Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَوْسُورَة النفسية الموضوعى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
الصِّحَةُ
عناصر الموضوع
مفهوم الصحبة
٣٢٤
الصحبة في الاستعمال القرآني
٣٢٥
الألفاظ ذات الصلة
٣٢٦
٣٢٩
أنواع الصحبة في القرآن
٣٣٧
أسباب الصحبة
٣٣٩
حقوق الصحبة
٣٤٢
آثار الصحبة في الدنيا
٣٤٨
عاقبة الصحبة في الآخرة
المُجَلَدُ العُشْرُونْ

حف الصاد
مفهوم الصحبة
أولًا: المعنى اللغوي:
الصاد والحاء والباء أصلٌ واحدٌ يدل على مقارنة شيءٍ ومقاربته، ومن ذلك الصاحب (١)،
ويجمع بالصحب، والصحبان والصحبة والصحاب، والأصحاب: جماعة الصحب(٢)،
ومن الباب: أصحب فلانٌ إذا انقاد، وأصحب الرجل إذا بلغ ابنه مبلغ الرجال، فصار مثله،
فكأنه صاحبه، واستصحب الرجل: دعاه إلى الصحبة، ولازمه، وكل ما لازم شيئًا فقد
استصحبه(٣)، لذلك يطلق مجازًا على من اعتنق مذهبًا أو رأيًا فيقال: أصحاب أبي حنيفة،
وأصحاب الشافعي(٤)، والصحبة - بالضم -: المعاشرة، صحبه صحبة وصحابة وصحابة،
وصاحبه: عاشره، والصاحب: المعاشر(٥)، وكذا: المرافق، ومالك الشيء، والقائم على
الشيء، وفي التنزيل العزيز: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَعْصَبَ النَّارِ إِلََّ مَلَئِكَةً﴾ [المدثر: ٣١](٦).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
المعنى الاصطلاحي لا يختلف كثيرًا عن المعنى اللغوي، فقد قال الراغب: ((الصاحب:
الملازم، إنسانًا کان أو حيوانا أو مکانًا أو زمانًا، ولا فرق بين أن تكون مصاحبته بالبدن وهو
الأصل والأكثر، أو بالعناية والهمة، ولا يقال في العرف إلا لمن كثرت ملازمته))(٧).
وعرفها ابن عاشور بأنها: ((الملازمة في أحوال التجمع والانفراد للمؤانسة والموافقة،
ومنه قيل للزوج: صاحبة، وللمسافر مع غيره صاحب، وقد يتوسعون في إطلاقه على
المخالط في أحوال كثيرة، ولو في الشر)» (٨).
(١) مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٣٥/٣.
(٢) العين، الفراهيدي ١٢٤/٣.
(٣) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٣٥/٣، لسان العرب، ابن منظور ٥٢٠/١.
(٤) انظر: المصباح المنير، الفيومي ١/ ٣٣٣، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٥٠٧/١.
(٥) انظر: المخصص، ابن سيده ٤٢٩/٣، لسان العرب، ابن منظور ٥١٩/١.
(٦) انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ١/ ٥٠٧.
(٧) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٤٧٥.
(٨) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٥٧/٣٠.
٣٢٤
جَوْبُو حَرَ النَّفِيَّ
القرآن الكريمِ

الصحة
الصحبة في الاستعمال القرآني
وردت مادة (صحب) في القرآن الكريم (١٠٦) مرات(١).
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل المضارع
٢
﴿قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَىْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَحِبْنِى
[الكهف: ٧٦]
فعل الأمر
١
﴿وَصَاحِبْهُمَا فِ الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥]
اسم الفاعل
١٠٣
﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَثِ﴾ [النساء: ٣٦]
وجاءت الصحبة في القرآن الكريم بمعناها اللغوي الدال على الملازمة(٢).
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص ٣٨٧.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص٣٠٣- ٣٠٤، نزهة الأعين النظائر في علم الوجوه والنظائر، ابن
الجوزي، ص٣٩٢-٣٩٣، بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، الفيروز آبادي، (٣٨٦/٣-
٣٨٧)، عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ، السمين الحلبي، (٣٢٠/٢-٣٢١).
www. modoee.com
٣٢٥

حف الصاد
الألفاظ ذات الصلة
١
الرفقة:
الرفقة لغة:
الرفقة: الصحبة في السفر أو غيره، يقال: رافق الرجل صاحبه، ورفيقك: الذي يرافقك،
وقيل: هو الصاحب في السفر خاصة (١).
وسمي الصاحب رفيقًا؛ لارتفاقك به وبصحبته، ويقال للجماعة في السفر: رفقة؛ لارتفاق
بعضهم ببعض (٢).
الرفقة اصطلاحًا:
لا يختلف معنى الرفقة اصطلاحًا عن معناها اللغوي، والرفقة تقال للقوم ما داموا
منضمين في مجلس واحد ومسير واحد، فإذا تفرقوا ذهب عنهم اسم الرفقة، ولم يذهب
عنهم اسم الرفيق(٣).
الصلة بين الرفقة والصحبة:
الرفقة أخص من الصحبة، والصحبة أعم، ففي لفظ (الرفيق) معنى الرفق والرحمة،
بخلاف الصحبة؛ فقد يوجد الرفق فيها، وقد يوجد العذاب كما هو مع أصحاب النار.
الصداقة:
٢
الصداقة لغة:
الصداقة: مصدر الصديق، وهو مشتق من صدق المودة والنصيحة، والجمع صدقاء
وصدقانٌ وأصدقاء وأصادق (٤).
والصديق: الصاحب الصادق في المودة(٥)، وإنما سمي الصديق صديقًا لصدقه(٦).
الصداقة اصطلاحًا:
لا يختلف معناها الاصطلاحي عن المعنى اللغوي، ولذا عرفها المناوي بأنها: ((صدق
(١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١٢٠/١٠.
(٢) الوسيط، الواحدي ٧٨/٢.
(٣) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١٢٠/١٠.
(٤) انظر: المصدر السابق ١٠ / ١٩٤.
(٥) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٠٢/١٨.
(٦) أدب الدنيا والدين، الماوردي ص ١٦١.
٣٢٦
القرآن الكريم

