Indexed OCR Text

Pages 21-40

الشرك
فَرُدُّوهُ إِلَى الَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَّوْمِ
الْآَخِرَّ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾ [النساء:
٥٩].
أي: أطيعوا الله تعالى فيما أمركم به،
ونهاکم عنه، وأطيعوا رسوله صلی الله علیه
وسلم، فهو مبلغ عن ربه، وأطيعوا أولي
الأمر من الأمراء والحكام، والعلماء، شرط
أن يكونوا أمناء، لا يخالفون منهج الله تعالی
وسنة رسوله صلی الله عليه وسلم(١).
وبين سبحانه وتعالى أن من أطاع أحدًا
من خلقه، في تحلیل ما حرم الله تعالى، أو
الله ربًا مشرعًا.
قال تعالى: ﴿أَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ
وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِن دُونِ اللَّهِ
وَالْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ وَمَآ أُمِرُوّا إِلَّا
لِيَعْبُدُوَأْ إِلَهَا وَحِدَّالََّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ
سُبْحَنَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾﴾
[التوبة: ٣١].
ففي الآية بيان للشرك في الطاعة، وذلك
بطاعة الأحبار والرهبان، في تغيير شرع الله
تعالى، وهذا من الشرك الأكبر، «فقد سماهم
أربابًا وهم لا یعبدونهم، لکن من حیث تلقوا
الحلال والحرام من جهتهم، وهو أمر لا
يتلقى إلا من جهة الله عز وجل، ونحو هذا
(١) انظر: منهج القرآن الكريم في دعوة المشركين
إلى الإسلام، الزحيلي ١/ ١٢٨.
قال ابن عباس، وحذيفة بن اليمان، وأبو
العالية، وحكى الطبري أن عدي بن حاتم
قال: جئت رسول الله صلی الله عليه وسلم
وفي عنقي صليب ذهب، فقال: يا عدي؛
اطرح هذا الصليب من عنقك، فسمعته يقرأ
﴿أَتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا
مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ فقلت : يا رسول الله ،
و کیف ولم نعبدهم؟ فقال أليس تستحلون
ما أحلوا وتحرمون ما حرموا)، قلت: نعم.
قال:(فذاك)(٢).
قال سليمان بن عبد الله: ((فمن أطاع
تحريم ما أحل الله تعالى، فقد اتخذ من دون مخلوقًا في ذلك فقد عبده، إذ معنى التوحيد،
وشهادة أن لا إله إلا الله يقتضي إفراد الله
بالطاعة، وإفراد الرسول بالمتابعة))(٣).
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ
اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ، لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ
إِلَى أَوْلِيَآيِهِمْ لِيُجَدِ لُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِلَّكُمْ
المَشْركُونَ :
﴾ [الأنعام: ١٢١].
قال ابن كثير: ((أي : حيث عدلتم، عن أمر
الله لکم وشرعه إلی قول غيره، فقدمتم عليه
غيره، فهذا هو الشرك)» (٤).
وفرق أهل العلم بين شرك العبادة،
وشرك الطاعة.
قال تعالى: ﴿فَلَمَآ ءَاتَنُهُمَا صَلِحًا جَعَلَا
(٢) المحرر الوجيز، ابن عطية ٢٥/٣.
(٣) تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد،
ص١١٤.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٩٥/٣.
www. modoee.com
٢٧٣

حرف الشين
لَهُ شُرَّكَآءَ فِيمَآ ءَاتَنُهُمَاً فَتَعَلَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ
أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (
١٩٠
[الأعراف: ١٩٠- ١٩١].
فقد جاء بسند صحيح عن قتادة أنه قال:
«شرکاء في طاعته ولم یکن في عبادته))،
وهذا دليل على التفريق بين الشرك في
الطاعة والشرك في العبادة، فالشرك في
العبادة كفر أكبر مخرج من الملة، أما الشرك
في الطاعة فله درجات يبدأ من المعصية
والمحرم وينتهي بالشرك الأكبر (١).
٢. السحر.
لقد حرم الله تعالى السحر.
قال تعالى: ﴿وَأَتَّبَعُواْ مَا تَثْلُواْ الشَّيَاطِينُ
عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَنَ وَمَا كَفَّرَ سُلَيْمَنُ
وَلَكِنَّ الشَّيَطِينَ كَغَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ
السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ
هَرُوتَ وَمَرُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَاً
إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا
مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ، بَيْنَ اَلْمَرْءِ وَزَوْجِهِ،" وَمَا هُم
◌ِضَآرِّينَ بِهِ، مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَنَعَلَّمُونَ
مَا يَضُزُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ، وَلَقَدْ عَلِمُوا
◌َمَنِ اشْتَرَهُ مَا لَّهُ، فِ اَلْآَخِرَةِ مِنْ خَلَقٍّ
وَلَبِتْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ
يَعْلَمُونَ (١)﴾ [البقرة: ١٠٢].
فهذا إخبار عن اليهود الذين أخذوا
(١) انظر: التمهيد لشرح كتاب التوحيد، صالح آل
الشيخ ٥٠١ - ٥٠٢.
بالسحر الذي تقولته الشياطين على عهد
ملك سليمان، ونسبوه إلى سليمان عليه
السلام بهتانًا وزورًا، ثم بين الله سبحانه
وتعالی أن سلیمان لم یکن ساحرا كما
زعموا، ولكن الشياطين هم السحرة، وهم
الذين كفروا بتعليمهم للناس السحر، ثم
بين سبحانه وتعالى شيئًا من مقاصد الذين
يتعلمون السحر، وهو تفريقهم بين المرء
وزوجه، ولكن الله أخبر أنه لا يتم تأثير
السحر إلا بإذنه، وأن من اعتاض بالسحر
عن دين الله، فإنه ليس له في يوم القيامة
نصيب ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا
يعلمون (٢)، وهذا تحذير من السحر لأنه لا
يتم إلا بالشرك، والشرك مناف للتوحيد (٣).
وقد بين سبحانه وتعالى أن السحر باطل؛
لأنه يسبب الإفساد بين الناس ، ومن كان
شأنه کذلك فمآله إلى زوال لا محالة.
قال تعالى: ﴿فَلَمَّاجَآءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى
أَلْقُواْ مَآ أَنْتُمْ مُلْقُونَ ) فَلَمَّا أَلْقَوْ قَالَ مُوسَى
مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللّهَ لَا
﴾ [يونس: ٨٠-٨١].
يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ
وقال تعالى: ﴿قَالَ مُوسَىَ أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا
جَاءَ كُمْ أَسِحْرُّ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّحُونَ (
٧٧
[يونس: ٧٧].
أي: لا يظفر الساحر بالحاجة والغلبة،
(٢) انظر: الجديد في شرح كتاب التوحيد، محمد
القرعاوي، ص٢١٩.
(٣) انظر: المصدر السابق، ص٢٢٠.
٢٧٤
جَوَبُو حَرَ النَّفْتَّ
القرآن الكريمِ

