Indexed OCR Text
Pages 21-40
الصحابة نماذج قرآنية لمواقف الصحابة ضرب الصحابة رضي الله عنهم أروع المواقف في الالتزام بأوامر الله تعالى وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم، والأمثلة كثيرة، سنقتصر على بعضها: أولًا: الإذعان والتسليم: إن من حقائق هذا الدين ومسلماته، أن الداخل فيه لا بد أن يسلم وجهه لله سبحانه وتعالى، وقد أرشد القرآن الکریم لذلك. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ، لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَأَتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَأَتَّخَذَ اَللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ١٢٥ [النساء: ١٢٥]. يقول الشنقيطي: ((معنى إسلام وجهه لله: إطاعته وإذعانه، وانقياده لله تعالى بامتثال أمره، واجتناب نھیه»(١). والآيات في هذا المعنى كثيرة، ولقد كان الصحابة رضي الله عنهم فضل السبق في هذا الأمر، كما هو الشأن في كل خير، ولنضرب بعض الأمثلة: ما وقع من امتثال أمر الله تعالى في يوم حمراء الأسد: يقول سبحانه وتعالى: ﴿الَِّينَ اسْتَجَابُواْ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدٍ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَأَتَّقَوْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (* الَّذِينَ قَالَ (١) أضواء البيان ١/ ٣٣٢. لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَّكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَنَّا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَيَعْمَ " فَأَنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ الَّهِ وَفَضَّلٍ لَّمْ ١٧٣) اُلْوَكِيلُ يَمْسَسْهُمْ سُوَّهٌ وَأَتَّبَعُواْرِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُحَوِّفُ أَوْلِيَآءَهُ. عَظِيمٍ ! [آل فَلَ تَّخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنُم ◌ُؤْمِينَ ﴾ عمران: ١٧٢ - ١٧٥]. يقول ابن كثير: ((هذا كان يوم حمراء الأسد، وذلك أن المشرکین لما أصابوا ما أصابوا من المسلمين، كروا راجعين إلى بلادهم، فلما استمروا في سيرهم، ندموا، لم لا تمموا على أهل المدينة وجعلوها الفيصلة، فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ندب المسلمين إلى الذهاب وراءهم؛ ليرعبهم ويريهم أن بهم قوة وجلدًا، ولم یأذن لأحد سوی من حضر الوقعة يوم أحد، فانتدب المسلمون على ما بهم من الجراح والإثخان طاعة لله عز وجل ولرسوله صلی الله علیه وسلم»(٢). ولذلك امتدحهم الله عز وجل، فقال: ﴿مَامَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونُّ كُلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَتِكَتِهِ، وَكُِ. وَرُسُلِهِ، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ، وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴾ [البقرة: ٢٨٥]. ٢٥ أخرج مسلم عن أبى هريرة قال: (لما (٢) تفسير القرآن العظيم ١/ ٥٨٦. www. modoee.com ٢٨٣ حرف الصاد نزلت على رسول الله صلی الله عليه وسلم ﴿لِلِّ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيَّ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُّوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ (*)﴾ [البقرة: ٢٨٤]. (قال:فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتوا رسول الله صلی الله عليه وسلم ثم بر کوا على الركب فقالوا: أي رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها. قال رسول الله صلی الله عليه وسلم: (أتريدون أن تقولوا کما قال أهل الكتابین من قبلکم: سمعنا وعصينا، بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير). قالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. فلما اقترأها القوم، ذلت بها ألسنتهم، فأنزل الله فى إثرها ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَبِّكَتِهِ، وَكُهِ. وَرُسُلِهِ، لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ، وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ اَلْمَصِيرُ (٢٨٥، فلما فعلوا ذلك، نسخها الله تعالى، فأنزل الله عز وجل: ﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَأَ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيَّهَا مَا أَكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأَنَا﴾ قال: نعم، ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ: عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾ قال: نعم، ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَابِ﴾ قال: نعم ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَاْ أَنْتَ مَوْلَئِنَا فَانْصُرْنَا عَلَى اَلْقَوْمِ الْكَفِرِينَ﴾ قال: نعم)(١). فأنت ترى حسن امتثال الصحابة لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أمرهم بأن يقولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، وقد استجاب الله تعالى لهم لصدقهم. هذا فيما يتعلق بأمر جماعتهم، أما أفرادهم، فأذكر هذه الحادثة فقط؛ لئلا يطول المقام، أخرج الإمام البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه: (كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالًا من نخلٍ، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، و کان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماءٍ فيها طيبٍ، قال أنس: فلما أنزلت هذه الآية ﴿لَنْ تَنَالُواْ أَلَّرَّ حَقَّ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]. قام أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿لَنْ تَنَالُواْ الْبِرَّحَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُعِبُّونَ﴾ وإن أحب أموالي إلي بيرحاء، وإنها صدقةٌ لله أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله. قال: فقال رسول الله صلی الله عليه وسلم: (بخ، (١) صحيح مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان أنه سبحانه وتعالى لم يكلف إلا ما يطاق، رقم١٩٩. ٢٨٤ القرآن الكريمِ الصحابة ذلك ماٌ رابحٌ، ذلك مالٌ رابٌ، وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين). فقال أبو طلحة: أفعل یا رسول الله. فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه (١). ثانيًا: الهجرة: لقد كانت الهجرة برهانًا واضحًا على صدق إيمان الصحابة رضي الله عنهم، فهي ترك للأوطان والأهل وللمال، إلى مستقبل - في عرف الناس - مجهول، ولكن الإيمان بالله تعالى والتوكل عليه يهون كل عسير، ويجعل من رضاه عز وجل غاية تستحق بذل كل غال ونفيس، وهذا ما فعله الصحابة في الهجرتين: إلى الحبشة، وإلى المدينة، لقد كان أمر هذا الدين أعظم في أنفسهم من كل شيء. قال تعالى: ﴿فَلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَّرِهِمْ وَأُوذُواْ فِ سَبِيلٍ وَقَتَلُواْ وَقُتِلُواْ لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيْئَاتِهِمْ وَلَّأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّتٍ ◌َجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ ثَوَابًا مِنْ عِندِ اللَّهِ وَاَللَّهُ عِنْدَ هُ حُسْنُ الثَّوَابِ (١٥)﴾ [آل عمران: ١٩٥]. يقول ابن كثير: ((﴿فَلَّذِينَ هَاجَرُواْ﴾ أي: تركوا دار الشرك وأتوا إلى دار الإيمان، وفارقوا الأحباب والخلان والإخوان والجيران، ﴿وَأُخْرِجُواْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ أي: ضايقهم المشركون بالأذى حتى ألجؤوهم (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة، باب الزكاة على الأقارب، رقم ١٤٦١. إلى الخروج من بين أظهرهم؛ ولهذا قال: ﴿وَأُوذُواْ فِ سَبِيلِ﴾ أي: إنما كان ذنبهم إلی الناس أنهم آمنوا بالله وحده، كما قال تعالى: ﴿يُرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبَّكُمْ ﴾ [الممتحنة: ١]. وقال تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلََّ أَنْ يُؤْمِنُوا ◌َِللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾ [البروج: ٨]))(٢). آيات في هجرة الصحابة قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اَللَّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ()﴾ [البقرة: ٢١٨]. يقول الطبري: ((والذين تحولوا من سلطان أهل الشرك هجرةً لهم، وخوف فتنتهم على أدیانهم، وحاربوهم في دين الله ليدخلوهم فيه وفيما يرضي الله ﴿أُوْلَكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾، أي: يطمعون أن یرحمهم الله فيدخلهم جنته بفضل رحمته إیاهم. ﴿وَاللّهُ غَفُورٌ ﴾، أي: ساتر ذنوب عباده بعفوه عنها، متفضل عليهم بالرحمة)) (٣). وقال تعالى: ﴿فَأَسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّ لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَمِلٍ مِّنَكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أَنَّ بَعْضُكُم مِّنْ بَعْضِ قَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَأُوْذُواْ فِي سَبِيلِ وَقَتَلُواْ وَقُتِلُواْ لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيْئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّتٍ (٢) تفسير القرآن العظيم ٦٠٤/١-٦٠٥. (٣) جامع البيان ٢/ ٣٦٨. www. modoee.com ٢٨٥ حرف الصاد تَجْرِى مِن تَّحْتِهَا الْأَنْهَرُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَاَللّهُ عِنْدَ هُحُسْنُ الثَّوَابِ (٥)﴾ [آل عمران: ١٩٥]. ﴿قَالَّذِينَ هَاجَرُواْ﴾ قومهم من أهل الكفر وعشيرتهم في الله، إلى إخوانهم من أهل الإيمان بالله، والتصديق برسوله، ﴿وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَدِهِمْ﴾ وهم المهاجرون الذين أخرجهم مشرکو قریش من ديارهم بمكة، ﴿وَأُوذُواْ فِی سپیلی﴾، يعني: وأوذوا في طاعتهم ربهم، وعبادتهم إياه مخلصين له الدين، وذلك هو ((سبيل الله)) التي آذى فيها المشركون من أهل مكة المؤمنين برسول الله صلى الله عليه وسلم من أهلها)) (١). وعدهم الله تعالى على ذلك، العفو والمغفرة، وأن يدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار، والآية تشمل من هاجر إلى الحبشة، ومن هاجر إلى المدينة. وَمَن ◌ُهَاجِرْ فِ سَبِيلِ وقال تعالى: ﴿* اللَّهِ يَجِدْ فِى الْأَرْضِ مُرَغَمَا كَثِرًا وَسَعَّةٌ وَمَن يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ، مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يُدْرِكُهُ الْمَوْتُّ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُ عَلَى اللَّهِ وَ كَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا [النساء: ١٠٠]. هذا تحريض على الهجرة، ووعد بالأجر العظیم عليها: الأجر الدنيوي والأخروي. ولذا استجاب الصحابة لنداء ربهم، فتركوا كل شيء لنيل رضاه، فاستحقوا بذلك ثناءه عز وجل، يقول تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَلَهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ زَّحِيمٌ ﴾ [البقرة: ٢١٨]. تزكية لقلوبهم، ووعد لهم بالمغفرة، وییان لسبب خروجهم، ووصفهم بالصدق، فقال: ﴿لِلْفُقَرَآءِ اَلْمُهَجِنَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَأَمْوَ لِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اَللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ: أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّدِقُونَ [الحشر: ٨]. وأنهم ما أخرجوا إلا لإيمانهم بالله عز وجل: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَرِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّ أَنْ يَقُولُواْ رَبُّنَا اَللَّهُ﴾ [الحج: ٤٠]. وذكر جزاءهم، في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلُواْ لَنُوْتَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ١ الَّذِينَ صَبِّرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ [النحل: ٤١-٤٢]. وما في قوله تعالى: ﴿فَأَسْتَجَابَ لَهُمْ [آل عمران: ١٩٥] التي مر ذكرها رَبِّهَـ قريبًا. هذا فيما يتعلق بمجموعهم، أما إذا تحدثنا عن أفرادهم، فلا ریب أن سيدهم في ذلك الصديق رضي الله عنه، الذي سجل القرآن الكريم موقفه العظيم من رسول الله تعالى، يقول تعالى: ﴿إِلَّا نَصُرُّوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِى أَثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِ الْغَارِ إِذْ يَقُولُ (١) المصدر السابق ٥٥٦/٣. جَوَسُورَةُ النَّفِيَّة القرآن الكريم ٢٨٦ الصحابة لِصَحِبِهِ، لَا تَحْزَنُ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَّلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَدَهُ. بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ مِى الْتُلْيَأْ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمُ )) [التوبة: ٤٠]. يقول الطبري: ((وإنما عنى جل ثناؤه بقوله:﴿ثاني اثنين ﴾، رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبا بكر رضي الله عنه، لأنهما كانا اللذين خرجا هاربين من قريش إذ هموا بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، واختفيا في الغار))(١). قال الإمام البخاري: ((باب مناقب المهاجرین وفضلهم، منهم أبو بكر عبد الله بن أبي قحافة التيمي رضي الله عنه، وقول الله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَآءِ اَلْمُهَجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَأَمْوَلِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ: أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّدِقُونَ [الحشر: ٨]. ٨ وقال الله: ﴿إِلَّا نَصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]. قالت عائشة وأبو سعيد وابن عباسٍ رضي الله عنهم: وكان أبو بكرٍ مع النبي صلی الله عليه وسلم في الغار))(٢). (١) المصدر السابق ٦/ ٣٧٤. (٢) علقه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، باب ثم أورد بسنده عن البراء قال: (اشترى أبو بكرٍ رضي الله عنه من عازب رحلًا بثلاثة عشر درهمًا، فقال أبو بكر لعازب: مر البراء فليحمل إلي رحلي، فقال عازبٌّ: لا، حتی تحدثنا کیف صنعت أنت ورسول الله صلى الله عليه وسلم، حين خرجتما من مکة والمشرکون یطلبونکم، قال: ارتحلنا من مكة فأحيينا أو سرينا ليلتنا ويومنا حتى أظهرنا وقام قائم الظهيرة، فرميت ببصري هل أرى من ظلٍ فَآوي إليه، فإذا صخرةٌ أتيتها، فنظرت بقية ظلٍ لها، فسويته ثم فرشت للنبي صلى الله عليه وسلم فيه، ثم قلت له: اضطجع يا نبي الله، فاضطجع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم انطلقت أنظر ما حولي هل أرى من الطلب أحدًا، فإذا أنا براعي غنم يسوق غنمه إلى الصخرة يريد منها الذي أردنا، فسألته فقلت له: لمن أنت يا غلام؟ قال: لرجلٍ من قريش سماه، فعرفته، فقلت: هل في غنمك من لبنٍ؟ قال: نعم، قلت: فهل أنت حالبٌ لنا؟ قال: نعم، فأمرته فاعتقل شاة من غنمه، ثم أمرته أن ينفض ضرعها من الغبار، ثم أمرته أن ينفض كفيه، فقال هكذا ضرب إحدى كفيه بالأخرى، فحلب لي کثبةً من لبن، وقد جعلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم إداوةً على فمها خرقةٌ فصبیت على اللبن حتى برد أسفله، مناقب المهاجرين وفضلهم. www. modoee.com ٢٨٧ حف الصاد فانطلقت به إلى النبي صلی الله عليه وسلم، فوافقته قد استيقظ، فقلت: اشرب یا رسول الله، فشرب حتی رضیت، ثم قلت: قد آن الرحيل يا رسول الله، قال: بلى، فارتحلنا والقوم يطلبوننا، فلم يدركنا أحدٌ منهم غير سراقة بن مالك بن جعشم على فرس له، فقلت: هذا الطلب قد لحقّنا يا رسول الله فقال: ﴿لَا تَحْزَّنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾﴾(١). ثم أورد حديثًا آخر بسنده عن أبي بکرِ رضي الله عنه، قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم وأنا في الغار: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا فقال: (ما ظنك يا أبا بكرٍ باثنين الله ثالثهما)(٢). ثالثًا: غزوة بدر: ارتباط غزوة بدر بالصحابة وثيق، ذلك أنها من المعالم البارزة في حياتهم التي نالوا بها شرفًا عظيمًا، حتى إنه لينسب إليها من اشترك فيها فيقال: بدريٌ، ولم تحظ غزوة أخرى بهذا الشرف. وثمة مقام آخر، أخرج الإمام البخاري بسنده عن معاذ بن رفاعة بن رافع الزرقي عن أبيه، وكان أبوه من أهل بدر، قال: (جاء جبريل إلى النبي صلى الله (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، باب مناقب المهاجرین.وفضلهم، رقم ٣٦٥٢. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلم، باب مناقب المهاجرين. وفضلهم، رقم ٣٦٥٣. علیه وسلم فقال:ما تعدون أهل بدرٍ فیکم؟ قال: من أفضل المسلمین) أو كلمةً نحوها، قال: وكذلك من شهد بدرًا من الملائكة)(٣). ولقد وثق القرآن الكريم أحداث هذه الغزوة في سورة الأنفال، حتى لقد سماها ابن عباس رضي الله عنهما سورة بدر. وذكر طرفًا منها في سورة آل عمران، ويظهر فضل الله تعالى على الصحابة في هذه الغزوة، في أمور متعددة، نذكر منها: ١. نصر الله تعالی لهم رغم قلة عددهم. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَّكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَآَنْتُمْ أَزِلَّةٌ فَأَتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣)﴾﴾ [آل عمران : ١٢٣]. قال ابن كثير: ((أي: يوم بدر، وكان في جمعة وافق السابع عشر من رمضان، من سنة اثنتين من الهجرة، وهو يوم الفرقان الذي أعز الله فيه الإسلام وأهله، ودمغ فيه الشرك وخرب محله، هذا مع قلة عدد المسلمين يومئذ، فإنهم كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا، فيهم فرسان وسبعون بعيرًا، والباقون مشاة، ليس معهم من العدد جميع ما يحتاجون إليه، وكان العدو يومئذ ما بين التسعمائة إلى الألف في سوابغ الحديد والبيض، والعدة الكاملة والخيول المسومة والحلي الزائد، فأعز الله رسوله، (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب شهود الملائکة بدرًا، رقم٣٩٩٢. جَوَسُولَهُ النفسية الْقُرْآن الكَرِيمِ ٢٨٨ الصحابة وأظهر وحيه وتنزيله، وبيض وجه النبي مِنْهُ﴾ [الأنفال: ١١]. وقبيله، وأخزى الشيطان وجيله. ولهذا قال تعالى ممتنًا على عباده المؤمنين وحزبه المتقين: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَّكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْأَزِلَّةٌ﴾ أي: قليل عددكم؛ ليعلموا أن النصر إنما هو من عند الله، لا بكثرة العدد والعدد))(١). ٢. إمداد الله تعالى لهم بالملائكة. قال عز وجل وجل: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَكْفِيَّكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَثَةِ ءَالَفٍ مِّنَ الْمَلَتَبِكَةِ مُنْزَلِينَ ( بَلُّ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوُكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدَّكُمْ رَبُّكُمْ مِخَمْسَةِ [آل ءَالَفٍ مِّنَ الْمَلِكَةِ مُسَوِّمِينَ ﴾﴾﴾ عمران: ١٢٤ - ١٢٥]. ولمعرفة منزلة الصحابة رضي الله عنهم تأمل قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِنَطْمَيِنَّ قُلُوبُّكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١)﴾ [آل عمران: ١٢٦]. أي: ((وما أنزل الله الملائكة وأعلمكم بإنزالها إلا بشارة لكم وتطييبًا لقلوبكم وتطمينًا، وإلا فإنما النصر من عند الله، الذي لو شاء لانتصر من أعدائه بدونکم، ومن غیر احتیاج إلی قتالكم لهم»(٢). ٣. النعاس. ﴿ إِذْ يُغَشِيَكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً قال تعالى: (١) تفسير القرآن العظيم ٥٤٨/١ - ٥٤٩. (٢) المصدر السابق ٥٥١/١. (يذكرهم الله تعالى بما أنعم به عليهم من إلقائه النعاس عليهم أمانًا أمنهم به من خوفهم الذي حصل لهم من كثرة عدوهم وقلة عددهم»(٣). ٤. إنزال الماء من السماء. قال تعالى: ﴿وَيَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَآءِ مَآءَ لَيُطَهِّرَكُمْ بِهِ، وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَنِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ ﴾ [الأنفال: ١١]. وهذه منة أخرى، أنعمها الله تعالى عليهم وهم محتاجون إليها، وهي أنه تعالى أنزل عليهم المطر، وإسناده هذا الإنزال إليه عز وجل؛ للتنبيه على أنه أکرمهم به، لیثبت أقدامهم، ويذهب عنهم وساوس الشيطان، فطهرهم بالمطر ظاهرًا وباطنًا (٤). ٥. إيحاء الله تعالى للملائكة بتثبيت المؤمنين. وإذ يُوحِى رَبَّكَ إِلَى قال الله تعالى: الْمَلَئِكَةِ أَنِّ مَعَكُمْ فَشَبِتُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ سَأَلْقِى فِي قُلُوبٍ أَلَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ فَأَضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَأَضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانِ ١٢﴾ [الأنفال: ١٢]. ((وهذه نعمة خفية أظهرها الله تعالى لهم لیشکروه علیها، وهو أنه تعالى وتقدس (٣) المصدر السابق ٢/ ١١٣. (٤) انظر المصدر السابق، ٢١٤/٢، التحرير والتنوير ٩/ ٢٧٩. www. modoee.com ٢٨٩ حف الصاد وتبارك وتمجد أوحى إلى الملائكة الذين في صحيحه عن أنس أن رسول الله صلى الله علیه وسلم، شاور حین بلغه إقبال أبی أنزلهم لنصر نبيه ودينه وحزبه المؤمنين یوحي إليهم فیما بينه وبينهم أن يثبتوا الذين آمنوا))(١). سفیان، قال: (فتکلم أبو بکر، فأعرض عنه، ثم تكلم عمر، فأعرض عنه، فقام سعد بن عبادة فقال: إيانا تريد يا رسول الله، والذى ٦. مشاركة الملائكة في القتال مع الصحابة، ولا شك أن هذا شرف عظيم. وهذا الشرف يدرك من النقطة السابقة. ٧. إلقاء الرعب