Indexed OCR Text

Pages 41-60

الصبر
يغتسل عريانًا، خرَ عليه رجل جراد من سيد الصابرين، وقال الله لنا: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَّكُمْ
فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا اللهَ
وَأَلْيَوْمُ الْآَخِرَ وَذَّكَرَاللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١].
ذهب؛ فجعل يحثي في ثوبه؛ فناداه ربه: یا
أیوب: ألم أکن أغنيتك عما تری، قال: بلى
یا رب، ولكن لا غنى لي عن بر کتك)(١).
فعلى كل مسلم أن يكون مقتديًا بنبيه
محمد صلى الله عليه وسلم.
الصبر ليس كلمة تقال، أو شعورًا عابرًا
یطرق قلب المسلم، فلا يستقر فيه، بل إن
الصبر سلوك يربي المرء، وينقله من مرتبة
السخط إلى منزلة الرضا، ومن السخط من
البلاء إلى الرضا بالقضاء، ومن مرتبة الجزع
إلى منزلة الاطمئنان، فلا يختلف الباطن عن
الظاهر، والصبر مكانه القلب، وترجمانه
اللسان، ومرآته الجوارح، والصبر الذي لا
يقر في القلب ليس صبرًا حقيقيًّا، والصبر
الذي لا يترجمه اللسان بالحمد، والشكر
لله في جميع الأحوال ليس صبرًا حقيقيًا،
والصبر الذي لا يظهر صافيًا من خلال
الجوارح كلها لا يعدو أن يكون صبرًا مزيفًا.
وقد تطرقنا في هذا المبحث لشيء من
قصص الصبر الواردة في القرآن الكريم؛
لنسير على ما كانوا عليه، فقد صبر الأنبياء
عليهم الصلاة والسلام وضربوا أروع
الأمثلة، وقال الله لنبيه صلى الله عليه
وسلم: ﴿فَأَصَِّرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ
الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥].
وقد امتثل نبينا صلى الله عليه وسلم فهو
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الغسل،
باب من اغتسل عريانًا وحده في الخلوة،
٦٤/١، رقم ٢٧٩.
www. modoee.com
٢٤١

حرف الصاد
مجالات الصبر ومظاهره
أولًا: الصبر على طاعة الله:
إن الصبر على طاعة الله تبارك وتعالى
من أعظم مجالات الصبر؛ لذلك هو أشد
أنواع الصبر على النفوس، وجاءت صيغة
الأمر بالصبر على الطاعة مغايرة لغيرها،
فقال تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا
فَأَعْبُدْهُ وَأَصْطَيِرْ لِعِبَدَتِهِ. هَلْ تَعْلَمُ لَهُ، سَمِيًّا﴾
[مريم: ٦٥].
وقال جل ثناؤه: ﴿وَأَمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوةِ
وَأَصْطَيِرْ عَلَيْهَا لَا تَتْتَلُكَ رِزْقًا أَعْنُ نَزُقُكَ وَالْعَقِبَةُ
لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢].
فجاء بصيغة الافتعال ((اصْطَِّرْ)) الدالة
على المبالغة في الفعل، والعلماء يقولون:
بأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، وما
ذاك إلا لمشقة مجاهدة النفوس على القيام
بحق العبودية في كل الأحوال، عن سفيانَ
الثَوريٍ، قال: ((ما عالجتُ شيئًا أشدَ عليَ من
نِيَتَي؛ لأنَها تتقلَبُ عليَ)) (١).
ثم إن الصبر صبران كما يقول الحافظ
ابن كثير رحمه الله: صبر على ترك المحارم
والمآثم، وصبر على فعل الطاعات
والقربات، والثاني أكثر ثوابًا؛ لأنه المقصود،
كما قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الصبر
(١) انظر: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع،
الخطيب البغدادي ١/ ٣١٧.
في بابين، الصبر لله بما أحب، وإن ثقل على
الأنفس والأبدان، والصبر لله عما كره -وإن
نازعت إلیه الأهواء-، فمن کان ھکذا؛ فهو
من الصابرين الذين يسلم عليهم-إن شاء
الله-، وقال سعيد بن جبير: الصبر اعتراف
العبد لله بما أصاب منه، واحتسابه عند الله
رجاء ثوابه، وقد يجزع الرجل، وهو مُتَجَلد
لا يرى منه إلا الصبر (٢).
والصبر على الطاعة له ثلاثة أحوال:
الأول: قبل الطاعة:
وذلك بتصحيح النية والصبر على
شوائب الرياء، وعقد العزم على الوفاء
وذلك يظهر في سر تقديم الصبر على العمل
الصالح في قوله تعالى: ﴿إِلَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ
وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ أُوْلَكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ
كَبِيرٌ﴾ [هود: ١١].
قال الإمام الرازي رحمه الله: ((قوله:
المراد منه: أن يكون
الَّذِينَ صَبَرَوَاهـ
7
عند البلاء من الصابرين، وقوله: ﴿وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ﴾ المراد منه: أن يكون عند الراحة
والخير من الشاكرين، ثم بين حالهم فقال:
﴿أُوْلَكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرُ كَبِيرٌ﴾ فجمع
لهم بين هذين المطلوبين.
أحدهما: زوال العقاب والخلاص منه،
وهو المراد من قوله: ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾
والثاني: الفوز بالثواب وهو المراد من
(٢) تفسير القرآن العظيم، ٤٤٦/١، بتصرف.
٢٤٢
جوية
لِلْقُرآن الكَرِيمِ

الصبر
قوله: ﴿وَأَجْرُ كَبِيرٌ)))(١)، ومن الأدلة
على ذلك حديث عمر بن الخطاب رضي
الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات
الحديث)(٢).
الثانى: وقت أداء الطاعة:
بأن لا يغفل عن الله تبارك وتعالى فيها،
ولا یتکاسل عن تحقیق آدابها وسنتها، كما
في قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ
يَنَوَكَّلُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٩]. صبروا إلى تمام
العمل.
قال العلامة ابن سعدي رحمه الله:
((﴿ الَّذِينَ صَبَرُواْ﴾ على عبادة الله ﴿وَعَلَى
رَبِهِمْ يَنْوَكَلُونَ﴾ في ذلك، فصبرهم على
عبادة الله؛ يقتضي بذل الجهد والطاقة في
ذلك، والمحاربة العظيمة للشيطان، الذي
يدعوهم إلى الإخلال بشيء من ذلك،
وتو کلهم، يقتضي شدة اعتمادهم على الله،
وحسن ظنهم به، أن يحقق ما عزموا عليه من
الأعمال ويكملها، ونص على التوكل - وإن
كان داخلًا في الصبر-؛ لأنه يحتاج إليه في
كل فعل وترك مأمور به، ولا يتم إلا به))(٣).
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ١٧/ ١٥٤.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء
الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول
الله صلى الله عليه وسلم، رقم ١، ومسلم،
كتاب الإمارة، باب قوله صلى الله عليه
وسلم: إنما الأعمال بالنية، رقم ١٩٠٧.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٦٣٤.
الثالث: بعد إكمالها:
بأن يصبر على عدم إفشائها وإظهارها
والإعجاب بها، وترك ما يبطلها.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ لَا نُبْطِلُواْصَدَقَتِكُمْ بِأَلْمَنِّ وَاَلْأَذَىَ كَلَّذِى
يُنفِقُ مَالَهُرِنَآءَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٦٤].
وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ
اَللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا نُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾ [محمد:
٣٣].
قال عطاء: بالشك والنفاق، وقال الكلبي:
بالرياء والسمعة، وقال الحسن: بالمعاصي
والكبائر (٤).
﴿وَأَمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوةِ
قال الله سبحانه:
وَأَصْطَيِرْ عَلَيْهَاً لَا نَسْتَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَزُقُكَ وَالْعَقِبَةُ
لِلنَّقْوَى﴾ [محمد: ٣٣].
فيقوم للصلوات الخمس، ويقوم لصلاة
الفجر، ويترك النوم، ويقوم لصلاة الليل،
ويترك النوم، والزكاة والصدقات تحتاج
إلى صبر، وتعويد لها على البذل والإنفاق،
وعدم المن على الفقراء، أو الأذى لهم،
والحج يحتاج إلى صبر في تحمل المشاق،
وإنفاق الأموال، وصبر وتحمل لما يلقاه
الإنسان من الأذى في الزحام، والصيام
يحتاج إلى صبر في تحمل الجوع والعطش
كل ذلك تعبدًا لله تبارك وتعالى، وقد سمي
شهر رمضان بشهر الصبر، لما يحتاج إليه من
(٤) معالم التنزيل، البغوي ٢٩٠/٧.
www. modoee.com
٢٤٣