لشرك
لأنه باطل، والباطل لا يغلب الحق (١).
٣. الشرك في الدعاء.
هو الافتقار إليه، والتبرؤ من الحول
والقوة، وهو سمة العبودية واستشعار الذلة
البشرية، وفيه معنى الثناء على الله عز وجل
وإضافة الجود والكرم إليه (٢).
ويمكن القول بأن شرك الدعاء هو:
سؤال العبد غير الله؛ من الأنبياء، والأولياء،
وغیرهم، فیما لا يقدر عليه إلا الله عز وجل؛
ويدخل في ذلك الاستغاثة، والاستعانة،
والاستعاذة، بغير الله تعالی فیما لا يقدر عليه
إلا الله؛ من طلب رزق، أو شفاء مريض، أو
إحياء ميت، أو غير ذلك؛ فقد أشرك مع الله
غيره، سواء أكان ذلك الغیر نبیا، أو ولیا، أو
جنيا، أو غير ذلك من المخلوقات (٣).
والأدلة على كون دعاء غير الله تعالى
شرگًا كثيرة، منها:
قول الله عز وجل: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ
رَيُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُّ وَالَّذِينَ تَّدْعُونَ مِن دُونِهِ.
مَا يَمْلِكُونَ مِن فِطْمِيرٍ ﴿ إِن تَدْعُوهُوْ لَا
يَسْمَعُواْ دُعَاءَ كُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا أُسْتَجَابُواْ لَكُّةْ
وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ يَكْفُّرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِئُكَ
مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ [فاطر: ١٣ - ١٤].
(١) انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي ٦/ ٧٣.
(٢) مدخل لدراسة العقيدة الإسلامية، عثمان
جمعة ضمیریة، ص٣١٦.
(٣) انظر: المفيد في مهمات التوحيد، عبد القادر
صوفي، ص١١٥.
فالآية تؤكد عجز الأصنام، فهي لا تملك
شيئًا ولو كان حقيرًا ، وهو ما تشير إليه كلمة
قطمير ، أي : قشر النواة، فالمشركون كانوا
يزعمون أن الأصنام تسمعهم، لذلك كانوا
يدعونها ويتوجهون إليها : فنبههم القرآن
إلى عجزها، بأنها لا تسمع، وعلى فرض
أنها تسمعهم فإنها لا تستجيب لهم، قال
ابن عاشور: ((أي : ولو سمعوا على سبيل
الفرض والتقدير ومجاراة مزاعمكم حين
تدعونها فإنها لا تستجيب لدعوتكم، أي :
لا ترد عليكم بقبول» (٤).
وقول الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِّنْ نِعْمَةِ
فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَتَكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْتَرُونَ
ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِقٌ مِّنَكُرُ
٥٣
بِرَبِهِمْ يُشْرِكُونَ ﴾ [النحل: ٥٣-٥٤].
قال ابن کثیر: « لعلمکم أنه لا يقدر على
إزالته إلا هو، فإنكم عند الضرورات تلجئون
إليه، وتسألونه وتلحون في الرغبة مستغيثين
به)) (٥).
والدعاء نوعان: دعاء العبادة والثناء،
ودعاء المسألة والطلب، وهما متلازمان.
فدعاء العبادة والثناء: هو ما يقصد به
العبد ثناء على الله تعالی بما هو أهله، تذللا
له، وانكسارًا بین یدیه، سبحانه وتعالى.
ودعاء المسألة: هو طلب ما ينفع الداعي
(٤) التحرير والتنوير ٢٨٣/٢٢.
(٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤ / ٥٧٧.
www. modoee.com
٢٧٥

حرف الشین
من جلب نفع أو دفع ضر، إذ الذي يدعی لا
بد أن يكون مالكًا للنفع والضر (١).
دعاء المسألة والطلب لا يعد كله شركًا، ثم ينكرونها بأفعالهم حيث يعبدون غير
فالإنسان إما أن يدعو مخلوقًا حيًا بأمر يدركه
وهذا جائز، کسؤال الفقير، وإما أن يدعو
مخلوقا مطلقًا حيًا كان أو ميتًا فيما لا يقدر
عليه إلا الله، مثل: يا فلان! اجعل ما في بطن
امرأتي ذكرا؛ فهذا شرك أكبر؛ لأن هذا من
فعل الله عز وجل الذي لا يستطيعه البشر،
ولا يقدرون عليه، وإما أن يدعو مخلوقًا لا
يجيب بالوسائل الحسية المعلومة؛ كدعاء
الأموات؛ فهذا شرك أكبر أيضا؛ لأن هذا لا
يقدر عليه المدعو. ولا يقع مثل هذا النوع
من الدعاء إلا إذا اعتقد الداعي في المدعو
شیئا سریا يدبر به الأمور (٢).
٤. نسبة النعم لغير الله تعالى.
إن من تمام التوحيد نسبة النعم إلى الله
عزوجل، فمن نسب النعمة إلى غيره تعالى،
فقد كفر ؛ لأنه جعل شريكًا مع الله في
الإنعام(٣).
قال تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ
يُنكِرُونَهَا وَأَكْتَرُهُمُ اَلْكَفِرُونَ
(١) انظر: مدخل لدراسة العقيدة الإسلامية،
عثمان جمعة ضمیریة، ص٣١٧.
(٢) انظر: المفيد في مهمات التوحيد، عبد القادر
صوفي، ص ١١٧.
(٣) انظر: الجديد في شرح كتاب التوحيد، محمد
القرعاوي، ص٣٥٩.
(٣)) [النحل: ٨٣].
فالكفار يقرون بأنها كلها من الله تعالى،
منعمها أو بقولهم ، إنها بشفاعة آلهتنا، أو
بترك الشكر عليها، أو يعرفونها في الشدة،
وينكرونها في الرخاء، أو يعرفونها بقلوبهم،
ويجحدونها بألسنتهم ﴿وَأَكْثَرُهُمُ
الْكَفِرُونَ﴾ أي: المنكرون بقلوبهم غير
المعترفين بما ذكر (٤).
وإنكار النعمة أن تنسب إلى غير الله، وأن
يجعل المتفضل بالنعمة غير الذي أسداها،
وهو الله جل جلاله، فالواجب على العبد
أن يعلم أن كل النعم من الله جل وعلا، وأن
كمال التوحيد لا يكون إلا بإضافة كل نعمة
إلى الله جل وعلا، وأن إضافة النعم إلى غير
الله نقص في كمال التوحيد، ونوع شرك
بالله جل وعلا.
قال تعالى: ﴿وَلَيْنْ أَذَقْنَهُ رَحْمَةٌ مِّنَّا
مِنْ بَعْدِ ضَرَآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِى وَمَآ أَظُنُّ
السّاعَةَ قَبِمَةٌ وَلَيِن رُّجِعْتُ إِلَى رَبِىِّ إِنَّ لِ
عِندَهُ، لَلْحُسْنَىِّ فَلَنَبَِّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ
وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ ﴾ [فصلت:
٥٠].
أي: لئن أذقناه عافية من بعد سقم، أو غنی
من بعد فقر؛ ليقولن: هذا لي، أي : هذا من
(٤) انظر: الوجيز، الواحدي، ص ٦١٦، أوضح
التفاسير، ابن الخطيب ٣٣٠/١.
مَوَسُولَةُ النَّسية
القرآن الكريم
٢٧٦

الشرك
حقي؛ استوجبته بتقواي وصلاحي، أو بقوتي
واجتهادي. وهو في عداد المتكبرين(١).
فمن تحقيق التوحيد نسبة النعم لمسديها
وواهبها، وهو الله تعالى، قال تعالى:
ـمَّا
وقال تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوِتُّهُ عَلَى عِلْمٍ بِنِعْمَةِرَيِّكَ فَحَدِّثْ ﴾ [الضحى: ١١].
عِندِيُّ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ، مِنَ
اَلْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعَاً وَلَا
يُسَْلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ()﴾ [القصص:
٧٨].
فهذه مقولة المغرور الذي ينسى مصدر
النعمة، فقارون نسى من وهبه النعمة، وركن
إلى السبب، وهو أن هذا الثراء والغنى إنما
حصله من علمه وبجهده الخاص، فجاءه
التهديد والوعيد من الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ
أَنَّ الَّهُ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ، مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ
أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعَاً وَلَا يُسْتَلُّ عَنْ ذُنُوبِهِمُ
اَلْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨](٢).
وقد ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَمَّآ
ءَاتَنُهُمَا صَلِحًا جَعَلَا لَهُ، شُرَّكَآءَ فِيمَآ ءَاتَنُهُمَا ﴾
[الأعراف: ١٩٠].
أنعم الله عليهم بالأولاد، وكمل الله
النعمة بهم بأن جعلهم صالحین في أبدانهم،
وتمام ذلك أن يصلحوا في دينهم، فعليهم
أن يشكروا الله على إنعامه، وأن لا يعبدوا
أولادهم لغير الله، أو يضيفوا النعم لغير الله،
فإن ذلك كفران للنعم مناف للتوحيد(٣).
(١) انظر: أوضح التفاسير، الخطيب ٥٨٩/١.
(٢) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٧١٢/٥.
(٣) انظر: القول السديد شرح كتاب التوحيد،
السعدي، ص١٥٩.
www. modoee.com
٢٧٧

