Indexed OCR Text

Pages 1-20

صَوْمُودَةُ النَّفِيَة المَوْضُوعِى
لِلْقُرْآنِ الْكِرِيْمِ
الشُرُك
عناصر الموضوع
مفهوم الشرك
٢٥٤
الشرك في الاستعمال القرآني
٢٥٥
الألفاظ ذات الصلة
٢٥٦
تنزيه الله تعالى عن الشركاء
٢٥٨
٢٦٦
أنواع الشرك في القرآن
٢٧٨
مراتب الشرك
٢٨١
أسباب الشرك
٢٨٩
الرسل ومحاربة الشرك
٢٩٢
أساليب القرآن فى محاجة المشركين
٢٩٥
أحكام تتعلق بالمشركين في القرآن
٣٠٢
عداوة المشركين للمسلمين
٣٠٧
الشرك في المثل القرآني
٣١٠
الآثار المترتبة على الشرك
المُجَلََّ التَّاشِعْ عَشِرِ

حرف الشین
مفهوم الشرك
أولًا: المعنى اللغوي:
شرك: قال ابن فارس: («الشين والراء والكاف أصلان، أحدهما يدل على مقارنة وخلاف
انفراد، والآخر يدل على امتداد واستقامة، فالأول الشركة، وهو أن يكون الشيء بين اثنين لا
ينفرد به أحدهما، ويقال: شاركت فلانا في الشيء، إذا صرت شريكه، وأشركت فلانا، إذا
جعلته شريكا لك، قال الله جل ثناؤه في قصة موسى: ﴿وَأَشْرِكُهُ فِ أَمْرِى )﴾﴾ [طه: ٣٢].))(١)،
وقد جاء بمعنى المخالطة (٢).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
عرفه عبد المحسن قاسم بقوله هو: ((دعوة غير الله معه)) (٣)، أو هو: ((مساواة غير الله بالله
فيما هو من خصائص الله)) (٤)، وقال ابو بكر الجزائري: هو ما ينافي التوحيد (٥)، وعرفه أ.د.
سعد عاشور بأنه ((اتخاذ الند مع الله تعالى سواء أكان هذا في الربوبية أو الألوهية أو الأسماء
والصفات، أي: جعل شريك مع الله في التوحيد))(٢)، ويغلب هذه التعريفات الصبغة العقدية
الصرفة، ولكن من خلال النظر في سياق القرآني الذي جاءت فيها ألفاظ الشرك يمكن القول
بأن الشرك هو: ((أن يكون مع الله ندًا أو مثيلًا فيما يخص الله من معتقد، أو عبادة، أو طاعة)).
العلاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي:
المعنى الاصطلاحي يتجه إلى المعنى الأول من المعاني اللغوية؛ إلا أنه يخص بجعل
الشريك مع الله.
(١) مقاييس اللغة ٢٦٥/٣.
(٢) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٤٤٨/١٠.
(٣) تيسير الوصول شرح ثلاثة الأصول، ص ٤٩.
(٤) المصدر السابق، ص ٥٠.
(٥) انظر: عقيدة المؤمن، ص ١٠٧.
(٦) التبيان شرح أركان الايمان، ص١٤٨.
جَوَسُو ◌َرَ
القرآن الكريم
٢٥٤

الشرك
الشرك في الاستعمال القرآني
وردت مادة (شرك) في القرآن الكريم (١٦٩) مرة، يخص موضوع البحث منها (١٦٣)
مرة (١).
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
١٨
[الأعراف: ١٧٣]
﴿وَإِذْ بَوَأْنَا لِإِبْرَهِمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِ
٥٢
شَيْئًا ﴾ [الحج: ٢٦]
المصدر
٥
﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ :
[لقمان: ١٣]
١٣
وَلَا شَرِيكَ لَهُ، وَيِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْتَلِينَ
١٦٣
الصفة المشبهة
٣
[الأنعام: ١٦٣]
وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَّكَآءَ اَلْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٠]
اسم فاعل
٤٩
﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌَّ﴾ [التوبة: ٢٨]
وجاء الشرك في الاستعمال القرآني على ثلاثة أوجه(٢):
الأول: الإشراك بالله، وهو أن يعدل به غيره، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَعْبُدُواْ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا
بدء شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]. أي: لا تعدلوا به شيئًا سواه.
