Indexed OCR Text
Pages 21-32
الشمس ((إن هذه الشمس التي يصلنا منها ضوء مليون طن من المادة، جميعها يتحول إلى حرارة وطاقة وإشعاعات بمختلف أنواعها. ثانيًا: الشمس ضياء. ينير حياتنا ويدفئنا بلطف هي عبارة عن بئر سحيقة تملؤها سحب غازية حمراء اللون. وتتكون الشمس من ألسنة اللهب التي تكون على شكل خراطيم عملاقة قادمة من أعماق سحيقة مندفعة نحو الخارج بملايين الكيلومترات. لا شك في أن هذه الخراطيم النارية العملاقة خطيرة على حياة الإنسان، ولكن جميع أنواع الأشعة الخطيرة القادمة من الشمس يتم امتصاصها من قبل الغلاف الجوي للأرض ومجالها المغناطيسي قبل أن تصل إلينا، وهذا هو النظام المتقن . لمجموعتنا الشمسية)) (١). يقول أحد الباحثين في الإعجاز العلمي: تبين للعلماء أن الشمس هي نجم من نجوم هذا الكون، وهي عبارة عن مصباح تعمل بالوقود النووي، حيث يتفاعل الهيدروجين وتندمج ذراته مع بعضها ثم تنتج ذرات الهليوم وتبث الطاقة والحرارة. ويقول العلماء، إن الشمس تصدر ألسنة من اللهب يبلغ طولها مئات الآلاف من الكيلو مترات، وتصدر كميات كبيرة من الطاقة والحرارة، وتحرق الشمس في كل ثانية أكثر من ٤ دكتور أحمد الكرداني، نقلًا عن وجوه من الإعجاز القرآني، مصطفى الدباغ، نقلا عن مباحث في إعجاز القرآن، مصطفى مسلم ص ١٨١. (١) الروعة في كل مكان، يحي هارون ص١٧. ذكر الله من أوصاف الشمس كونها ضياء، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءُ وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَذَّرَهُ مَنَازِلَ لِيَعْلَمُواْ عَدَدَ السّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾﴾ [يونس: ٥]. بينما الشمس تضيء بذاتها، بما يكمن فيها من طاقة متجددة نجد القمر جسمًا معتمًا مظلمًا يعكس ضياء الشمس ويبعث به نورًا يبدد ظلام الليالي الحالكة، وضوء الشمس مصحوبٌ بالحرارة والدفء، بينما ضوء القمر بلا حرارة. قال العسكري: ((الضوء: ما كان من ذات الشيء المضيء، والنور: ما كان مستفادًا من غيره»(٢). وقال السمرقندي: ((ويقال: جعل الشمس ضياء مع الحر، والقمر نورا بلا حر))(٣). (٢) الفروق اللغوية ص ٣٣٢. (٣) تفسير السمر قندي ١٠٤/٢. www. modoee.com ٢٧ حرف الشين الشمس والعبادة أولًا: سجود الشمس لله تعالى: قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَأَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ. مَنْ فِي السَّمَوَتِ وَمَنْ فِىِ الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَلْبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِّ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اَللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكّرِمَّإِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (1 ) [الحج: ١٨]. فكل ما في الكون يسجد لله تعالى بكيفيات وهيئات متنوعة منها ما نراه ونشاهده ومنها ما يغيب عن حواسنا القاصرة. عن أبي ذرٍ رضي الله عنه، قال: قال النبي صلی الله عليه وسلم: لأبي ذرٍ حين غربت الشمس: (أتدري أين تذهب؟)، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: (فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فتستأذن فيؤذن لها ويوشك أن تسجد، فلا يقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها يقال لها: ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها، فذلك قوله تعالى: ﴿ وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرِّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيُرُ اٌلْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴾ [يس: ٣٨])(١). قال ابن الجوزي: ((ربما أشكل الأمر في (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب صفة الشمس والقمر، ٤/ ١٠٧، ٣١٩٩، وأخرجه مسلم في الإيمان باب بيان الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان، رقم ١٥٩. هذا الحديث على من لم يتبحر في العلم، فقال: نحن نراها تغيب في الأرض، وقد أخبر القرآن أنها تغيب في عين حمئة، فإذا دارت تحت الأرض وصعدت، فأين هي من العرش؟ فالجواب: إن الأرضين السبع في ضرب المثال كقطب رحا، والعرش لعظم ذاته كالرحى، فأين سجدت الشمس سجدت تحت العرش، وذلك مستقرها(٢). ثانيًا: الشمس ومواقيت العبادات: مواقيت العبادة موزعة على النهار وجزء من الليل، والشمس آلة تلك الأوقات. قال تعالى: ﴿وَأَقِيمِ الصَّلَوةَ طَرَّفَ اَلنَّهَارِ وَزُلَفَّا مِنَ الَّيْلِّ إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّخَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَ ى لِلَّكِرِينَ (١) وَأَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ١١٥) : [هود: ١١٢-١١٥]. فأمر بالمحافظة على الصلوات لَرَفي النَّارِ﴾: الفجر والعصر، ﴿وَزُلَفًا مِّنَ آَلَّيْلِ﴾: وأوقات من الليل تتقرب بها إلى الله، من أول الليل لقربها من النهار، كصلاة المغرب والعشاء، ومن آخره قريبًا من النهار. وقال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ الَّيْلِ وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّ إِنَّ قُرْءَانَ اُلْفَجْرِ ﴾ [الإسراء: ٧٨]. ٧٨ كَانَ مَشْهُودًّا لَ والدلوك: الغروب. وقيل: الدلوك زوال الشمس نصف النهار. وقيل: الدلوك من (٢) كشف المشكل من حديث الصحيحين، ابن الجوزي، ٣٥٩/١. ٢٨ القرآن الكريمِ الشمس وقت الزوال إلى الغروب. والغسق: سواد الليل وظلمته. وقيل: غسق الليل دخول أوله وقت صلاة العشاء(١). قال ابن العربي: وفيه قولان: أحدهما: زالت عند کبد السماء؛ قاله عمر، وابن عمر، وأبو هريرة، وابن عباسٍ، وطائفةٌ سواهم من علماء التابعين وغيرهم. الثاني: أن الدلوك هو الغروب؛ قاله ابن مسعودٍ، وعليٌّ، وأبي بن کعب، وروي عن ابن عباسٍ(٢). وعن سليمان بن بريدة، عن أبيه، (أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله عن مواقيت الصلاة، فقال: (اشهد معنا الصلاة)، فأمر بلالًا فأذن بغلسٍ، فصلى الصبح حين طلع الفجر، ثم أمره بالظهر حين زالت الشمس عن بطن السماء، ثم أمره بالعصر والشمس مرتفعةٌ، ثم أمره بالمغرب حين وجبت الشمس، ثم أمره بالعشاء حين وقع الشفق، ثم أمره الغد فتور بالصبح، ثم أمره بالظهر فأبرد، ثم أمره بالعصر والشمس بيضاء نقيةٌ لم تخالطها صفرةٌ، ثم أمره بالمغرب قبل أن يقع الشفق، ثم أمره بالعشاء عند ذهاب ثلث الليل، أو بعضه فلما أصبح، قال: (أين السائل؟ ما بين ما رأيت وقتٌ)(٣). (١) قال العسكري: قيل: دلوكها: غروبها، وقيل: زوالها. الوجوه والنظائر، العسكري ص ٢٨٩. (٢) أحكام القرآن، ابن العربي ٢٠٩/٣. (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد عبادة الناس للشمس الشمس نجم متوسط الحجم والكتلة، وتوجد في الفضاء نجوم أکبر منه مئات، بل آلاف المرات، وقدیما عرف الناس أهميتها في حياتهم، بينما وصل الجهل ببعض من الناس إلى أن عبدوها من دون الله، فشيدوا المعابد وقدموا النذور والقرابين وسجدوا لها من دون الله، وهذا من ضلالهم وتزيين الشيطان لهم، كما وقع من قوم سبأ الذين كانوا يسجدون للشمس، وأنكر عليهم هدهد سليمان عليه السلام هذا الضلال البين، ولقد نقض القرآن الكريم هذه الخرافات، کما سنبينه فيما يلي: أولًا: عبادة قوم إبراهيم عليه السلام للشمس: ﴿وَكَذَلِكَ زُرِىّ إِبْرَهِيمٌ قال تعالى: مَلَكُوتَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ اٌلْمُوقِنِينَ ﴿ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الَّيْلُ رَءَا كَوَكَبًاٌ قَالَ هَذَا رَبِيْ فَلَمَّآ أَقَلَ قَالَ لَآ أُحِبُّ الْآخِينَ فَلَمَّا رَءَا الْقَمَرَ بَازِفًا قَالَ هَذَا رَبّ ◌َلَمَّاً أَفَلَ قَالَ لَيْنِ لَّمْ يَهْدِنِ رَبِّ لَأَكُونَنَ مِنَ الْقَوْمِ فَلَمَّا رَءَا الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا الضَّالِينَ رَبِّ هَذَا أَكْبَرٌ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَقَوْمِ إِّ بَرِىٌّ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ﴿ إِّ وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى ومواضع الصلاة، باب أوقات الصلوات الخمس، ٤٢٩/١، رقم ٦١٣. www. modoee.com ٢٩ حرفالشین فَطَرَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَآ أَنَاْ الأوحد الذي لا ثاني له، وأن الخلق جميعًا مفتقرون لهداية ربهم. مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [الأنعام: ٧٥-٧٩]. أقام إبراهيم الحجة على قومه الذين عبدوا الأصنام وعبدوا الشمس والقمر والكواكب جهلاً منهم وضلالًا، فهذه الأجرام مع عظمتها وإنافتها وروعتها ومنافعها الجمة، فهناك من خلقها وأبدعها وسيرها، ولقد لفت إبراهيم عليه السلام أنظار قومه إلى كون تلك الأجرام العلوية حادثةً متنقلةً من حال إلى حال بما يتنافى مع طبيعة الإله الحق، فالکو کب في أول سطوعه يخلب الأنظار بنوره الأزهر لكنه سرعان ما يغيب ويضمحل أمام نور الصباح. فبين إبراهيم عليه السلام نفوره من عبادة إله یغیب ويتلاشى، لأن الإله الحق لا یغیب ولا يتلاشى، کیف وهو رب كل شيء وملیکه ومدبره ومسیره! فلما رأى القمر ساطعًا ينير ظلمة الليل البهيم، وقد تألق في السماء وبدا حسنه وسناؤه، تدرج مع قومه فقال على سبيل المجاراة لهم: هذا ربي! ليلفت أنظارهم لتلك الحجة التي سيلقمهم إياها حين یغیب نور القمر فيقول ﴿لین لَّمْ یَهْدِنِ رَیِی لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فقطع رجاءهم من القمر، الآفل وعلق القلوب والآمال بهداية الله تعالى التي ليس سواها هداية، ليكشف لقومه سبيل الهداية ثم كانت الحجة الثالثة حين طلع النهار وأشرقت الشمس بضيائها وسناها، وملأت الكون نورًا ودفئًا، فقال مجاريًا لقومه: ﴿هَذَا رَبِي هَذَا أَكْبَرٌ﴾ مما سبقه من أجرام، فلما غربت وخيم الظلام أعلن براءته مما عليه قومه من شركٍ وضلال،٦٦ كما أعلن توحيده لله وعبادته له وحده. قال القاسمي: ((وقوله تعالى: ﴿هَذَا أَكْبَرُ﴾ أي: أكبر الكواكب جرمًا، وأعظمها قوة، وفيه تأكيد لما رامه عليه الصلاة والسلام من إظهار النصفة، مع إشارة خفیة إلی فساد دینهم من جهة أخرى، ببيان أن الأكبر أحق بالربوبية من الأصغر))(١). ثانيًا: مملكة سبأ وعبادة الشمس: قال الله تعالى في قصة سليمان عليه السلام والهدهد مع قوم سبأ: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَأَخَطَتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ، وَجِئْتُكَ مِن سَبَلٍ بِنٍَّ يَقِينٍ ٦ إِّ وَجَدْتُ أَمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوِيَّتْ مِن كُلِّ ثَقٍْ وَلَمَا عَرْشُّ عَظِيمٌ ) وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ ( أَلََّيَسْجُدُواْلِلَّهِالَّذِى يُخْرِجُ (١) محاسن التأويل ٤/ ٤٠٤. وانظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود ١٥٤/٣. ٣٠ جَوَسُبـ الْقُرآن الكَرِيمِ الشمس اَلْخَبَْ فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ الشموس؛ فكان الأولی بهم أن يسجدوا لله وَمَا تُعْلِنُونَ اللَّهُ لَآَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ 1@) [النمل: ٢٢ - ٢٦]. بعد أن وصف الهدهد ما عليه تلك المملكة