حرف الشین
مراتب الشرك
لقد حذر القرآن الكريم من الشرك أيًا كان
نوعه، حمايةً لجناب التوحيد، وحرصًا على
أهله، لأنه إما أن يخرج صاحبه من الإسلام
ويحرمه نعمة التوحيد ويورده النار، وإما أن
ینافي کماله، وقد ینتهي به إلى الخروج من
الإسلام آخر الأمر(١).
وقد قسم أهل العقيدة الشرك إلى مرتبتين:
شرك أكبر، وشرك أصغر (خفي)(٢).
وسنتناول ذلك في النقاط الآتية:
أولًا: الشرك الأكبر:
وهو ((اتخاذ العبد غير الله من نبيٍ أو ولي
أو جماد أو حيوان ندًا مساويًا لله ، يحبه
کحبه ویخافه ويخشاه کخشیته إلخ» (٣).
وعرفه الدكتور عبد القادر صوفي فقال:
((إثبات شريك لله عز وجل في خصائصه؛
فیجعل الإنسان ندًا لله في ربوبيته، أو في
ألوهيته، أو في أسمائه وصفاته)) (٤).
قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ،
شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦].
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِ كُلِّ أُمٍَّ
(١) انظر: حماية الرسول صلى الله عليه وسلم
حمی التوحید، محمد الغامدي، ص٢٧١.
(٢) انظر: تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب
التوحید، سلیمان بن عبدالله ص٢٨.
(٣) مختصر معارج القبول، ص١٣٢.
(٤) المفيد في مهمات التوحيد، ص١١١.
جوب
القرآن الكريمِ
رَّسُولًا أَنْ أَعْبُدُوا اللَّهَ وَأَجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾
[النحل: ٣٦].
عرف ابن القيم الطاغوت بقوله: ما
تجاوز به العبد حده: من معبود، أو متبوع،
أو مطاع(٥).
وقد وصف الله تعالى الشرك بالظلم
العظيم، فقال على لسان لقمان الحكيم:
﴿ وَإِذْ قَالَ لُقْمَنُ لِأَبْنِهِ، وَهُوَ يَعِفُهُ يَبْنَىَّ لَا
◌ُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ )﴾
[لقمان: ١٣].
ففي الآية يوصي لقمان ولده الذي هو
أشفق الناس علیه، وحقيقة أن يمنحه أفضل
ما يعرف؛ بأن يعبد الله وحده ولا يشرك به
شيئًا.
وينقسم الشرك الأكبر إلى أقسام(٦)،
وبيانها فيما يأتي:
١. شرك في الربوبية.
وهو أن يجعل لغير الله تعالى معه نصيبًا
من الملك أو التدبير أو الخلق أو الرزق
الاستقلالي(٧).
ويمكن القول بأنه نسبة أفعال الله تعالى
لغيره من الخلق، حیا کان أو ميتًا، کالرزق،
التصرف في الكون، الإحياء، الإماتة إلخ،
(٥) انظر: مدارج السالكين ٣/ ٤٨٢.
(٦) انظر: المفيد في مهمات التوحيد، عبد القادر
صوفي، ص ١١٢.
(٧) انظر: تسهيل العقيدة الإسلامية، عبدالله
الجبرين، ص ١٥٢.
٢٧٨

الشرك
ومثاله أيضًا شرك النصارى بقولهم: ﴿لَقَدْ
كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾
[المائدة: ٧٣](١).
٢. شرك في الأسماء والصفات.
وهو التسوية بين الله والخلق في شيء
من الأسماء والصفات؛ بأن يجعل لله عز
وجل ندا في أسمائه وصفاته؛ فیسمیه بأسماء
الله، أو يصفه بصفاته(٢)، كشرك الممثلة:
وهو اعتقاد أن صفات الخالق تماثل صفات
المخلوق، كمن يقول: يد الله كيدي، فهذا
كله شرك.
قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾
[الشورى: ١١].
٣. الشرك الأكبر في الألوهية.
وهو أن يجعل العبد لله ندا في العبادة، أو
في التشريع (٣)، وهو على أنواع، منها:
١. شرك الدعاء، قال تعالى: ﴿فَإِذَا
رَكِبُواْ فِي الْفُلْكِ دَعُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ
أَلْدِينَ فَلَمَّا نَجَّمُهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ
﴾ [العنكبوت: ٦٥].
٦٥
٢. شرك الخوف ، قال تعالى:
وَقَالَ
اللَّهُ لَا نَتَّخِذُوَاْ إِلَهَيْنِ أَثْنَيْنِّ إِنَّمَا هُوَ إِلَهُ
(١) انظر: المفيد في مهمات التوحيد، عبد القادر
الصوفي، ص ١١٣.
(٢) انظر: تسهيل العقيدة الإسلامية، عبدالله
الجبرين، ص ١٥٥.
(٣) انظر: المفيد في مهمات التوحيد، عبد القادر
الصوفي، ص ١١٤.
وَحِدٌّ فَإِنَّنَىَ فَأَرْهَبُونٍ ﴾ [النحل: ٥١].
٣. شرك
قال تعالى:
الطاعة،
﴿ أَتَّخَذُوَا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ
أَرْبَابًا مِن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ أَبْنَ
مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوّاْ إِلَّا لِيَعْبُدُوَأ
إِلَهَا وَحِدًّاً لََّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ
سُبْحَنَهُ, عَمَّا يُشْرِكُونَ )﴾
[التوبة: ٣١].
٤. شرك المحبة، قال تعالى: ﴿وَمِنَ
النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ
كَحُبٍ اَللَّهِ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبَّا لِلّهِ﴾
[البقرة: ١٦٥].
٥. شرك الشفاعة، قال تعالى:
﴿ وَيَعْبُّدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا
يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ
هَؤُلَاءَ شُفَعَوْنَا عِندَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَّقُونَ
اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَتِ وَلَا فِى
اُلْأَرْضِّ سُبْحَنَهُ، وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ
[يونس: ١٨]. قال الطبري: أي:
﴾
١٨)
كانوا يعبدونها رجاء شفاعتها عند
الله (٤).
٦. شرك النية، والإرادة والقصد: هو
أن یرید العبد بعمله غیر الله تعالى، كأن
یعمل عملاً صالحًا يبتغي به الدنيا(٥)،
قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا
(٤) انظر: جامع البيان ١٢ / ١٤٢.
(٥) انظر: المفيد في مهمات التوحيد، عبد القادر
الصوفي، ص ١١٣.
www. modoee.com
٢٧٩

