) انظر: لسان العرب ١٢/ ١٦٣.
(٦) الوجوه والنظائر، الدامغاني ص٢٠٦.
(٧) معاني القرآن وإعرابه ١/ ٨٢.
www. modoee.com
٣٩١
حرف الطاء
فلان على هذا الخلق إذا كان لا يزول عنه))(١).
وفرّق ابن القيم بين الختم والطبع فقال: قلت: الختم والطبع يشتركان فيما ذكر، ويفترقان
في معنى آخر، وهو أن الطبع ختم يصير سجيّة وطبيعة، فهو تأثير لازم لا يفارق(٢)، وبهذا
يشير إلى أن الطبع أشد من الختم.
الران:
٢
الران لغة:
يقال: ((الّان والرّين)) وهما لغتان، ويرجع معناه إلى الغلبة والرسوخ، قال أبو عبيدة:
(﴿رَانَعَلَى قُلُوبِهِم ﴾: غلب على قلبه))(٣).
وقيل: إنّ أصل الرين: الطبع والتغطية، يقال: ران الذنب على قلبه يرين رينا وريونا: غلب
عليه وغطاه (٤)، وإلى ذلك ذهب الزجاج (٥).
الران اصطلاحًا:
هو الطبع والدنس والصدأ، يغشى القلب ويغطيه من توالي الذنوب وكثرتها، ومنه قوله
تعالى: ﴿كَلَّابَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [المطففين: ١٤].
وهو الموضع الوحید في القرآن الکریم الذي ذکر فیه (الران)، ومعنى الآية: أي صار ذلك
كصداً على جلاء قلوبهم فعمي عليهم معرفة الخير من الشر (٦). وقال الحسن ومجاهد: ((هو
الذنب على الذنب، حتى تحيط الذنوب بالقلب، وتغشاه فيموت القلب)»(٧).
الصلة بين الران والطبع:
قال مجاهد: الرين أيسر من الطبع، والطبع أيسر من الإقفال، والإقفال أشد من ذلك
کله(٨).
وقال ابن الأثير: كانوا يرون أن الطبع هو الرين(٩). وقال أبو معاذ النحوي: الرين: أن
(١) الفروق اللغوية ص٧٣.
(٢) التفسير القيم ص ١١٥.
(٣) انظر: مجاز القرآن ٢٨٩/٢.
(٤) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير ٢٩١/٢، لسان العرب، ابن منظور ١٩٢/١٣.
(٥) انظر: معاني القرآن وإعرابه ٢٩٩/٥.
(٦) المفردات، الراغب ص٣٧٣.
(٧) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٨٨/٣١.
(٨) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ٣/ ١٢٢.
(٩) المصدر السابق ١١٢/٣.
٣٩٢
جَوَسُولَةُ النفسية
القرآن الكريم
الطبع
يسود القلب من الذنوب. والطبع: أن يطبع على القلب، وهو أشد من الرين، وهو الختم.
قال: والإقفال أشد من الطبع، وهو أن يقفل على القلب(١).
وقال الزجاج: ((يقال: ران على قلبه الذنب يرن رينا، إذ غشي على قلبه)). قال: ((والرين،
كالصدأ يغشى القلب))(٢).
قال ابن القيم: ((وأما الرين والران: فهو من أغلظ الحجب على القلب وأكثفها))(٣).
وقيل: إن الختم والطبع والرين ألفاظ تجري على شيء واحد، وهو: تغطية الشيء
والحيلولة بينه وبين ما من شأنه أن يدخله ويمسه (٤). وإلى ذلك ذهب بعض اللغويين، قال
ابن منظور: إنّ معنى ((ران)) في الآية: أي غلب وطبع وختم، وبنحوه قال ابن الأثير (٥).
الأكنة:
٣
الأكنة لغة:
من الكنّ: وهو وقاء كل شيء وستره، والجمع أكنانٌ، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُ مِّنَ
اَلْجِبَالِ أَكْنَنَا﴾ [النحل: ٨١].
والأكنّة جمع (أكنان): مفردها: كنان، وتعني: الأغطية. ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى
قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةٌ أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الأنعام: ٢٥](٦).
الأكنة على القلوب اصطلاحًا:
هي غطاء محكم على القلب يمنع الفهم ويحجب الهداية، وهي بهذا المعنى تتشابه مع
معنى الطبع على القلوب. وقال الزجاج في قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِىَ أَكِنَّةِ﴾ [فصلت:
٥]. أي: في غلف، أي: ما تدعونا إليه لا يصل إلى قلوبنا لأنها في أغطية(٧).
وقال الراغب: في معنى قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِىَ أَكِتَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِيّ ءَاذَانِنَا
وَقْرٌ وَمِنُ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَأَعْمَلْ إِنََّا عَمِلُونَ﴾ [فصلت: ٥]. أي: في غفلة من هذا. وقيل:
معناه: قلوبنا أوعية للعلم. وقيل: معناه: قلوبنا مغطاة (٨).
(١) التفسير القيم، ابن القيم ١ / ٥٦٤.
(٢) معاني القرآن وإعرابه ٢٩٩/٥.
(٣) التفسير القيم ١/ ٥٦٤.
(٤) المنار، رشيد رضا ١/ ١٢١.
(٥) انظر: النهاية في غريب الحديث، ابن الأثير ٢/ ٢٩١، لسان العرب، ابن منظور ١٩٢/١٣.
(٦) انظر: الصحاح، الجوهري ٢١٨٨/٦، تاج العروس ٦٣/٣٦.
(٧) انظر: معاني القرآن، النحاس ٢٤٢/٦.
(٨) المفردات ص ٦١٢.
www. modoee.com
٣٩٣
حرف الطاء
الصلة بين الأكنة والطبع:
قال الراغب: إنّ الإنسان إذا تناهى في اعتقاد باطل، أو ارتكاب محظور، ولا يكون منه
تلفت بوجه إلى الحق، يورثه ذلك هيئة تمرنه على استحسان المعاصي، وكأنما يختم بذلك
على قلبه، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿أُوْلَّبِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ
وَأَبْصَرِهِمْ﴾ [النحل: ١٠٨].