في قلوب الكفار. نفسي بيده، لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا-قال-فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فانطلقوا حتى نزلوا بدرًا)(٣). قال تعالى: ﴿سَأُلْقِى فِ قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ﴾. أي: ((سأرعب قلوب الذين كفروا بي، أيها المؤمنون منكم، وأملؤها فرقًا حتى ينهزموا عنكم))(٢). ولا شك أن في إسناد إلقاء الرعب إلى الله تعالی ما فیه، من تکریم للمؤمنين، ومن بیان عظم الرعب الذي ألقاه الله جل جلاله. أما مواقف الصحابة في هذه الغزوة، فنتحدث عنها على قسمين: الأول: فيما يتعلق بمجموع الصحابة، فيكفي أن الله تعالى وصفهم بالإيمان في معرض امتنانه علیهم-وقد ذكرنا قبل قليل الآيات الدالة على ذلك-ولا شك أن هذه أعظم تزكية من رب العالمين، ولذا استحقوا أن ينصرهم الله عز وجل مع قلتهم، ولنتأمل هذا الحوار بين النبي صلی الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، أخرج مسلم أما كراهية فريق من الصحابة للقتال، فهذا راجع لأمور، وقبل بيانها، لنتأمل قوله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَ إِنَّ فَرِبقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكِهُونَ (٥)مُجَدِلُونَكَ فِ اٌلْحَقِّ بَعْدَ مَا نَبَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ﴾ [الأنفال: ٥-٦]. بالتأمل يظهر الآتي: أن الكارهين لذلك فريق من الصحابة، لا کلهم. أن الله عز وجل وصف هذا الفريق بالمؤمنين، فلا ينبغي تجاوز هذا الوصف الذي يتضمن ثناء عظيمًا. أما لماذا كره بعضهم؛ فلأنهم ما خرجوا ابتداء للقتال، وإنما للتعرض لقافلة قريش، وکان حراسها أربعين شخصًا، فاستعدادهم (١) تفسير القرآن العظيم ١٢١٥/٢. (٢) جامع البيان ١٩٦/٦. (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب غزوة بدر، رقم١٧٧٩ . ٢٩٠ القرآن الكريمِ الصحابة النفسي والمادي كان لمثل هذا العدد، أما لحياة طويلة. قال: فرمى بما كان معه من النفير، فالأمر يختلف، فهم أمام ألف فارس، التمر. ثم قاتلهم حتى قتل (٢). خرجوا للقتال لا لحراسة قافلة. يقول السعدي: ((كثير من المؤمنين لم يجر منهم من هذه المجادلة شيء، ولا كرهوا لقاء عدوهم. وكذلك الذين عاتبهم الله، انقادوا للجهاد أشد الانقياد، وثبتهم الله، وقیض لهم من الأسباب ما تطمئن به قلوبهم»(١). الثاني: وأما على المستوى الفردي، فالأمثلة على إخلاصهم وشجاعتهم وحبهم للرسول صلى الله عليه وسلم كثيرة جدًا، نذكر منها: * ما يدل على عظيم تصديقهم وإيمانهم. أخرج مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك قال: (فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض). قال: يقول عمير بن الحمام الأنصارى: يا رسول الله جنة عرضها السموات والأرض؟ قال: (نعم). قال: بخ بخ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مًا يحملك على قولك بخ بخ؟). قال: لا والله يا رسول الله إلا رجّاءة أن أكون من أهلها. قال: (فإنك من أهلها). فأخرج تمرات من قرنه فجعل یأکل منھن، ثم قال: لئن أنا حبيت حتى آكل تمراتى هذه إنها (١) تيسير الكريم الرحمن ص٣٤٧. * همة شباب الصحابة وإيمانهم وشجاعتهم. قال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: (إني لفي الصف يوم بدر إذ التفت، فإذا عن پميني وعن يساري فتيان حديثا السن فكأني لم آمن بمکانهما إذ قال لي أحدهما سرًا من صاحبه: يا عم! أرني أبا جهل. فقلت: يا ابن أخي وما تصنع به؟ قال: عاهدت الله إن رأيته أن أقتله أو أموت دونه، فقال لي الآخر سرًا من صاحبه مثله، قال: فما سرني أني بين رجلين مكانهما، فأشرت لهما، اليه فشدا علیه مثل الصقرین حتی ضرباه. وهما ابنا عفراء).(٣) # موقف المقداد الأسود رضي الله عنه. أخرج البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه: (شهدت من المقداد الأسود مشهدًا لأن أکون صاحبه أحب إلي مما عدل به، أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يدعو على المشركين، فقال: لا نقول كما قال قوم موسى: ﴿فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلاً ﴾ [المائدة: ٢٤]، ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك؛ فرأيت النبي (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب ثبوت الجنة للشهيد، رقم ١٩٠١ . (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، رقم٣٩٨٨. www. modoee.com ٢٩١ حفالصاد صلى الله عليه وسلم أشرق وجهه وسره، عمران: ١٣٩]. يعني قوله(١). رابعًا: غزوة أحد: تميز حديث القرآن الكريم عن غزوة أحد بالآتي(٢): ١. تذكير الصحابة رضي الله عنهم" بالسنن. قال تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌّ فَسِيرُوا فِىِ الْأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَلِقِبَةُ اُلْتَكَذِّبِينَ ﴾ [آل عمران: ١٣٧]. هذه تسلية من الله تعالى للمؤمنين، والمعنى: ((قد جرى نحو هذا على الأمم الذين كانوا من قبلكم من أتباع الأنبياء، ثم كانت العاقبة لهم، والدائرة على الكافرين. ولهذا قال تعالى: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَأَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُّكَذِّبِينَ﴾(٣). وفيه بشرى أن العاقبة ستكون لهم، وما عليهم ليتأكدوا سوى السير في الأرض. ٢. دعوة الصحابة رضي الله عنه للعلو الإيماني. يقول تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَخْزَنُواْ [آل وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (@)﴾ (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب قول الله تعالى: (إذ تستغيثون ریکم)، رقم ٣٩٥٢. (٢) انظر السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث، علي الصلابي ٢/ ٨٢٤-٨٤٣. (٣) تفسير القرآن العظيم ١/ ٥٥٩. في هذه الآية الكريمة رفع لهمة الصحابة، وإعلاء لشأنهم، وتأمل الخطاب الرباني: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾، ومن كان هذا شأنه، لا یمکن أن یضعف أو یحزن، ثم یھیجھم لذلك ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. قال ابن عاشور: ((التعليق بالشرط في قوله: ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ قصد به تهييج غيرتهم على الإيمان، إذ قد علم الله أنهم مؤمنون، ولكنهم لما لاح عليهم الوهن والحزن من الغلبة، كانوا بمنزلة من ضعف يقينه فقيل لهم: إن علمتم من أنفسكم الإيمان. وجيء بإن الشرطية التي من شأنها عدم تحقيق شرطها، إتمامًا لهذا المقصد)) (٤). ٣. ثناء عظيم على الصحابة رضي الله عنهم. قال القرطبي في قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ اُلْأَعْلَوْنَ﴾: ((وفي هذه الآية بیان فضل هذه الأمة؛ لأنه خاطبهم بما خاطب به أنبياءه؛ لأنه قال لموسى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ [طه: ٦٨]. وقال لهذه الأمة: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وهذه اللفظة مشتقة من اسمه الأعلى، فهو سبحانه العلي، وقال للمؤمنين: ﴿وَأَنتُمُ (٤) التحرير والتنوير ٤ /٩٩. جَوَسُولَةُ التَّقِينَ القرآن الكريمِ ٢٩٢ الصحابة اَلْأَعْلَوْنَ﴾)»(١). ٤. الرفق في معالجة الأخطاء. يلاحظ فى هذه الغزوة أن الله تعالى قد ترفق في