حرف الشین
وَزِينَهَا نُوَفِّ إِلَتِهِمْ أَعْمَلَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فَِهَا
لَا يُبْخَسُونَ ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيَّسَ لَهُمْ فِ
اُلْآَخِرَةِ إِلَّ النَّارٌ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيَهَا
وَبَطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (١)﴾ [هود:
١٥-١٦]. صرح تعالى في هذه الآية
الكريمة: أن من عمل عملا يريد به
الحياة الدنيا أعطاه جزاء عمله في
الدنيا، وليس له في الآخرة إلا النار (١).
ثانيًا: الشرك الأصغر:
عرفه الشيخ عبد الرحمن بن سعدي بأنه:
((كل وسيلة يتوسل بها إلى الشرك الأكبر
كالحلف بغير الله، ويسير الرياء ونحو
ذلك)) (٢).
ويمكن القول: إن الشرك الأصغر كل ما
ينافي كمال التوحيد قولًا كان، أو فعلًا، أو
نیةً.
والدليل على وجود الشرك الأصغر:
قول الله تعالى: ﴿فَ كَانَ يَرْحُو ◌ْلِقَاءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ
عَمَلاً صَلِحًا وَلَا يُثْرِكْ بِعِبَادَةِ رَيِّدِه أَحَدَا﴾ [الكهـ
١١٠].
قال الزمخشري: ((أي : أن لا يرائي
بعمله، وأن لا ییتغی به إلا وجه ربه خالصا
لا يخلط به غيره» (٣).
(١) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ١٧٤/٢.
(٢) الشيخ عبد الرحمن بن سعدي وجهوده في
توضیح العقيدة، ص ١٧٨.
(٣) الكشاف ٧٥١/٢.
وبينت الآية شرطي العبادة المقبولة عند
الله تعالى، وهما: الموافقة للشريعة، وعدم
الإشراك بالله تعالی(٤).
بِعِبَادَةٍ رَبٍّ ﴾ ليتبين
قال العثيمين: ((قال
لك أنه جل وعلا حقيق بأن لا يشرك به؛
لأنه الرب الخالق المالك المدبر لجميع
المخلوقات)»(٥).
وقال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ
إِلَّاوَهُمْ مُشْرِكُونَ (٦)﴾ [يوسف: ١٠٦].
فالآية ليست دليلا فقط على من عبد غير
الله، بل تشمل الرياء، والطيرة، والحلف
بغير الله، وتعليق التمائم .. إلخ(٦).
قال محمد أبو زهرة في أحد وجوه
تفسیره للآیة: «أنها تحمل علی أن أکثر الناس
تعتريهم حال إشراك مهما أخلصوا التوحيد
لله تعالى، فالأوهام تسيطر على الناس
، وقد أدت بالوثنيين إلى عبادة الأوثان،
ولكنها بالنسبة لمن جاء بعدهم أدت بهم
إلى أوهام حول الأشخاص، لم يعبدوهم
ولكن اعتقدوا فيهم قوى خفية ، والآية
الكريمة تدعو المؤمنين إلى الحرص على
التوحيد، وتفويض الأمر إلى الله تعالى، وأن
يبعدوا عن الأوهام المضلة، فلا يعتقدون
في مخلوق أن فيه قوة تشفي، أو تنفع، فإن
(٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٨٣/٥.
(٥) تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين، سورة
الکھف، ص ١٥٣.
(٦) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤١٨/٤.
٢٨٠
جوببيو
القرآن الكريم

الشرك
الأوهام أدت إلى الشرك في جاهلية العرب
وأدت النصارى إلى التثليث، ولا تزال
الأوهام تسیطر علیهم حتی أدت بهم إلى
عبادة الأحجار والصور والتماثيل))(١).
(١) زهرة التفاسير ٧/ ٣٨٧٠ - ٣٨٧١.
أسباب الشرك
للانحراف عن عقيدة التوحيد أسباب
كثيرة، تتعلق بتفكير الفرد والجماعة، أو
طبيعة التربية التي نشأ عليها الفرد، حتى غدا
لهذه التربية نوع من القداسة في نفسه، وفي
هذا البحث سنقف على بعض هذه الأسباب
التي جاء ذكرها في القرآن الكريم ، ويمكن
بیان ذلك فيما يأتي:
أولًا: تعظيم المخلوقين:
دأب کثیر من الناس على احترام وحب
أصحاب المكانة من الناس، من مسؤولين،
ورؤساء قبائل وعشائر، وحكام، وقادة
عسکرین وخلافه، حتى غدا حبهم يملأ
القلوب، وليس العيب هنا، ولكن بالغت فئة
في هذا الحب، حتى غدا شكلًا من أشكال
التبعية العمياء، التي قادت إلى نوع من
التقديس والصد عن سبيل الإيمان.
قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ رَيَنَاْ إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا
[الأحزاب:
وَكُبَآءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلًا ﴾
٦٧].
وقال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ
اُسْتَكْبَرُواْ بَلْ مَكْرُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ لِذْتَأْمُرُونَنَآ أَنْ
◌َّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادَاً وَأَسَرُواْ النَّدَامَةَ لَمَّا
رَأَوْأ الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغَْلَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ
كَفَرُواْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
٣٣
[سبأ: ٣٣].
www. modoee.com
٢٨١

حرف الشین
وفي الآية الأولى يبين الله عز وجل موقف وحملكم إيانا على الشرك واتخاذ الأنداد(٣).
ثانيًا: التقليد:
فئة من العصاة يوم القيامة؛ ممن حق عليهم
العذاب من المشركين، وقد كانوا يعظمون
السادة والكبراء من قومهم حتى أردوهم
المهالك، فتمنوا يوم القيامة أن لو كانوا
أطاعوا الله رسوله، ثم ينكسون رؤوسهم
حسرة وندامة لطاعتهم السادة والكبراء،
والأظهر أنهم الرؤساء في الشرك والضلالة،
فأطاعوهم في معصية الله، فأضلهم هؤلاء
السادة عن طريق التوحيد(١)، فصدوهم عن
طريق الحق فوقعوا في الشرك.
والآية الثانية تصور لنا تصويرًا مؤثرًا
بديعًا، ما يكون عليه الكافرون يوم القيامة
من حسرة وندم، ومن عداوة وبغضاء،
ومن تهم يلقيها كل فريق على الآخر، بدون
احترام من الأتباع لزعمائهم الذين كانوا
يدينون لهم بالذلة والخضوع طواعيةً، بعد
أن سقطت وزالت الهيبة الزائفة التي كان
الزعماء يحيطون بها أنفسهم في الحياة
الدنيا، وأصبح الجميع يوم الحساب في
الذلة سواء(٢).
ولما أنكر المستكبرون أن يكونوا
هم السبب في كفر المستضعفين، قال
المستضعفون: ما كان الإجرام من جهتنا،
بل من جهة مکرکم بنا دائما، ليلا ونهارا،
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٢٤٩/١٤.
(٢) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ٢٩٦/١١.
جوبيبو
القرآن الكريم
ميز الله تعالى الإنسان بالفكر، ليعرف
به الخير من الشر في الاعتقاد، والصدق من
الكذب (٤)، وأكرمه بالعلم والإرادة، ومنحه
نعمة العقل، التي بها يقوى على الاختيار،
والتمييز بين ما يضر وينفع، فأبى كثير من
الناس إلا تعطيل هذه النعمة، ورفض هذه
الكرامة، فحجروا على عقولهم، وأبوا
إلا التقليد والتبعية العمياء للمورث من
الأقدمين، آباء وقادة.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا
أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَ الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا
عَلَيْهِ ءَابَآءَنَاْ أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا
﴾ [ المائدة: ١٠٤].
١٠٤)
وَلَا يَهْتَدُونَ
وقد ندد الله بهذا التقليد ، وجعل من
يتشبثون به في درجة أحط من البهائم
والأنعام، فقال: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا
مِنَ الْجِنّ وَالْإِنسِّ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَْ
أَعْيُنْ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءَاذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا
أُوْلَكَ كَالْأَنْعَمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَكَ هُمُ الْغَفِلُونَ
(٣٠)﴾ [الأعراف: ١٧٩].
فمن أغفل نعم الله وعطلها وعلى رأسها
نعمة العقل والتفكير والتمييز ، فهو من
اصحاب هذه الآية.
(٣) انظر: البحر المديد، ابن عجيبة ٤٩٨/٤.
(٤) انظر: تفسير الراغب الأصفهاني ١/ ٣٦٧.
٢٨٢