وعلى هذا النحو استعارة الكنّ في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةٌ أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الأنعام:
٢٥]. فجعل معنى الأكنة يقوم مقام الختم والطبع (١).
الغلف:
٤
الغلف لغة:
قال ابن فارس: إن مفردة غلف تدل على غشاوة وغشيان شيء لشيء، وقلب أغلف:
كأنما أغشي غلافًا، فهو لا يعي شيئًا. قال الله تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلّفٌ﴾ [النساء: ١٥٥].
وقرأت: (غلف)، أي: أوعية للعلم. والقياس في ذلك كله واحد(٢). وقيل في معنى:
((غلف، أي: صم(٣). وقيل أيضًا في تفسيرها: أي: في غطاء محجوبة عما تقول)) (٤).
الغلف اصطلاحًا:
لا يختلف عن المعنى اللغوي، من حيث إنه غشاء وغطاء يحجب القلب عن الإيمان.
وتتفق دلالة الغلف مع دلالة الأكنة ويتشاركان المعاني نفسها، إلا إن بينهما فرقًا دقيقًا، وهو
أن معنى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةُ أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الأنعام: ٢٥]. أي: مجموعة أغطية وأستار،
واحدًا تلو الآخر حتى يحجب عنها الفهم والهداية والإيمان؛ بدلالة صيغة الجمع، وأما
(غلف) وورودها بالصيغة نفسها، فتعني: أن هذه القلوب غطيت وأغشيت بأغلفة، وكأن
القلب صار غلاف لنفسه، ولذا نجد الجملة مع الغلف استغنت عن حرف الجر، بعكس
الأکنة حیث عدیت بحرف الجر.
الصلة بين الغلف والطبع:
وجه التشابه في المعنى في قوله: ﴿قُلُوبُنَا غُلَّفٌ﴾ مع قوله: ﴿وَطَيِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾، فهما
يشتركان في المعنى من حيث عدم الانتفاع بالآيات والنذر؛ لإحاطة هذه القلوب بأغلفة
(١) انظر: المصدر السابق ص٢٧٥.
(٢) مقاييس اللغة ٣٩٠/٤.
(٣) لسان العرب، ابن منظور ٢٧١/٩.
(٤) انظر: الكليات، الكفوي ص ٦٧٣.
٣٩٤
جوية
القرآن الكريمِ
الطبي
وأغطية تمنع من وصول الإيمان، فقلوبهم لا تفقه علمًا، ولا تعي حقًّا، ويتفارقان من حيث
الشدة، فالطبع أشد أثرًا في القلب من الأكنة والغلف.
ومن دلائل تقارب المعاني بين الغلف والطبع اقترانهما في سياق واحد كما في قوله
تعالى في وصف قلوب الكفار: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلّفٌ﴾ [النساء: ١٥٥].
فذكر المفسرون فيه وجهين: أحدهما: أن (غلفًا) جمع غلاف، والمعنى على هذا أنهم
قالوا: ﴿قُلُوبُنَا غُلَّفٌ﴾، أي: أوعية للعلم، فلا حاجة بنا إلى علم سوى ما عندنا، فكذبوا
الأنبياء بهذا القول. والثاني: أن (غلفًا) جمع أغلف وهو المتغطي بالغلاف، أي: بالغطاء،
والمعنى على هذا أنهم قالوا: قلوبنا في أغطية، فهي لا تفقه ما تقولون (١)، فكان الجواب من
الله تعالى بقوله: ﴿بَلْ طَبَعَ اَللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾
[النساء: ١٥٥]. فجاء
بلفظ الطبع كنتيجة وعقاب وخاتمة، فهي ليست مغلفة بطبعها. إنما كفرهم جَرَّ عليهم أن
يطبع الله على قلوبهم، فإذا هي صلدة جامدة مغطاة، لا تستشعر نداوة الإيمان ولا تتذوق
حلاوته، فلا يقع منهم الإيمان، إلا قليلًا، ممن لم يستحق بفعله، أن يطبع الله على قلبه(٢).
الأقفال:
٥
الأقفال لغة:
جمع قفل، قال ابن فارس: القاف والفاء واللام أصل صحيح يدل على صلابة وشدة في
شيء، ومنه القفل: سمي بذلك؛ لأن فيه شدًّا وشدة. يقال: أقفلت الباب فهو مقفل(٣)، ثم
عبّر عن كلّ مانع للإنسان من تعاطي فعل، فيقال: فلان مقفلٌ عن كذا. وقيل للبخيل: مقفل
اليدين، كما يقال: مغلول اليدين (٤)
٠
الأقفال اصطلاحًا:
لفظ يستعار لمنع وصول الحق والإيمان إلى قلوب الكفرة والمنافقين المخبر عنهم
بالختم. قال تعالى: ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾ [محمد: ٢٤].
والمقتفل من الناس: الذي لا يخرج من بين يديه خيرًا(٥).
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٥٩/١١.
(٢) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢/ ٨٠١.
(٣) انظر: مقاييس اللغة ١١٢/٥.
(٤) انظر: المفردات، الراغب ص٦٨٠.
(٥) تهذيب اللغة، الأزهري ٩/ ١٣٤.
www. modoee.com
٣٩٥
حرف الطاء
الصلة بين الأقفال والطبع:
الأقفال أشد أنواع الطبع على القلوب، قال مجاهد لما ذكر الرين والطبع قال: والإقفال
أشد ذلك كله(١). والأقفال: تحول بين القلوب وبين القرآن وبينها وبين النور، فإن استغلاق
قلوبهم كاستغلاق الأقفال التي لا تسمح بالهواء والنور (٢). ويستلزم لإزالة هذه الأقفال تدبر
القرآن الكريم فهو يزيل الغشاوة ويفتح النوافذ لدخول الإيمان، قال تعالى ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ
اَلْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤].
وفي مقام الألفاظ ذات الصلة بالطبع على القلوب يقول الشيخ عبد الرحمن حبنكة
واصفًا الطبع والختم والران والأكنة والغلف والأقفال: ((إنّ من فطرة الإنسان إذا هو عاند
وأصر على الباطل بعد معرفة الحق المبين، وأعلن تكذيبه وكفره بالحق، أن يصاب قلبه
بالصمم، وأن يتبلد حسه تجاه الحق والخير، فإذا ألقي عليه الهدى أعرض عنه، ولم يستمع
إليه، ولم يدرك جوانب الحق فيه، ولم يتحرك وجدانه وضميره بعاطفة إيجابية نحو الخير،
ويكون كالصخر الأصم الذي لا يقبل ندى معرفة، ولا يندى بعاطفة، فإذا وصل الإنسان إلى
هذا المستوى من القسوة وجفاف عواطف الخير، فإنه يكون مغلف القلب، مسدود المنافذ،
محجوبًا بحجاب غليظ، حتى يكون بمثابة البيت الذي أغلق بابه، وضرب علیه بالأقفال، ثم
ختمت الأقفال بطابع الطين أو الشمع، إشعارًا بوصولها إلى غاية إقفالها أو بمثابة المعدن
الذي يعلوه الصدأ حتى يغشيه تغشية تامة، ويحجبه حجبًا كاملًا، وهذا هو الران الذي يغشّي
قلوب الكافرين المكذبين)»(٣).
(١) النهاية في غريب الحديث، ابن الأثير ٣/ ١١٢.
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٦/ ٣٢٩٧.
(٣) انظر: صراع مع الملاحدة ص٣٨٨.
٣٩٦
جَوَسُوع
القرآن الكريمِ
الطبي
أسباب الطبع
إن للطبع على القلوب أسبابًا كثيرة
ومتنوعة قد يغفل عنها الإنسان، وقد ذكرها
القرآن الكريم وبينها ووضحها مقرونة
بالطبع والختم وما شابههما من المعاني،
فالإنسان حين يعرض عن منهج الله والحق
ويقترف الذنوب والمعاصي فسيمرض قلبه
ويصيبه العمى والفساد، وتنكت فيه نكتة
بعد نكتة، عندئذ یغلف ویحجب عن الهدى
فلا يدرك الحق ولا يبصره، فيكون القلب
منكوسًا مغلقًا لا تنفعه الآيات والنذر؛
لذا فإن معرفة أسباب الطبع في ضوء
القرآن الكريم مهمة جدًّا للمسلم من أجل
الحفاظ على قلبه السليم من أن يصيبه الران
ويطبع عليه فيموت هذا القلب عن الوعي
والسماع والفهم. ومن بين هذه الأسباب
الكفر والنفاق، والعناد والتكبر والعدوان
والجبروت، واتباع الهوى والشهوات،
وعدم الانتفاع بآيات الله تعالى في الآفاق
والأنفس، وسنعرض لها في المطالب الآتية.
أولًا: الكفر والنفاق:
لا شك أن من أهم أسباب الطبع على
القلوب (الكفر والنفاق) والعياذ بالله،
فهما الداء العقيم والشر المستطير، وإذا
داوم عليهما الإنسان ختم على قلبه بالكفر
والنفاق فلا يعي حقًّا، ولا يهتدي طريقًا،
ولذلك لما ذكر الله تعالى في أوائل سورة
البقرة صفات المؤمنين أتبعهم بصفات
الكافرين فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
سَوَاءُ عَلَيْهِمْءَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾
[البقرة: ٦].
فكان جزاء كفرهم بالله تعالى وبآياته أن
قال: ﴿خَتَمَ الله عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَ سَمْعِهِمْ وَعَ
أَبْصَرِهِمْ غِشَوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة:
٧]. أي: ختم الله على قلوبهم بالكفر(١).
ثم إن الکافر لا يرعوي عن ضلالته لما
سبق من شقاوته، وقد حكم الحقّ سبحانه
بأن لا يفارق قلوب أعدائه ما فيها من الجهالة
والضلالة، ولا يدخلها شيء من البصيرة
والهداية. وقد وردت آية سورة البقرة ناعية
على الكفار شناعة صفتهم وسماجة حالهم،
فكان أن طبع الله على قلوبهم مجازاة لهم
بكفرهم (٢).
قال الرازي في مناسبة الآية: إنه لما بين
الله تعالى في الآية الأولى أنهم لا يؤمنون
أخبر في هذه الآية بالسبب الذي لأجله لم
يؤمنوا، وهو الختم، فكان الختم مانعًا لهم
من الإيمان، والختم عبارة عن حصول
الداعية القوية للكفر المانعة من حصول
الإيمان، فعند حصول الداعية الراسخة
القوية للكفر، صار القلب كالمطبوع على
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم
٤١/١.
(٢) انظر: الكشاف، الزمخشري ١/ ٥٠.
www. modoee.com
٣٩٧
حرف الطاء
الكفر، وقال الحسن: الطبع عبارة عن بلوغ يَجْعَلْ صَدّرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّغَدُفِي
السَّمَلَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٥].
القلب في الميل في الكفر إلى الحد الذي
كأنه مات عن الإيمان، فكما أن الإيمان حياة
القلب فالكفر موته(١).
وقد وصف الله تعالى قلوب الكفار
بعشرة أوصاف: الختم، والطبع، والضيق،
والمرض، والرين، والموت، والقساوة،
والانصراف، والحمية، والإنكار.
وفيما يأتي بعض الأمثلة:
فقال في الإنكار: ﴿قُلُوبُهُم ◌ُنكِرَةٌ وَهُم
مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: ٢٢].
وقال في الحمية: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ
كَفَرُواْ فِ قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَهِلِيَّةِ﴾
[الفتح: ٢٦].