عتابهم. يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمْ اللَّهُ وَعْدَهُ: إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهٌِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَزَعْتُمْ فِى الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِنْ بَعْدِ مَآ أَرَنَكُم مَّا تُحِبُّونَّ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُمْ مَن يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢) ﴾ [آل عمران: ١٥٢]. ج وتأمل ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ﴾، ثم لم يقل عز وجل: والله ذو فضل عليكم، وإنما على المؤمنين، ليعلم أن وصف الإيمان ثابت لهم، بل حازوا كماله رضي الله عنهم. والله أعلم. ٥. ضرب المثل بالمجاهدين السابقين. قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِن نَّبٍِ قَتَلَ مَعَدُ رِبُّّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْوَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّبِينَ (١) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّ أَنْ قَالُواْ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَاقَنَا فِىْ أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَأَنصُرْنَا عَلَىَ اَلْقَوْمِ الْكَفِرِينَ * فَانَهُمُ اللّهُ تَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابٍ الْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( ١٤٨ [آل عمران: ١٤٦- ١٤٨]. (١) الجامع لأحكام القرآن ٢١٧/٤. قال أبو حیان: «لما كان من المؤمنین ما كان يوم أحد، وعتب عليهم الله ما صدر منهم في الآيات التي تقدمت، أخبرهم بأن الأمم السالفة قتلت أنبياء لهم كثيرون، أو قتل ربیون کثیر معهم، فلم یلحقهم ما لحقكم من الوهن والضعف، ولا ثناهم عن القتال فجعهم بقتل أنبيائهم، أو قتل ربيبهم، بل مضوا قدمًا في نصرة دينهم، صابرین علی ما حل بهم. وقتل نبي أو أتباعه من أعظم المصاب، فكذلك كان ينبغي لكم التأسي بمن مضى من صالحي الأمم السابقة، هذا وأنتم خير الأمم، ونبيكم خير الأنبياء. وفي هذه الجملة من العتب لمن فر عن النبي صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى))(٢). ٦. أثر المعاصي في الهزيمة. يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمْ اللَّهُ وَعْدَهُ: إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهٌِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَزَعْتُمْ فِى الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِنْ بَعْدِ مَآ أَرَتَكُم مَّا تُحِبُّونَّ مِنكُمْ مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُمْ مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةٌ ثُمَّ صَرَفَّكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢ [آل عمران: ١٥٢]. ((﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾ حتى إذا جبنتم وضعفتم ﴿وَتَنَزَعْتُمْ فِي الأَمْرِ ﴾ يقول: واختلفتم في أمر الله، يقول: وعصيتم (٢) البحر المحيط ٣/ ٧٧. www. modoee.com ٢٩٣ حرف الصاد وخالفتم نبیکم، فترکتم أمره وما عهد إليكم. وإنما يعني بذلك الرماة الذين كان أمرهم صلی الله عليه وسلم بلزوم مركزهم ومقعدهم من فم الشعب بأحد))(١). هذه المعصية من بعض الصحابة، -وكانت اجتهادًا منهم رضي الله عنهم وظنّا أن المعركة قد حسم أمرها-، كان لها أثر عظيم في الهزيمة، مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم فيهم، ولكنه درس عملي لھم، ولکل من یأتي بعدهم ینبههم إلى خطر المعاصي. ٧. خطورة إيثار الدنيا على الآخرة. يقول تعالى: ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُمْ مَن يُرِيدُ الْآَخِرَةَ﴾ [آل عمران: ١٥٢]. عاتبهم ربهم، وهو يرقى بهم نحو الكمال. ولقد حدد موطن الخطأ، وخصص ولم يعمم، ﴿مِنكُم﴾، وهذا التخصيص لم یکن بذکر أسماء من یرید الدنیا، ثم تأمل بعدها ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ﴾؛ ليعلم أن القصد من ذکرها أن تتلافى مستقبلاً. ٨. الشهادة اصطفاء. غیر الإسلام کثیرًا من المفاهيم التي كانت سائدة آنذاك، فلئن كان القتل يعد خسارة عند قوم، فهو عند الله تعالى اصطفاء، ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْجُ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ تَرْعُ مِّثْلُهُ: (١) جامع البيان ٤٧١/٣. وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَ يَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءُ وَاللّهُ لَا يُحِبُّ التَّلِينَ [آل عمران: ١٤٠]. ويعزز هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لما أصيب إخوانكم بأحد، جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد أنهار الجنة، تأکل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم وحسن منقلبهم، قالوا:يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله لنا؛ لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب، فقال عز وجل: أنا أبلغهم عنكم، فأنزل الله عز وجل هؤلاء الآيات على رسوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَا بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ [آل عمران: ١٦٩])(٢). مواقف بطولية الصحابة رضي الله عنهم في هذه الغزوة: ٥ مصعب بن عمير. قال خباب بن الأرت رضي الله عنه: (هاجرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نبتغي وجه الله، فوجب أجرنا على الله، ومنا من مضى أو ذهب لم يأكل من أجره شيئًا، كان منهم مصعب بن عمير، قتل يوم أحد، لم يترك إلا نمرة، كنا إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطي (٢) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ٢٣٨٨، ١٢٣/٤-٠١٢٤ ٢٩٤ جوسين لِلْقُرْآن الكَرِيمِ الصحابة بها رجلاه خرج رأسه، فقال لنا النبي صلى الله عليه وسلم: (غطوا بها رأسه، واجعلوا على رجله الإذخر -أو قال: ألقوا على رجليه من الإذخر)، ومنا من أينعت له ثمرته فهو یھدیھا)(١). أم سليط رضي الله عنها. والصحابيات دورهن، ففي صحيح البخاري: (أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قسم مروطًا بين نساء من نساء أهل المدينة، فبقي منها مرط جید، فقال له بعض من عنده: يا أمير المؤمنين أعط هذا بنت رسول الله صلی الله علیه وسلم التي عندك، یریدون أم كلثوم بنت علي، فقال عمر: أم سليط أحق به. وأم سليط من نساء الأنصار ممن بایع رسول الله صلی الله عليه وسلم، قال عمر: فإنها كانت تزفر لنا القرب يوم أحد)(٢). خامسًا: غزوة الأحزاب: حدثت غزوة الأحزاب في السنة الخامسة للهجرة، وقد نزلت سورة تحمل اسمها، ويكفي في وصف ماحدث فيها للصحابة الكرام، قوله تعالى: ﴿إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقَكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَرُ وَبَلَغَتِ (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب غزوة أحد، رقم ٤٠٤٧. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب ذكر أم سليط، رقم ٤٠٧١. ١٠ الْقُلُوبُ اَلْحَنَاجِرَ وَتَظُنُونَ بِاللَّهِ الْفُلْتُونَاً هُنَالِكَ أَبْتُلِىَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالًا شَدِيدًا ﴾ [الأحزاب: ١٠- ١١]. ولم يحصل اقتتال يذكر، لكن هذه الغزوة كانت ممحصة للصف المؤمن، فنجم النفاق، وأظهر المنافقون ما كانوا یخفون، وقد قص الله من أنبائهم. يقول تعالى: ﴿ وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِيِ قُلُوبِهِم مَّرَضَُّ مَّا وَعَدَنَا ◌َللَّهُ وَرَسُولُهُ، إِلَّا غُرُورًا وَإِذْ قَالَت ◌َطَايِفَةٌ مِنْهُمْ يَكَأَهْلَ يَغْرِبَ لَ هُقَامَ ١٢ لَكُمْ فَأَرْجِعُواْ وَيَسْتَعْذِنٌ فَرِقٌ مِنْهُمُ النَّىَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُوَتَنَا عَوْرَةُ وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٌ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا ١٣ وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُيِلُواْ الْفِتْنَةَ ◌َ تَوَّهَا وَمَا تَلَبَثُواْ بِهَآ إِلَّا يَسِبْرًا ، وَلَقَدْ كَانُواْ عَهَدُ واْ اللّهُ مِن قَبْلٌ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَرَّ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا ﴾﴾ [الأحزاب: ١٢ -١٥]. وهذا من ثمار هذه الغزوة، ويستحسن أن لا تترك هذه السانحة لنبين باختصار قضية النفاق: النفاق يعني: تمكن الحق وغلبة أهله، وأن المنافقين من الذلة لدرجة العجز عن إعلان ما يعتقدون. إن الله تعالى وعد المؤمنين أن یکشف لهم حقيقة المنافقين، فقال تعالى: ﴿مَّاكَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ اَْيْتَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩]. وقال عز وجل: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِى www. modoee.com ٢٩٥ حرف الصاد قُلُوبِهِم مَّرَضُ أَن ◌َّنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَنَهُمْ ﴾ أَعْمَلَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرًا [محمد: ٢٩]. وقد كشفت غزوة الأحزاب أمرهم، فتباينت المواقف، موقف المؤمنين: ﴿وَلَمَّا رَمَا الْمُؤْمِنُونَ اْأَحْزَابَ قَالُواْ هَذَا مَا وَعَدَنَا أَلهُ وَرَسُولُهُ، وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَمَا زَادَهُمْ إِلَّ إِيَمْنَا وَتَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: ٢٢]. ، المنافقين: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم ◌َّرَضَُّ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ، إِلََّّ ﴾ [الأحزاب: ١٢]. ولنتأمل هذه الآيات: ﴿وَإِذْ قَالَتِ ◌َائِفَةٌ مِنْهُمْ بَأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُواْ وَيَسْتَعْذِنٌ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّىَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٌ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارً ، وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ اَلْفِتْنَةَ لَنَوَّهَا وَمَا تَتَّقُواْ بِهَا إِلَّا يَسِيرًا ، وَلَقَدْ كَانُواْ عَنْهَدُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَرَّ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا (٥) قُل لَّنْ يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَّتُم مِّنَ اَلْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذَا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا ( ١٦ قُلْ مَن ذَا الَّذِى يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءً أَوْأَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةٌ وَلَا يَجِدُونَ لَهُ مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوْقِينَ مِنْكُ ١٧ وَلَا نَصِيرًا وَالْقَآيِلِينَ لِإِخْوَبِهِمْ هَلْمَّ إِلَيْنَاً وَلَا يَأْتُونَ الْبَّأْسَ إِلَّا قَلِلًا ، أَشِخَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَآءَ اَلْنَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَلَّذِى يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِّ فَإِذَا ذَهَبَ اَلْنَوْقُ سَلَقُوكُمْ يَأَلِِّنَةِ حِدَادٍ أَشِخَّةٌ عَلَى الْخَيْرِّ أُوْلَئِكَ لَّمْ يُؤْمِنُواْ فَأَحْبَطَ اللَّهُ يَحْسَبُونَ ١٩ اَلْأَخْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ وَإِن يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِ الْأَعْرَابِ يَسْتَلُونَ عَنْ أَنْبَّيِكُمْ وَلَوْ كَانُواْ فِكُم مَّا قَتَلُوا إِلَّا قَلِيلاً ﴾ [الأحزاب: ١٣ - ٢٠]. ٢٠ إن هذا الإطناب في الحديث عنهم له مغزى عظیم، وهكذا صارت المحن تفضح المنافقين شيئًا فشيئًا، حتى قال تعالى: ﴿ أُوْلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِ كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يُذَكَّرُونَ (١)﴾ [التوبة: ١٢٦](١). إذن فأمر الصحابة معروف، وأمر المنافقین مکشوف، ولا یقع اللبس إلا لمن في قلبه مرض یمنعه من التمییز. يتلخص حديث القرآن الكريم عن هذه الغزوة في الآتي: ١. تذكير المؤمنين بنعم الله عليهم. قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذَكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَ تَّكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَحُنُودًا لَّمْ تَرَوَهَاً وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ﴾ [الأحزاب: ٩]. ٢. بيان ما أصاب المسلمين بسبب إحاطة الأحزاب بالمدينة. قال تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِن فَوْقَكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَرُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظْتُونَ بِاللَّهِ الظّنُونَ﴾ (١) انظر الصحابة في القرآن ص٣١ - ٣٤. ٢٩٦ مَوَسُورَةُ النَّفِيَّة القرآن الكريمِ الصحابة [الأحزاب: ١٠]. ٣. الكشف عن المنافقين. وقد مر قبل قليل ذكر كثير من الآيات الدالة على ذلك. ٤. بيان صلابة موقف المؤمنين. قال تعالى: ﴿وَلَمَّا رَمَا الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُواْ هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ. وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَمَا زَادَهُمْ إِلََّ إِيَمَنَا وَتَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: ٢٢]. ٥. حض المؤمنين على التأسي برسول الله صلی الله عليه وسلم. قال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَّكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَّةُ حَسَنَّةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا اللهَ وَاَلْيَوْمُ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: ٢١]. ٦. مدح بعض المؤمنين على مواقفهم. قال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنْتَظِرٌ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ﴾ [الأحزاب: ٢٣]. ٧. بيان سنة من سنن الله التي لا تتخلف، وهي جعل العاقبة للمؤمنين والهزيمة لأعدائهم. قال تعالى: ﴿وَرَّ اللّهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اَللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا ﴾ [الأحزاب: ٢٥]. ٨. امتنانه سبحانه على عباده المؤمنين حيث نصرهم على