حرف الصاد
الصبر، ثم إن الذي يسلك في طريق الأنبياء هَدَلنَا سُبُلَنَاً وَلَنَصَِّرَنَّ عَلَى مَآ ءَاذَيْتُمُونَاً
وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوََّّلِ الْمُتَوَّلُونَ ﴾ [إبراهيم: ١٢].
عليهم الصلاة والسلام؛ فإنه يأتي الناس بما
لا یشتهون ولا يألفونه؛ فلذلك يقاومون
الدعوة والدعاة بكل ما أوتوا من قوة، وقد
يوصلون الأذى بالداعية ما استطاعوا إلى
ذلك سبيلًا، فإعراضهم عن الدعوة يحتاج
إلى صبر.
وهذا نوح عليه الصلاة والسلام مکث
يدعوا قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا
يدعوا قومه ليلًا كما حكى ذلك رب العزة
والجلال: ﴿قَالَ رَبِّ إِّ دَعَوْتُ قَوْبِى لَيْلًا وَنَهَارًا
(٥) فَ يَزِدْ هُمْ دُعَلِّىٌ إِلَّ فِرَارًا وَإِ كُلَّمَا
دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُواْ أَصَبِعَهُمْ فِيّ ءَاذَانِهِمْ
وَأَسْتَغْشَوْاْ فِيَابَهُمْ وَأَصَرُّواْ وَأَسْتَكْبَرُواْ أَسْتِكْبَارً﴾
[نوح: ٥-٧].
ثم ما يحيكه المغرضون من مؤامرات
الکید التي تؤذي الداعية في أهله ونفسه
وماله تحتاج إلى صبر على ذلك، كما
قال الله سبحانه مؤكدًا: ﴿لَتُبْلُوُنَ فِيّ
أَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ
الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ
الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذَى كَثِيرَاً وَإِن تَصْبِرُواْ
وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل
عمران: ١٨٦].
وقد أجمع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
على رد أذى أقوامهم بالصبر كما حكى الله
عنهم: ﴿وَمَالَنَآ أَلَّا نَنَوَ كَّلَ عَلَى اللّهِ وَقَدْ
وسحرة فرعون لما وقر الإيمان في
قلوبهم قابلوا تهديد فرعون لهم بالقتل
والصلب بقولهم: ﴿إِنَّ إِلَى رَيِّنَا مُنْقَلِبُونَ ()
وَمَا لَنِقِمُ مِنَّا إِلَّ أَنْ ءَامَنَّا بِئَايَتِ رَيْنَا لَمَّا
جَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَقَنَا مُسْلِمِينَ﴾
[الأعراف: ١٢٥-١٢٦].
ثم إن الدعاة والعلماء هم ورثة الأنبياء
عليهم الصلاة والسلام، وهم الذين يقومون
بتبليغ دعوة الأنبياء للناس، وتبيين دين الله
تبارك وتعالى، ومن قام بهذا؛ فسيتعرض
للابتلاء والأذى والسخرية، فعليه أن يصبر،
ويكون مقتديًا بالأنبياء عليهم الصلاة
والسلام.
ثم إن الجهاد في سبيل الله يحتاج
إلى صبر ومصابرة فيصبر على الجراح
وعلى الآلام وعلى ملاقاة الأعداء والتحام
الصفوف، فالصبر ثم شرط للنصر، والفرار
كبيرة.
وقد أثنى الله تعالى على الصابرين في
ساعة القتال، فقال في آية البر: ﴿وَالصَّبِرِينَ
فِي الْبَأْسَآءِ﴾ [البقرة: ١٧٧]. أي: الفقر،
أي: المرض، ﴿وَحِينَ الْبَأْسُِ
﴿وَالضَّرَّآءِ
أُوْلَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُنَّقُونَ﴾.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أيها
الناس لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله
٢٤٤
القرآن الكريم

الصبر
العافية؛ فإذا لقيتموهم؛ فاصبروا، واعلموا أن الرؤوس، ويسمع دوي الانفجارات، تكون
الحاجة إلى الصبر أعظم وأشد، فالجنة
الجنة تحت ظلال السيوف)، ثم قال: (اللهم
منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم
الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم) (١).
تحت ظلال السيوف، والفرار من الزحف
من أكبر الكبائر ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا
لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ
وَمَنْ يُوَلّهِمْ يَوْمَيِذٍ دُبُرَهُ، إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِنَالٍ
١٥
أَوْ مُتَحَيْزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ
اللَّهِ وَمَأْوَنُهُ جَهَنَّمٌ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال:
١٥-١٦].
قال الإمام النووي رحمه الله: ((فهذا
حث على الصبر في القتال، وهو آكد أركانه،
وقد جمع الله سبحانه آداب القتال في قوله
تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ
فِئَةٌ فَأَقْبُتُواْ وَأَذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَا تَنَزَعُوا
فَنَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَأَصْبِرُوَاْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ
الصَّبِرِينَ ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن
دِيَرِهِم بَطَرًّا وَرِشَآءَ النَّاسِ وَيَصُدُونَ عَن
سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيَّظٌ﴾ [الأنفال:
٤٥- ٤٧].
وأما قوله صلى الله عليه وسلم:
(واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف)،
فمعناه ثواب الله، والسبب الموصل إلى
الجنة عند الضرب بالسيوف في سبيل الله،
ومشي المجاهدين في سبيل الله؛ فاحضروا
فیه بصدق واثبتوا))(٢).
وعندما تضطرب أمور المعركة، وتتطاير
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد
والسير، باب کان النبي صلى الله عليه وسلم
إذا لم يقاتل أول النهار أخر القتال حتى تزول
الشمس، رقم ٢٨٠٤، ومسلم في صحيحه،
كتاب الجهاد والسير، باب كراهة تمني لقاء
العدو والأمر بالصبر عند اللقاء، رقم ١٧٤٢ .
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٢ /٤٦.
والله مع الصابرين، ويحب الصابرين،
فإن للمجاهد في سبيل الله إحدى الحسنيين،
إما أن ینصره الله علی العدو، ويرجع بالأجر
والغنيمة، أو الشهادة في سبيل الله وثواب
ذلك الجنة، وأعظم بها من منزلة ورفعة.
ثانيًا: الصبر عن معصية الله:
فمن المعلوم أن النفس البشرية قد جُبلت
على حب الراحة والشهوات، والتفلت من
القیود، والجنة حفت بالمكاره، والنار حفت
بالشهوات، وقد هذب الله تبارك وتعالى
النفس البشرية، وما خلق فيها من الغريزة
الإنسانية، بهذا الدين الحنيف، فالإنسان
عندما يتجنب ما حرم الله تبارك وتعالى
عنه، والنفس تنازعه، وتميل إلى الشهوات
المحرَمة، فهو يصبر على حبسها عن
المحرمات، ويمسكها عنها، فالنفس أمارة
بالسوء قال الله: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوْءِ
www. modoee.com
٢٤٥