وقال في الانصراف: ﴿ثُمَّ أَنْصَرَ فُواْ
صَرَفَ اَللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾
[التوبة: ١٢٧].
وقال في القساوة: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَسِيَةِ قُلُوبُهُم
مِّن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [ الزمر: ٢٢].
فَأَحْيَيْنَهُ﴾
وقال في الموت: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْئًا
[الأنعام: ١٢٢].
وقال في الرين: ﴿كَلَّا بَلِّ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا
كَانُواْيَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤].
وقال في المرض: ﴿فِ قُلُوبِهِم نَرَضٌ﴾
[البقرة: ١٠].
وقال في الضيق: ﴿وَمَن يُرِدْأَنْ يُضِلَّهُ.
(١) انظر: مفاتيح الغيب ٢٩١/٢.
وقال في الطبع: ﴿فَطْبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْلَا
يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٣].
وقال: ﴿بَلَّ طَبَعَ اَللَّهُ عَلَيَّهَا بِكُفْرِهِمْ﴾
[النساء: ١٥٥].
وقال في الختم: ﴿خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾
[البقرة: ٧](٢).
فكل هذه النصوص القرآنية تدل على
أن قلوب الكفار المعاندين، والمنافقين
المكذبين في حجب عن البصيرة ومعرفة
الحق والهداية، وذلك بسبب تماديهم
في الكفر والغي واستغراقهم للذنوب
والمعاصي، وهذه النتيجة من سنن الله
الكونية التي حذر منها الناس، فقال:
﴿َتِلْكَ الْقُرَىْ نَقُصُّ عَلَيَّكَ مِنْ أَنْبَابِهَاْ وَلَقَدْ
جَآءَتَهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا
كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللّهُ عَلَى قُلُوپ
اَلْكَفِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٠١].
وعقوبة الطبع إنما هو معنى يخلقه
الله تعالى في القلب فيمنع من الإيمان به،
ودليله قوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ، فی
قُلُوبٍ أَلْمُجْرِمِينَ { لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [الحجر:
١٢ - ١٣ ].
وقال: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةُ أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
١٨٦/١.
٣٩٨
القرآن الكريمِ
الطبي
[الأنعام: ٢٥]. أي: لئلا يفقهوه(١).
وجعل الراغب ثلاثة ذنوب للإنسان
يقابلها ثلاث عقوبات في الدنيا، ومنها:
الضلال، وهو أن يسبق إلى اعتقاد مذهب
باطل، وأعظمه الكفر، فلا یکون تلفت منه
بو جه إلى الحق، وذلك یورثه هيئة تمرنه على
استحسانه المعاصى، واستقباحه الطاعات،
وهو المعبر عنه بالطبع والختم في قوله:
﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ، وَقَلِّه﴾ [الجاثية: ٢٣].
و﴿ أُوْلَبِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى
قُلُوبِهِمْ﴾ [النحل: ١٠٨].
وبالأقفال في قوله: ﴿أَمْ عَلَ قُلُوپٍ
أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]. إلى غير ذلك(٢).
والكفر الذي يوجب الختم هو: عبارة
عن جحود ما صرّح به الکتاب المنزل أنه من
عند الله، أو جحود الكتاب نفسه، أو النبي
الذي جاء به(٣).
وبالجملة: إذا جحد ما علم من الدين
بالضرورة بعدما بلغت الجاحد رسالة
النبي صلى الله عليه وسلم بلاغًا صحيحًا،
وعرضت عليه الأدلة على صحتها لينظر فيها
فأعرض عن شيء من ذلك و جحده عنادًا أو
تساهلا أو استهزاءً فقد كفر، فيكون عقوبته
الختم، وهذا التعبير مثل لمن تمكن الكفر
في قلوبهم حتى فقدوا الدواعي والأسباب
(١) المصدر السابق ٨٧/١.
(٢) انظر: المفردات ص ٢٧٥.
(٣) انظر: المنار، رشيد رضا ١١٨/١.
التي تعطفهم إلى النظر والفكر في أدلة
الإيمان ومحاسنه، فلا يدخلها غير ما رسخ
فیھا (٤).
وقد أشار القرآن إلى الأسباب الباعثة
على كفر الكافرين والتي يتولدّ عنها الطبع
على قلوبهم ضمن سنن الله الثابتة، وهي
ثلاثة أسباب:
السبب الأول: النفسية العدوانية، وفي
الإشارة إلى هذا السبب يقول الله تعالى
﴿كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبٍ الْمُعْتَدِينَ﴾ [يونس:
٧٤].
السبب الثاني: النفسية الجاهلة المنساقة
مع الهوى، والتي لا تريد أن تعلم الحق
خشية أن تنغص عليها المعرفة ما هي فيه من
استغراق في الفجور، وفي الإشارة إلى هذا
السبب يقول الله تعالى ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اَللَّهُ
عَلَى قُلُوبٍ اُلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٥٩].
السبب الثالث: النفسية المستكبرة
الجبارة، وهذا أخطر الأسباب، ولذلك
يكون الطبع بسببه على كل قلب متكبّرٍ
جبار، وفي الإشارة إلى هذا السبب يقول
الله تعالى ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ
مُتَكَبِرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥]. أي: لا يقتصر
على الطبع على بعض قلبه، بل يكون عليه
جميعًا (٥).
(٤) انظر: المصدر السابق ١١٨/١-١٢٠.
(٥) انظر: صراع مع الملاحدة، الميداني
ص٣٩٠-٣٩١.
www. modoee.com
٣٩٩
حرف الطاء
وأسند الله تعالى الختم والطبع على شيء(١).