الصحة
الاعتقاد في المودة، وذلك يختص بالإنسان دون غيره))(١).
الصلة بين الصداقة والصحبة:
الصداقة أخص من الصحبة، فهي تختص بالإنسان دون غيره، فکل صدیق صاحب،
وليس كل صاحب صديقًا.
الأخوة:
٣
الأخوة لغة:
الأخ: ((المشارك آخر في الولادة من الطرفين، أو من أحدهما أو من الرضاع. ويستعار في
كل مشارك لغيره في القبيلة، أو في الدين، أو في صنعة، أو في معاملة أو في مودة، وفي غير
ذلك من المناسبات)) (٢).
وأكثر ما يستعمل الإخوان في الأصدقاء، والإخوةُ في الولادة (٣).
الأخوة اصطلاحًا:
لا يختلف معناها الاصطلاحي عن المعنى اللغوي، الذي يشمل أخوة النسب والصداقة
والمشاركة في قبيلة أو دين أو صنعة وغير ذلك.
الصلة بين الأخوة والصحبة:
كل واحد منهما أخص من الآخر من جهة وأعم من جهة أخرى، فهناك أخ ليس بصاحب،
وهناك صاحب ليس بأخ، وإذا قابلت بينهما فالأخ أعلى (٤).
القرين:
٤
القرين لغة:
القرين: المقارن والمصاحب، والزوج، والبعير المقرون بآخر، والأسير، والجمع:
قرناء(٥)، والقرين يكون في الخير والشر، وكل إنسان معه قرين، فقرينه من الملائكة يأمره
بالخير ويحثه عليه، وقرينه من الشياطين يأمره بالشر ويحثه عليه(٦).
(١) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ٢١٣.
(٢) المفردات ص ٦٨.
(٣) الصحاح، الجوهري ٦/ ٢٢٦٤.
(٤) انظر: معجم المناهي اللفظية، بكر أبو زيد ص ٥٦.
(٥) المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٧٣١/٢.
(٦) النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الجزري ٤/ ٥٤.
www. modoee.com
٣٢٧

حرف الصاد
القرين اصطلاحًا:
لا يختلف معناه الاصطلاحي عن المعنى اللغوي.
الصلة بين القرين والصحبة:
الصحبة تفيد انتفاع أحد الصاحبين بالآخر غالبًا، ولهذا يستعمل في الآدميين خاصةً،
فيقال: (صحب زيد عمرًا)، و(صحبه عمرو)، ولا يقال: (صحب النجم النجم)، أو (الكون
الكون) والمقارنة: تفيد قيام أحد القرينين مع الآخر، ويجري على طريقته وإن لم ينفعه، ومن
ثم قيل: (قران النجوم)، وقيل للبعيرين يشد أحدهما إلى الآخر بحبل: (قرينان)(١).
العشرة:
٥
العشرة لغة:
العِشرة: اسم من المعاشرة وهي المخالطة (٢)، والعشير: الصاحب والزوج (٣)، والعرب
تسمى الزوج: عشيرًا؛ لأجل المخالطة (٤)، والعشيرة: أهل الرجل الذين يتكثر بهم(٥).
الرفقة اصطلاحًا:
لا يختلف معنى العشرة اصطلاحًا عن معناها اللغوي.
الصلة بين العشرة والصحبة:
العشرة ترادف مفهوم الصحبة، فكلاهما يدل على المعاشرة والمخالطة، إلا إن العشرة
تعتبر من معاني الصحبة، فلفظ الصحبة إذن أعم من لفظ العشرة، فكل صحبة عشرة، ولیس
كل عشرة صحبة.
(١) الفروق اللغوية، العسكري ص ٣٠٨.
(٢) انظر: الصحاح، الجوهري ٢/ ٧٤٧، التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ٢٤٢.
(٣) مجمل اللغة، ابن فارس ص ٦٧٠.
(٤) تفسير القرآن، السمعاني ٤٢٦/٣.
(٥) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٥٦٧.
٣٢٨
جَوْبُور
القرآن الكريمِ

الصحة
أنواع الصحبة في القرآن
حث الله تعالى في محكم التنزيل على
ملازمة أهل الصلاح والإيمان، ونهى عن
ملازمة أهل الغفلة والضلال، حيث قال
جل وعلا: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ
رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِّ يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ، وَلَا تَعْدُ
عَيْنَكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَّا وَلَا نُطِعْ
مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ، عَن ذِكْرِنَا وَأَتَّبَعَ هَوَنُهُ وَكَانَ أَمْرُهُ.
قُوطًا )﴾ [الكهف: ٢٨].
وفي هذا المبحث سوف نذكر نوعين من
الصحبة في کتاب الله عز وجل.
أولًا: الصحبة الصالحة:
أشار القرآن الكريم لهذا النوع من
الصحبة، وسوف نذكر منها ما يأتي:
١. صحبة موسى عليه السلام
للخضر.
ذكر الله تعالى رحلة موسى عليه السلام
وملازمته للخضر في محكم التنزيل، ولم
يذكر أسباب تلك الرحلة، إلا أن السنة
النبوية أو ضحت أن سبب الرحلة كان عتاب
الله سبحانه وتعالى لنبيه موسى عليه السلام
عندما سئل هل في الأرض أحد أعلم منك؟
قال:لا، فعتب الله علیه إذ لم يرد العلم إلیه،
فأوحى الله إليه: أن عبدًا من عبادي بمجمع
البحرین هو أعلم منك الخ (١).
والتقى موسى عليه السلام بالخضر في
ذلك المكان بعد رحلة طويلة وشاقة، فكان
ما قص الله من نبأهما في محكم التنزيل.
قال تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَّا
ءَانَيْنَهُ رَحْمَةٌ مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا
قَالَ لَهُ, مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا
٦٥
عُلِّمْتَ رُشِدًا ﴾ [الكهف: ٦٥-٦٦].
إلى قوله جل وعلا: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَالَمْ
تَسْطِعِ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٨٢].
وسوف نذكر بعضًا من الفوائد والعبر من
صحبة موسى عليه السلام للخضر، منها:
أن ما فعله موسی علیه السلام، وهو من
جلة الأنبياء من طلب العلم، والرحلة
في ذلك، ما يدل على أنه لا ينبغي لأحد
أن يترك طلب العلم، وأن يتواضع لمن
هو أعلم منه (٢).
كان سؤال موسى عليه السلام
للخضر في قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ
عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشِدًا لَ
٦٦
[الكهف: ٦٦].
سؤال الملاطف، والمخاطب
المستنزل المبالغ في حسن الأدب (٣)،
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم،
باب ما يستحب للعالم إذا سئل: أي الناس
أعلم؟ فيكل العلم إلى الله، رقم ١٢٢.
(٢) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٣٠١/٣.
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
www. modoee.com
٣٢٩