من حضارة وازدهار، نعى ما هم عليه من ضلال بعبادتهم الشمس من دون الله تعالى: ﴿وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ فَصَدَّهُمْ ٢٤ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ شخص الهدهد أصل الداء، وهو تزيين الشيطان لهم هذه العبادة الغريبة وتلك الديانة العجيبة التي تدل على جهل وحماقة، كيف يقدسون هذا الجرم السماوي ويتفننون في عبادته وإقامة المعابد وزخرفتها وتزيينها وإنشاد الأناشيد واختلاق الطقوس التي يؤدونها! إن هذا کله من وحي الشیاطین، من أجل صد الناس عن سبيل التوحيد الذي لا سبیل غیرہ، أما الشمس فمع کبر حجمها وأهميتها في حياتنا لكنها ضئيلة بالمقارنة بغيرها من النجوم التي تكبرها آلاف المرات، فضلًا عن كونها جزءًا من مجرة تحيطها مجرات كثيرة، فما هي في ملك الله العظيم إلا كحلقة في فضاء. ولذلك تأتي لفتة دقيقة من الهدهد یبین فيها عظمة عرش الرحمن جل وعلا، فما عرش بلقيس بالنسبة له! وما حجم الشمس مقابله! وما الشمس إلا نجمٌ من بين ملايين تعالى الذي يخرج بقدرته ما في السموات وما في الأرض من كنوز وخبايا، من أمطار وأرزاق ونبات وأشجار ومعادن وخيرات. وفي إخراج الخبء: أمارة على أنه من كلام الهدهد فهو يحط على الأرض وينقرها بمنقاره الطويل فيخرج طعامه ((بإلهام من يخرج الخبء في السماوات والأرض جلت قدرته ولطف علمه، ولا یکاد تخفی علی ذي الفراسة النظار بنور الله مخائل كل مختصٍ بصناعة أو فن من العلم في روائه ومنطقه وشمائله)) (١). وقال تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِ الَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرْ لَا تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَأَسْجُدُواْ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ [فصلت: ٣٧]. فالشمس هذا النجم العظيم وما ينبثق عنها من منافع للكون آيةٌ من آيات الله، وما هي في هذا الكون الرحيب إلا كالكرة المعلقة في فضاء شاسع، ونجمٌ من ضمن مليارات النجوم التي أبدعها الخالق جل وعلا. قال تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ اَلَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرْ لَا تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَأَسْجُدُواْ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَهُنَّ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (﴾ [فصلت: ٣٧]. (١) الكشاف ٣/ ٣٦٢. www. modoee.com ٣١ حرف الشین فالشمس جزء من مجموعة تابعة لمجرة، والمجرة واحدة من بلايين المجرات في الكون. إن نظرة كثير من البشر إلى المخلوقات من حولها تتناقض بين نظرة ملؤها القهر والاستكبار والتسلط وبين الشعور بالمذلة والهوان، بين من يتكلم عن هذه المخلوقات بلغة القهر والتسلط والغرور والقسوة، وبين من سقط في عبادة هذه النعم وترك عبادة المنعم جل وعلا، فعبدوا الشمس والقمر والنجم والشجر والطير والحجر والوحش والبقر من دون الله، بين من ينظر لهذه المخلوقات بعين الازدراء والتحقير، وبين من ينظر إليها بعين التقديس والتعظيم، بينما كانت رسالة القرآن في بيان النظرة الصحيحة لهذه المخلوقات بعين الاعتبار والتقدير لدورها في الوجود، وأنها مربوبة لله منقادةٌ له جل وعلا فهو آخذ بناصيتها، ندرك من ذلك مدى ضلال من عبدوها من دون الله إعجابًا بمنافعها غافلين عن عبادة من خلقها وسخرها. الشمس يوم القيامة للقرآن الكريم حديثٌ مستفيضٌ عن نهاية العالم، بين فيه ما يجري للكون من أمورٍ عظام وأهوالٍ جسامٍ، وأثر ذلك على الإنسان ذلك المخلوقَ الضعيف الذي سیری بأم عينيه ما يجري للکون حوله من تغیراتٍ وزلازل وانفجارٍ ودمار يشيب من هوله الصغار. حدثنا القرآن عن مصير الأرض