حفالصاد
[يوسف: ٥٣].
وشياطين الإنس والجن يدعون الإنسان
إلى الشهوات والمحرمات ويرغبونه
ويحسنون له القبائح، فيحبس نفسه عن
محارم الله، والصبر عن معصية الله كقصة
يوسف عليه الصلاة والسلام مع امرأة
العزيز؛ حيث دعته إلى نفسها ومع ذلك
صبر وحبس نفسه عن معصية الله، ولجأ
إلى الله عندما هددته بالحبس والسجن،
فقال: ﴿قَالَ رَبِّ السّجْنُ أَحَبُّ إِلَّ مِمَّا يَدْعُونَفِىّ
إِلَيْهِ وَ إِلَّا تَصْرِفِ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُمِنَ
اَلْتَهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣].
وقد تقدم الإشارة إلى هذا في ما سبق:
من خلال عرض القصص القرآني.
وهذا النوع من أنواع الصبر من أشدها؛
فالإنسان قد يصبر على الضراء والبلاء، لكن
هذا النوع لا یصبر عنه إلا القليل، والصبرُ
على الطاعات وعنِ المحرَماتِ أفضلُ من
الصَبرِ على الأقدار المؤلمة، صرح بذلك
السلفُ، منهم: سعیدُ بنُ جبير، ومیمون بن
مهران کما قال ابن رجب رحمه الله (١).
والمؤمن مطالب بأن لا يطلق لنفسه
العنان فى الجري وراء شهواتها؛ لئلا يخرجه
ذلك إلى البطر والطغيان وإهمال حق الله
تبارك وتعالى فيما آتاه وبسط له حتى في
الأمور المباحة إذا تسببت في التقصير.
قال تعالى: ﴿يَتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُلْهِكُمْ
أَمْوَلُكُمْ وَلَا أَوْلَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ
وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾
[المنافقون: ٩].
ويمكن للإنسان إذا أخذ بهذه الأمور أن
تكون عونًا له على هذا النوع من أنواع الصبر
وهي:
أولًا: أن يعلم أن الله تبارك وتعالى
أوجده في هذه الحياة، واستخلفه فيها؛
ليقوم بعبادته، وابتلاه بالخير والشر، وأنه
إليه راجع، فعليه أن يصبر والحياة قصيرة
قال الله: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيَّرِ فِتْنَةٌ وَإِلَيْنَا
تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥].
ثانيًا: أن لا يركن إليها، ولا يغتر بها،
فالجنة حفت بالمكاره والنار حفت
بالشهوات.
ثالثًا: أن لا يتطلع إلى ما عند الآخرين
من متاع الدینا، وأن یعلم أن ما عند الله خير
وأبقى قال الله: ﴿وَلَا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَنَّعْنَا
بِهِ= أَزْوَجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَوَةِ الدُّنْيَالِفْتِنَهُمْ فِيهٍ وَرِزْقُ
رَبِّكَ خَّرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١].
﴿أَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُهُم بِهِ مِن مَّالِ
وقال:
وَيَئِنَ ٥ ◌َُارِعُ لَمْ فِي الْخَيْرَتِّ بَل لَّا يَشْعُرُونَ﴾
[المؤمنون: ٥٥-٥٦].
وعلى الإنسان أن يعلم أنما هم فيه من
(١) جامع العلوم والحكم، ابن رجب الحنبلي الدنيا ظل زائل، وعارية مستردة، ولا يبالي
ص٢١٩.
جوسُو ◌َرَ النَّفْسَةْ
القرآن الكريم
٢٤٦

الصبر
بالمظاهر التي يتبجح بها الطغاة، والأثرياء،
لقد قال الذين يريدون الحياة الدنيا لما رأوا
قارون خرج على قومه في زينته: ﴿يَلَيْتَ
لَنَا مِثْلَ مَآ أُوِى قَرُونُ إِنَّهُ لَذُوحَظٍ عَظِيمٍ﴾
[القصص: ٧٩].
فقال أهل العلم والإيمان فقالوا:
﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اَللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ
صَلِحًا وَلَا يُلَقَّمُهَا إِلَّا الصَّبِرُونَ﴾ [القصص:
٨٠].
قال الطبري رحمه الله: ((﴿إلَّا
الضِّرُونَ﴾ يعني بذلك: الذين صبروا عن
طلب زينة الحياة الدنيا، وآثروا ما عند الله
من جزيل ثوابه على صالحات الأعمال على
لذات الدنيا وشهواتها؛ فجدوا في طاعة
الله، ورفضوا الحياة الدنيا))(١).
وقال السدي: ((وما يلقى الجنة إلا
الصابرون»(٢).
وقال مقاتل: ((لا يؤتاها، يعني الأعمال
الصالحة، وقال الكلبي: لا يعطاها في
الآخرة، وقيل: لا يؤتى هذه الكلمة،
وهي قوله: ﴿وَيُلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ﴾
إلا الصابرون على طاعة الله، وعن زينة
الدنيا)»(٣).
رابعًا: أن يصبر على أداء حق الله
تبارك وتعالى فيها، وذلك بحبس نفسه
(١) جامع البيان، الطبري ١٩/ ٦٢٩.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٥٥/٦.
(٣) معالم التنزيل، البغوي ٦/ ٢٢٣.
عن المحرمات، ولا یمکن نفسه من کل ما
تريده؛ فإنها قد توقعه في الحرام، فإن احترز
كل الاحتراز؛ أوقعته في المكروه.
والصبر عن المعاصي التي انتشرت
وعمت؛ حتى أصبح التحرز منها أمرًا
صعبًا، فالمعاصي في البيوت والأسواق،
والمدارس، والعمل، وفي الهواتف
والشاشات، والجرائد والكتب، ولربما
بعض المساجد لا تخلو من المنكرات،
فيحتاج الإنسان إلى أن يتحلى بالصبر
على هذه المعاصي؛ لينال رضا الله تبارك
وتعالى، ويتذكر عظم الأجر الذي أعده الله
تبارك وتعالى للصابرين.
ثالثًا: الصبر على الشدائد والبلاء:
إن العيش في الحياة الدنيا لا يخلو من
کدر ومنغصات، وشدائد ومکاره ومصائب،
فلا أحد يخلو من هذا، فما من راحة إلا
ویعقبها تعب، وما من لذة إلا ویتبعها منغص،
وما من فرحة إلا ويتبعها حزن، والإنسان يمر
في هذه الحياة للشدائد والمكاره والمحن،
لكن عليه أن يلجأ إلى الله ويصبر، وإن الله
مع الصابرين بنصره وتأييده، وقد تعرض
السحرة الذين سجدوا لله تبارك وتعالى
عندما جمعهم فرعون، وألقوا عصیھم،
وألقى موسى عليه الصلاة والسلام عصاه؛
فتحولت حية تسعى؛ فالتقمت ما صنعوا،
www. modoee.com
٢٤٧

حفالصاد
وتهددهم فرعون، وتوعدهم بتقطيع أيديهم كاملًا تامًا؛ ولهذا أتى بلفظ التنكير، يعني:
وأرجلهم من خلاف؛ فصبروا على هذا صبرًا وأي صبر عظيم ﴿وَتَوَنَّا مُسْلِمِينَ﴾
یعني: واقبضنا علی دین الإسلام، وهو دین
خليلك إبراهيم عليه الصلاة والسلام، قال
ابن عباس رضي الله عنهما: كانوا في أول
النهار سحرة، وفي آخر النهار شهداء»(٢).
البلاء، وطلبوا العون من الله، وقالوا كما
أخبر عنهم ربهم تبارك وتعالى: ﴿قَالَ
فِرْعَوْنُ ءَامَنتُم بِهِ قَبْلَ أَنْ مَاذَنَ لَكُوْ إِنَّ هَذَا
لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا
لَأُقَطِعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ
فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣)
عن مجاهد: ﴿رَبَّنَاَ أَفِعْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَقَنا
مُسْلِمِينَ﴾، قال: كانوا أول النهار سحرة،
وآخره شهداء»(٣).
مِّنْ خِلَفٍ ثُمَّ لَأَصَلِيَتَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٦) قَالُواْ
وَمَا تَنِقِمُ مِنََّ إِلَّ أَنْ
إِنَّا إِلَى رَيْنَا مُنْقَلِبُونَ
ءَامَنَّا بِثَايَتِ رَيِّنَا لَمَّا جَاءَ تْنَأَ رَبَّنَا أَفْرِعٌ عَلَيْنَا صَبْرًا
وَتَوَقَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٣-١٢٦].
قال أبو حیان رحمه الله: «لما أوعدهم
بالقطع والصلب؛ سألوا الله تعالى أن
یرزقهم الصبر علی ما یحل بهم -إن حل-،
وليس في هذا السؤال ما يدل على وقوع هذا
الموعد بهم، خلافًا لمن قال يدل على ذلك،
ولا في قوله:﴿ وَتَوَقِّنَا مُسْلِمِينَ﴾ دليل على
أنه لم يحلَ بهم الموعود خلافًا لمن قال
يدل على ذلك؛ لأنهم سألوا الله أن يكون
توفيهم من جهته، لا بهذا القطع والقتل
وتقدم الكلام على جملة ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا
صَبْرًا وَتَوَنَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ سألوا الموت على
الإسلام، وهو الانقياد إلی دین الله وما أمر
)) (١).
وقال الخازن رحمه الله: ((﴿رَبَّنَاً
أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ أي: اصبب علينا صبرًا
(١) البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي ٢٩٦/٤.
وقال موسى عليه السلام لقومه آمرًا لهم
أن يستعينوا بالله وتعالى ويصبروا على أذى
فرعون لهم: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ أَسْتَعِينُواْ
◌ِاَللَّهِ وَأَصْبِرُوَاْ إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا
مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾
[الأعراف: ١٢٨].
يخبر الله تبارك وتعالى في هذه الآية
الكريمة أن نبي الله موسى عليه الصلاة
والسلام حث قومه على الاستعانة على
فرعون وقومه بالله العظيم، والصبر على أذى
فرعون وقومه لبني إسرائيل؛ لأنه لا سبيل
لهم مع فرعون وجنوده و قوته و کبریائه إلا
الصبر والاستعانة بالله، ووعدهم أن العاقبة
العظيمة التي يرضاها الله هي للمتقين.
وقال سبحانه حاكيًا عن رسله عليهم
الصلاة والسلام حين صبروا على تكذيب
(٢) لباب التأويل، الخازن ٢٧٣/٢.
(٣) جامع البيان، الطبري ٣٦/١٣.
مَوَسُو ◌َ الْبَقِيم
القرآن الكريم
٢٤٨