حفالصاد
وهذا بلا ريب تعليم لآداب الصحبة غار في الجبل، فرارًا بدينهم من أقوامهم،
الذین كانوا يعبدون الأصنام، وحدثت لهم
أنها تكون باتفاق النفوس، وتلاقي
القلوب، والاستفهام لبيان إرادة الإتباع
في أبلغ أدب (١).
بهذا الغار الأعاجيب، وقد ذكر الله قصتهم
باختصار في قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ
أَصْحَبَ اَلْكَهْفِ وَالرَّقِ كَانُواْ مِنْ ءَايَتِنَا ◌َبًا
إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُواْ رَبَّنَآَ
ءَائِنَا مِن لَّدُنَكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا
فَضَرَيْنَا عَلَى ءَاذَانِهِمْ فِ اَلْكَهْفِ
١٠
* ثُمَّ بَعَثْنَهُمْ لِنَعْلَوَ أَىُّ اَلِبَيْنِ
سِنِينَ عَدَدًا
أَحْصَى لِمَا لَبِئُواْ أَمَدًا ﴾ [الكهف: ٩-١٢].
ثم بدأ بتفصيلها بعد هذا الإجمال في
أربع عشرة آية بعد ذلك.
أن العلم الذي يعلمه الله للعبد نوعان:
علم مكتسب، يدركه العبد بطلبه
وجده، وعلم إلهي لدني، يهبه الله لمن
يمن عليه من عباده، لقوله: ﴿وَعَلَّمْنَهُ
مِنْ لَّدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥]. فالخضر
أعطي من هذا النوع الحظ الأوفر(٢).
في قوله تعالى على لسان الخضر
لموسى عليه السلام: ﴿سَأَنِبِتُكَ بِتَأْوِيلِ
مَا لَمْ تَسْتَطِعِ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٨].
ينبغي للعبد أن يفارق صاحبه في حال
من الأحوال ويترك صحبته، بل يفي
له بذلك حتی لا یجد للصبر محلّاً،
وأن موافقة الصاحب لصاحبه في غير
الأمور المحذورة مدعاة وسبب لبقاء
الصحبة وتأكدها، كما أن عدم الموافقة
سبب لقطع المرافقة (٤).
قال السعدي عنهم: ((هم فتية وفقهم الله،
قالوا: إن هذا من أدب الصحبة(٣)، فلا وألهمهم الإيمان، وعرفوا ربهم، وأنكروا
ما عليه قومهم، من عبادة الأوثان، وقاموا
بين أظهرهم معلنين فيما بينهم عقيدتهم،
خائفين من سطوة قومهم فقالوا: ﴿رَبُّنَا رَبُّ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُواْ مِن دُونِهِ: إِلَهَا لَّقَدْ
قُلْنَاَ إِذَا شَطَطًا﴾ [الكهف: ١٤].
٢. صحبة أهل الكهف.
وهم مجموعة من الشباب، لجؤوا إلى
٠١٧/١١
(١) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ٩/ ٤٥٥٩.
(٢) تيسير اللطيف المنان، السعدي ص٢٥٦.
(٣) انظر: تفسير الشعراوي ١٤ / ٨٩٦٦.
(٤) انظر: تيسير اللطيف المنان، السعدي ص٢٥٩
فلما اتفقوا على هذا الأمر، وعرفوا أنهم
لا يمكنهم إظهار ذلك لقومهم سألوا الله أن
يسهل أمرهم فقالوا: ﴿رَبَّنَاَ ءَائِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً
وَهَيْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَسَدًا﴾ [الكهف: ١٠].
فأووا إلى غار يسره الله غاية التيسير،
واسع الفجوة فناموا في كهفهم بحفظ الله
ورعايته ثلاثمائة سنة وازدادوا تسعا)»(٥).
(٥) المصدر السابق ص ٢٨٧.
جَوْسُورَةُ النَّفي
القرآن الكريمِ
٣٣٠

الصحة
فهؤلاء فتية ضحوا في سبيل عقيدتهم
وفروا بدينهم من سعة الحياة إلى ضيق
الكهف؛ ليكونوا مثلًا لكل أهل عقيدة،
ودليلًا على أن الله تعالى ينصر أهله ويدافع
عنهم ويخلد ذكراهم إلى قيام الساعة(١).
وقد ذكر السعدي فوائد وعبر من هذه
القصة منها:
أن من أوى إلى الله أواه الله، ولطف
به، وجعله سببًا لهداية الضالين؛ فإن
الله لطف بهم في هذه النومة الطويلة
إبقاء على إيمانهم وأبدانهم من فتنة
قومهم وقتلهم، وجعل هذه النومة من
آياته التي يستدل بها على كمال قدرة
الله، وتنوع إحسانه، وليعلم العباد أن
وعد الله حق.
: الحث والتحرز والاستخفاء، والبعد
عن مواقع الفتن في الدين، واستعمال
الكتمان الذي يدرأ عن الإنسان
الشر (٢).
· أن الملازم لأهل الفضل لا بد أن يناله
شيء من ذكر جميل وشأن عظيم (٣)،
فقد نال كلبهم ذلك الذكر والشأن في
صحبتهم، قال تعالى: ﴿وَكَلْمُهُم بَسِطٌ
(١) انظر: تفسير الشعراوي ١٤ / ٨٨٦٥.
(٢) تيسير اللطيف المنان، السعدي ص٢٨٨-
٢٨٩.
(٣) انظر: غاية المنوة في آداب الصحبة وحقوق
الأخوة، حازم خنفر ص ٢٥.
[الكهف: ١٨]. قال
ذِرَاعَيْهِ بِالوَصِيدِ
ابن كثير: ((وشملت كلبهم بركتهم،
فأصابه ما أصابهم من النوم على تلك
الحال، وهذا فائدة صحبة الأخيار؛ فإنه
صار لهذا الكلب ذكر وخبر وشأن)»(٤)،
وهذا الذکر والشأن قد خلص إلی کلب
لازم أهل الفضل، فما بال من لازمهم
واقتدى بصلاحهم؟!(٥).
٣. صحبة أبي بكر الصديق لنبينا
محمد صلی الله علیه وسلم.
صحب أبو بكر الصديق رضي الله عنه
نبينا محمد صلى الله عليه وسلم منذ إسلامه
إلى وفاته، ولم يفارقه أبدًا، وشارك معه في
غزواته، وبذل نفسه وماله في سبيل الدعوة
إلی الله تعالی، وهاجر مع نبينا محمد صلى
الله عليه وسلم إلى المدينة، ولم يتركه أبدًا
طيلة حياته، ونال بذلك شرف الصحبة معه
في الغار، حيث قال جل وعلا في محكم
التنزيل: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَحِبِهِ، لَا تَحْزَنْ
إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠].
قال السعدي: ((وفي هذه الآية الكريمة
فضيلة أبي بكر الصديق بخصيصة لم
تكن لغيره من هذه الأمة، وهي الفوز بهذه
المنقبة الجليلة، والصحبة الجميلة، وقد
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٤٤/٥.
(٥) انظر: غاية المنوة في آداب الصحبة وحقوق
الأخوة، حازم خنفر ص ٢٥.
www. modoee.com
٣٣١