قلوبهم وعلى سمعهم إليه؛ لأنه بيان لسنته
تعالى في أمثالهم، وعبّر عنه بالماضي
للدلالة على أنه أمر قد فرغ منه، وهو لا
يدل على أنهم مجبورون علی الکفر، ولا
على منع الله تعالى إياهم منه بالقهر، وإنما
هو تمثيل لسنته تعالى في تأثير تمرنهم على
الكفر وأعماله في قلوبهم بأنه استحوذ عليها
وملك أمرها حتى لم يعد فيها استعداد لغيره،
كما تقدم مثله عن الراغب، ويوضح ما قلناه
قوله تعالى في سورة المنافقين: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَهُمْ
[المنافقون :
ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ نَطُبعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾
٣].
وقوله عن اليهود في سورة النساء: ﴿فَيِمَا
نَقْضِهِم مِّشَقَهُمْ وَكُفْرِهِم ◌ِثَايَتِ اَللَّهِ وَقَبْلِهِمُ
اٌلْأَنِيَّةَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلَّفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ
عَلَيَّهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء:
١٥٥].
فذكر أن الطبع على قلوبهم إنما هو بسبب
کفرهم وتلك المعاصي التي أسندها إليهم،
وقوله تعالى في سورة الجاثية: ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ
أَتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَنُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلٍّ وَخَتَمَ عَلَى سَّمْعِ،
وَقَلْبِهِ، وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِهِ غِشَوَةٌ فَمَن يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ
اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٣].
فذكر من فعله المسند إليه: أنه اتخذ إلهه
هواه، ومن صار هواه معبوده لا يفيد معه
قال ابن القيم في حكم الطبع: ((ومعلوم
أن هذا لیس حکمًا یعم جمیع الكفار، بل
الذين آمنوا وصدقوا الرسل كان أكثرهم
كفارًا قبل ذلك ولم يختم على قلوبهم
وعلى أسماعهم، فهذه الآيات في حق
أقوام مخصوصين من الكفار، فعل الله بهم
ذلك عقوبة منه لهم في الدنيا بهذا النوع من
العقوبة العاجلة، كما عاقب بعضهم بالمسخ
قردة وخنازير وبعضهم بالطمس على
أعينهم، فهو سبحانه يعاقب بالطمس على
القلوب كما يعاقب بالطمس على الأعين
وهو سبحانه قد يعاقب بالضلال عن الحق
عقوبة دائمة مستمرة، وقد يعاقب به إلى
وقت، ثم يعافي عبده ويهديه كما يعاقب
بالعذاب كذلك)» (٢).
وقال رحمه الله في موضع آخر في
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا
بَعْدَ إِذْ هَدَنَهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ﴾
[التوبة: ١١٥]: ((فهذا الإضلال عقوبة منه
لهم، حین بین لهم فلم يقبلوا ما بيّنه لهم ولم
یعملوا. فعاقبهم بأن أضلهم عن الهدى، وما
أضل الله سبحانه أحدًا قط إلا من بعد هذا
البيان))(٣).
وإذا عرفت هذا عرفت سر القدر، وزالت
(١) المنار ١٢٠/١-١٢١.
(٢) شفاء العليل ص ٩١.
(٣) التفسير القيم ص ٤٥.
٤٠٠
جوب
القرآن الكريم
الطبي
عنك شكوك كثيرة وشبهات في هذا الباب منهم الإيمان، إلا قليلًا، ممن لم يستحق
بفعله، أن يطبع الله على قلبه. أي: أولئك
الذين فتحوا قلوبهم للحق واستشرفوه،
فهداهم الله إليه ورزقهم إياه(٣).
وعلمت حكمة الله في إضلاله من یضله من
عباده، والقرآن یصرح بهذا في غير موضع،
كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّازَ اعُواْ أَزَاغَ اَللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾
[الصف: ٥].
﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلِّفُتْ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا.
پگُفْرِهِمْ﴾ فالأول: کفر عناد، والثاني: کفر
طبع (١).
وقال صاحب المنار في قوله تعالى:
﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا پِگُفْرِهِمْ﴾ أي: كان كفرهم
الشديد وما له من الأثر القبيح في أخلاقهم
وأعمالهم، سببًا للطبع على قلوبهم، أي:
جعلها كالسكة المطبوعة - الدراهم مثلًا-
في قسوتها، وتكيفها بطبعة خاصة لا تقبل
غيرها من النقوش، فهم بجمودهم على
ذلك الكفر التقليدي، ولوازمه لا ينظرون في
شيء آخر نظر استدلال واعتبار، ولا يتأملون
فيه تأمل الإخلاص والاستبصار، وإنما
النظر والتأمل من الأمور الممكنة التي ينالها
کسبهم، ويصل إليها اختيارهم، ولكنهم لا
يختارون إلا ما ألفوا وتعودوا (٢).
وقال سيد قطب في تفسيره للآية: إنماهم
کفرهم جرّ علیھم أن یطبع الله علی قلوبهم،
فإذا هي صلدة جامدة مغطاة، لا تستشعر
نداوة الإيمان ولا تتذوق حلاوته، فلا يقع
(١) المصدر السابق.
(٢) المنار، رشيد رضا ١٥/٦.
ومن أسباب الطبع على القلوب: النفاق،
والنفاق: وهو الدخول في الشرع من باب
والخروج عنه من باب، وعلى ذلك نبه
الله تعالى بقوله: ﴿إِنَ الْمُنَفِقِينَ
[التوبة: ٦٧]. أي:
مُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾
الخارجون من الشرع، وجعل الله المنافقين
شرًّا من الكافرين. فقال: ﴿إِنَّ الُْفِقِينَ
فِيِ الذَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ
نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٤٥] (٤).
وقال الجرجاني: النفاق: ((إظهار الإيمان
باللسان، وكتمان الكفر بالقلب)»(٥).
وقال تعالى في المنافقين: ﴿وَطيِعَ عَلَى
قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ٨٧].
ومثله في سورتهم، وقال سبحانه:
﴿وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾
[الأعراف: ١٠٠].