الثاني: الشرك في الطاعة من غير عبادة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَآ ءَاتَمُهُمَا صَلِحًا جَعَلَاً لَّهُ
شُرَّكَآءَ فِيمَآ ءَاتَنُهُمَا﴾ [الأعراف: ١٩٠]. أي: جعلا إبليس شريكًا مع الله سبحانه.
الثالث: الرياء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا يُثْرِكْ بِعِبَادَةِ رَيِّدِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]. يعني: ولا
یرائي.
(١) انظر: المعجم المفهرس الشامل لألفاظ القرآن الكريم، عبد الله جلغوم، باب الشين، ص٦٦١ -٦٦٤.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر في القرآن الكريم، مقاتل بن سليمان، ص٢٦-٢٧، الوجوه والنظائر، الدامغاني،
ص٢٨٢.
www. modoee.com
٢٥٥
﴿أَوَ نَقُولُواْإِمَا أَشْرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّنْ بَعْدِهِمْ
الفعل المضارع
اسم
٣٦

حرف الشين
الألفاظ ذات الصلة
١
الكفر:
الكفر لغة:
الستر والتغطية، يقال لمن غطى درعه بثوب: قد كفر درعه، والمكفر: الرجل المتغطي
بسلاحه، وهو ضد الايمان، لأنه تغطية للحق (١).
الكفر اصطلاحًا:
((الجحود بالوحدانية أو النبوة، أو الشريعة، أو بثلاثتها))(٢).
الصلة بين الكفر والشرك:
((أن الكفر اسم يقع على ضروب من الذنوب فمنها الشرك بالله))(٣)، فالشرك يتعلق بالله
من ناحية التوحيد والعمل والطاعة، بينما الكفر يتعلق بالجحود والإنكار في نواحي الإيمان
والنعم الإلهية، فبينهما عموم وخصوص، فكل مشرك كافر، وليس كل كافر مشرك.
الإلحاد:
٢
الإلحاد لغة:
قال ابن فارس: اللام والحاء والدال أصل يدل على ميل عن استقامة، يقال: ألحد الرجل،
إذا مال عن طريقة الحق والإيمان (٤)
الإلحاد اصطلاحًا:
هو: ((الميل، والجور، والانحراف عن الإسلام، أو الإيمان))(٥).
الصلة بين الإلحاد والشرك:
ولما كان الشرك أن يجعل لله ندًا، والالحاد حيودًا عن الحق وانحرافًا عن المعتقد كان
الشرك وجهًا من وجوه الإلحاد، فالإلحاد أعم وأشمل من الشرك.
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١٩١/٥.
(٢) المفردات، الراغب الأصفهاني ص٤٧٩، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٧٩١/٢.
(٣) الفروق اللغوية، العسكري، ص٢٢٨.
(٤) انظر: مقاييس اللغة ٢٣٦/٥.
(٥) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٩/ ١٧٢.
جَوْنُورَةُ الَّفي
القرآن الكريمِ
٢٥٦

الشرك
التوحيد:
٣
التوحيد لغة:
من وحد يوحد توحيدًا، ووحد الشيء، أي: جعله واحدًا ونفى عنه التعدد (١)، وقال
ابن فارس: الواو والحاء والدال: أصل واحد يدل على الانفراد (٢)، فالتوحيد نسبة الانفراد
للشيء.
التوحيد اصطلاحًا:
عرفة الجرجاني بأنه (( ثلاثة أشياء: معرفة الله تعالى بالربوبية، والإقرار بالوحدانية، ونفي
الأنداد عنه جملة)) (٣)، وعرفة أبو بكر الجزائري بأنه: «نفي الكفء والمثل عن ذات الله
وصفاته وأفعاله، ونفي الشريك في ربوبيته وعبادته عز وجل))(٤).