والسماء والنجوم والكواكب والشمس والقمر، والجبال والبحار، وغيرها من الكائنات. مشاهد علوية ومشاهد أرضية، ((ففي العالم العلوي: تنفطر السماء، وتنتثر الكواكب، وتتكور الشمس، وتنكدر النجوم، وتنفرج السماء، وتتشقق، ويخسف القمر، ويجمع الشمس والقمر. وفي العالم الأرضي: تنفجر البحار، وتسير الجبال، وتكون كالعهن المنفوش، وتنسف نسفًا، وتدك دكًا))(١). أولًا: حال الشمس عند قيام الساعة: ١. أجل الشمس. يرتبط أجل الشمس بأجل الدنيا فهي من أسباب عمرانها وبقاء هذا العالم، فإذا قضى الله تعالى نهاية العالم، لحق بالشمس (١) التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب ١٢٦/١. ٣٢ قَضوري جوي القرآن الكريم الشمس ما يلحق غيرها من الفناء. قال تعالى: ﴿اللَّهُ تكن آمنت من قبل)(٣). الَّذِى رَفَعَ السَّمَوَتِ ◌ِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِّ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَّ كُلُّ يَجْرِى لِأَجَلٍ تُسَمَّىَّ﴾ [الرعد: ٢]. قال مقاتل: يعني: إلى يوم القيامة (١). وقال الطبري: «یقول جل ثناؤه: كل ذلك يجري في السماء لأجلٍ مسمّى، أي: لوقت معلومٍ، وذلك إلى فناء الدنيا وقيام القيامة التي عندها تكور الشمس، ويخسف القمر، وتنكدر النجوم))(٢). ٢. الخروج من المغرب. من علامات القيامة الكبرى طلوع الشمس من مغربها؛ خرقًا لنواميس الكون وإيذانًا بانقضاء الدنيا وخراب الكون. قال الله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلََّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَئِكَةُ أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِىَ بَعْضُ ءَايَتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ مَايَتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيَنُّهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْكَسَبَتْ فِى إِيَمَنِهَا خَيْرَاً قُلِ أَنَظِرُ وَاْإِنَّا مُنْنَظِرُونَ ﴾ [الأنعام: ١٥٨] عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: (لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمن من عليها، فذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها، لم (١) تفسير مقاتل بن سليمان ٢/ ٣٦٦. (٢) جامع البيان، الطبري ٤١١/١٣. وعن ابن مسعودٍ رضي الله عنه في قوله تعالى: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِمَتُهَا﴾ [الأنعام: ١٥٨]. قال: ((لا تزال التوبة مبسوطةً ما لم تطلع الشمس من مغربها»(٤). ٣. التكوير. وفي القرآن الكريم سورة كاملة تسمى بسورة التكوير، تبدأ بهذا الحدث العظيم المرتقب وما يرافقه ويلاحقه من أحداث جسام وأهوال عظام: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوْرَتْ ( وَإِذَا النُّجُومُ أَنْكَدَرَتْ ، وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ ل وَإِذَا الْوُجُوشُ حُشِرَتْ ٥) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِرَتْ ل وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٢) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَتِ ذَنْبٍ قُتِلَتْ )) وَإِذَا اُلُُّحُفُ نُشِرَتْ ، وَإِذَا التَّمَآءُ كُشِطَتْ ) وَ إِذَا الْجَحِيُ سُعِرَتْ وَإِذَا الْجَنَّةُ أَزْلِفَتْ عَلِمَتْ نَفْسُ مَّا أَحْضَرَتْ ﴾[ التكوير: ١ - ١٤]. فالسورة في أولها حديث عن مشاهد القيامة وأهوالها التي تتجلى على كل مخلوق، على الشمس والنجوم والجبال والبهائم والوحوش وعلى البحار وعلى السماء، مع تحول الغيبيات إلى مشاهد (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيَمَنُّهَا﴾، ٥٨/٦، ٤٦٣٥، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان، رقم ١،١٥٧/ ١٣٧. (٤) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٦٩. www. modoee.com ٣٣ حرف الشین محسوسة، وانتقال الوعد والوعيد إلى ((والتكوير في كلام العرب: جمع بعض الشيء إلى بعض، وذلك كتكوير العمامة، وهو لفها على الرأس، وكذلك قوله: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوْرَتْ﴾ إنما معناه: جمع بعضها إلى بعض، ثم لفت فرمي بها، وإذا فعل ذلك بها ذهب ضوءها)»(٥). حقائق واقعة، فالنفوس تتزاوج کلّ مع ما يشاكلها كما تتزاوج بمصيرها وعاقبتها التي لا تنفك عنها، والموءودة حان وقت القصاص لها وسؤال القاتل بتوبيخٍ: لماذا قتلها؟ بأي جريرة استحل دماءها! والصحف تتطاير لا تخطئ أصحابها، فسميت بسورة التكوير تنويهًا على هذا الحدث العظيم وتلك المشاهد المروعة والصور المتداخلة والأحداث المتعاقبة المتشابكة التي عرضتها السورة بأسلوبها الذي یھیج النفوس، ويزلزل أعماق القلوب ويخلع النفوس من واقعها، ليوقفها أمام هذه الأهوال العظام. عن الحسن: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوْرَتْ ))) [التكوير: ١]. يقول: ((تكور حتى يذهب ضوؤها فلا يبقى لها ضوءٌ)) (١). وعن قتادة في قوله تعالى: ﴿كُوْرَتْ﴾: أذهب ضوءها (٢). وعن مجاهد: اضمحلت وذهبت(٣). وعن ربيع بن خثيم: ﴿وْرَتْ﴾: رمي بها (٤). ويجمع الطبري بين هذه الأقوال فيقول: (١) تفسير مجاهد ص ٧٠٧. (٢) تفسير عبد الرزاق ٣٩٥/٣. (٣) انظر: جامع البيان ٢٤/ ٢٣٨. (٤) انظر: المصدر السابق. جُوبُواحة المفتي القرآن الكريم ویقول سيد قطب: ((إن تکویر الشمس قد يعني: برودتها. وانطفاء شعلتها، وانكماش ألسنتها الملتهبة التي تمتد من جوانبها كلها الآن إلى ألوف الأميال حولها في الفضاء. كما يتبدى هذا من المراصد في وقت الكسوف. واستحالتها من الغازية المنطلقة بتأثير الحرارة الشديدة التي تبلغ ١٢٠٠٠ درجة، والتي تحول جميع المواد التي تتكون منها الشمس إلى غازات منطلقة ملتهبة استحالتها من هذه الحالة إلى حالة تجمد كقشرة الأرض، وتكور لا ألسنة له ولا امتداد! قد يكون هذا، وقد يكون غيره أما كيف يقع والعوامل التي تسبب وقوعه؟ فعلم ذلك عند الله. وانكدار النجوم قد یکون معناه: انتشارها من هذا النظام الذي يربطها، وانطفاء شعلتها وإظلام ضوئها، والله أعلم ما هي النجوم التي يصيبها هذا الحادث؟ وهل هي طائفة من النجوم القريبة منا مجموعتنا الشمسية مثلًا، أو مجرتنا هذه التي تبلغ مئات الملايين (٥) المصدر السابق. ٣٤ الشمس من النجوم أم هي النجوم جميعها؟ والتي لا العمامة وتفقد سيطرتها وجاذبيتها للأجرام يعلم عددها ومواضعها إلا الله. فوراء ما الأخرى التي تدور حولها، فتختل تلك نرى منها بمراصدنا مجرات وفضاءات لها لا نعرف لها عددًا ولا نهاية (١). وفي تحليل أو لنقل تقريب علمي لهذه الظاهرة المرتقبة يقول أحد الباحثين في بیان مصير الشمس بين القرآن والعلم ومعنى قوله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ ((يقول العلم: تتكون الشمس من ٧٠ ٪ من غاز الھیدروجین، و ٢٧٪ من غاز الھیلیوم، ویتم تحول الهيدروجين إلی هیلیوم بالتدريج، إلی أن ینتهي فیتکور قلب الشمس (یتداخل في بعضه وينكمش) وتتوقف التفاعلات النووية، وتنتفخ الطبقة الخارجية للشمس ويزداد قطرها إلى درجة تصل فيها أن تبتلع الأرض)». ولا شك أن العلم الحدیث یکاد يجمع علی أن للشمس نهايةً وأنها تصیر تدریجیا، إلى هذه النهاية المرتقبة، ولكن النظريات والافتراضات العلمية لا يمكن أن تستوعب أو تنطبق على الحقائق الغیبیة، وإن كانت لا تعارضها بل تقربها للأذهان. ثانيًا: حال الشمس يوم القيامة: تتعرض الشمس للتكوير حين تفقد طاقتها الكامنة المتجددة، فتتکور کما تكور (١) في ظلال القرآن ٧/ ٤٦٩. السنن الثابتة، وتتعطل