الصبر
قومهم لهم وأذيتهم لهم: ﴿وَمَا لَنَآ أَلَّا
نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَمنَا سُبُلَنَاً
وَلَنَصَِّرَنَّ عَلَى مَآ ءَاذَيْتُمُونَأْ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَّوََّّلِ
الْمُتَوَّكِلُونَ﴾ [إبراهيم: ١٢].
قال ابن سعدي رحمه الله: ((أي:
ولنستمِرنَ على دعوتكم ووعظكم
وتذكيركم، ولا نبالي بما يأتينا منكم من
الأذى؛ فإنا سنوطن أنفسنا على ما ينالنا منكم
من الأذى؛ احتسابا للأجر ونصحًا لكم؛ لعل
الله أن يهديكم مع كثرة التذكير)»(١).
وأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم
بالصبر على ما يقوله قومه له: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى
مَا يَقُولُونَ وَسَيِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ كُلُوجِ الشَّمْسِ
وَقَبْلَ غُرُوِهَاً وَمِنْ ءَانَآٍ آَّيْلِ فَسَيِّحْ وَأَطْرَافَ النََّارِ
لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾﴾ [طه: ١٣٠].
وقال الله سبحانه: ﴿وَأَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ
وَأَهْجُرْهُمْ هَجْرًّاجَمِيلًا﴾ [المزمل: ١٠].
قال ابن كثير رحمه الله: ((أي: من
تكذيبهم لك، ﴿وَسَيِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوع
الشَّمْسِ﴾ يعني: صلاة الفجر، ﴿وَقَبْلَ غُرُوِهَا﴾
يعني: صلاة العصر))(٢).
أمرُ الله تبارك وتعالى لرسوله صلى الله
عليه وسلم بالتسبيح بعد أمره له بالصبر
على أذى الكفار فيه دليل على أن التسبيح
يعينه الله به على الصبر المأمور به، والصلاة
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٢٢.
(٢) تفسير القرآن العظيم، للحافظ ابن كثير
٣٢٥/٥.
داخلة في التسبيح المذكور (٣).
قال ابن سعدي رحمه الله: ((﴿ فَاصْبِرْ
عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ من الذم لك والتكذيب بما
جئت به، واشتغل عنهم والةَ بطاعة ربك
وتسبيحه، أول النهار وآخره، وفي أوقات
الليل، وأدبار الصلوات، فإن ذكر الله تعالى،
مُسَلٍ للنفس، مؤنس لها، مهون للصبر» (٤).
وقال الله تبارك وتعالى: ﴿فَلَهُ أَسْلِمُواْ
وَبَشْرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَحِلَتْ
قُلُوبُهُمْ وَالصَِّينَ عَلَى مَّا أَصَابَهُمْ وَاَلْمُقِيمِى
الصَّلَوَةِ وَهَّا رَزَقْتَهُمْ يُفِقُونَ﴾ [الحج: ٣٤ -
٣٥].
قال ابن كثير رحمه الله: ((﴿وَيَشِّرِ
الْمُخْبِتِينَ﴾: قال مجاهد: المطمئنين،
وقال الضحاك، وقتادة: المتواضعين، وقال
السدي: الوجلين، وقال عمرو بن أوس:
المخبتون: الذين لا يظلمون، وإِذا ظُلموا لم
ينتصروا، وقال الثوري: المطمئنين الراضين
بقضاء الله، المستسلمين له))(٥).
وقال الشنقيطي رحمه الله: ((أمر الله
جل وعلا نبيه صلی الله عليه وسلم أن يبشر
المخبتين أي: المتواضعين لله المطمئنين
الذين من صفتهم: أنهم إذا سمعوا ذكر
الله، وجلت قلوبهم أي: خافت من الله جل
(٣) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٧/ ٤٣٢.
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٨٠٧.
(٥) تفسير القرآن العظيم، بن كثير ٤٢٤/٥،
بتصرف يسير.
www. modoee.com
٢٤٩

حرف الصاد
وعلا، وأن يبشر الصابرين على ما أصابهم
من الأذى، ومتعلق التبشير محذوف؛
لدلالة المقام عليه أي: بشرهم بثواب الله
وجنته))(١).
وقال ابن سعدي رحمه الله: ((﴿وَبَشِّرِ
بخير الدنيا والآخرة،
الْمُخْبِتِينَ﴾
والمخبت: الخاضع لربه، المستسلم
لأمره، المتواضع لعباده، ثم ذكر صفات
المخبتين فقال: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَحِلَتْ
قُلُوبُهُمْ ﴾ أي: خوفًا وتعظيمًا، فتركوا لذلك
المحرمات؛ لخوفهم ووجلهم من الله
وحده، ﴿وَالصَّبِينَ عَلَى مَآ أَصَابَهُمْ﴾ من
البأساء والضراء، وأنواع الأذى، فلا يجري
منهم التسخط لشيء من ذلك، بل صبروا
ابتغاء وجه ربهم، محتسبين ثوابه، مرتقبين
أجر))(٢).
وأمر الله تبارك وتعالى نبيه صلى الله
عليه وسلم بالأمر بالمعروف، والنهي عن
المنكر، وأمره بالصبر على ما يصيبه من
أذى: ﴿يَبُنَّ أَقِمِ الضَّلَوَةَ وَأَمُرْ بِلْمَعْرُوفِ
وَأَنَّهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأَصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ
مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧].
قال الإمام ابن جرير رحمه الله: «یقول:
واصبر على ما أصابك من الناس في ذات
الله، إذا أنت أمرتهم بالمعروف، ونهيتهم
(١) أضواء البيان، الشنقيطي ٢٥٨/٥.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٥٣٨.
عن المنكر، ولا يصدنك عن ذلك ما نالك
منهم ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ يقول: إن
ذلك مما أمر الله به من الأمور عزما منه»(٣).
وقال ابن كثير رحمه الله: («علم أن الآمر
بالمعروف والناهي عن المنكر لا بد أن يناله
من الناس أذى؛ فأمره بالصبر، وقوله: ﴿إِنَّ
ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ أي: إن الصبر على أذى
الناس لمن عزم الأمور)» (٤).
وقال الماوردي رحمه الله: ((قوله تعالى:
﴿ واصْبِرْ عَلَى مآ أصابك﴾ يحتمل وجهين:
أحدهما: على ما أصابك من الأذى في
الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
الثاني: على ما أصابك من البلوى في
نفسك أو مالك»(٥).
فأبشر أيها الصابر المحتسب بالأجر
العظيم من الله، واعلم أن بعد العسر يسرًا،
وبعد الشدة يأتي الفرج ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَىْءٍ
مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَّقْصِ مِّنَ الْأَمْوَلِ وَالْأَنْفُسِ
وَالثَّمَرَتِّ وَبَشِّرِ الصَّبِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥].
فالله تبارك وتعالى يبتلي عباده في هذه
الدار بأنواع البلايا والمحن، فتارة يبتليه
بالمرض، وتارة يبتليه بالغنى، وتارة يبتليه
بموت قريب أو حبيب، قال الله تعالى:
﴿لَتُبْلَوُنَ فِيَ أَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ
وَلَتَسْمَعُنَ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن
(٣) جامع البيان، الطبري ٢٠/ ١٤٢.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٣٨/٦.
(٥) النكت والعيون، الماوردي ٤ /٣٣٨.
٢٥٠
جَوَسُولَة النفسي
القرآن الكريمِ