أي: فهم بهذا الطبع لا يسمعون الحكم
﴿وَمَا
والنصائح سماع تفقه وتدبر واتعاظ،
تُغْنِ الْآَيَتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ﴾
[يونس: ١٠١] ما يراد منها؛ لأن قلوبهم قد
(٣) في ظلال القرآن ٢/ ٨٠١.
(٤) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني
ص٨١٩.
(٥) التعريفات ٢٤٥.
www. modoee.com
٤٠١
حرف الطاء
ملئت بما يشغلهم عنها من آراء وأفكار يحس ولا يشعر بهذا الفارق البعيد (٤).
وشهوات ملکت عليها أمرها، حتى صرفتهم
عن غيرها فجعلتهم من الأخسرين أعمالًا
﴿الَّذِيْنَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ آَنَّهُمْ
يُحْسِنُونَ صُنْعًا( ٥)﴾ [الكهف: ١٠٤](١).
إذًا النفاق والكفر صنوان كلاهما سبب
للطبع، وعبّر بالطبع عمّا خلق في قلوبهم
من الريب والشك وختم عليهم به من الكفر
والمصير إلى النار (٢).
وقال القرطبي في قوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ
◌ِأَنَّهُمْ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ فَطْيَعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُوْلَا
يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٣]: «هذا إعلام من الله
تعالى بأن المنافق كافر. أي: أقرّوا باللسان
ثم كفروا بالقلب»(٣).
فالمنافقون عرفوا الإيمان، ولكنهم عنه عوقبوا بالطبع والرين وسلب العقل
اختاروا العودة إلى الكفر. وما یعرف الإيمان
ثم يعود إلى الكفر قلب فيه فقه، أو تذوق،
أو حیاة، وإلا فمن ذا الذي یذوق ویعرف،
ويطلع على التصور الإيماني للوجود،
وعلى التذوق الإيماني للحياة، ويتنفس في
جو الإيمان الذكي، ويحيا في نور الإيمان
الوضيء، ويتفيأ ظلال الإيمان الندية.
ثم يعود إلى الكفر الكالح الميت الخاوي
المجدب الکنود؟ من ذا الذي يصنع هذا إلا
المطموس الكنود الحقود، الذي لا يفقه ولا
(١) المنار، رشيد رضا ٩/ ٢٨.
(٢) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٣١٢/٥.
(٣) الجامع لحكام القرآن ١٨/ ١٢٤.
وكان سبب الطبع على قلوب المنافقين
إقدامهم على الأعمال السيئة المتعجب
من سوئها، وهو استخفافهم بالأيمان
ومراجعتهم الكفر مرة بعد أخرى، فرسخ
الكفر في نفوسهم فتجرّأت أنفسهم على
الجرائم وضريت بها، حتى صارت قلوبهم
كالمطبوع عليها أن لا يخلص إليها الخير (٥).
قال ابن القيم في سياق حديثه عن
المنافقين: ((واعلم أنه كلما انقرض منهم
طوائف خلفهم أمثالهم، فذكر أوصافهم
لأوليائه ليكونوا منها على حذر. وبيّنها
لهم فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ فَطْبِعَ
عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾، فإنهم لما ردّوا الحق ورغبوا
والفهم»(٦).
((وإنما كانت عاقبة هذه الطبقة في الدرك
الأسفل من النار؛ لغلظ كفرهم، فإنهم
خالطوا المسلمين وعاشروهم، وباشروا
من أعلام الرسالة وشواهد الإيمان ما لم
يباشره البعداء، ووصل إليهم من معرفته
وصحته ما لم يصل إلى المنابذين بالعداوة،
فإذا كفروا مع هذه المعرفة والعلم كانوا
أغلظ كفرًا وأخبث قلوبًا، وأشد عداوة لله
ولرسوله وللمؤمنين من البعداء عنهم، وإن
(٤) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٥٧٤/٦.
(٥) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٣٧/٢٨.
(٦) مفتاح دار السعادة ص١٠١.
٤٠٢
جوببيو
القرآن الكريمِ
الطبع
كان البعداء متصدين لحرب المسلمين))(١).
ولهذا قال تعالى في المنافقين: ﴿صُمّ
بُكَّمُّ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٨].
وقال تعالى في الكفار ﴿صُُّ بُكْمُ عُمْىٌّ
فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١]: فالكافر لم
يعقل، والمنافق أبصر، ثم عمى وعرف، ثم
تجاهل وأقرّ، ثم أنكر وآمن، ثم كفر، ومن
کان ھکذا کان أشد کفرًا وأخبث قلبًا واعتی
على الله ورسله، فاستحق الدرك الأسفل
من النار (٢)
ومن أسباب النفاق الذي يوجب
الطبع على القلوب: عدم تدبر آيات الله
تعالى، والإعراض عنها والكفر بها، قال
تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبُّونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ
أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤].
والسياق يتحدث عن المنافقين،
والأقفال استعارة لانغلاق القلب عن
معرفة الحق، وإضافة الأقفال إلى القلوب
للتنبيه على أن المراد بها ما هو للقلوب
بمنزلة الأقفال للأبواب، ومعنى الآية أنه لا
يدخل في قلوبهم الإيمان ولا يخرج منها
الكفر والشرك؛ لأن الله سبحانه قد طبع
عليها، والمراد بهذه القلوب قلوب هؤلاء
المخاطبين، وهم المنافقون الذين قعدوا
عن القتال(٣).
(١) طريق الهجرتين، ابن القيم ١/ ٤٠٣ - ٤٠٤.
(٢) انظر: المصدر السابق.
(٣) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٤٦/٥.
ثانيًا: العناد والكبر:
ومن أسباب الطبع على القلوب، العناد
والتكبر والتكذيب وعدم الإيمان بالله
والرسول والطغيان، قال تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا
مِنْ بَعْدِ رُسُلَا إِلَى قَوْمِهِمْ نَاءُوهُم ◌ِاَلْبَيْنَتِ فَمَا
كَانُوا لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى
قُلُوبٍ الْمُعْتَدِينَ﴾ [يونس: ٧٤].