الصلة بين الشرك والتوحيد:
في ضوء ما سبق من تعريف الشرك والتوحيد في اللغة والاصطلاح يتبين أن التوحيد
والشرك في مسألة ما نقيضان لا يجتمعان، فإن أشرك في المسألة فهو غير موحد بها، وإن
وحد نفی عن نفسه الشرك بها.
(١) انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، ص ١٠١٦.
(٢) مقاييس اللغة ٦ / ٩١.
(٣) التعريفات، ص٦٩.
(٤) عبادة المؤمن، ص٥٣.
www. modoee.com
٢٥٧

حرف الشين
تنزيه الله تعالى عن الشركاء
إن تنزيه الله عن الشرك واجب شرعي،
بل وضرورة شرعية؛ فقد نزه الله نفسه عن
الشرك، ونزهه جميع الرسل، كما نزهته
الملائكة، وجميع المؤمنين من الثقلين،
وقد تبرأ الله ممن أشرك به شيئا، وفيما يلي
تفصيل ذلك في النقاط الآتية:
أولًا: تنزيه الله تعالى نفسه عن
الشركاء:
لقد نزه الله سبحانه وتعالى في كتابه
العزيز نفسه عن الشركاء، وبين أنه الواحد
الأحد، الذي يستحق من عباده الإيمان به،
فهو المعبود الحق، الذي يجب أن نتوجه
إليه بالعبادة، فلا يستحقها أحد غيره، ويمكن
بيان ذلك فيما يأتي:
١. تنزيه الله تعالى نفسه عن الولد.
زعمت اليهود والنصارى أن الله سبحانه
اتخذ لنفسه ولدًا.
قال تعالى: ﴿ وَقَالَتِ اَلْيَهُودُ عُزَيْرُّ أَبْنُ
اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَرَى الْمَسِيحُ أَبْنُ اللَّهِ
ذَلِكَ قَوَّلُهُم بِأَفْوَهِهِمْ يُضَهِقُونَ
ج
قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَانَلَهُمُ اللَّهُ
أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾ [التوبة: ٣٠].
فرد الله عليهم في كتابه العزيز، مقيمًا
الحجة عليهم، وداحضًا زعمهم الباطل
جوبي
٢٥٨
◌ُ البَسَيَّة
القرآن الكريمِ
في کثیر من الآيات، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا
أَخَذَ اللهُ وَلَدَأُ سُبْحَنَّةٌ بَل لَّهُ مَا فِ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ، قَدِئُونَ ﴾ [البقرة: ١١٦].
قال الزمخشري: «فالله سبحانه نزه نفسه
عن ذلك، فكل ما في السموات والأرض هو
خالقه ومالكه، ومن جملته الملائكة وعزير
له قانتون منقادون، لا يمتنع
والمسيح كل
شيء منه تكوينه وتقديره ومشيئته، ومن
كان بهذه الصفة لم يجانس، ومن حق الولد
أن يكون من جنس الوالد، ويجوز أن يراد
كل من جعلوه لله ولدًا له قانتون مطيعون
عابدون مقرون بالربوبية منكرون لما أضافوا
إلیھم»(١).
فالله سبحانه أحد لم يتخذ صاحبة ولا
ولدًا، فمن كان له زوجة فھو لیس بإله ولا
يستحق العبادة، كذلك من كان له ولد، لذلك
دعا الله سبحانه أهل الكتاب إلى الانتهاء عن
قولهم : إن الله ثالث ثلاثة، وتوعدهم إن لم
ينتهوا عن ذلك بالعقاب الشدید.
قال تعالى: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَا
تَغْلُواْ فِ دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلَّا
اَلْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ رَسُولٌ
اللَّهِ وَكَلِمَتْهُ: أَلْقَنِهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ
فَثَامِنُواْ بِلَّهِ وَرُسُلِّهِ، وَلَا تَقُولُواْ ثَثَةُ أَنْتَهُواْ
خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ:
أَنْ يَكُونَ لَهُ، وَلَّدٌّ لَّهُ مَا فِىِ السَّمَوَاتِ وَمَا فِى
(١) الكشاف ١/ ١٨٠.