الشرك
متعددة ، بين منها القرآن ما يأتي:
١. التقليد في العبادة والاعتقاد.
قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ، مَا هَذِهِ
التَّمَاثِلُ الَِّ أَنْتُمْ لَهَا عَنكِّقُونَ ﴾ قَالُواْ وَجَدْنَاً
ءَابَآَ نَالَمَا عَيِدِينَ ﴾ [الأنبياء: ٥٢-٥٣].
لما أنكر إبراهيم على أبيه وقومه قيامهم
على هذه الأصنام والصور التي كانوا
يعبدونها دون الله، ﴿قَالُواْ وَجَدْنَآ ءَابَاءَنَا لَهَا
عَبِدِينَ﴾، فلم يجد القوم جوابًا إلا طريقة
التقليد، التي توجب مزيد النكير، لأنه إذا
كانوا على خطأ من أمرهم لم يعصمهم
من هذا الخطأ أن آباءهم أيضا سلكوا هذا
الطريق، فأجابهم إبراهيم عليه السلام بقوله:
﴿قَالَ لَقَدْ كُمْ أَنْتُمْ وَمَابَآؤُكُمْ فِ ضَلَلِ مُچِينٍ
* [الأنبياء: ٥٤].
فبین أن الباطل لا يصير حقا بسبب كثرة
المتمسكين به(١)، ولو كانت هذه الكثرة هم
الآباء والأقدمون والأجداد، ومن لهم في
النفس حب، لصلة أو قرابة.
٢. التقليد في الحكم والشرائع.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ أَتَّبِعُواْ مَآ أَنْزَلَ
اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِءَ ابَآءَنَاْ أَوْلَوْ كَانَ
ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ
﴾ [البقرة: ١٧٠].
١٧٠
ففي الآية بعد أن نهى الله المؤمنین عن
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٢/ ١٥٢.
وقد جاء تقليد المشركين في صور اتباع آثار عدوه وعدوهم، أعلمهم وهو
ربهم أن الشيطان لا يأمرهم إلا بما يضر
أبدانھم وأرواحهم، ولا یرد لهم إلا إلى ما
سيء الأفعال والأخلاق، وأفظع من ذلك
أن یقولوا على الله ما لا یعلمون، فيحرمون
ويحللون ويشرعون باسم الله، والله في
ذلك بريء، فلما قال لهم رسول الله ، اتبعوا
ما أنزل الله، قالوا : لا، بل نتبع ما وجدنا
عليه آباءنا ، ولو كان باطلًا، فهم يقلدون
آباءهم ولو كان آباءهم لا يعقلون شيئًا من
أمور الشرع والدين، ولا يهتدون إلى ما فيه
الصلاح والخير (٢).
٣. التقليد في المعصية.
قال تعالى: ﴿ وَإِذَا فَعَلُواْفَحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا
عَلَيْهَآ ءَابَنَا وَاَللَّهُ أَمَرَنَا بِهَأْ قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُ
بَلْفَحْشَدِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ()
[الأعراف: ٢٨].
تتناول الآية الكريمة الحديث عن قبح
حال المشركين الذين يفعلون الذنوب،
ويزعمون أن الله أمرهم بذلك، فإذا
فعلوا فعلة قبيحة ینکرها الشرع، قالوا: إنا
وجدنا آباءنا هكذا يفعلون، نحن نقتدي
بهم، وغير ذلك من التقليد الأعمى، الذي
يرفضه الشرع، والأدهى من ذلك قولهم:
﴿وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾، فقل لهم: إن الله لا يأمر
بالفحشاء أصلا، وإنما الذي یأمر کم بهذا هو
(٢) انظر: أيسر التفاسير، الجزائري ١/ ١٤٥.
www. modoee.com
٢٨٣

حرف الشین
الشيطان، وكيف تعتذرون باتباعكم آباءكم؟ إلهًا يعبد دون الله، ويشتهى فيطاع.
وهل آباؤكم حجة في التشريع؟ وهل عملوا
بوحي من الله وإرشاد؟ أم كانت أعمالهم
بوسوسة الشيطان وزخرفته؟ !! أم أنتم
تقولون على الله ما لا تعلمون؟ فتشريع الله
لا یکون إلا بوحي منه إلى رسوله(١)، وهذا
هو الشرك بعينه.
ثالثًا: اتباع الهوى:
الهوى ما عشقته النفس، ومالت إليه من
الحظوظ العاجلة، ويجري ذلك في المآكل،
والمشارب، والملابس، والمناكح، والجاه،
ورفع المنزلة، فليجاهد العبد نفسه في ترك
ذلك كله، حتى لا تحب إلا ما هو طاعة
تقرب إلى الله (٢).
وجاءت الشريعة الغراء تحث المؤمنين
على الارتقاء بالنفس البشرية إلى أعلى
الدرجات، والنأي بها عن سفاسف الأمور
وحقيرها، لذلك كانت أوامرها السمحة،
تحمل الإنسان على معالي الأمور وعظيمها،
ولما كانت النفس تميل إلى الراحة والدعة،
فقد ندد الله بمن أبى إلا مجاراة هوى نفسه
والهبوط بها فقال سبحانه: ﴿أَرَءَّيْتَ مَنْ أَشَّخَذَ
إِلَهَهُ هَوَّنَهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٢)﴾
[الفرقان: ٤٣].
فجعل هوی نفسه مطاعًا، حتى غدا هواه
(١) انظر: التفسير الواضح، الحجازي ٧٠٥/١.
(٢) انظر: البحر المديد، ابن عجيبة ٣١٢/٥.
وقد جاء السياق القرآني منددًا باتباع
الھوی لما له من أثر في حرف الناس عن
عقيدة التوحيد وجادة الطريق، وبيان ذلك
فيما يأتي:
* الهوى يحمل على الشرك في العقيدة.
قال تعالى: ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ أَّخَذَّ إِلَهَهُ هَوَنُ
وَأَضَلَُّ اَللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ، وَقَلْبِهِ، وَجَعَلَ عَلَى
بَصَرِوِهِ غِشَوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ
(٣)﴾ [الجاثية: ٢٣].
فكل من استباح لنفسه كل ما تهواه، سواء
کان مباحًا أو غير مباح، فكأنه یعبد هواه، كما
يعبد الرجل إلهه(٣)، فإن الطاعة المطلقة لا
تکون إلا لله تعالی، فمن صرف ذلك لهواه
فقد جعل للهوی ما هو من خصائص الله،
فماذا بقي من الشرك؟!
قال تعالى: ﴿إِنْ هِىَ إِلَّ أَسْمَاءُ سَيْتُمُوهَاً
أَنْتُمْ وَءَابَا ؤُكُمْ مَّا أَنْزَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَنَّ إِن يَتَّبِعُونَ
إِلَّا الََّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسَُّ وَلَقَدْ جَآءَ هُم مِّن
تَِّهِمُ الْمُدَى ﴾ [النجم: ٢٣].
تتناول الآية التنديد بالمشركين
لاتخاذهم أصنامًا تعبد دون الله، وجعلوا
لها أسماء ليس لها نصيب منها إلا إطلاق
تلك الأسماء عليها، ولو كانت الألوهية
متحققة بمجرد التسمية كانت آلهة، لكنها
أماني وأهواء زعموها وتوهموا أنها حقيقة،
(٣) انظر: المصدر السابق ٣١١/٥.
٢٨٤
مَشَبُوَرُ الْتَفْسِدْ
جوسين
القرآن الكريم