قال ابن عطية: ((إنهم بادروا رسلهم
بالتكذيب كلما جاء رسول ثم لجّوا في
الكفر وتمادوا فلم يكونوا ليؤمنوا بما سبق
به تكذيبهم، وقال بعض العلماء: عقوبة
التكذيب الطبع على القلوب. ثم ابتدأ بقوله
تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَطْبَعُ﴾ أي كفعلنا هذا،
و﴿الْمُعْتَدِينَ﴾ هم الذين تجاوزوا طورهم
واجترحوا ما لا يجوز لهم وهي هاهنا في
الكفر (٤).
قال الطبري في قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ
نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبٍ الْمُعْتَدِينَ﴾ [يونس: ٧٤]:
(يقول تعالى ذكره: كما طبعنا على قلوب
أولئك فختمنا علیھا، فلم يكونوا يقبلون من
أنبياء الله نصيحتهم، ولا يستجيبون لدعائهم
إيّاهم إلى ربهم، بما اجترموا من الذنوب
واكتسبوا من الآثام، كذلك نطبع على قلوب
من اعتدی علی ربّه، فتجاوز ما أمره به من
توحیده، وخالف ما دعاهم إليه رسلهم من
طاعته، عقوبة لهم على معصیتھم ربّهم من
(٤) المحرر الوجيز ١٣٣/٣.
www. modoee.com
٤٠٣
حرف الطاء
هؤلاء الآخرين من بعدهم))(١).
وقال الشنقيطي: إن الله جل وعلا
بين في آيات كثيرة من كتابه العظيم: أن
تلك الموانع التي يجعلها على قلوبهم
وسمعهم وأبصارهم، كالختم والطبع
والغشاوة والأكنة، ونحو ذلك إنما جعلها
علیهم جزاء وفاقا لما بادروا إليه من الكفر
وتكذيب الرسل، والإعراض عن آيات الله
باختيارهم، فأزاغ الله قلوبهم بالطبع والأكنة
ونحو ذلك (٢).
ومعنى الاعتداء في الآية: أي أنهم لم
ينظروا في آيات الله تعالى، وكفروا بما نزل
إليهم من منهج، فهم أصحاب السبب في
الطبع على القلوب بالاعتداء والإعراض.
وجاء الطبع لتصميمهم على ما عشقوه
وألفوه(٣).
وترتب على إعراضهم عن الإیمان عنادًا
واستكبارًا الطبع على القلوب، كما قال
تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اَللَّهُ عَلَى قُلُوبٍ أَلَّذِينَ
لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٥٩].
أي: مثل ذلك الختم وحجب الخير
والحق يختم الله على قلوب الجهلة الذين لا
يتعلمون ولا يعلمون حقيقة الآيات البينات
في القرآن المجيد، لسوء استعدادهم،
وإصرارهم على تقليد الأسلاف، واعتقاد
(١) جامع البيان ١٥/ ١٥٤.
(٢) انظر: أضواء البيان ٣/ ٣١١.
(٣) تفسير الشعراوي ٦١٢١/١٠.
الخرافات (٤).
وفسر الاعتداء في الآية: أنه الظلم مع
العناد والمجاوزة عن الحد الذي جعل (٥).
وقيل: معناه: الشرك ومجاوزة الحلال إلى
الحرام (٦).
وأما السبب الآخر للطبع على القلوب
فهو ((الكبر))، قال تعالى واصفا المتكبر
والجبار والمجادل بالباطل: ﴿الَّذِينَ
يُجَدِلُونَ فِى ءَايَتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَنَّهُمٌّ كَبُرَ
مَقْنَا عِندَاللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ كَذَلِكَ يَطْبَعُ
اُللَّهُ عَلَ كُلِّ قَلْبٍ مُتَكَبٍِّ جَبَّارٍ﴾ [غافر:
٣٥].
أي: كما طبع الله على قلوب هؤلاء
المجادلين، فكذلك يطبع على قلب كل
متكبر جبار، فيصدر عنه أمثال ما ذكر من
الإسراف والارتياب والمجادلة بغير حق،
وقرئ بتنوين قلب، فما بعده صفته. ووصف
القلب بالتكبر والتجبر؛ لأنه منبعهما(٧).
قال الطبري في معنى الطبع على القلب
المتكبر: «كذلك يطبع الله على كل قلب
متکبر على الله أن یوحده، ويصدّق رسله.
(جبار) يعني: متعظم عن اتباع الحقّ))(٨).
(٤) التفسير المنير، الزحيلي ١٢٢/٢١.
(٥) تأويلات أهل السنة، الماتريدي ٦/ ٧١.
(٦) تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين ٢٦٨/٢.
(٧) الوسيط للقرآن، نخبة من علماء الازهر
٠٦٣٧/٨
(٨) جامع البيان ٣٨٤/٢١.
٤٠٤
جوية
القرآن الكريم
الطبع
وقال الماتريدي: ويطبع الله على كل من يقسو على خلق الله(٥).
تعود التكبر والتجبر على الآيات والرسل (١).
قال الزمخشري: وقرئ: ((قلبٍ))(٢)،
بالتنوين. ووصف القلب بالتكبر والتجبر،
لأنه مرکزهما ومنبعهما، ونحوه قوله عز
وجل: ﴿فَإِنَّهُ ءَائِمٌ قَلْبُهُ﴾ [ البقرة: ٢٨٣].
وإن كان الآثم هو الجملة. ويجوز أن
يكون على حذف المضاف. أي: على كل
ذي قلب متكبر، تجعل الصفة لصاحب
القلب(٣). وقيل: أي: بمثل هذا الطبع
والختم على قلب المتكبرين والجبارين،
من فرعون وقومه- یطبع الله علی قلب کل
متكبر جبار من أهل الشرك، الذين يلقون
محمدًا بالشك والارتياب والتكذيب (٤).
وقيل في معنى الآية: ويتجبرون على
الضعفاء بالإذلال والتسخير، والإهانة
والقتل بغير حق.