الصبر
قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذَى
كَثِيرَاً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ
عَزْم الأ
[آل عمران: ١٨٦].
ـُور
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: «أخبر
تعالى أنه يبتلي عباده المؤمنين أي: يختبرهم
ویمتحنهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَتُّكُمْحَّ
نَعْلَمَ الْمُجَهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّبِنَ وَنَبْلُواْ أَخْبَارَكُمْ﴾
[محمد: ٣١].
فتارة بالسراء، وتارة بالضراء من خوف
وجوع، كما قال تعالى: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ
اَلْجُوعِ وَاَلْخَوْفِ﴾ [النحل: ١١٢].
فإن الجائع والخائف كل منهما يظهر
ذلك عليه؛ ولهذا قال: لباس الجوع
والخوف، وقال هاهنا: ﴿بِشَىْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ
وَالْجُوعِ﴾ أي: بقليل من ذلك ﴿وَنَقْصٍ مِّنَ
اُلْأَمْوَلِ﴾ أي: ذهاب بعضها ﴿وَالْأَنْفُسِ﴾
كموت الأصحاب والأقارب والأحباب
﴿وَالثَّمَرَتِ﴾ أي: لا تُغِل الحدائق والمزارع
كعادتها))(١).
فعلى الإنسان إن أصابه مرض أو أصابته
مصيبة في ماله أو ولده أو في قريبه؛ فإنه يصبر
ولا يجزع ويسلم لأمر الله تبارك وتعالى،
فإن رضي بذلك؛ فإنه ينال أعظم الأجر
عند الله تعالى، وإن تسخط ولم يصبر؛ فاته
الأجر العظيم، فعن صهيب رضي الله عنه
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ٤٦٧.
(عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خيرٌ، وليس
ذاك لأحدٍ إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر،
فكانَ خيرًا لهُ، وإنْ أصابته ضرَاء صبَرَ، فكانَ
خيرًا له)(٢)
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
قال رسول الله صلی الله عليه وسلم: (ما
يزالُ البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه
وولده ومالهِ حتی یلقی الله تعالی وما علیه
خطيئةٌ)(٣).
وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: (إنَ عظم الجزاء
مع عظم البلاء، وإنَ الله تعالى إذا أحبَ
قومًا ابتلاهُم، فمنْ رضي؛ فلهُ الرَضى، ومنْ
سخط؛ فلهُ السَخط)(٤).
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:
سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
(إن الله قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه،
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزهد
والرقائق، باب المؤمن أمره كله خير، رقم
٢٩٩٩.
(٣) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الزهد عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء
في الصبر على البلاء، رقم ٢٣٩٩، وقال: هذا
حديث حسن صحيح.
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة،
رقم ٢٢٨٠.
(٤) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الزهد عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء
في الصبر على البلاء، رقم ٢٣٩٦.
وحسنه الألباني في صحيح الجامع، رقم
٢١١٠.
www. modoee.com
٢٥١

حرف الصاد
فصبر؛ عوضته منهما الجنة)، یرید عینیه»(١).
قال ابن بطال رحمه الله: «هذا الحدیث
أيضًا حجة في أن الصبر على البلاء ثوابه
الجنة، ونعمة البصر على العبد - وإن كانت
من أجل الله تعالى- فعوض الله عليها
الجنة أفضل من نعمتها في الدنيا؛ لنفاذ مدة
الالتذاذ بالبصر فى الدنيا، وبقاء مدة الالتذاذ
به في الجنة، فمن ابتلى من المؤمنین بذهاب
بصره في الدنيا فلم يفعل ذلك به لسخط
منه عليه، وإنما أراد تعالى الإحسان إليه
إما بدفع مكروه عنه يكون سببه نظر عينيه
لا صبر له على عقابه في الآخرة، أو ليكفر
عنه ذنوبًا سلفت لا یکفرها عنه إلا بأخذ
أعظم جوارحه في الدنيا؛ ليلقى ربه طاهرًا
من ذنوبه، أو ليبلغ به من الأجر إلی درجة
لم يكن يبلغها بعمله، وكذلك جميع أنواع
البلاء، فقد أخبر عليه السلام أن أشد الناس
بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل
.
على حسب دينه (٢))) (٣)
قال ابن القيم رحمه الله: ((فإنه لا خلاف
بين أهل العلم أن أظهر معاني الصبر:
حبس النفس على المكرمة وأنه من أصعب
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
المرضى، باب فضل من ذهب بصره، رقم
٥٣٢٩.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ١٤٨١ .
وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم
٥٨١٥.
(٣) شرح صحيح البخاري، ابن بطال ٩/ ٣٧٧.
المنازل على العامة وأوحشها في طريق
المحبة، وإنما كان صعبًا على العامة؛ لأن
العامي مبتدئ في الطريق، وليس له دربة في
السلوك، وليس له تهذيب المرتاض بقطع
المنازل، فإذا أصابته المحن؛ أدركه الجزع،
وصعب عليه احتمال البلاء، وعز عليه
وجدان الصبر؛ لأنه ليس في أهل الرياضة؛
فيكون مستوطنًا للصبر، ولا من أهل المحبة؛
فيلتذ بالبلاء في رضا محبوبه))(٤).
وأثنى الله تبارك وتعالى على الصابرين
على ما ابتلاهم به من السراء والضراء،
وحين البأس، وأخبر بأن من كان كذلك
فهو من الصادقين كما في قول رب العزة
والجلال: ﴿وَالصَُّّبِينَ فِى الْبَأْسَآءِ وَالضَّرَآءِ
وَحِينَ الْبَأْسُِ أُوْلَكَ الَّذِيْنَ صَدَقُواْ وَأُوْلَكَ هُمُ
اٌلْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧].
سبحانه:
﴿لَتُبْلُونَ فِيّ
وقال
أَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ
الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ
اُلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذَى كَثِيْرَأْ وَإِن تَصْبِرُواْ
وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل
عمران: ١٨٦].
وقال ربنا تبارك وتعالى مخاطبًا نبيه
صلى الله عليه وسلم مسليًا له واعدًا له
بالنصر والعاقبة الحسنة: ﴿وَلَقَدْكُذِّبَتْ
رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَقٌَّ
(٤) مدارج السالكين، ابن القيم ٢/ ١٦١.
٢٥٢
جَوُورُ
القرآن الكريمِ

الصبر
أَنْهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَّدِّلَ لِكَلِمَتِ اَللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن معه)»(٥).
نََّإِى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤].
ونبي الله يعقوب صلى الله عليه وسلم
حين ألقوا بأخيهم في الجُب وأتوا أباهم
ييكون ويزعمون الذئب أكل يوسف عليه
السلام قال كما أخبر الله عنه: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ
لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ
عَلَى مَاتَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨].
وقال ابن القيم رحمه الله: ((وقيل: الصبر
لله غناء، وبالله تعالى بقاء، وفي الله بلاء،
ومع الله وفاء، وعن الله جفاء، والصبر على
الطلب عنوان الظفر، وفي المحن عنوان
الفرج)»(٦).
فيأ من ابتليت فأبشر، فقد قال رب العزة
والجلال: ﴿وَبَشِّرِ الصَّبِينَ﴾، والبشری من
المراد به: الصبر الذي لا جزع فيه ولا الله، نسأل الله من فضله.
شكوى(١).
وقال ابن جريج عن مجاهد: ((أي: لا
أشكو ذلك إلى أحد»(٢).
وقال مجاهد أيضًا: ((الصبر الجميل:
الذي لا جزع فیه»(٣).
وقال أبو حيان رحمه الله: ((أتجمل
لكم في صبري؛ فلا أعاشركم على كآبة
الوجه، وعبوس الجبين، بل على ما كنت
عليه معكم، وقال الثوري: من الصبر أنْ لا
تحدث بما يوجعك، ولا بمصيبتك، ولا
تیکي نفسك)»(٤).
وقال ابن القيم رحمه الله: ((سمعت شيخ
الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - يقول:
« الصبر الجميل هو الذي لا شكوی فیه ولا
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٩/ ١٥٢.
(٢) المصدر السابق ٩/ ٢٤٧.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٧٥/٤.
(٤) البحر المحيط، أبو حيان ٢٩٠/٥.
(٥) مدارج السالكين، ابن القيم ١٦٠/٢.
(٦) المصدر السابق .
www. modoee.com
٢٥٣

حرفالصاد
ثمرات الصبر
أولًا: ثمرات الصبر في الدنيا:
إن الصبر خلق عظيم؛ لذا جعل الله
تبارك وتعالى ثمرات في الدنيا والآخرة لمن
تخلق بهذا الخلق النبيل، وفيما يلي نعرض
لبعض من ثماره في الدنيا فمنها:
١. محبة الله تبارك وتعالى ومحبة
الناس.
وأخبر سبحانه في كتابه بأنه يحب
الصابرين كما في قوله: ﴿وَكَيِّنْ مِّن نَِّيٍّ
قَتَلَ مَعَهُ رِبُِّّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُقُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ
الصَِّرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه: عن النبي
صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أحب الله
العبد نادى جبريل إن الله يحب فلانًا فأحبه؛
فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء
إن الله يحب فلانا فأحبوه؛ فيحبه أهل السماء
ثم يوضع له القبول في أهل الأرض)(١).
فالصبر بجميع أنواعه من أهم الأسباب
التي ينال بها العبد محبة الله تبارك وتعالى
ومحبة الناس.
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء
الخلق، باب ذكر الملائكة، رقم ٣٠٣٧،
ومسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة
والآداب، باب إذا أحب الله عبدا حبيه إلى
عباده، رقم ٢٦٣٧.
٢. معية الله تبارك وتعالى.
وأخبر سبحانه في کتابه أنه مع الصابرين،
وهي معية نصر وتأييد وتوفيق، كما في قوله:
﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أُسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوْءُ
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّبِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣].
وقال: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ
إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ
فَلَيْسَ مِنِّ وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّىَ إِلَّا مَنِ
أَغْتَرَفَ غُرْفَةٌ بِيَدِهِ،ٌ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا
مِنْهُمَّ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ.
قَالُواْلَا طَاقَةً لَنَا أَلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ.
قَالَ الَّذِينَ يَظُنُونَ أَنَّهُم مُّلَقُواْ اللَّهِ كَم
مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً
بِإِذْنِ اللَّهِ وَاَللَّهُ مَعَ الصَّبِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩].
وقال ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَا تَنَزَعُواْ
فَنَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِبِحُكْ وَأَصْبِرُوَاْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ
الصَّبِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦].
وقال: ﴿اَلْتَنَّ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ
فِيكُمْ ضَعْفَاً فَإِنِ يَكُنْ مِّنكُمْ مِتَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ
مِأَتَيْنَّ وَإِن يَكُن مِّنَكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ
اللَّهُ وَاَللَّهُ مَعَ الصَّبِرِينَ﴾ [الأنفال: ٦٦].
وابن القيم رحمه الله يقول: ((فظفر
الصابرون بهذه المعية بخير الدنيا والآخرة،
وفازوا بها بنعمه الباطنة والظاهرة،
وجعل سبحانه الإمامة في الدين منوطة
بالصبر واليقين، فقال تعالى، وبقوله
اهتدى المهتدون: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَيِمَّةٌ
مَوَسُو ◌َالـ
القرآن الكريمِ
٢٥٤

الصبر
يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْ بَِايَِّنَا عمران: ١٢٥].
يُوقِنُونَ﴾))(١).
ومن کان الله معه؛ فلا يضره شيء، ولا
یناله أذى، من کان الله معه؛ کفاه ما أهمه،
ونصره على عدوه، وسدده ووفقه لطاعته،
ولا نجاح في الدنيا ولا نصر ولا تمکین إلا
بالصبر، ولا فلاح في الآخرة ولا فوز ولا
نجاة إلا بالصبر.
٣. الصبر شرط أساسي في الإمامة
في الدين والتمكين في الأرض.
أخبر الله تبارك وتعالى في القرآن
الكريم، وبين أن الإمامة في الدين متعلقة
بالصبر واليقين، كما في قوله: ﴿ مَحَعَلْنَا
مِنْهُمْ أَيِمَّةُ يَهْدُونَ بِأَقْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْ
بِشَايَتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤].
ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله بأنه
سمع ذلك من شيخ الإسلام ابن تيمية
يقول: ((إنما تنال الإمامة في الدين بالصبر
واليقين»(٢).
٤. النصر على الأعداء.
فقد أخبر الله تبارك وتعالى في كتابه بأن
النصر والمدد معلق على الصبر وعلى تقوى
بَلَى إِن
الله جل وعلا، فقال سبحانه:
تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدَكُمْ
رَبُّكُمْ مِمْسَةِ ءَ الَفٍ مِّنَ الْمَلَتِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل
(١) عدة الصابرين، ابن القيم ص ٣.
(٢) مدارج السالكين، ابن القيم ١٥٤/٢.
ومن الأدلة التي تؤكد أن النصر مع الصبر
كثرة الآيات والأحاديث التي تأمر بالصبر
عند لقاء العدو، منها: قوله تعالى:
يَتَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَأَذْكُرُواْ
[الأنفال:
اللَّهَ كَثِيرً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾
٤٥].
وقوله: ﴿فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّْتَةٌ صَابِرَةٌ
يَغْلِبُواْ مِأَتَنَيْنَّ وَإِن يَكُن مِّنَكُمْ أَلْفٌ يَغْلِيُوْ
أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اَللَّهُ وَاللَّهُ مَعَ الصَّيِينَ﴾ [الأنفال:
٦٦].
والصبر والتقوى سبب في المدد
بالملائكة من عند الله، كما في قوله:
﴿بَلَّ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوُكُمْ مِن فَوْرِهِمْ
هَذَا يُمْدِدَكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ ءَالَفٍ مِّنَ الْمَلَتِكَةِ
مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٥].
وجَعلَ سبحانه وتعالى الإمامة في الدين
موروثة عن الصبر واليقين، كما في قوله:
﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَبِمَّةُ يَهْدُونَ بِأَقْرِنَا لَمَّا
صَبَرُواْ وَكَانُوْ بِشَايَئِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:
٢٤].
ومن الأمثلة على ذلك أن الإمام أحمد
بن حنبل رحمه الله حينما امتحن المحنة
العظيمة في فتنة القول بخلق القرآن؛ فصبر
على ذلك البلاء، وصابر، وثبت على الحق؛
فأورثه الله الإمامة في الدين، وأصبح إمامًا
لأهل السنة والجماعة.
www. modoee.com
٢٥٥