حرف الصاد
أجمع المسلمون على أنه هو المراد بهذه الفتيان ولزماه))(٢).
الآية الكريمة، ولهذا عدوا من أنكر صحبة
أبي بكر للنبي صلی الله علیه وسلم كافرًا،
لأنه منكر للقرآن الذي صرح بها وفيها:
أن الحزن قد يعرض لخواص عباد الله
الصديقين، مع أن الأولى- إذا نزل بالعبد-
أن يسعى في ذهابه عنه، فإنه مضعف للقلب،
موهن للعزيمة»(١).
٤. صحبة يوسف عليه السلام
للفتيين في السجن.
دخل يوسف عليه السلام السجن، وكان
في جملة من دخل معه فتيان، فلما رأيا من
فضله وإحسانه في السجن طلبا منه تأويل
رؤياهما.
قال تعالى: ﴿ وَدَخَلَ مَعَهُ اُلِّجْنَ فَتَيَانِ
قَالَ أَحَدُهُمَا إِّ أَرَبِيّ أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآَخَرُّ
إِّ أَرَبِىّ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِ خُبْزًا تَأْكُلُ اَلَّيْرُ مِنَّةٌ
فَِّثْنَا بِتَأْوِيلِ: إِنَّا نَرَئِكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ {
[يوسف: ٣٦].
قال أبو حيان: ((ومع تدل على الصحبة
واستحداثها، فدل على أنهم سجنوا الثلاثة
في ساعة واحدة، ولما دخل يوسف السجن
استمال الناس بحسن حديثه وفضله ونبله،
وكان يسلي حزينهم، ويعود مريضهم،
ويسأل لفقيرهم، ويندبهم إلى الخير، فأحبه
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٣٣٨.
وتوسما من يوسف عليه السلام كمال
العقل والفهم فظنا أنه يحسن تعبير الرؤيا،
ولذلك قالا: ﴿إِنَّا نَرَئِكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾(٣).
فانتهز الفرصة ودعاهما إلى عبادة الله
تعالى وحده، وترك ما سواه من عبادة الأصنام
قبل تأويل رؤياهما، وهذه طبيعة المؤمن أن
يكون حريصًا على دعوة وهداية الآخرين
إلى الخير والصلاح، وقدم قبل الدعوة ما
یکون معجزة له من الإخبار بالغيب ليدلهما
على صدقه في الدعوة والتعبير.
قال تعالى: ﴿قَالَ لَا يَأْتِيَكُمَا طَعَامٌ تُزَقَانِ:
إِلَّا بَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ، قَبْلَ أَن يَأْتِيَّكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا
عَلَّمَنِى رَبٍِ﴾ [يوسف: ٣٧](٤).
فناداهما باسم الصحبة في المكان
الشاق الذي تخلص فيه المودة وتتمخض
فيه النصيحة؛ ليقبلا عليه ويقبلا مقالته، وقد
ضرب لهما مثلًا يتضح به الحق عندهما حق
اتضاحِ.
قال تعالى: ﴿يَصَحِ السِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ
مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اَللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ مَا
تَعْبُدُونَ مِن دُونِ إِلَّ أَسْمَآءُ سَمَّيْتُمُوهَا
أَنْتُمْ وَءَابَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ
إِنِ الْحُكْمُ إِلََّّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوْاْ إِلَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ
الدِّينُ الْقَبِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
(٢) البحر المحيط، أبو حيان ٦/ ٢٧٥.
(٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٦٩/١٢.
(٤) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ١٦٣/٣.
٣٣٢
القرآن الكريمِ

الصحة
(٥) [يوسف: ٣٩ - ٤٠](١).
فأورد الدليل على بطلان ملة قومهما
بقوله: ﴿وَأَرْبَابٌ﴾ فأبرز ذلك في صورة
الاستفهام حتى لا تنفر طباعهما من
المفاجأة بالدليل من غير استفهام، وهكذا
الوجه في محاجة الجاهل أن يؤخذ بدرجة
يسيرة من الاحتجاج يقبلها، فإذا قبلها لزمته
عنها درجة أخرى فوقها، ثم كذلك إلى أن
يصل إلى الإذعان بالحق (٢).
فيوسف عليه السلام دعا صاحبي
السجن لعبادة الله وحده، وإخلاص الدین
له، فيحتمل أنهما استجابا وانقادا، فتمت
عليهما النعمة، ويحتمل أنهما لم يزالا على
شرکهما، فقامت عليهما -بذلك- الحجة،
ولعل يوسف عليه الصلاة والسلام قصد أن
يدعوهما إلى الإيمان في هذه الحال التي
بدت حاجتهما إليه، ليكون أنجع لدعوته،
وأقبل لهما (٣)، وجعل سؤالهما له على
وجه التعظيم والاحترام وصلة وسببًا إلى
دعائهما إلى التوحيد والإسلام، لما رأى
في سجیتھما من قبول الخير والإقبال علیه،
والإنصات إليه (٤)
(١) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٢٧٨/٦،
إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٤ /٢٧٨.
(٢) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٢٧٨/٦.
(٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٣٩٨.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤ /٣٩٠.
٥. صحبة الأخيار المداومين على
عبادة الله تعالى.
حث الله تعالى على ملازمة الأخيار
من عباده، المداومین علی ذکره، حیث قال
جل وعلا: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ
رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْمَشِ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ﴾
[الكهف: ٢٨].
يقول السعدي في تفسير هذه الآية: ((یأمر
تعالی نبیه محمدًا صلی الله عليه وسلم،
وغيره أسوته، في الأوامر والنواهي أن يصبر
نفسه مع المؤمنين العباد المنيبين ﴿الَّذِينَ
يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِِّ﴾ أي: أول
النهار وآخره يريدون بذلك وجه الله،
فوصفهم بالعبادة والإخلاص فيها، ففيها
الأمر بصحبة الأخيار، ومجاهدة النفس على
صحبتهم، ومخالطتهم وإن كانوا فقراء فإن
في صحبتهم من الفوائد ما لا يحصى)) (٥).
والتعبير عنهم بالموصول للإيماء إلى
تعليل الأمر بملازمتهم، أي لأنهم أحرياء
بذلك؛ لأجل إقبالهم على الله فهم الأجدر
ـة (٦).
بالمقارنة والمصاحبة
.
فينبغي للرجل أن ينظر في شيخه وقدوته
ومتبوعه، فإن وجده ممن غلب عليه ذكر
الله تعالى عز وجل، واتباع السنة، وأمره
غير مفروط عليه بل هو حازم في أمره
(٥) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٧٥.
(٦) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٥/ ٣٠٥.
www. modoee.com
٣٣٣