تلك المنظومة لتؤذن باختلال نظام الكون. ثم يلتحم بها القمر، قال تعالى: ﴿وَيُعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ قال الواحدي: جمعا في ذهاب نورهما (٢). وقال السمعاني: ((﴿وَجَعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾: في الخسفة وإذهاب الضوء(٣). قال ابن عطية: واختلف المتأولون في معنى الجمع بينهما، فقال عطاء بن يسار: يجمعان فيقذفان في النار، وقيل: في البحر، فتصير نار الله العظمى، وقيل: يجمع الضوءان فيذهب بهما (٤). ويرى علماء الفلك أن القمر سيقترب من الشمس حتی ینجذب إليها، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الظاهرة التي تعد من مشاهد القيامة ﴿وَحُعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾. الجنة لا شمس فيها: قال تعالى في سياق الحديث عن نعيم أهل الجنة: ﴿لَا يَرَوَّنَ فِيَهَا شَمْسَا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾ فنعيم الجنة نعيم خالدٌ تامٌ ليس هناك ما يكدره أو ينغصه أو ينقصه، وأمور الآخرة لا تنقاس على أمور الدنيا، فللآخرة سننها (٢) التفسير الوسيط، الواحدي ٣٩١/٤. (٣) تفسير القرآن، السمعاني ١٠٤/٦. (٤) المحرر الوجيز ٤٠٣/٥. www. modoee.com ٣٥ حرف الشین ونواميسها التي تختلف عن سنن الحياة الدنيا، في الدنيا لا غنى عن الشمس، فهي إكسير الحياة ومصباح الوجود، أما في الآخرة فأهل الجنة ينعمون ويأكلون ويشربون دون حاجة لوهج الشمس وحرارتها التي تحرك الحياة. في الدنيا يتضجر الناس من الحر ويتألمون من البرد الشديد، فينكد عليهم عيشهم، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلی الله عليه وسلم، قال: (اشتكت النار إلى ربها، فقالت: رب قد أكل بعضي بعضًا فنفسني، قال: فأذن لها في كل عامٍ بنفسین، فأشد ما تجدون من البرد فهو زمهرير جهنم، وأشد ما تجدون من الحر فهو من حر جهنم)(١). أما في الجنة فنعيم مقيم لا يعاني أهلها حر شمسٍ ولا يكابدون قسوة بردٍ، قال الله تعالى: ﴿مُتَّكِينَ فِهَا عَلَى الْأَرَآبِكِّ لَا يَرَوْنَ فِيَهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِرًا ﴾ [الإنسان: ١٣]. قال مقاتل: يعني: شمسًا یؤذیهم حرهم، ولا زمهريرًا يؤذيهم برده(٢). وقال ابن کثیر: «لیس عندهم حرٌ مزعجٌ ولا بردٌّ مؤلمٌ، بل هي مزاجٌ واحدٌ دائمٌ سرمديٌ لا يبغون عنها حولًاً(٣). (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب مواقيت الصلاة، باب الإبراد بالظهر في شدة الحر، ١١٢/١، رقم ٥٣٧. (٢) التفسير الوسيط، الواحدي ٤ /٤٠٣. (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٩٧/٨. لمسات إعجازية في الشمس بين القرآن الكريم كون الشمس جزءًا من المنظومة الكونية وأنها ليست مركزًا للكون، کما کان یتوهم، بل إنها تجري في مدارٍ محدد. وبين القرآن الكريم أن مركز الشمس وحركتها إنما هو بحساب دقيق. وأكد العلم الحديث ما قرره القرآن الكريم بنهاية هذا الكون واختلال منظومته. وبين القرآن كون الشمس مصدر حرارة وضیاء، بينما القمر یعکس نور الشمس، وقد اكتشف العلماء حدیثًا بأن القمر جسمٌ معتمٌّ، يعكس بأحد وجهيه ضوء الشمس. وقال تعالى: ﴿فَالِقُ اَلْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اَلَّيْلَ سَكَنَا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْغَيِزِ اَلْعَلِيمِ (١﴾ [الأنعام: ٩٦]. يقول د. محي الدين عبد الغني عالم الفيزياء بجامعات النرويج: ((الكلمة تحمل دلالة علمية رائعة، وهي انفلاق الضوء والذي يسمى في الفيزياء التحلل الضوئي، ويحدث عند سقوط الضوء على أحد أوجه المنشور الزجاجي فيتحلل (فينفلق) إلى ألوان (اللون هو ضوء ذو طول موجي مختلف عن الطول الموجي للون الآخر) ونفس