حف الصاد
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
كنت رديف رسول الله صلى الله عليه
وسلم فقال: (يا غلام، أو يا غليم، ألا
أعلمك كلمات ينفعك الله بهن؟)، فقلت:
بلى، فقال: (احفظ الله يحفظك، احفظ الله
تجده أمامك، تعرف إليه في الرخاء، يعرفك
في الشدة، وإذا سألت؛ فاسأل الله، وإذا
استعنت؛ فاستعن بالله، قد جف القلم بما
هو كائن، فلو أن الخلق كلهم جميعًا أرادوا
أن ينفعوك بشيء، لم یکتبه الله علیك، لم
يقدروا عليه، وإن أرادوا أن يضروك بشيء
لم یکتبه الله عليك، لم يقدروا علیه، واعلم
أن في الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا، وأن
النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن
مع العسر يسرًا)(١).
وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه
الله: «فقوله صلى الله عليه وسلم: (إِنَ النصر
مع الصبر) يشمل النصر في الجهادین: جهادٌ
العدوِ الظاهر، وجهادُ العدوِ الباطن، فمن
صبرَ فيهما؛ نُصِرَ وظفر بعدوِه، ومن لم
یصبر فيهما وجَزِعَ؛ قُهِرَ وصار أسیرًا لعدوه،
أو قتيلًا له))(٢).
(١) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ٢٨٠٣،
والترمذي في سننه، رقم ٢٥١٦.
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم
٧٩٥٧.
(٢) جامع العلوم والحكم، ابن رجب الحنبلي
ص١٩٦.
٥. الانتفاع بآيات الله والاتعاظ بها.
وأخبر سبحانه بأن الذين ينتفعون بآيات
الله ويتعظون بها هم أهل الصبر، كما في قوله
سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِئَايَتِنَآ
أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ اَلُّلُّمَتِ إِلَى
النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّنِمِ اللَّهَ إِنَّ فِي ذَلِكَ
لَيَتِ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [إبراهيم: ٥].
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: ((وقوله:
﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ
شَكُورٍ﴾ أي: إن فيما صنعنا بأوليائنا بني
إسرائيل حين أنقذناهم من يد فرعون،
وأنجیناهم مما کانوا فيه من العذاب المهین،
لعبرة لكل صبار، أي: في الضراء، شكور،
أي: في السراء، كما قال قتادة: نعم العبد،
عبد إذا ابتُلِي صَبَر، وإذا أعطي شكر))(٣).
وقال رحمه الله: ((وقوله تعالى: ﴿إِنَّ
فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾
أي: إن في هذا الذي حل بهؤلاء من النقمة
والعذاب، وتبديل النعمة وتحويل العافية،
-عقوبةً على ما ارتكبوه من الكفر والآثام-،
لعبرةً وَدَلالةً لكل عبد صبار على المصائب،
شكور على النعم)» (٤).
وقال البغوي رحمه الله: ((الصبار: الكثير
الصبر، والشكور: الكثير الشكر، وأراد:
لكل مؤمن، لأن الصبر والشكر من خصال
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٧٨/٤.
(٤) المصدر السابق ٦/ ٥١٢.
٢٥٦
جُوب سو كر
القُرآن الكَرِيمِ

الصبر
المؤمنين))(١).
قال ابن سعدي رحمه الله: «﴿إنّ
فِ ذَالِكَ﴾ أي: في أيام الله على العباد
﴿لَايَتِ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَگُورٍ ﴾ أي: صبار
في الضراء والعسر والضيق، شكور على
السراء والنعمة»(٢).
ثانيًا: ثمرات الصبر في الآخرة:
لعظم فضل خلق الصبر جعل الله تبارك
وتعالى له ثمرات متعددة في الدنيا والآخرة،
وقد تقدم ثماره في الدنيا، ومن ثماره في
الآخرة ما يلي:
١. صلاة الله ورحمته وبركاته على
الصابرين.
أخبر الله سبحانه في كتابه الكريم بأنه
سيبتلي عباده بأنواع من البلاء، فسيبتليهم
بالخوف والجوع والنقص من الأموال
والأنفس والثمرات، والناس أمام هذا البلاء
قسمین: منهم من تذمر وتململ وتضجر من
هذا البلاء؛ فهذا سيحرم خيرًا كثيرًا، ومنهم
من صبر على هذا البلاء، و قابل ذلك بالشكر
لله والاسترجاع فينال برضوان الله تبارك
وتعالی وینال ثوابه سبحانه، ولا بد أن يبتلى
المؤمن في شيء من ماله، أو نفسه، أو ولده،
أو أهله، ویبتلی المؤمن على قدر دينه، فإن
(١) معالم التنزيل، البغوي ٤ /٣٣٦.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٤٢١.
کان في دينه صلابة زید في البلاء.
وقد قال تبارك وتعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ
◌ِشَىْءٍ مِّنَ الْقَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ اَلْأَمْوَلِ
وَاْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَتِّ وَبَشِّرِ الصَّبِينَ ( الَّذِينَ
إِذَا أَصَبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَجِعُونَ
أُوْلَكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ
[البقرة : ١٥٥-
وَأُوْلَتِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾
١٥٧].
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: ((أخبر
تعالى أنه يبتلي عباده المؤمنين أي: يختبرهم
ويمتحنهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَتُّكُمْ حَّ
نَعَلَ الْمُجَهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَِّينَ وَنَبْلُواْ أَخْبَارَكُمْ﴾
[محمد: ٣١].
فتارة بالسراء، وتارة بالضراء من خوف
وجوع، كما قال تعالى: ﴿فَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ
الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾
[النحل: ١١٢].
فإن الجائع والخائف كل منهما يظهر
ذلك عليه؛ ولهذا قال: لباس الجوع
والخوف، وقال هاهنا: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَىْءٍ
مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾ أي: بقليل من ذلك
﴿وَنَّقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ﴾ أي: ذهاب بعضها
﴿وَالْأَنْفُسِ﴾ كموت الأصحاب والأقارب
والأحباب ﴿وَالثَّمَرَتِ﴾ أي: لا تُغِل
الحدائق والمزارع كعادتها، كما قال بعض
السلف: فكانت بعض النخيل لا تثمر غير
واحدة. وكل هذا وأمثاله مما يختبر الله به
www. modoee.com
٢٥٧

حفالصاد
عباده، فمن صبر أثابه الله ومن قنط أحل الله
رَبَشْر الصَّبِرِينَ
به عقابه، ولهذا قال:
وقد حكى بعضُ المفسرين أن المراد من
الخوف هاهنا: خوف الله، وبالجوع: صيام
رمضان، ونقص الأموال: الزكاة، والأنفس:
الأمراض، والثمرات: الأولاد، وفي هذا ذلك.
نظر، والله أعلم.
ثم بيَنَ تعالى مَنِ الصابرون الذين
شكرهم، قال: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُم مُّصِيبَةٌ
قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ رَجِعُونَ﴾ أي: تسلَوا بقولهم
هذا عما أصابهم، وعلموا أنَّهم ملك لله
يتصرف في عبيده بما يشاء، وعلموا أنه لا
يضيع لديه مثقال ذرة يوم القيامة؛ فأحدث
لهم ذلك اعترافهم بأنهم عبیده، وأنهم إلیه
راجعون في الدار الآخرة، ولهذا أخبر تعالى
عما أعطاهم على ذلك فقال: ﴿أُوْلََّكَ عَلَيْهِمْ
صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ أي: ثناء من الله
عليهم ورحمة))(١).
٢. يوفيهم الله أجرهم بغير حساب.
من المعلوم أن الله تبارك وتعالى يضاعف
الأجور والحسنات الحسنة بعشر أمثالها إلى
سبع مائة ضعف، وهذا يشمل الصبر، ولكن
الصبر يزيد على ذلك بأن الله تبارك وتعالى
أخبر في كتابه الكريم أن الصابرين يوفيهم
أجرهم بغير حساب، كما في قوله: ﴿إِنَّمَايُوَّ
الصَِّرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠].
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ٤٦٧.
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: ((قال
الأوزاعي: لیس یوزن لهم ولا یکال، إنما
یغرف لهم غرفًا.
وقال ابن جريج: بلغني أنه لا يحسب
علیهم ثواب عملهم قط، ولکن یزادون على
وقال السدي: ﴿إِنَّا يُوَنَّ الصَِّرُونَ أَجْرَهُم بِغْرِ
حِسَابٍ﴾ يعني: في الجنة))(٢).
وقال الماوردي رحمه الله بأن في هذه
الآية أربعة أوجه:
أحدها: يعني بغير مَنِ عليهم ولا متابعة،
قاله السدي.
الثاني: لا يحسب لهم ثواب عملهم فقط
ولكن يزدادون على ذلك، قاله ابن جريج.
الثالث: لا يعطونه مقدرًا لكن جزافًا.
الرابع: واسعًا بغير تضييق.
وحکي عن علي كرم الله وجهه قال: کل
أجر يكال کيلًا ويوزن وزنًا إلا أجر الصابرين
فإنه یحثی حثوًا))(٣).
وقال الشوكاني رحمه الله: ((أي يوفيهم
الله أجرهم في مقابلة صبرهم بغير حساب:
أي بما لا يقدر على حصره حاصر، ولا
يستطيع حسبانه حاسب، قال عطاء: بما لا
يهتدي إليه عقل ولا وصف، وقال مقاتل:
أجرهم الجنة وأرزاقهم فيها بغير حساب،
(٢) المصدر السابق ٧/ ٨٩.
(٣) النكت والعيون، الماوردي ١١٩/٥،
بتصرف يسير.
٢٥٨
جَوَسُو ◌َرَ النَّسيد
القرآن الكريمِ