حف الصاد
فليستمسك بغرزه(١).
٦. صحبة الوالدين.
أعظم صحبة للإنسان هي صحبة
الوالدين، وهي صحبة صالحة يرضي بها
الإنسان ربه، ويسعد بها في دنياه، ويرجو بها
حسن الثواب في الآخرة، وقد أمر الله تعالى
ببر الوالدين والإحسان إليهما، وقرن طاعته
بطاعتهما بعده مباشرة.
قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلََّّ تَعْبُدُواْ إِلَّ
إِيَّاهُ وَ بِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا﴾ [الإسراء: ٢٣].
ومفهوم الإحسان إلى الوالدين كما
ذكر القرطبي: ((معاشرتهما بالمعروف،
والتواضع لهما، وامتثال أمرهما، والدعاء
بالمغفرة بعد مماتهما، وصلة أهل ودهما(٢)،
وبرهما وحفظهما وصيانتهما، وإزالة الرق
عنهما، وترك السلطنة عليهما))(٣).
والأمر بالإحسان يتضمن النهي عن
الإساءة، إذ هو نهي عن الإساءة، وأمر
بفضل العاطفة والمواساة والقرب، وإحسان
الصحية (٤).
وفي الآية دليل واضح على عظم
صحبة الوالدين بالإحسان إليهما، فقد أتى
بعد حق الله جل وعلا الذي هو من أعلى
(١) الوابل الصيب، ابن القيم ص ٤١ بتصرف
واختصار.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٣/٢.
(٣) المصدر السابق ١٣٢/٧.
(٤) زهرة التفاسير، أبو زهرة ٢٧٢٩/٥.
جوبي
القرآن الكريم
الحقوق وأعظمها، قال ابن كثير: ((وهذا
هو أعلى الحقوق وأعظمها، وهو حق
الله تعالی، أن یعبد وحده لا شريك له، ثم
بعده حق المخلوقين، وآكدهم وأولاهم
بذلك حق الوالدين، ولهذا يقرن الله تعالى
بين حقه وحق الوالدين، كما قال تعالى:
﴿أَنِ اشْكُرْ لِ وَلِوَ لَِيْكَ إِلَىَّ الْمَصِيرُ﴾
[لقمان: ١٤].
وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّآ
إِيَّاهُ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا﴾ [الإسراء: ٢٣]))(٥) .
ومما يدل كذلك على عظم صحبة
الوالدين، وأنها من آكد حقوق المخلوقين،
ما جاء في الحديث الصحيح، فعن أبي هريرة
رضي الله عنه قال: (جاء رجل إلى رسول
الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول
الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال:
(أمك) قال: ثم من؟ قال: (ثم أمك) قال: ثم
من؟ قال: (ثم أمك) قال: ثم من؟ قال: (ثم
أبوك)(٦).
بل إن الله تعالى أمر بصحبتهما وإن كانا
كافرين، ولكن بما يرتضيه الشرع.
قال تعالى: ﴿وَإِن جَهَدَالَكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ
◌ِ مَا لَيْسَ لَّكَ بِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَاً وَصَاحِبْهُمَا
فِ الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥].
(٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣١٦/١.
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب،
باب من أحق الناس بحسن الصحبة، رقم
٥٩٧١.
٣٣٤

الصحة
قال المراغي: ((أي وصاحبهما في أمور
الدنيا صحبة يرتضيها الدين، ويقتضيها
الكرم والمروءة، بإطعامهما وكسوتهما،
وعدم جفائهما وعيادتهما إذا مرضا،
ومواراتهما في القبر إذا ماتا))(١).
وذكر ﴿فِي الدُّنْيَا﴾؛ لتهوين أمر الصحبة،
والإشارة إلى أنها في أيام قلائل وشيكة
الانقضاء فلا يضر تحمل مشقتها؛ لقلة أيامها
وسرعة انصرامها (٢).
وفي الآية دليل على صلة الأبوين وعدولهم عن فعل الطاعة على وجهها، بأن
الکافرین بما أمکن من المال إن کانا فقیرین،
وإلانة القول، والدعاء إلى الإسلام برفق(٣).
ثانيًا: الصحبة السيئة:
وقد أشار القرآن الكريم إلى نماذج،
منها:
١. صحبة الشيطان.
ذم الله تعالى صحبة الشيطان باتباع
خطواته ووسواسه وتزيينه للشر، حيث قال
جل وعلا: ﴿وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَّهُ قَرِينًا فَسَآءُ
قَرِينًا﴾ [النساء: ٣٨].
والقرين: المقارن، أي الصاحب
والخليل، وهو فعيل من الإقران(٤).
(١) تفسير المراغي ٢١/ ٨٣.
(٢) روح المعاني، الألوسي ٨٦/١١.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٤/ ٦٥.
(٤) المصدر السابق ١٩٤/٥.
قال طرفة بن العبد(٥):
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه
فكل قرين بالمقارن يقتدي
وفي معنى الآية يقول الخازن: ((من يكن
الشيطان صاحبه وخليله فبئس الصاحب
وبئس الخليل الشيطان، وإنما اتصل الكلام
هنا بذكر الشيطان تقريعًا لهم على طاعة
الشيطان))(٦).
فهو الذي حملهم على صنيعهم القبيح،
سول لهم وأملى لهم، وقارنهم فحسن لهم
القبائح(٧).
وفي الآية إيماء إلى تأثير قرناء المرء في
سيرته، وأن الواجب اختيار القرين الصالح
على قرين السوء(٨).
٢. صحبة أهل الدنيا المنهمكون في
ملذاتها الغافلون عن ذکره جل وعلا.
أمر الله تعالى رسوله الكريم بملازمة
المؤمنين الصادقين، وحذر من الانصراف
عنهم إلى صحبة أهل الدنيا المنشغلون بها
الغافلون عن ذکره، ونهاه عن طاعتهم.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ ثُرِيدُ
زِينَةَ الْحَيَوْةِ الدُّنْيًّا وَلَا نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبُهُ.
عَن ذِكْرِنَا وَأَتَّبَعَ هَوَنُ وَكَانَ أَمْرُهُ، فُرُطًا
٢٨
(٥) انظر: ديوان طرفة بن العبد ص ٣٢.
(٦) لباب التأويل، الخازن ٣٧٥/١.
(٧) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٣٠٣.
(٨) تفسير المراغي ٤٠/٥.
www. modoee.com
٣٣٥