الشرك
[النساء:
الْأَرْضُِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (
١٧١].
فهذه الآية تبين حقيقة المسيح ابن مريم،
أنه عبد الله رسوله، وأنہ ابن مریم ولیس
ابنًا لله (١)، فالمسيح من جملة قوله تعالى:
﴿لَّهُمَا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ﴾ فالجميع
ملك لله، هو خالقهم ومدبر أمورهم، فکیف
يكون ابنا لله؟!(٢).
وفي قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآء
اَلِْنَّ وَخَلَقَهُمَّ وَخَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَتٍْ بِغَيْرٍ عٍِّ
سُبْحَكِنَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يَصِفُونَ ( بَدِيعُ
السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِّ أَنَّ يَكُونُ لَهُ، وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنَ لَّهُ:
صَحِبَةٌ وَخَلَقَّ كُلَّ شَىْءٌ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ
(١٠١)
[الأنعام: ١٠٠- ١٠١].
قال البيضاوي: «وفي الآية استدلال على
نفي الولد من وجوه:
الأول: أنه من مبدعاته السموات
والأرضون، وهي مع أنها من جنس ما
يوصف بالولادة مبرأة عنها لاستمرارها
وطول مدتها فهو أولى بأن يتعالى عنها، أو
أن ولد الشيء نظیره، ولا نظير له فلا ولد.
الثاني: أن المعقول من الولد ما يتولد من
ذكر وأنثى متجانسين ، والله سبحانه وتعالى
منزه عن المجانسة.
الثالث: أن الولد كفؤ الوالد، ولا كفؤ له
(١) انظر: النكت والعيون، الماوردي ١/ ٥٤٦.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٩/ ٤٢٤.
لو جهين: الأول :أن کل ما عداه مخلوقه، فلا
يكافئه. والثاني : أنه سبحانه وتعالى لذاته
عالم بكل المعلومات : ولا كذلك غيره
بالإجماع»(٣).
وزعم مشركو العرب أن الملائكة
بنات الله، قال تعالى: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ اَلْبَنَتِ
﴾ [النحل: ٥٧].
طحينة
٥٧
سُبْحَنَهُ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ (
فرد أباطيلهم بقوله: ﴿أَفَصْفَتَكُتْ رَبُّكُم
بَلْبَنِينَ وَاَّخَذَ مِنَ الْمَلَتِكَةِ إِنَّأَ إِنَّكُمْ لَنَقُولُونَ قَوْلًا
عَظِيمًا ﴾ [الإسراء: ٤٠].
قال ابن عطية: ((هذا تعديد لقبح قول
الكفار: الملائكة بنات الله ، ورد عليهم
من وجهين، أحدهما : نسبة النسل إلى الله
تعالى عن ذلك، والآخر : أنهم نسبوا من
النسل الأخس المكروه عندهم»(٤).
٢. تنزيه الله نفسه عن الأنداد.
قال تعالى: ﴿أَتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ
وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ
وَالْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلَّا
لِيَعْبُدُوَأْ إِلَهَا وَاحِدًا لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَّ
سُبُحَنَهُ, عَمَّا يُشْرِكُونَ
[التوبة: ٣١].
وصف الله اليهود والنصارى بضرب
من الشرك بقوله: ﴿أَّخَذُوَأْ أَحْبَارَهُمْ
وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ
(٣) أنوار التنزيل ٢/ ١٧٦.
(٤) المحرر الوجيز ٤٠١/٣.
www. modoee.com
٢٥٩

حرف الشین
وَالْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ﴾ والأكثرون من عاجزا، ويمتنع اجتماع مراديهما للتضاد.
وما جاء هذا المحال إلا من فرض التعدد،
فیکون محالًا ، فأما إن حصل مراد أحدهما
دون الآخر، كان الغالب هو الإله (٢)
المفسرين قالوا: ليس المراد من الأرباب
أنهم اعتقدوا فيهم أنهم آلهة العالم، بل المراد
أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم(١).