الظاهرة تحدث عندما يسقط الضوء على وجه أسطوانة ((سي دي))، ولكن ٣٦ مَوَسُولَة النفسية القرآن الكريم الشمس توصف في الفيزياء بتشتت الضوء، وهو تجاذب وإمساك، كما يتبع الرضيع الأم. إنفلاق لمكونات الضوء الأبيض أيضًا». قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءُ وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِيَعْلَمُواْ عَدَدَ اُلْسِنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾﴾ [يونس: ٥] يقول د. محي الدين عبد الغني: تشير الآية إلى حقيقتين: الحقيقة العلمية الأولى: الشمس منتجة للضوء فهى (ضياء) صانعة له، والقمر منير مجرد عاكس للضوء وينتج عنه نور. الحقيقة العلمية الثانية: تتغير مواضع القمر برتابة معينة بحيث يمكننا الاعتماد عليها في الحساب وإحصاء عدد السنين، ومن هنا فإني أرى أن الاعتماد على الحساب في تحديد مواقيت الشهور هو نتيجة توجيه قرآني. وقال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِهِ بَأَبَتِ إِنِِّ رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَئِنُهُمْ لِ سَجِدِينَ ﴾ [يوسف: ٤]. بالرغم من كون الآية تحكي ما جاء في الرؤية إلا أنها تبين الفرق بين الشمس (نجم)، والکو کب: مثل الأرض يدور حول النجم وتابع له، والقمر وهو أقل وأضعف ضوءا من الشمس. وفي آية أخرى ((والقمر إذا تلاها)) أي: تبع الشمس، ليس فقط في التتابع الزمني ولکن تلو ارتباطي أي: وقال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَابِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اَلَيْلَ وَاَلنَّهَارَ 1 ﴾ [إبراهيم: ٣٣]. يقول د. محيي الدين: ((في الآية دلالة استمرار السطوع نهارًا وليلًا، لا كما كان يظن أن للشمس غروبًا. فهذا ليس صحيح، الصحیح أننا نحن البشر الذين نغيب عنها، أما هي فهي دائبة الشروق والسطوع. وفي الآية الكريمة جمع بين الشمس والقمر من ناحية، والليل والنهار من ناحية أخرى، وربط بين الظواهر الطبيعية المنبثقة عن دوران الأرض أمام الشمس)). وقال تعالى: ﴿أَقِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ الَّتْلِ وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ﴾ [الإسراء: ٧٨]. يقول د.محيي الدين: تلفت الآية الكريمة إلى ظاهرة تغير ضوء الشمس قوة وضعفا على مدار النهار، وهو نتيجة لاختلاف زاوية سقوط الأشعة؛ فالمعنى المحوري للدلوك: زوال غلظ الشيء (ارتفاعه أو صلابته) أو حدته (خشونته)، فدلوك الشمس بذهاب حدتها، أي: حرارتها قبل الغروب أو به. ولما كانت الشمس تتغير حدتها في فترة محدودة، وهي النهار، ثم تقوى في اليوم التالي وهكذا، فيمكن استنباط أن الشمس نفسها لا تضعف، وأن ما يضعف هو حدة www. modoee.com ٣٧ حرف الشین ضوئها، وبذلك تدفع الإنسان إلى التفكر على أساس سليم يوصله إلى حقيقة دوران الأرض، وكذلك ميل سقوط الأشعة، وهذا الميل هو الذي يسبب اختلاف درجات الحرارة. وقال تعالى: ﴿حَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَوْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًا ﴾ [الكهف: ٩٠]. يقول د. محيي الدين: قد يشير القرآن بالتعبير ﴿مِّن دُونِهَا سِتْرًا﴾ إلى ظاهرة تسمي ((شمس منتصف الليل)). وهي ظاهرة تظهر لسكان المناطق الواقعة في شمال الكرة الأرضية فيما يسمى بالدائرة القطبية، وفيها تظهر الشمس فلا تغيب على مدار الساعة، أي: ٢٤ ساعة في اليوم ولمدد متفاوتة طولًا وقصرًا علی حسب الوقت من شهور الصيف والمكان. ففي الدائرة القطبية يظهر قرص الشمس في شهور الصيف فلا تغيب لمدة ستة شهور، وفي الشتاء - الستة شهور الأخرى - يغيب قرص الشمس فلا يظهر. موضوعات ذات صلة: السماء، القمر، النجوم، النهار ٣٨ قَضوري جوبيع القرآن الكريم