الشرك
أو هو ادعاء مرده أهواؤهم(١)، فالذي حمل ويمكن بيان مفاسد الكبر كما بينها القرآن
الكريم ذلك فيما يأتي:
القوم على الشرك بالله هو اتباع الهوى.
الهوى يحمل على العدول عن شرع
الله.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَدِلُونَ
قال تعالى: ﴿قُلّ هَلُّ شُهَدَآءَ كُمُ الَّذِينَ فِيَّ ءَايَتِ اَللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَنُهُمْ إِن فِ
صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَلِفِيهِ
فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
﴾ [غافر: ٥٦].
يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنِ شَهِدُواْ فَلَا
تَشْهَدْ مَعَهُمَّ وَلَا تَنَّبِعْ أَهْوَآءَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ
بِشَايَتِنَا وَاَلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَهُم
بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ [الأنعام: ١٥٠].
تأتي هذه الآية الكريمة بعد سلسلة من
الآيات التي دار فيها حوار مع الكفار حول
مسائل تتعلق بما أحل الملأ من قريش
وحرموا؛ من الأطعمة والأشربة وفق
أهواؤهم، دون مستند من الله تعالى، والذي
حمل على هذ التحليل والتحريم؛ ما إشربوه
من هوى النفس، حتى غدت هذه الأهواء
أوثانًا تعبد دون الله تعالى، وقوله تعالى:
﴿وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ أي: يشركون به
ویجعلون له عديلًا (٢)، أي: مثيلاً، وهذا
هو عين الشرك، والذي حمل عليه هو اتباع
الهوی في التحليل والتحريم، الذي هو من
خصوصيات الله سبحانه وتعالى.
رابعًا: الكبر:
جاءت آيات القرآن الكريم تنفر من هذا
الخلق الذمیم، وتبین کبیر جرم المتکبرین،
(١) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٩/ ٧٥.
(٢) انظر: مختصر تفسير ابن كثير ١/ ٦٠٣.
* رفض عقيدة بالتوحيد.
فالذي دفعهم للجدال والمراوغة،
والصد عن سبيل الله هو ما ملأ صدورهم
من كبر وتعالٍ على اتباع المرسلين، ((والكبر
الذي في صدورهم هو الاستكبار عن الإقرار
بالتوحيد» (٣)
.
الامتناع عن النطق بكلمة التوحيد.
قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَّ إِلَهَ
إِلَّ اللَّهُ يَسْتَكْبُونَ ﴾ [الصافات: ٣٥].
فهؤلاء المجرمون الذين يجحدون
الله تعالى، ويعظمون أصنامهم الحجرية
والفكرية على مدار الزمان وحتى يومنا هذا،
﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَآ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ أي: لا معبود
بحق إلا الله، وهي كلمة الحق، والعروة
الوثقى، أصابهم الكبر، وعظم عليهم أن
يتركوا أصنامهم(٤)، وأفكارهم، وأسيادهم
التي عظموها، فرفضوا الإقرار بكلمة الحق،
وأبوا إلا البقاء على معتقداتهم، وحق عليهم
(٣) تفسير القرآن، السمعاني ٢٧/٥.
(٤) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٤ /٤٧١.
www. modoee.com
٢٨٥

حرف الشين
قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ أَشْمَأَزَّتْ
قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةٌّ وَإِذَا ذُكِرَ
الَّذِينَ مِن دُونِ، إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾
[الزمر: ٤٥].
فقلوبهم لا تنقاد إلا لأهل باطلهم، وما
أشربوا من هوی أنفسهم.
* رفض التذلل والخضوع لله.
قال تعالى: ﴿وَإِّ كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ
لَهُمْ جَعَلُواْ أَصَِعَهُمْ فِّ مَاذَانِهِمْ وَأَسْتَغْشَوْ ثِيَابَهُمْ
وَأَصَرُّواْ وَأُسْتَكْبَرُواْ أَسْتِكْبَارًا ﴾ [نوح: ٧].
أي: كلما دعوتهم للإيمان الذي تترتب
عليه المغفرة، قابلوا ذلك بالمبالغة في
الكبر، وجعلوا أنفسهم أكبر من أن يأتمروا
لواحد منهم، وتأكيد استكبروا بمفعوله
المطلق للدلالة على تمكن الاستكبار (١).
فحملهم الكبر على التعالي على الله عز
وجل والانقياد لدعوته، وتنوین ﴿آسْتِكْبَارًا﴾
للتعظيم، أي : استكبارًا شديدًا لا يفله حد
الدعوة.
تكذيب المرسلين.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ
وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ، بِالرُّسُلِّ وَءَاتَيْنَا عِيسَى أَبْنَ
مَرْيَمَ الْبَيْنَتِ وَأَيَّدْنَهُ بُوجِ الْقُدُسُِ أَفَكُلَّمَا جَاءَ كُمْ
رَسُولٌّ بِمَا لَا نَهْوَى أَنفُسُكُمُ أَسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا
كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا نَقْتُلُونَ ﴾ [البقرة: ٨٧].
أي: «كلما جاء بني إسرائيل رسول من
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٩٦/٢٩.
عند الله لا يجاريهم في أهوائهم استكبروا
عليه وخالفوه وكذبوه أو قتلوه))(٢).
ومما سبق يتضح لنا أن الكبر حاجب
للإنسان عن صفاء العقيدة، وباب كبير من
أبواب الصد عن عقيدة التوحيد.
خامسًا: الجهل بالله وأسمائه وصفاته:
جاء السياق القرآني الكريم بكثير من
الآيات التي دعت الإنسان للتفكر في هذا
الكون من حولنا، والتدبر في كتاب الله
تعالى، ليصل إلى معرفة ربه وعبادته وحده
بلا شريك.
ولكن كثيرًا من الناس جمدوا عقولهم،
وأغلقوا قلوبهم عن وظيفتها الحقيقية، فلم
تعرف ربها، وما قدرته حق قدره.
قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ
وَاْلْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّتْ بَِمِينِهِ، سُبْحَتَهُ
وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [الزمر: ٦٧].
والله سبحانه لم يترك عباده هملًا،
بل عرفهم بأسمائه وصفاته، قال تعالى:
﴿وَإِلَّهِ آلْأَسْمَاءُ لَلُْسْنَ فَادْعُوهُ بِهَّ وَذَرُواْ الَّذِينَ
◌ُلْحِدُونَ فِىّ أَسْمَّيِّ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ
يَعْمَلُونَ (٤)﴾ [الأعراف: ١٨٠].
أي: لله الأسماء الحسنى التي هي أحسن
الأسماء، لأنها تدل على معان حسنة، من
(٢) التفسير الحديث، محمد عزت ٦/ ١٩٣.
جَوَسُو ◌َرَ النَّفْسِيد
القرآن الكريمِ
٢٨٦

الشرك
تمجيد، وتقديس، وغير ذلك، فسموه يفعلون ما يشاؤون، ثم بعد ذلك يعاقب
المسيء.
بتلك الأسماء، ﴿وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ
فى أَسْمَهِ﴾، أي: واتركوا تسمية الذين
يميلون عن الحق والصواب فيها، فيسمونه
بغير الأسماء الحسنى، وبما لا يجوز
علیه(١).
وقد بين القرآن الكريم الكثير من انحراف
المشرکین في أسماء الله تعالی وصفاته، ما
حملهم على العدول عن عقيدة التوحيد
والإشراك بالله تعالى، وبيان ذلك فيما يأتي:
إنكار رسالة الرسل.
قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِهِ إِذْ
قَالُواْمَا أَنْزَلَ اللّهُ عَلَى بَشَرِ مِّنِ شَىْ ءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ اَلْكِتَبَ
الَّذِى جَّةَ بِهِ مُوسَى نُرًا وَهُدًى لِلنَّاسِّ تَجْعَلُونَهُ.
قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعَمُواْ
أَنْتُمْ وَلَآ ءَابَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ
يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: ٩١].
إن مدار القرآن على إثبات التوحيد
والنبوة، فالله تعالى لما حكى عن إبراهيم
عليه السلام أنه أثبت التوحيد، وأبطل
الشرك، ذكر بعده تقرير أمر النبوة، فقال:
﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِهِ﴾ حين أنكروا النبوة
والرسالة، وكل من أنكر النبوة والرسالة فهو
في الحقيقة ما عرف الله حق معرفته (٢)،
لأن مقتضى ذلك أن الله ترك الناس هملًا،
(١) انظر: الكشاف، الزمخشري ٢/ ١٨٠.
(٢) انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل
٨/ ٢٧٤.
* نسبة الولد لله.
قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَِّ شُرَّكَآءَ الْجِنَّ
وَخَلَقَهُمَّ وَخَرَقُواْ لَهُم بَنِينَ وَبَنَتِ يِغَيْرِ عِلٍَّّ
سُبْحَنَّهُ وَتَعَلَى عَمَّا يَصِفُونَ ( بَدِيعُ
السَّمَوَاتِ وَاْأَرْضِّ أَنَّ يَكُونُ لَهُ، وَلَّدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ
صَحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ
١٠١
[الأنعام: ١٠٠- ١٠١].
وهذه الآية مشيرة إلى العادلين بالله،
والقائلين : إن الجن تعلم الغيب، وكانت
طوائف من العرب تفعل ذلك وتستجير
بجن الأودية في أسفارها ونحو هذا، أما
الذين ﴿وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ ﴾ فاليهود في ذكر
عزير والنصارى في ذكر المسيح، وأما
ذاكرو البنات فالعرب الذين قالوا للملائكة:
بنات الله(٣)، وما حملهم أن ينسبوا لله
الأولاد والبنات إلا جهلهم بصفة وحدانية
الله عز وجل.
نسبة الفواحش لله.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُواْ فَحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا
عَلَيْهَا ءَابَءَنَا وَاَللَّهُ أَمَنَا بِهَأْ قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُ
بالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ
٢٨
[الأعراف: ٢٨].
لما سئل المشركون عن سبب ارتكابهم
المعاصي الفاحشة -والتي منها الطواف
(٣) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٢٩/٢.
www. modoee.com
٢٨٧