وقد نزه الله تعالى نفسه عن الشركاء
في الأمر والنهي، فقال: ﴿وَمَآ أُمِرُوَّا إِلَّا
لِيَعْبُدُواْ إِلَهَا وَحِدَالَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ
سُبْحَنَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:
٣١].
ونفى سبحانه وجود الشريك بقوله:
﴿ مَا أَتَّخَذَ اللّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍّ
إِذَا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَمٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضِ
سُبْحَنَ اللّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ [المؤمنون:
٩١].
ففي الآية دليل عقلي منطقي ينفي وجود
الشريك أو المثيل لله، حيث نزه تعالى نفسه
عن أن یکون له ولد أو شريك في الملك، فلو
قدر تعدد الآلهة، لانفرد كل منهم بما يخلق،
فلا ينتظم الوجود، والمشاهد أن الوجود
منتظم متسق، وفي غاية الإتقان والتكامل،
وهذا دليل على أن الإله واحد لا شريك له
في ملكه، والمتكلمون ذكروا هذا المعنى
وعبروا عنه بدلیل التمانع، وهو أنه لو فرض
صانعان فصاعدا، فأراد واحد تحریك جسم
وأراد الآخر سكونه، فإن لم يحصل مراد كل
واحد منهما كانا عاجزين، والإله لا يكون
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٣٠/١٦.
ويصدق ذلك قول الله تعالى: ﴿لَوْكَانَ
فِيهِمَآ ءَالِهَةُ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَأْ فَسُبْحَنَّ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ
عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ [الأنبياء: ٢٢].
وقوله تعالى: ﴿قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ مَاِهَةٌ كَمَا
يَقُولُونَ إِذَا لَّأَ بَنَغَوْاْ إِلَى ذِى الْعَرْنِ سَبِيلًا ( سُبْحَنَهُ.
وَتَعَلَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوَّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٤٢ -
٤٣].
﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهَ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَنَ اَلَّهِ عَمَّا
و قوله:
يُشْرِكُونَ ﴾ [الطور: ٤٣].
٣. تنزيه الله نفسه عن الشفعاء.
قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ
اَللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنَفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ
هَؤُلَاءِ شُفَعَتُؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَّتُونَ اللَّهَ بِمَا
لَا يَعْلَمُ فِ السَّمَوَتِ وَلَا فِي الْأَرْضَِّ سُبْحَنَهُ.
وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [يونس: ١٨].
فالآية توضح أن المشركين اتخذوا مع
الله شركاء، وظنوا أنهم سيشفعون لهم في
الآخرة، فبين سبحانه أن الشفاعة لا تكون إلا
لمن يأذن له تعالی بالشفاعة، فهي ليست حقا
لأحد، ولكنها عطاء ومنحة من الله تعالى ،
لذلك يقول: ﴿مَنْ ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٩١/٥.
مَوَسُولَةُ النفسي
القرآن الكريمِ
٢٦٠

الشرك
بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥](١)، ((فالشفاعة علاقة الذين زينوا لهم عبادة الأوثان، وأكثر
بين المشفوع والشفيع، فإذا كانت حقيقية
فلا بد أن يعلم المشفوع بها))(٢).
قال تعالى: ﴿يَوْمَيِذٍ لَّا نَفَعُ الشَّفَعَةُ إِلَّ مَنْ
أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِىَ لَهُ قَوْلًا (١٦)﴾ [طه: ١٠٩].
وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِهِمْ وَمَا
خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ أَرْتَضَى وَهُم مِّنْ
خَشْيَتِهِ، مُشْفِقُونَ ﴾ [الأنبياء: ٢٨].
والحقيقة التي لا تقبل الشك، أن الله
واحد أحد منزه عن الشركاء والوسطاء،
وهذا ما دلت عليه النصوص، وقد نزه الله
نفسه عن الشركاء في كتابه العزيز في أكثر
من آية ،وهذا بيان لها.