حرف الصاد
[الكهف: ٢٨].
قال الخازن في تفسير هذه الآية:
((﴿وَلَا تَعْدُ﴾ أي: لا تصرف ولا تجاوز
وَعَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ إلى غيرهم ﴿ُرِيدُ زِينَةَ
الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا﴾ أي: تطلب مجالسة الأغنياء
والأشراف وصحبة أهل الدنيا ﴿وَلَا نُطِعْ مَنْ
أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا﴾ أي: جعلنا قلبه غافلًا
عن ذكرنا ﴿وَأَنَّبَعَ هَوَئُهُ ﴾ أي: في طلب
الشهوات ﴿وَكَانَ امْرُهُ,فُرُطًا ﴾ ضياعًا ضيع
أمره وعطل أيامه))(١).
والآية الكريمة تسوق للناس توجيهًا
حكيمًا في بيان القيم الحقيقية للناس،
وهي أنها تتمثل في الإيمان والتقوى، لا في
الغنى والجاه (٢)، وأن الشرف بحلية النفس
لا بزينة الجسد وزخرف الحياة من اللباس
والطعام(٣).
وقد أمر الله تعالى في موضع آخر
بالإعراض عن المتولى عن ذكره، القاصر
نظره على الحياة الدنيا، حيث قال جل
وعلا: ﴿فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَّنَ عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا
الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا ﴾ [النجم: ٢٩].
قال أبو حيان في هذه الآية: ((فأمر صلى
الله عليه وسلم بالإعراض عن من هذه
حاله، ثم ذكر سبب التولي عن الذكر، وهو
حصر إرادته في الحياة الدنيا؛ فالتولي عن
(١) لباب التأويل، الخازن ١٦٣/٣.
(٢) التفسير الوسيط، طنطاوي ٥٠٩/٨.
(٣) انظر: تفسير المراغي ١٤٣/١٥.
الذكر سبب للإعراض عنهم، وإيثار الدنيا
سبب التولي عن الذكر، وذلك إشارة إلى
تعلقهم بالدنیا وتحصیلھا»(٤).
وفي الآية تحذير من مخالطة الغافلين
والصحبة لهم، فإن صحبتهم سم قاتل،
والجلوس معهم تضييع وبطالة، إلا أن
يستولي نور من يصحبهم على ظلمتهم،
فيجرهم إلى الله، فهذا جلوسه معهم
كمال(٥) .
(٤) البحر المحيط، أبو حيان ١٩/١٠.
(٥) انظر: البحر المديد، ابن عجيبة ٥٠٩/٥.
٣٣٦
جَوَسُولَةُ النَّفْسَ
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ

الصحة
أسباب الصحبة
إن الإنسان اجتماعي بطبعه، میال إلى
الاجتماع بالناس والاستئناس بهم، فعندما
يتخذ صاحبًا له لا بد أن يكون هناك رابطٌ
بينهما هو الذي أدى إلى اجتماعهما
وصحبتهما، فالإنسان إنما يجالس ويخالط
من هو في جنسه الذي يتفق مع ميوله
وأفكاره، فإذا ما حصل الاتفاق لا بد أن يؤثر
أحد في الآخر، فالمخالطة والصحبة إذًا لا
تخلو من رابط، وهو ما يسمى بالسبب أو
الدافع الذي أدى إلى تلك الصحبة، فلو لم
یکن هناك سبب أو دافع بينهما، لما استأنس
کل منهما بصاحبه.
وسوف نذكر في هذا المبحث أسباب
الصحبة، وهي علی وجھین(١):
أولًا: ما كان اضطراريًا:
وهي أسباب مكتسبة من غير قصد
واختيار بسبب المماثلة والاتفاق بين
الصاحبين في أمور شتى (٢)، كصحبة يوسف
عليه السلام للفتيين في السجن، فقد كانت
من غير قصد واختيار، وسببها المماثلة
أو الموافقة في الأحوال، قال ابن عاشور
في قوله تعالى: ﴿يَصَحِ السِّجْنِ ءَ أَرْبَابٌ
(١) انظر: أدب الدنيا والدين، الماوردي ص
١٦١.
(٢) انظر: غاية المنوة في آداب الصحبة وحقوق
الأخوة، حازم خنفر ص ٣١.
مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ
[يوسف: ٣٩].
((وعبر عنهما بوصف الصحبة في
السجن دون اسميهما إما لجهل اسميهما
عنده إذ كانا قد دخلا السجن معه في تلك
الساعة قبل أن تطول المعاشرة بينهما وبينه،
وإما للإيذان بما حدث من الصلة بينهما
وهي صلة المماثلة في الضراء الإلف في
الوحشة، فإن الموافقة في الأحوال صلة
تقوم مقام صلة القرابة أو تفوقها))(٣).
ثانيًا: ما كان عن قصد واختيار:
وهي أسباب مكتسبة بقصد ونية بسبب
الرغبة والحاجة (٤)، كصحبة موسى عليه
السلام العبد الصالح ورغبته في التزود
من العلم الذي وهبه الله إياه، قال تعالى:
﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشِدًا ﴾
[الكهف: ٦٦].
قال الشعراوي: «ورغم أن موسی رسول
من عند الله إلا أنه لم يتأب على أن عبدًا من
عباد الله تقرب إلى الله فاتبعه موسى ليقول
له: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ
رُشْدًا﴾، وفي هذا تأكيد على رغبة موسى أن
یستزيد بالعلم ممن أعطاه الله العلم، وجاء
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٧٤/١٢.
(٤) انظر: غاية المنوة في آداب الصحبة وحقوق
الأخوة، حازم خنفر ص ٣٢.
www. modoee.com
٣٣٧

حف الصاد
القرآن بهذه القصة ليعلمنا أدب التعلم))(١).
وكحاجته كذلك لأخيه هارون عليه
السلام في صحبته لتبلیغ دینه جل وعلا،
قال تعالى: ﴿وَأَخِى مَرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِى
◌ِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِىَ رِدْءًا يُصَدِّقُتِيِّ إِنَّ أَخَافُ أَن
يُكَذِبُونِ ﴾ [القصص: ٣٤].
قال ابن کثیر: «أي: وزیرًا ومعينًا ومقويًا
لأمري، یصدقني فیما أقوله وأخبر به عن الله
عز وجل؛ لأن خبر اثنين أنجع في النفوس
من خبر واحد؛ ولهذا قال: ﴿إِنّ أَخَافُ أَنْ
يُگنِبُونِ)))(٢).
فوهب الله تعالى لموسى أخاه هارون
عليهما السلام رحمةً بموسى؛ لأن هارون
كان معينًا لأخيه ومساندًا له في مسألة
الدعوة، وهذه لم تحدث مع نبي آخر أن
يجعل الله له معينًا في حمل هذه المهمة (٣).
قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَئِنَا أَخَاهُ هَرُونَ
بَيََّ ﴾ [مريم: ٥٣].
ولهذا قال بعض السلف: ليس أحد أعظم
منة على أخيه، من موسى على هارون،
عليهما السلام، فإنه شفع فیه حتى جعله الله
نبيًا ورسولًا معه إلى فرعون وملئه، ولهذا
قال تعالى في حق موسى عليه السلام:
﴿وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩](٤).
(١) تفسير الشعراوي ٤٤٥٨/٧.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٣٦/٦.
(٣) المصدر السابق.
(٤) انظر: تفسير الشعراوي ١٥/ ٩١٢١.
وفي سؤاله من ربه يقول القرطبي في
قوله تعالى: ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِى وَلَا يَنْطَلِقُ
لِسَانِ فَرْسِلْ إِلَى هَرُونَ ﴾ [الشعراء: ١٣].
((وكأن موسى أذن له في هذا السؤال، ولم
يكن ذلك استعفاء من الرسالة، بل طلب من
يعينه، ففي هذا دليل على أن من لا يستقل
بأمر، ويخاف من نفسه تقصیرًا، أن يأخذ من
یستعین به علیه، ولا يلحقه في ذلك لوم»(٥).
(٥) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٣/ ٩٢.
٣٣٨
جوية
القرآن الكريم