الصبر
والحاصل أن الآية تدل على أن ثواب النفوس))(٢).
الصابرين وأجرهم لا نهاية له؛ لأن كل شيء
يدخل تحت الحساب فهو مُتَنَاهِ، وما كان لا
يدخل تحت الحساب فهو غير متناه، وهذه
فضيلة عظيمة، ومثوبة جليلة تقتضي أن على
كل راغب في ثواب الله، وطامع فيما عنده
من الخير أن يتوفر على الصبر، ويزم نفسه
بزمامه، ويقيدها بقيده فإن الجزع لا يرد
قضاء، قد نزل ولا یجلب خیرًا قد سلب، ولا
يدفع مکروها قد وقع، وإذا تصور العاقل هذا
حق تصوره وتعقله حق تعقله علم أن الصابر
على ما نزل به قد فاز بهذا الأجر العظيم،
وغير الصابر قد نزل به القضاء، شاء أم أبى،
ومع ذلك فاته من الأجر ما لا يقدر قدره ولا
يبلغ مداه، فضم إلى مصيبته مصيبة أخرى،
ولم يظفر بغير الجزع))(١).
وأخبر سبحانه بأن المؤمنين يؤتون
أجرهم مرتين جزاء صبرهم، كما في قوله:
﴿أُوْلَكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ ﴾
[القصص: ٥٤].
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: ((أي:
هؤلاء المتصفون بهذه الصفة الذين آمنوا
بالكتاب الأول، ثم بالثاني يؤتون أجرهم
مرتين بإيمانهم بالرسول الأول ثم بالثاني؛
ولهذا قال: ﴿بِمَا صَبَرُواْ﴾ أي: على اتباع
الحق؛ فإنَ تجشُم مثل هذا شديد على
(١) فتح القدير، الشوكاني ٤ / ٦٤٥.
وهذا عام في جميع أنواع الصبر كما قال
ابن سعدي رحمه الله: («هذا عام في جميع
أنواع الصبر، الصبر على أقدار الله المؤلمة
فلا يتسخطها، والصبر عن معاصيه فلا
يرتكبها، والصبر على طاعته حتى يؤديها،
فوعد الله الصابرين أجرهم بغير حساب،
أي: بغير حد ولا عد ولا مقدار، وما ذاك إلا
لفضيلة الصبر ومحله عند الله، وأنه معين
على كل الأمور))(٣).
٣. الفوز بالجنة والنجاة من النار.
لقد أخبر الله تبارك وتعالى في كتابه
الكريم بأن عاقبة الصبر في الآخرة الفوز
بالجنة، التي هي مطلب كل مسلم، وغاية
كل مؤمن بالله في آيات متعددة ومن ذلك
قوله سبحانه: ﴿وَمَا يُلَقَّنِهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُواْ
وَمَا يُلَقَّنَهَا إِلَّا ذُو حَظٍ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥].
ففي هذه الآية يبين الله تبارك وتعالى أنه
لا يُوفق للأعمال الصالحة إلا الذين صبروا،
الذين هم أصحاب الحظ العظيم الذي هو
الجنة.
قال ابن عباس رضي الله عنهما في هذه
الآية: ((الذين أعد الله لهم الجنة))(٤).
وقال قتادة: ((الحظ العظيم)»: الجنة، أي:
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٢٤٤.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٧٢٠.
(٤) جامع البيان، ٢١/ ٤٧٣.
www. modoee.com
٢٥٩

حف الصاد
ما يلقاها إلا من وجبت له الجنة))(١).
وَمَا
وقال ابن سعدي رحمه الله: (
يُلَقَّمُهَا﴾ أي: وما يوفق لهذه الخصلة
الحميدة ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُواْ﴾ نفوسهم على
ما تكره، وأجبروها على ما يحبه الله، فإن
النفوس مجبولة على مقابلة المسىء بإساءته
وعدم العفو عنه، فكيف بالإحسان؟ فإذا
صبر الإنسان نفسه، وامتثل أمر ربه، وعرف
جزيل الثواب، وعلم أن مقابلته للمسيء
بجنس عمله، لا یفیده شيئًا، ولا یزید
العداوة إلا شدة، وأن إحسانه إليه، ليس
بواضع قدره، بل من تواضع لله رفعه، وهان
عليه الأمر، وفعل ذلك، متلذذًا مستحلیًا له،
﴿وَمَا يُلَقَّنَهَا إِلَّاذُو حَظٍ عَظِيمٍ﴾ لكونها من
خصال خواص الخلق، التي ینال بها العبد
الرفعة في الدنيا والآخرة، التي هي من أکبر
خصال مكارم الأخلاق» (٢).
وأخبر سبحانه بأن الصابرين يفوزون
بالجنة في يوم القيامة جزاء صبرهم، كما في
قوله: ﴿إِنِّ جَزَيْتُهُمُ اَلْيَوْمَ بِمَا صَبَرُواْ أَنَّهُمْ هُمُ
اَلْفَآبِزُونَ﴾ [المؤمنون: ١١١].
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: «أخبر
عما جازى به أولياءه وعباده الصالحين،
فقال: ﴿إِنِّ جَزَيْتُهُمُ اَلْيَوْمَ بِمَا صَبَرُواْ﴾ أي:
على أذاكم لهم واستهزائكم منهم، ﴿أَنَّهُمْ
(١) معالم التنزيل، البغوي ٧/ ١٧٥.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٧٤٩.
جوسين
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
هُمُ الْفَآبِرُونَ﴾ أي: جعلتهم هم الفائزين
بالسعادة والسلامة والجنة، الناجين من
النار)) (٣)
وقال الإمام الشنقيطي رحمه الله: «قوله:
﴿پما صبرُوا﴾، أي: بسبب صبرهم في دار
الدنيا، على أذى الكفار الذين اتخذوهم
سخریا، وعلى غير ذلك من امتثال أمر الله،
واجتناب نهيه، وما دلت عليه هذه الآية
الكريمة من أن أولئك المستضعفين الذين
کان الكفار یستهزئون بهم، جزاهم الله يوم
القيامة الفوز بجنته، ورضوانه، جاء مبينًا
في مواضع أخر مع بيان أنهم يوم القيامة
یھزؤون بالكفار، ويضحكون منهم، والكفار
في النار، والعياذ بالله، كقوله تعالى: ﴿قَالْيَوْمَ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ، عَلَى الْأَرَآيِكِ
يَظُرُونَ ﴿ هَلْ تُوَّبَ الْكُغَارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾
[المطففين: ٣٤-٣٦]» (٤).
وقال الله تعالى مبينًا أن الجنة ينالها
الصابرون جزاء صبرهم: ﴿وَجَزَّهُم بِمَا صَبَرُوا
جَّةً وَحَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٢].
وقال قتادة: ((وجزاهم بما صبروا على
طاعة الله، وصبروا عن معصيته ومحارمه،
جنةً وحريرًا))(٥).
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله:
وقوله: ﴿وَجَزَّهُم بِمَا صَبَرُوا﴾ أي: بسبب
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٩٩/٥.
(٤) أضواء البيان، الشنقيطي ٣٦١/٥.
(٥) انظر: جامع البيان، الطبري ١٠١/٢٤.
٢٦٠