ثانيًا: تنزيه الملائكة الله تعالى عن
الشركاء:
﴿وَيَوْمَ يَحْثُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ
قال تعالى:
يَقُولُ لِلْمَلَئِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيََّكُرُ كَانُواْ يَعْبُدُونَ
قَالُواْ سُبْحَكَ أَنْتَ وَلِتُّنَا مِن دُونِهِمْ بَّ
كَانُواْ يَعْبُدُونَ الْجِنُّ أَكْثَرُهُم بِهِم ◌ُؤْمِنُونَ
٤١﴾ [سبأ: ٤٠ - ٤١].
فهذه الآية تبين أن الملائكة الكرام
يتبرؤون يوم القيامة من المشركين، ومن
عبادتهم إياهم، وینزهون الله تعالى أن يكون
له شريك في العبادة، فلا موالاة بينهم وبين
المشركين، بل إنهم كانوا يعبدون الشياطين
(١) انظر: تفسير الشعراوي ٢/ ١٠٩٨.
(٢) زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة ٣٥٣٨/٧
المشركين مصدقون للجن فيما يلقونه إليهم
من الوساوس، ومنها الأمر بعبادة غير الله
تعالى من الأصنام وغيرها (٣).
ثالثًا: تنزيه الرسل الله سبحانه وتعالى
عن الشركاء:
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ
ءَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ أَّخِذُوِ وَأَتِىَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ
اَللَّهِ قَالَ سُبْحَنَكَ مَا يَكُونُ لِيّ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ
لِ يِحَقِّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ، فَقَدٍ عَلِمْتَهُ، تَعْلَمُ مَا فِى
نَفْسِى وَلَآ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّمُ الْغُيُوبِ
١١٦
مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّ مَا أَمَرْتَنِ ◌ِ= أَنْ أَعْبُدُواْ اللّهَ
رَبِّ وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِهِمٌّ فَلَّا
تَوْفَّيْتَنِى كُنْتَ أَنتَ الَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ
شَىْءٍ شَهِيدٌ ﴾ [المائدة: ١١٦- ١١٧].
ففي الآية الكريمة بيان لقبح ادعاءات
النصارى، وبيان لركاكة ما ذهبوا إليه من
وصف الله تعالى بما لا يليق به سبحانه
وهو اتخاذ الزوجة والولد، وجعلوا من
ذلك دينا، فهذا سر سؤاله تعالى لعيسى
عليه السلام على رؤوس الأشهاد، ليقر عليه
السلام بالعبودية لله تعالى، وأنه ما أمرهم
إلا ليعبدوا الله تعالى، إلها واحدا لا شريك
له (٤).
.
(٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص٦٨١، التفسير المنير، الزحيلي ٢٠٢/٢٢.
(٤) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٤ /٢٩٩.
www. modoee.com
٢٦١

حرف الشین
ويقول محمد رشيد رضا: ((إن عيسى
عليه السلام بدأ جوابه بتنزيه الله عز وجل
عن أن یکون معه إله، فأثبت بهذا أنه على
علم يقيني ضروري بأن الله تعالى منزه في
ذاته وصفاته عن أن يشارك في ألوهیته»(١).
وقد ورد أيضًا ما يبين أن المرسلين قد
نزهوا الله عن أن يشاركه أحد في التصرف
في ملكه أو التحكم عليه.
قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَنْ تُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى
تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا ، أَوْ تَكُونَ لَكَ
جَنَّةٌ مِّن ◌َّخِيلٍ وَعِنَبِ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَرَ خِلَلَهَا
تَفْجِيرًا ) أَوْ تُشْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ
عَلَيْنَا كِسَفَا أَوْ تَأْتِىَ بِالَّهِ وَالْمَلَئِكَةِ قَبِيلًا
(٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِ
السَمَآءِ وَلَنْ تُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِلَ عَلَيْنَا
كِتَبَا تَقْرَؤُهُ، قُلْ سُبْحَانَ رَبِ هَلْ كُنْتُ إِلََّّ بَشَرًا
﴾ [الإسراء: ٩٠ - ٩٣].