الصحة
حقوق الصحبة
اعلم أن لقوام الصحبة حقوقًا، فبقدر
تأديتها أو الإخلال بها تدوم تلك الصحبة أو
تنخرم، فعلى المؤمن أن يحفظ لصاحبه حق
صحبته وحسن عشرته، فلا خير في صحبة
من لا يرى لك من الحق مثل ما ترى له،
وسوف يكون حديثنا في هذا المبحث عن
حقوق الصحبة، ومن تلك الحقوق ما يأتي:
أولًا: الإحسان للصاحب:
أمر الله جل وعلا بالقيام بحقوق العباد
الأقرب فالأقرب، ومن تلك الحقوق حق
الصاحب وذلك بالإحسان إليه.
قال تعالى: ﴿وَأَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ
بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا وَبِذِى الْقُرْبَ
وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَ
وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنَّبِ وَأَبْنِ
السَّبِيلِ﴾ [النساء: ٣٦].
النيسابوري: ((﴿وَالصَّاحِبِ
قال
بِالْجَتْبِ﴾ وهو الذي حصل بجنبك إما
رفيقًا في سفر، وإما جارًا ملاصقًا، وإما
شريكًا في تعلم أو حرفة، وإما قاعدًا إلى
جنبك في مجلس، أو في مسجد أو غير ذلك
من أدنى صحبة اتفقت بينك وبينه، فعليك
أن تراعي ذلك الحق ولا تنساه وتجعله
ذريعة إلى الإحسان، وقيل: الصاحب
بالجنب المرأة؛ فإنها تكون معك وتضطجع
إلى جنبك))(١).
وأما السعدي فيقول في تفسير هذه الآية:
((﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنَّبِ﴾ قيل: الرفيق
في السفر، وقيل: الزوجة، وقيل الصاحب
مطلقًا، ولعله أولى، فإنه يشمل الصاحب في
الحضر والسفر ويشمل الزوجة»(٢).
ومن الإحسان إلى الصاحب الذي يكون
بجنبك، ألا تؤذیہ بمنظر کریہ أو ریح کریھة،
وأن تحافظ على الحياء في مجلسك، فلا
تجعل نعلك يحف بثيابه أو بحيث يؤذيه،
وأن تعاونه إن کان محتاجًا إلى معاونتك.
ثانيًا: النصح والإرشاد:
فمن حقوق الصحبة نصح الصديق
لصديقه بإرشاده للحق، كما فعل يوسف
عليه السلام مع صاحبي السجن حين
دعاهما إلى عبادة الله تعالى وحده، وترك ما
سواه من عبادة الأصنام.
قال تعالى: ﴿يَصَحِ السِّجْنِ ءَ أَرْبَابٌ
مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَحِدُ الْقَهَّارُ مَا
تَعْبُّدُونَ مِن دُونِ إِلَّ أَسْمَآءُ سَمَّيْتُمُوهَا
أَنْتُمْ وَءَابَآؤُكُم مَّ أَنَزَلَ اَللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ
إِنِ الْحُكْمُ إِلََّّ لِلَّهِّ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوْاْ إِلَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ
الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
٥)﴾ [يوسف: ٣٩ - ٤٠].
فناداهما باسم الصحبة في المكان
(١) غرائب القرآن، النيسابوري ٢/ ٤١٢.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٧٨.
www. modoee.com
٣٣٩

حرف الصاد
الشاق الذي تخلص فيه المودة وتتمخض
فيه النصيحة؛ ليقبلا عليه ويقبلا مقالته، وقد
ضرب لهما مثلًا يتضح به الحق عندهما حق
اتضاح، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَصَحِ
السِّجْنِ ءَ أَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ
اَلْقَهَّارُ﴾، وقد تحدثنا عن ذلك في صحبة
يوسف عليه السلام للفتيين في السجن
ونكتفي بما ذكرناه(١).
وأما في وصفه للأصنام (بالتفرق)،
ووصف الله تعالى بـ(الوحدة) و(القهر)
تلطف حسن، وأخذ بيسير الحجة قبل
كثيرها الذي ربما نفرت منه طباع الجاهل
وعاندته (٢).
ثالثًا: الإعانة بالنفس والمال في قضاء
الحاجات:
فمن حقوق الصحبة بذل المال والنفس
للصاحب عند حاجته وافتقاره، كما بذل
أبو بكر الصديق رضي الله عنه في صحبته
للنبي صلى الله عليه وسلم نفسه وماله في
سبيل الدعوة إلى الله تعالى، وقد ذكرنا ذلك
في صحبة أبي بكر للنبي صلى الله عليه
وسلم ووقوفه معه في أصعب المواقف
والشدائد(٣).
(١) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ١٦٧٧/٣ -
١٦٧٨.
(٢) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٢٤٥/٣.
(٣) انظر: غاية المنوة في آداب الصحبة وحقوق
الأخوة، حازم خنفر ص ٨٤.
ومنها ملاحقة الكفار لهم وهم في الغار،
حيث أخبر الله جل وعلا عن ذلك الموقف
ونصرته لهم بقول تعالى: ﴿إِلَّا نَصُرُوهُ
فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ
ثَانِى أَثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى الْغَارِ إِذْ يَقُولُ
لِصَحِبِهِ، لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا
فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَدَهُ.
بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ
الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّغْلَى وَكَلِمَةُ
اللَّهِ مِى الْعُلْيَأْ وَاَللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمُ ﴾
[التوبة: ٤٠].
فنال بذلك شرف الصحبة وهو معه في
الغار، بقوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَحِبِهِ، لَا
تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾.
قال الخازن: ((وفي هذا دليل على فضل
أبي بكر الصديق، ومنها أن الله سبحانه
وتعالى نص على صحبة أبي بكر دون غيره
بقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِذیقُولُ لِصاحبِهِ.
لَا تَحْزَنْ﴾.
ومنها: أن الله سبحانه وتعالى كان
ثالثهما ومن كان الله معه دل على فضله
وشرفه على غيره، ومنها إنزال السكينة على
أبي بكر واختصاصه بها دليل على فضله،
والله أعلم)» (٤).
وفي الآية كما ذكر بعض المفسرين عتاب
من الله عز وجل لأهل الأرض جميعًا غير
(٤) لباب التأويل، الخازن ٣٦٥/٢.
٣٤٠
جوببيو
القرآن الكريم