حرف الشین
عرايا بالبيت- أجابوا بأنهم وجدوا عليها
آباءهم، وأن الله أمرهم بذلك، وهم في
ردهم الأولی صادقون وصادقون وإن کانوا
غير محقين، وفي ردهم الثاني كاذبون،
إذ كيف يأمر الله تعالى بها؟ والله لا يأمر
بالفحشاء، بل یأمر بما فيه مصالح العباد، ثم
قال تعالى ردا عليهم ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا
تَعْلَمُونَ﴾(١)، فادعاؤهم بأن الله أمر بهذه
القبائح والفواحش يدل على جهلهم بأسماء
الله وصفاته والتي منها ((القدوس))، وهذا
الإلحاد بأسمائه مرده الجهل.
سادسًا: إهمال العقل وعدم التفكير في
آیات الله:
إن الله تعالى جعل لكل عضو من أعضاء
الإنسان وظيفة، لأجلها خلق، فإن عجز عن
أداء دوره، كان سقيمًا مريضًا، والعقل إنما
خلق للتفكر والتدبر، وقيادة البدن نحو
معرفة الله، وإلزام الجوارح هديه، فإن
ضل العقل عن معرفة ربه، كان سقيمًا وقاد
صاحبه نحو الضلال والغواية.
لذلك فإننا نرى أن الكثير من الآيات
الكريمة التي تعدد آيات الله ونعمه في
هذا الكون، غالبًا ما يعقبها الآيات التي
تدعو الناس إلى عقيدة التوحيد ، وتندد
بالمشرکین.
(١) انظر: لباب التأويل، الخازن ٢/ ١٩٢.
قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ
وَأَخْتِلَفِ أَلَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ أَلَّتِى تَّخْرِى
فِى الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَآءِ
مِن ◌َّآءٍ فَأَعْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا
مِن كُلِّ دَابَةٍ وَتَصْرِيفِ الْرِّيَجِ وَالسَّحَابِ
الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَيَتٍ لِقَوْمٍ
يَعْقِلُونَ () وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ
أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبٍ اَللَّهِ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَشَدُّ
حُبَّا لِلَّهُ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ
اُلْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ
١٦٥
[البقرة: ١٦٤ - ١٦٥].
فلما نهضت الأدلة على وحدانية
الله، وسطعت البراهين، وزاحت العلل
والشكوك، عاب من عبد سواه، وفزع إلى
غيره، ولما حاد من حاد عن التوحيد وعبد
سواه بسبب تعطيله لنعمة التفكر، عقب
الآية الأولى بقوله ﴿يَعْقِلُونَ﴾، فهؤلاء
ناس ضلت عقولهم، وفالت آراؤهم، ويتبرأ
بعضهم من بعض یوم ینکشف حجاب
الغفلة عن سرادق العظمة، ويتجلى الجبار
في صفة النقمة، فمن الناس من عقل تلك
الآيات ، فآمن بربه وفني في حبه، ومنهم
وهم من لا يعقل ، وهم من اتخذوا الأنداد
(٢) .
وكذلك قوله تعالي: ﴿إِنَّ فِىِ خَلْقِ
السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَافِ أَلَيْلِ وَالنَّهَارِ
(٢) انظر: نظم الدرر، البقاعي ٣٠١/٢.
٢٨٨
جَوَسُوعَة النفسية
القرآن الكريمِ

الشرك
لَيَتٍ لِأُوْلِىِ الْأَلْبَبِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ
قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ
فِي خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا
بَطِلًا سُبْحَنَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ رَبَّنَآ إِنَّكَ
مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْنَهُ، وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ
أَنْصَارٍ ﴿ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِى
لِلْإِيمَانِ أَنْ ءَامِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَشَامَنَاْ رَبَّنَا فَأَغْفِرِ
لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَقَّنَا مَعَ
اُلْأَبْرَارِ ) رَبَّنَا وَءَاِنَا مَا وَعَدَتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا
#14 [آل
تُخْنَا يَوْمَ الْقِيَمَةُ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ اَلِيَعَادَ (
عمران: ١٩٠- ١٩٤].
فأهل الإيمان والتوحيد، يهديهم إيمانهم
إلى الإقرار بوحدانية الله، والتصديق بما
جاءت به المرسلون، فیقرون أن الله تعالی
لم يخلق ذلك عبئًا - وحاشاه-، فيتوددون له
بطلب الرحمة والمغفرة، وتكفير السيئات،
بخلاف من يجادلون في الله بغير علم، ومن
يجهلون أسماءه ويلحدون في ذلك.
الرسل ومحاربة الشرك
إن من أهم أصول شريعة الإسلام
وشرائع الأنبياء السابقين القضاء على الشرك
ومحاربته وتصفية معاقله وإنهاء وجوده
وآثاره بين الناس.
قال تعالى: ﴿قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ اُلَّهِمَا
لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَايِنَا بَعْدَ إِذْ
هَدَ نَا اَللَّهُ كَالَّذِى أَسْتَهْوَتَهُ الشَّيَخِطِينُ فِى الْأَرْضِ
حَيْرَانَ لَهُ: أَصْحَبٌ يَدْعُونَهُهُ إِلَى الْهُدَى أَقْتِنَأْ قُلْ
إِنَ هُدَى اَللَّهِ هُوَ الْهُدَىّ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبٍ
الْعَلَمِينَ ﴿ وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَأَتَّقُوهُ
وَهُوَ اَلَّذِىَ إِلَيْهِ مُحْشَرُونَ ﴿ وَهُوَ الَّذِى
خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَِ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ
كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ
يُنْفَخُ فِ الصُّورِّ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ وَهُوَ
لٌلَكِيمُ الْخَبِيرُ ﴾ [الأنعام: ٧١ -٧٣].
قال الزحيلي: ((هذه حملة شديدة
من الجدال والنقاش واللوم على الشرك
والمشركين، والمعنى: قل أيها النبي في
احتجاجك على المشركين: أنطيع رأيكم
في أن نعبد من دون الله ما لا قدرة له على
نفعنا ولا على ضرنا ؛ لأنها أصنام صماء
جمادات لا حیاة فیھا ولا حرکة، ثم نرد على
أعقابنا إلى الشرك والكفر، بعد أن أنقذنا الله
منه))(١).
(١) التفسير الوسيط ١ / ٥٦٩.
www. modoee.com
٢٨٩