رَّسُولًا
فهذه الآية تشير إلى أن الرسول بشر، لا
يأتي قومه إلا بالمعجزات التي يظهرها الله
على يديه، وليس لأحد أن يحكم على الله
تعالی، أو یتخیر علیه(٢).
قال الماتريدي: ((وقوله عز وجل: ﴿قُلّ
سُبْحَانَ رَچى﴾ أمره أن ینزه ربه عن أن یکون
لأحد الاحتکام علیه والحکم، والذي سألوه
احتكام منهم على الله))(٣).
(١) المنار ٢٢٢،٢٢١/٧.
(٢) انظر: مدارك التنزيل، النسفي ٢/ ٢٧٧.
(٣) تأويلات أهل السنة ١١٢/٧
وقال ابن عاشور في التحرير: «ولما كان
اقتراحهم اقتراح ملاحة وعناد أمره الله بأن
يجيبهم بما يدل على التعجب من كلامهم
بكلمة ﴿سُبْحَانَ رَبٍِّ﴾ التي تستعمل في
التعجب ، كما تقدم في طالع هذه السورة،
ثم بالاستفهام الإنكاري، وصيغة الحصر
المقتضية قصر نفسه على البشرية والرسالة
قصرا إضافیا، أي : لست ربا متصرفا أخلق
ما يطلب مني))(٤).
فالدعوة إلى الله وحده وتنزيهه
عن الشرك هي أعظم ما بعث من أجله
المرسلون.
قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ، سَبِيلِيَّ أَدْ عُوا إِلَى
اَللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِّ وَسُبْحَنَ اَللَّهِ وَمَآ أَنَاْ
مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [يوسف: ١٠٨].
ففي الآية بيان للسبيل الذي يدعو إليه
رسول الله صلى الله عليه وسلم ،وهي:
الدعوة إلى الله على بصيرة، وتنزيه الله تعالى
من الشركاء، والبراءة من المشركين (٥).
قال ابن باديس: «وكان من سبيل محمد
صلى الله عليه وآله وسلم أنه يدعو الخلق
إلى الله، وينزهه عن كل ما نسبه إليه
المبطلون وتخيله المتخيلون، وهو معنى
قوله: ﴿وَسُبْحَنَّاللَّهِ﴾، فهو يدعوهم إلى الله
الذي قد عرفوا وجوده بفطرتهم، وعرفوا أنه
(٤) التحرير والتنوير ٢١١،٢١٠/١٥.
(٥) انظر: تفسير ابن باديس، ص٣١٣.
٢٦٢
جوبيـ
القرآن الكريم

الشرك
هو خالق الكون وخالقهم، لا يسميه إلا بما متعددة من الشرك التي وقع بها المشركون
من أهل الكتاب، ونزه المؤمنون ربهم عنها،
وبيانها فما يأتي:
سمى به نفسه، ولا يصفه إلا بما وصف به
نفسه، ويعرفهم بآثار قدرته، ومواقع رحمته،
ومظاهر حكمته، وآيات ربوبيته وألوهيته،
ووحدانيته في جلاله وسلطانه، وینزهه عن
المشابهة والمماثلة لشيء من مخلوقاته لا
في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته،
ولا في أفعاله، وهذا التنزيه- وإن كان داخلًا
في الدعوة إلى الله - فإنه خصص بالذكر،
لعظم شأنه؛ فإنه ما عرف الله من شبهه
بخلقه، أو نسب إليه ما لا يليق بجلاله، أو
أشرك به سواه، وإن ضلال أكثر الخلق
جاءهم من هذه الناحية، فمن أعظم وجوه
الدعوة وألزمها، تنزيه الله تعالى عن الشبيه
والشريك، وكل ما لا يليق))(١).
رابعًا: تنزيه المؤمنين الله عن الشركاء:
وقد نزه المؤمنون ربهم عز وجل عن
الشركاء والأنداد، في معتقدهم وعبادتهم
وولائهم.