الصحة
أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه(١).
ومما يدل على بذله ما جاء في قوله
تعالى: ﴿وَسَيُجَنَُّهَا الْأَنْقَى الَّذِى يُؤْتِى
مَا لَهُ يَتَزََّى: ﴿ وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تَجْرَىَ )
إِلَّا أَبِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى ن وَسَوْفَ يَرْضَى
[الليل:١٧-٢١].
قال ابن كثير: (وقد ذکر غیر واحد من
المفسرين أن هذه الآيات نزلت في أبي بکر
الصديق، رضي الله عنه، حتى إن بعضهم
حكى الإجماع من المفسرين على ذلك، ولا
شك أنه داخل فيها، وأولى الأمة بعمومها،
فإن لفظها لفظ العموم ولكنه مقدم الأمة
وسابقهم في جميع هذه الأوصاف وسائر
الأوصاف الحميدة؛ فإنه كان صديقًا تقيّا
كريمًا جوادًا بذالًا لأمواله في طاعة مولاه،
ونصرة رسول الله، فكم من دراهم ودنانير
بذلها ابتغاء وجه ربه الکریم»(٢).
ومن باب الفائدة، فقد ذكر ابن الجوزي
ثلاث مراتب في بذل المال للصاحب
وإعانته: أهونها: المساهمة في المال،
وأوسطها المواساة، وأعلاها تقديم الأخ في
المال على النفس (٣).
(١) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٣٤٩/٢، زاد
المسير، ابن الجوزي ٢/ ٢٦٠، فتح البيان،
القنوجي ٣٠٥/٥.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٢٢/٨.
(٣) انظر: التبصرة، ابن الجوزي ٢/ ٢٧٧، غاية
المنوة في آداب الصحبة وحقوق الأخوة،
لحازم خنفر ص ٨٦.
رابعًا: العفو عن زلات وهفوات
الصاحب:
وأما العفو عن الزلات؛ فذلك بأن يقيل
عثرات أخیه، ويعفو عن زلاته، وأن يلتمس
له أعذارًا، وأن لا يعترض على هناته دون
روية؛ فإن ذلك قد يبعث على القطيعة
والهجران (٤).
وقد أرشد الله عز وجل إلى ذلك، حيث
قال جل وعلا في محكم التنزيل: ﴿أَدَفَعْ
بِأَلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَذَ الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةً
٧٠٠٠٠ ٢٠٠
كَنَّهُوَلِىُّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤].
قال أبو الطيب: ((أي ادفع السيئة إذا
جاءتك من المسيء بأحسن ما يمكن
دفعها به من الحسنات، ومنه مقابلة الإساءة
بالإحسان، والذنب بالعفو، والغضب
بالصبر، والإغضاء عن الهفوات، والاحتمال
للمكروهات))(٥).
قال ابن عباس: أمر الله تعالى بالصبر
عند الغضب، والحلم والعفو عند الإساءة،
فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله من الشيطان،
وخضع لهم عدوهم، كأنه ولي حميم (٦).
وفي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ
عَدَوَةٌ كَنَّهُ وَإِىُّ حَمِيرٌ﴾، يقول البغوي:
(يعني إذا فعلت ذلك خضع لك عدوك
(٤) غاية المنوة في آداب الصحبة وحقوق الأخوة،
لحازم خنفر ص ٩١.
(٥) فتح البيان، القنوجي ١٢/ ٢٥٢.
(٦) انظر: جامع البيان، الطبري ٢١/ ٤٧١.
www. modoee.com
٣٤١

حف الصاد
وصار الذي بينك وبينه عداوة، كأنه ولي
حمیم، كالصديق القريب)»(١).
فإذا أساء إليك مسيء من الخلق،
خصوصًا من له حق کبیر علیك، كالأقارب،
والأصحاب، ونحوهم، إساءة بالقول أو
بالفعل، فقابله بالإحسان إليه، فإن قطعك
فصله، وإن ظلمك فاعف عنه، وإن تكلم
فیك غائبًا أو حاضرًا، فلا تقابله، بل اعف
عنه، وعامله بالقول اللين، وإن هجرك وترك
خطابك، فطیب له الكلام، وابذل له السلام،
فإذا قابلت الإساءة بالإحسان، حصل فائدة
عظيمة (٢)
(١) معالم التنزيل، البغوي ٤ / ١٣٤.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٧٤٩.
آثار الصحبة في الدنيا
إن للصحبة أثرًا عميقًا في شخصية المرء
وأخلاقه وسلوكه، والصاحب يكتسب
صفات صاحبه بالتأثر والاقتداء، فالإنسان
اجتماعي بالطبع، ولا بد أن يخالط الناس
ويكون له منهم أخلاء وأصدقاء، فإن كانوا
أصحاب سوء تأثر بهم وبأخلاقهم السيئة،
وإن كانوا أصحاب خير وصلاح تأثر
بأخلاقهم الحميدة، وأعمالهم المرضية لله
عز وجل، وكانوا له عونًا على طاعة المولى
جل علا.
قال عليه الصلاة والسلام: (المرء على
دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل)(٣).
وصدق الشاعر حيث قال (٤):
إذا كنت في قوم فصاحب خيارهم
ولا تصحب الأردى فتردى مع الردى
وسوف يكون حديثنا فى هذا المبحث
عن آثار الصحبة الصالحة والسيئة في الدنيا،
وذلك في النقاط الآتية:
(٣) أخرجه أحمد في مسنده، ٣٩٤/١٣، رقم
٨٠٢٨، وأبو داوود في سننه، كتاب الأدب،
باب من يؤمر أن يجلس، ٢٥٩/٤، رقم
٤٨٣٣، والترمذي في سننه، أبواب الزهد،
٥٨٩/٤، رقم ٢٣٧٨.
قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
وحسنه الألباني في صحيح الجامع، ١/ ٦٦٤،
رقم ٣٥٤٥.
(٤) العقد الفريد، ابن عبد ربه الأندلسي ١٧٩/٢.
٣٤٢
جوسيس
القرآن الكريم