بني قريظة، وهم في حصونهم المنیعة بدون قتال یذکر. حيث ألقى سبحانه الرعب في قلوبهم فنزلوا علی حکم الله ورسوله. قال تعالى: ﴿ وَأَنْزَلَ اَلَّذِينَ ظَهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِ قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا وَأَوْرَتَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَرَهُمْ وَأَمْوَهُمْ وَأَرْضًا لَّْ تَطَقُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيْرًا ﴾ [الأحزاب: ٢٦-٢٧](١). من مواقف الصحابة رضي الله عنهم: تعددت مواقف الصحابة، ففيما يتعلق بمجموعهم، فالكل يشارك في حفر الخندق، والكل أصابه من الجوع ما أصابه، والكل مستعد لتنفيذ ما يوجه إليه من أوامر، وهم كما وصفهم الله تعالى: ﴿إِذْ جَآءُوكُم مِّن فَوْقَكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَرُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ اَلْحَنَاجِرَ وَتَظْتُونَ بِاللَّهِ اُلْفُتُونَ ﴾ [الأحزاب: ١٠]. ولنستعرض بعض النصوص التي توضح هذا: أخرج الإمام البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق، فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة، فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال: (اللهم إن العيش (١) انظر السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث علي الصلابي ٢/ ٩٦٢- ٩٦٣. www. modoee.com ٢٩٧ حرف الصاد عيش الآخرة. فاغفر للأنصار والمهاجرة). فقالوا مجیبین له: نحن الذين بايعوا محمدًا على الجهاد ما بقينا أبدًا)(١). وفي رواية عنه رضي الله عنه: (قال: يؤتون بملء كفي من الشعير، فيصنع لهم بإهالة سنخةٍ، توضع بين يدي القوم، والقوم جياعٌ، وهي بشعةً في الحلق ولها ربيٌّ منتزٌ)(٢). أخرج البخاري بسنده عن جابر رضي الله عنه قال: (لما حفر الخندق رأيت بالنبي صلی الله عليه وسلم خمصًا شديدًا، فانكفأت إلى امرأتي فقلت: هل عندك شيء؟ فإني رأيت برسول الله صلى الله عليه وسلم خمصًا شديدًا، فأخرجت إلي جرابًا فيه صاعٌ من شعيرٍ، ولنا بهيمةٌ داجنٌ، فذبحتها وطحنت الشعير، ففرغت إلى فراغي وقطعتها في برمتها، ثم وليت إلى رسول الله صلی الله علیه وسلم، فقالت: لا تفضحني برسول الله صلی الله عليه وسلم وبمن معه، فجئته فساررته فقلت: يا رسول الله ذبحنا بهيمةً لنا وطحنا صاعًا من شعيرٍ (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب غزوة الخندق، وهي الأحزاب، رقم ٤٠٩٩. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب غزوة الخندق، وهي الأحزاب، رقم ٤١٠٠. كان عندنا، فتعال أنت ونفر معك. فصاح النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا أهل الخندق إن جابًا قد صنع سؤرًا فحي هلًا بکم) فقال رسول الله صلی الله عليه وسلم: (لا تنزلن برمتکم ولا تخبزن عجینکم حتى أجيء)، فجئت وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، یقدم الناس، حتى جئت امرأتي، فقالت: بك وبك، فقلت: قد فعلت الذي قلت. فأخرجت له عجینًا، فبصق فيه، وبارك، ثم عمد إلى برمتنا فبصق وبارك، ثم قال: ادع خابزةً فلتخبز معي، واقدحي من برمتكم ولا تنزلوها وهم ألف، فأقسم بالله لقد أکلوا حت تر کوه، وانحرفوا وإن برمتنا لتغط كما هي، وإن عجئنا ليخبز كما هو)(٣). أما الآن، فلستعرض المواقف الفردية للصحابة، ونكتفي بواحد منها (٤). موقف للزبير بن العوام: قال رسول الله صلی الله علیه وسلم یوم الأحزاب: (من يأتينا بخبر القوم؟). فقال الزبير: أنا. ثم قال: (من يأتينا بخبر القوم؟). (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب غزوة الخندق، وهي الأحزاب، رقم ٤١٠٢. (٤) مواقف الصحابة في هذه الغزوة وفي غيرها كثيرة، منها: موقف علي رضي الله عنه وقتله لعمرو بن عبد ودٍ، وموقف حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، وإنما اقتصرت على ما ذكر، للحفاظ على قرآنية الموضوع، ولأنه في صحيح البخاري. ٢٩٨ جوسين القرآن الكريم الصحابة فقال الزبير: أنا. ثم قال: (من يأتينا بخبر ألفًا وأربع مئة، وفي قول بعضهم: ألفًا القوم؟). فقال الزبير: أنا. ثم قال: (إن لكل وخمس مئة، وفي قول بعضهم: ألفًا وثلاث مئة)﴾(٢). نبي حواریًا، وأن حواري الزبير)(١). سادسًا: بيعة الرضوان: يقول تعالى: ﴿﴿ لَقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَوْ فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَنَبَهُمْ فَتْحًا فَرِيبًا وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللهُ عَزِيرًا حَكِيمًا ﴾ [الفتح: ١٨ -١٩]. يقول الطبري: «لقد رضي الله يا محمد عن المؤمنين ﴿إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ يعني: بيعة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله بالحديبية، حين بايعوه على مناجزة قريش الحرب، وعلى أن لا يفروا .. ، وكانت بيعتهم إياه هنالك فيما ذكر تحت شجرة. وکان سبب هذه البيعة ما قیل: إن رسول الله صلی الله عليه وسلم،" كان أرسل عثمان بن عفان رضي الله عنه برسالته إلى الملا من قريش، فأبطأ عثمان عليه بعض الإبطاء، فظن أنه قد قتل، فدعا أصحابه إلى تجديد البيعة على حربهم على ما وصفت، فبايعوه على ذلك، وهذه البيعة التي تسمى بيعة الرضوان، وكان الذين بايعوه هذه البيعة فيما ذكر في قول بعضهم: (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب غزوة الخندق، وهي الأحزاب، رقم ٤١١٣. کیف تلقی الصحابة رضي الله عنهم هذه الآية، وهم يعلمون أنهم المقصودون، لقد رضي الله تعالی عنهم، وقد أكد هذا الرضا بثلاثة مؤكدات، ثم عبر عنه بالماضي، دلالة علی تحقق الأمر، ثم وصفهم بالمؤمنين، ثم بین علمه تعالی بما في قلوبهم من الصدق. واستحقوا مع هذه البشرى من الله تعالى، بشارة من الرسول صلى الله عليه وسلم حيث يقول: (لا يدخل النار- إن شاء الله- من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها)(٣). وقد أخرج البخاري بسنده عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية: (أنتم خير أهل الأرض)، وكنا ألفًا وأربع مائةٍ، ولو كنت أبصر اليوم، لأريتكم مكان الشجرة (٤). وهل هناك شرف أعظم من أن يجعل الله (٢) جامع البيان ١١/ ٣٤٧ بحذف یسیر. قال ابن حجر في فتح الباري ٢٠/٨: والجمع بين هذا الاختلاف أنهم كانوا أكثر من ألف وأربعمائة. (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أصحاب الشجرة، رقم ٢٤٩٦. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية، رقم ٤١٥٤. www. modoee.com ٢٩٩ حرفالصاد تعالی مبايعة هؤلاء الکرام رضي الله عنهم للرسول، صلی الله علیه وسلم مبايعة له عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُللَّهِ فَوْقَ أَيْدِ يبِهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]. هذه الغزوة كانت بعد فتح مكة، في السنة الثامنة للهجرة، قوامها اثنا عشر ألفًا، ولقد صدرت الآيات التي تتحدث عن هذه الغزوة بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ (١) انظر التحرير والتنوير ٢٦/ ١٦٠. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب استحباب مبايعة الإمام الجيش، رقم ١٨٥٦. كَثِيرَةِ﴾ [التوبة: ٢٥]. تذكيرًا بما سلف من نصر الله تعالى لهم، ومنها ما حصل في غزوة بدر، م حُنَيْنٍ﴾، وهو واد بين مكة والطائف، قاتل عليه نبي الله عليه السلام هوازن وثقيفًا بعد أما قوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَ نَفْسِهِ﴾ فهو تحذير من نكث هذه البيعة وتفظيع له؛ لأن الشرط يتعلق بالمستقبل، ولم ينكث أحد ممن بايع؛ لأن سبب المبايعة قد انعدم بالصلح الواقع بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أهل مكة وأن هذه الآية نزلت فيما بين ساعة البيعة وبين انعقاد الهدنة وحصل أجر الإيفاء بالنية عدمه لو نزل ما عاهدوا الله علي (١). فتح مكة ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ وذلك أنهم قالوا: لن نغلب اليوم من قلة وكانوا اثني عشر ألفًا ﴿فَ تُغْنِ ﴾ لم تدفع عنكم شيئًا ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ برحبها وسعتها ضاقت بِمَا رَحَبَتْ عليكم، فلم تجدوا فيها موضعًا يصلح لفراركم، وهو قوله: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُم مُدِّينَ انهزمتم، أعلمهم الله تعالى أنهم ليسوا يغلبون بكثرتهم إنما يغلبون بنصر الله قال جابر رضي الله عنه: (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة على الموت، وعلى ألا نفر، فما نکث أحد منا إبط بعيره، ولم يسر مع قومه)(٢). أَنزَلَ اَللَّهُ سَكِينَتَهُ﴾ يعني الأمنة والطمأنينة ﴿عَ رَسُولِهِ، وَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا البيعة، إلا جد بن قيس المنافق، اختبأ تحت لَّوْ تَرَوْهَا﴾ الملائكة ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ بالقتل والأسر وسبي الأولاد ﴿وَذَلِكَ جَزَآءُ الْكَفِرِينَ آ ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ سابعًا: غزوة حنين: مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ عَلَى مَن يَشَآءُ﴾ فيهديه إلى الإسلام ولا يؤاخذه بما سلف ﴿وَاَللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ بمن آمن(٣). يتضح من حديث القرآن الكريم عن هذه الغزوة الآتي: ١. ربط الصحابة بالله تعالى، وأن النصر من عنده عز وجل، من خلال مواقف (٣) انظر الوسيط، الواحدي ١/ ٤٨٧-٤٨٨. ٣٠٠ جوبيين لِلْقُرآن الكَرِيمِ الصحابة حضر منهم؛ لأنهم ثبتوا بعد ذلك وقاتلوا سبقت، وهم يعرفونها. ٢. التنبيه على موضع الخطأ، وهو ههنا وانتصروا)) (٢). الإعجاب بالكثرة. ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾، ولم يقل الله تعالى: فلم تغن من عدوكم شيئًا، وإنما من الله، وهنا ربط القلوب بما يرضي الله، فالنصر من عنده وحده. قال ابن كثير: («نبههم على أن النصر من عنده، سواء قل الجمع أو کثر، فإن يوم حنين أعجبتهم کثرتهم، ومع هذا ما أجدی ذلك عنهم شيئًا، فولوا مدبرين إلا القليل منهم مع رسول الله صلی الله عليه وسلم))(١). ٣. المؤاخذة على الخطأ، لا يعفى منها أحد، فهؤلاء الصحابة الكرام، ومعهم سید ولد آدم، ومع ذلك، فقد أصابهم ما أصابهم، ولنستحضر ما حصل في غزوة أحد، ولنكن من الأخطاء على حذر. ٤. عدم اليأس من رحمة الله تعالى. قال تعالى: ﴿ ثُمَّ أَنَزَلَ اَللَّهُ سَكِينَتَهُعَلَى رَسُولِهِ، وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾، أنزلها الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين. قال الشوكاني:«هم الذين لم ينهزموا، وقيل: الذين انهزموا، والظاهر جميع من ٥. إكرام الله تعالى الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة بإنزال الملائكة عليهم السلام، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا أَّوْ تَرَوْهَا﴾ ((هم الملائكة، وقد اختلف في عددهم على أقوال: قيل: خمسة آلاف، وقيل: ثمانية آلاف، وقيل: ستة عشر ألفًا، وقيل: غير ذلك، وهذا لا يعرف إلا من طريق النبوة. واختلفوا أيضًا: هل قاتلت الملائكة في هذا اليوم أم لا؟))(٣). والعلم عند الله تعالى. مواقف الصحابة في هذه الغزوة: في صحيح مسلم بسنده عن العباس، قال: (شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنينٍ، فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم نفارقه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلة له بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي، فلما التقى المسلمون والكفار ولى المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم یر کض بغلته قبل الكفار، قال عباس: وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم أكفها إرادة أن لا تسرع، وأبو (١) تفسير القرآن العظيم ١٨١/٢، وفيه تفصيل لهذه الغزوة. (٢) فتح القدير ٢/ ٣٥٠. (٣) المصدر السابق. www. modoee.com ٣٠١ حرف الصاد سفيان آخذ بركاب رسول الله صلى الله اختصارًا لها، يقول ابن كثير: ((ولما أنزل الله عز وجل على رسوله ﴿قَئِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِ وَلَا يُحِّمُونَ مَا حَزَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ حَّ يُعْعُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ ﴾ [التوبة: ٢٩]. عليه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أي عباس! ناد أصحاب السمرة). فقال عباس-وكان رجلًا صيتًا-فقلت بأعلى صوتى: أين أصحاب السمرة؟ قال: فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتى عطفة البقر علی أولادها. فقالوا: یا لبيك يا لبيك، قال: فاقتتلوا والكفار، والدعوة فى الأنصار يقولون: يا معشر الأنصار! يا معشر الأنصار! قال: ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج فقالوا: يا بني الحارث بن الخزرج! يا بني الحارث بن الخزرج! فنظر رسول الله صلی الله عليه وسلم وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم، فقال رسول الله صلی الله عليه وسلم: (هذا حین حمى الوطيس). قال: ثم أخذ رسول الله صلی الله علیه وسلم حصیاتٍ فرمی بهن وجوه الكفار. ثم قال: (انهزموا ورب محمدٍ). قال: فذهبت أنظر، فإذا القتال على هيئته فيما أرى، قال: فوالله ما هو إلا أن رماهم بحصیاته، فما زلت أری حدهم كليلًا وأمرهم مدبرًا)(١). ثامنًا: غزوة تبوك: نزل معظم سورة التوبة في شأن هذه الغزوة، ولذا فإنه من المناسب أن نذكر (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب في غزوة حنين، رقم ١٧٧٥ . ندب رسول الله صلی الله عليه وسلم أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب إلى الجهاد، وأعلمهم بغزو الروم، وذلك في رجب من سنة تسع، و کان لا يريد غزوة إلا وری بغیرها، إلا غزوته ھذہ، فإنه صرح لهم بها؛ ليتأهبوا لشدة عدوهم وكثرته، وذلك حين طابت الثمار، وكان ذلك في سنة مجدبة، فتأهب المسلمون لذلك، وأنفق عثمان بن عفان رضي الله عنه على هذا الجيش-وهو جيش العسرة-مالًا جزيلًا، فقيل: ألف دينار، وقال بعضهم: إنه حمل على ألف بعير ومائة فرس وجهزها أتم جهاز، حتى لم يفقدوا عقالًا ولا خطامًا رضي الله عنه. ونهض صلی الله عليه وسلم في نحو من ثلاثين ألفًا، واستخلف على المدينة محمد بن مسلمة، وقيل: سباع بن عرفطة، وقيل: علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، والصحيح أن عليًا كان خليفة له على النساء والذرية، وقد خرج معه عبد الله بن أبي رأس النفاق، ثم رجع في أثناء الطريق. ٣٠٢ القرآن الكريمِ