حرف الشین
وتعتبر محاربة الشرك أساس دعوة وطاعته وطاعة رسله. يقول الإمام ابن أبي
الأنبياء في جميع عهود الرسالة السماوية؛ العز الحنفي في شرح العقيدة الطحاوية:
فالتوحيد في العبادة وتحطيم أغلال الشرك
والوثنية كان من أهم التعاليم السماوية التي
تحتل مكان الصدارة في رسالات الأنبياء
عليهم السلام حتى كأن الأنبياء والرسل
لم یبعثوا -أجمع- إلا لهدف واحد هو
تثبيت دعائم التوحيد ومحاربة الشرك، لقد
ذكر القرآن هذه الحقيقة بجلاء، على وجه
الإجمال وعلى وجه التفصيل.
أولًا: على وجه الإجمال:
قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِ كُلِّ أُمَّتٍ
رَّسُولًا أَنْ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَجْتَنِبُواْ الَّغُوتَ﴾
[النحل: ٣٦].
وقال أيضًا: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن
رَسُولٍ إِلَّا نُوحِىّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ
﴾ [الأنبياء: ٢٥].
وفي موضع آخر يصف القرآن الكريم
التوحيد فى العبادة بأنه الأصل المشترك بين
جميع الشرائع السماوية إذ يقول: ﴿قُلْ يَأَهْلَ
الْكِتَبِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَتِ سَوْمٍ بَيْنَنَا وَبَيْتَكُنْ
أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللّهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ
بَعْضُنَا بَعْضَّا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ
أَشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران:
٦٤].
فجمیع الرسل كان أول وأهم ما دعوا
إليه هو التوحيد، توحيد الله بالعبادة وتقواه
((اعلم أن التوحيد أول دعوة الرسل، وأول
منازل الطريق، وأول مقام يقوم فيه السالك
إلى الله عز وجل، ولهذا كان الصحيح أن
أول واجبٍ يجب على المكلف شهادة أن
لا إله إلا الله، لا النظر ولا القصد إلى النظر
ولا الشك ،كما هي أقوال أرباب الكلام
المذموم، بل أئمة السلف كلهم متفقون على
أن أول ما يؤمر به العبد الشهادتان ، فالتوحيد
أول ما يدخل به في الإسلام، وآخر ما يخرج
به من الدنيا»(١)
٠
ثانيًا: على وجه التفصيل:
نوح عليه السلام.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ.
فَقَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ
إِّْ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
[الأعراف: ٥٩].
إبراهيم عليه السلام.
قال تعالى: ﴿وَإِّرَهِيمَ إِذْقَالَ لِقَوْمِهِ أَعْبُدُوا
اللَّهَ وَأَنَّقُوَةٌ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ
تَعْلَمُونَ (١)﴾ [العنكبوت: ١٦].
# هود عليه السلام.
قال تعالى: ﴿وَ إِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودَّأَ قَالَ
يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُ هُر إِنْ
أَنتُمْ إِلََّ مُقْتَرُونَ ﴾ [هود: ٥٠].
(١) شرح الطحاوية، ابن أبي العز ص ٢١.
٢٩٠
جَوَسُو
لِلْقُرآن الكَرِيمِ

الشرك
وقال تعالى: ﴿﴿ وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودَأُ قَالَ
يَنْقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُمْ أَفَلَا نَتَّقُونَ
[الأعراف: ٦٥].
٦٥
صالح عليه السلام.
قال تعالى: ﴿وَ إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَلِحَا
قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَاهِ
غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٧٣].
وَإِلَى تَمُودَ أَخَاهُمْ
وقال تعالى:
صَلِحَاً قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ يِّنْ
إَِهٍ غَيْرَةٌ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَّكُمْ فِيهَا
فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْإِلَيْهِ إِنَّ رَبِّ قَرِيبٌ مُحِبُ )﴾
[هود: ٦١].
وقال تعالى أيضًا: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَ ثَمُودَ
أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنْ أَعْبُدُواْ اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَيِقَانِ
يَخْتَصِمُونَ ﴾ [النمل: ٤٥].
شعيب عليه السلام.
قال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً
قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَّهِ
غيره,#
﴾ [الأعراف: ٨٥].
وقال تعالى أيضًا: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ
شُعَيْبًا فَقَالَ يَقَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَرْجُواْ أَلْيَوْمَ
اُلْآَخِرَ وَلَا تَعْثَوْاْ فِ الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ
[العنكبوت: ٣٦].
عیسی ابن مريم عبد الله ورسوله عليه
السلام.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ
إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ أَبْنُ مَرْيَدٌ وَقَالَ الْمَسِيحُ
يَبَنِىّ إِسْرَّهِيلَ أَعْبُدُواْ اللَّهَ رَنِ وَرَّكُمْ إِنَّهُ, مَن
يُشْرِكِ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَنُ
النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ
٧٢
[المائدة: ٧٢].
يعقوب عليه السلام.
قال تعالى: ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ
يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ
مِنْ بَعْدِى قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ ءَابَآيِكَ
إبْرَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْطَقَ إِلَهَا وَحِدًا وَنَحْنُ لَهُ.
مُسْلِمُونَ
[البقرة: ١٣٣].
١٣٣
يوسف عليه السلام.
قال تعالى: ﴿إِنِ اَلْحُكْمُ إِلَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا
تَعْبُدُواْ إِلَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الذِينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ
النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٤٠].
سيد البشر وخاتم الأنبياء والرسل
محمد صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ
﴿ لَآَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُّدُونَ ) وَلَآ أَنْتُمْ عَيِدُونَ
مَآ أَعْبُدُ لْ وَلَآَ أَنَا عَائِدٌ مَّا عَبَدُّمْ ن وَلَا أَنْتُمْ
عَِدُونَ مَا أَعْبُدُ لَكُمْ دِيِئُكُمْ وَلَِ دِينِ
﴾ [الكافرون: ١- ٦].
وفي صحيح البخاري من حديث ابن
عباس رضي الله عنهما قال: (لما بعث
النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل
إلى نحو أهل اليمن قال له: إنك تقدم على
قوم من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم
إلی أن یوحدوا الله تعالی، فإذا عرفوا ذلك،
www. modoee.com
٢٩١

حرف الشین
فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس
صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا صلوا،
فأخبرهم أن الله افترض عليهم زكاة في
أموالهم، تؤخذ من غنيهم فترد على فقيرهم،
فإذا أقروا بذلك فخذ منهم، وتوق كرائم
أموال الناس)(١).
هذه هي دعوة الأنبياء والتي بذلوا من
أجلها الغالي والنفيس، وتعاقبوا عليها على
مر التاريخ.
يقول سيد قطب رحمه الله: ((﴿يقومِ
أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾
فهي حقيقة واحدة يقوم عليها دين الله
كله، ويتعاقب بها الرسل جميعًا على مدار
التاريخ؛ فكل رسول يجيء إنما يقول
هذه الكلمة لقومه الذين اجتالهم الشيطان
عنها، فنسوها وضلوا عنها، وأشركوا مع
الله آلهة أخرى - على اختلاف هذه الآلهة
في الجاهليات المختلفة - وعلى أساسها
تدور المعركة بين الحق والباطل، وعلى
أساسها يأخذ الله المكذبين بها وينجي
المؤمنین»(٢).
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد،
باب ما جاء في دعاء النبي صلى الله عليه
وسلم أمته إلى توحيد الله تبارك وتعالى، رقم
٠١١٤/٩،٧٣٧٢
(٢) في ظلال القرآن ٣/ ١٣٠٤.
أساليب القرآن في محاجة المشركين
المحاجة: وردت مادتها في القران
الکریم في ثلاثة عشر موضعًا(٣)، وهو قريب
من الحوار والجدل ، وقد فسر الجدال
بالتحاج ، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَدِّلْ
عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٧].
أي : لا تحاجج عن الذين يخونون
(٤)
أنفسهم(٤).
ولقد اتبع القرآن العديد من الأساليب
لإثبات وحدانيته، ومن هذه الأساليب:
أولًا: أسلوب الإدراك الحسي:
قدم القرآن العديد من الأدلة الكونية التي
تثبت وجود الله ووحدانيته وتكشف عجز
آلهتهم وضعفها ، منها:
دليل الخلق والإبداع.
لقد خلق الله هذا الكون وأبدع في
خلقه، ومن إبداع خلق الله هو خلق الإنسان
والسماوات، ويعتمد هذا الدليل على إثارة
الفكر للتعرف على خالق الموجودات
جميعها ، والاستدلال بذلك على وحدانيته
تعالى، وهو أول دليل تلفت الآيات النظر
إليه (٥) .
(٣) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القران
الكريم، عبد الباقي ١٩٣ - ١٩٤.
(٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٣٧٨/٥، فتح القدير، الشوكاني ١/ ٥١١.
(٥) انظر: عقيدة التوحيد في القرآن الكريم، محمد
جَوَبُو بَرُ النَّفِيِّب
القرآن الكريم
٢٩٢