قال الشعبي وغيره: لا يكون الإنسان
جبارًا حتى يقتل نفسين. وقال قتادة: آية
الجبابرة القتل بغير حق. وقال مقاتل:
(متكبّرِ)) عن قبول التوحيد جبّارٍ في غير
حق. فهو في الأول يعادي الله، وفي الثاني
(١) تأويلات أهل السنة، ٩/ ٢٨.
(٢) في قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَ كُلِّ قَلْبٍ
مُتُكَبٍِّ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥].
(٣) الكشاف ١٦٧/٤.
(٤) التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب
٠١٢٣٤/١٢
وقد قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه
مثقال ذرة من کېر)(٦).
ثالثًا: اتباع الهوى والشهوات:
ومن الأسباب التي توجب الطبع
والختم على القلب اتباع الهوى والشهوات
والشبهات. فالهوى ما خالط شيئًا إلا
أفسده، فإن وقع في العلم أخرجه إلى
البدعة، والضلالة، وصار صاحبه من جملة
أهل الأهواء. وإن وقع الهوى في الزهد
أخرج صاحبه إلى الرياء، ومخالفة السنة.
فما قارن الهوی شیئا إلا أفسده، وهو يسري
في القلب والأعضاء سريان السم في القلب
والأعضاء (٧)
٠
والهوى: هو ميل النفس إلى الشهوة.
وسمي بذلك؛ لأنه يهوي بصاحبه في الدنيا
إلى كل داهية، وفي الآخرة إلى الهاوية (٨).
ولم يذكر الله تعالى الهوى في كتابه إلا ذمه.
والهوى قسمان: الأول: هوى الشبهات،
والثاني: هوى الشهوات، فأما القسم الأول
فهو أشد القسمين خطرًا؛ إذ ربما ترتّب عليه
الخروج من الإسلام، وصاحبه بعيد عن
(٥) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٢٤/ ١١٨.
(٦) أخرجه مسلم في صحيحه، ١/ ٩٣، رقم ٩١.
(٧) انظر: موسوعة فقه القلوب، التويجري
٤ /٣٠٩٥.
(٨) انظر: المفردات، الراغب ٨٤٩.
www. modoee.com
٤٠٥
حرف الطاء
التوبة؛ لأنه يعتقد أنه على صواب وهو ليس ولا يحرّم ما حرّم، ولا يحلّل ما حلل، إنما
دينه ما هويته نفسه يعمل به (٣). وقيل: أي:
هو مطواع لھوی النفس يتبع ما تدعوه إليه،
فكأنه یعبده کما یعبد الرجل إلهه))(٤).
كذلك. وقد أخبر سبحانه وتعالى أن اتباع
الهوى يضل عن سبيله فقال: ﴿يَدَاوُدُ إِنَّا
جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً فِ الْأَرْضِ فَأَحْكُ بَيْنَ النَّاسِ ◌ِاْحَقِّ وَلَا
تَتَِّعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُونَ
عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ
الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦](١).
وأخبر سبحانه وتعالى في موضع آخر
أنه باتباع الهوى يطبع على قلب العبد
فقال: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَأَّعُوا
أَهْوَاءَ هُمْ﴾ [محمد: ١٦].
وجعل الله سبحانه وتعالى متبع الهوى
بمنزلة عابد الوثن فقال تعالى: ﴿أَرَدَيْتَ مَنِ
أَّخَذَ إِلَھَهُ هَوَنُهُ﴾ [الفرقان: ٤٣].
وقال سبحانه في موضع آخر ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ
أَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَنُهُ﴾.
قال الحسن: هو المنافق لا یهوی شیئا
إلا رکبه، وقال أيضًا: المنافق عبد هواه لا
یھوی شيئًا إلا فعله (٢).
قال الطبري في قوله تعالى: ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ
اَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَنُهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلٍّ وَخَتَمْ عَلَى سَمْعِهِ،
وَقَلْبِهِ، وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِهِ غِشَوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ
اَللَّهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٣]: ((ومعنى
ذلك: أفرأيت من اتخذ دينه بهواه، فلا
يهوى شيئًا إلا ركبه، لأنه لا يؤمن بالله،
(١) انظر: روضة المحبين، ابن القيم ص ٤٠٢.
(٢) انظر: المصدر السابق ص ٤٧٥ -٤٧٦.
فهذا فریق من الناس قد اتخذ إلهه هواه،
فهو يعبد أهواء نفسه، فيطيعها في أوامرها
ونواهيها، ويسارع في تحقيق مطالبها
وشهواتها، ولو كان في ذلك أذاه وضرّه
وهلاكه، ومن اتخذ إلهه هواه فقد ضل
سواء السبيل، ومن ضل بجنوحه وأتباعه
أهواء نفسه أضلّه الله، فحكم عليه بالضلال
حكمًا مبينًا على علم بواقع حالة الضال،
وإذا وصل الإنسان إلى هذا المستوى من
الضلال واتباع الهوى قسا قلبه، وران علیه ما
كسب من إثم، فحجب عن إدراك الحقائق
الدینیة الربانية، و غلّف بغلاف شامل، وختم
على هذا الغلاف، وكان شأن أدوات المعرفة
لدیە کشأن قلبه، فیختم على سمعه أيضًا، فلا
يستمع إلى نصيحة، ولا يتقبل موعظة من
مواعظ الهداية الربانية، ويجعل على بصره
غشاوة، فلا يرى آيات علم الله وحكمته
وعدله المنبثّة في الوجود (٥).
قال الشعبي: إنما سمي الهوی هوی؛
(٣) جامع البيان ٢٢/ ٧٥.
(٤) الكشاف، الزمخشري ٤/ ٢٩١.
(٥) انظر: صراع مع الملاحدة، الميداني
ص٣٩٢ - ٣٩٣.
٤٠٦
◌َرُ النََّّ
جوبيبو
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