قال تعالى: ﴿قُلٌ يَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْاْ إِلَى
كَلِمَةٍ سَوَلْمٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُوْ أَلَّا نَعْبُّهَ إِلَّا اللَّهَ
وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا
أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَوْاْ فَقُولُواْ أَشْهَدُواْ
﴾ [آل عمران: ٦٤].
بأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)ـ
فهذه الآية الكريمة تناولت جوانب
(١) نفس المصدر السابق، ص ٣١٧.
١. ألا نعبد إلا الله.
٢. أن لا نشرك به شيئًا.
٣. أن لا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من
دون الله.
وذكر هذه الثلاثة؛ لأن النصارى جمعوا
بينها، فعبدوا غير الله ، وهو المسيح ابن
مريم، وأشركوا به غيره، وذلك لأنهم
يقولون : إنه ثالث ثلاثة، واتخذوا أحبارهم
ورهبانهم أربابا من دون الله، حیث کانوا
يطيعونهم في التحليل والتحريم ومعصية
الله، وكانوا يسجدون لأحبارهم، ولا معنى
للربوبية إلا ذلك (٢).
فأمر الله تعالی نبیه صلی الله عليه وسلم
أن یدعو أهل الكتاب إلى ما هو عليه حال
المؤمنين من توحيد الله عز وجل ونبذ
الشركاء في هذه المسائل، فإن المؤمنين
عبوديتهم خالصه لله تعالى لا يرجون من
طاعتهم إلا ابتغاء وجهه الكريم، وينزهونه
عن الشريك، ولا يطيعون في معصيته أحدًا،
ولا يسجدون إلا لله.
وقال تبارك وتعالى على لسان عباده
المؤمنين مبينًا إخلاص ولائهم لله عز
وجل: ﴿قَالُواْ سُبْحَتَكَ مَا كَانَ يَتْبَغِي لَّا أَنْ تَتَّخِذَ
(٢) انظر: مفاتح الغيب، الرازي ٢٥٢/٢.
www. modoee.com
٢٦٣

حرف الشين
مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءُ وَلَكِن مَّتَّعْتَهُمْوَءَابَاءَهُمْ
حَّ نَسُواْ اللَّكْرَ وَكَانُواْ قَوْمً بُورًا )﴾
[الفرقان: ١٨].
قيل : إن السؤال موجه في الآية لعزير
والملائكة وعيسى ابن مريم من العقلاء(١).
ويدخل في هذا السياق كل من عبد من
دون الله من المؤمنين والصالحين على
علی مدی الزمان، فهم یبرؤون إلى الله ممن
اتخذهم أربابًا من دون الله، ويقررون بأن
والولاء لا يكون إلا لله ولاء طاعة وعبودية
وانقياد.
وقال تعالى في شأن المؤمنين من الجن:
﴿يَهْدِىّ إِلَى الْرُّشْدِ فَشَامَنَا بِهِ، وَلَن نُشْرِكَ بِرَبِنَا أَحَدًا
٢) وَأَنَّهُ تَعَلَى جَدُّ رَمِنَا مَا أَتَّخَذَ صَحِبَةٌ وَلَا وَلَدًا
[الجن: ٢-٣].
ففي الآية دلالة على أعظم ما في دعوة
محمد صلى الله عليه وسلم وهو: توحيد
الله تعالى، ونبذ الشرك والمشركين، وقد
آمنت الجن أن القرآن كلام الله، بسماعه
مرة واحدة، في حين لم ينتفع كفار قريش،
بسماعه مرات، مع كون الرسول صلى الله
عليه وسلم منهم يتلوه عليهم بلسانهم، فالآية
بينت أن الجن نفوا عن أنفسهم الإشراك بالله
تعالى، ونزهوه تعالى عن اتخاذ الصاحبة
والولد، وبذلك أثبتوا وحدانية الله وامتناع
وجود شريك له ثم أثبتوا له القوة والعظمة،
(١) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٩٠/٨.
ونزهوه عن الحاجة والضعف باتخاذ
الصاحبة والولد، شأن العباد الذين يتعاونون
على أمور الحياة بالزوجة للسكن والألفة،
وبالولد للمؤازرة والتكاثر والأنس (٢).
وقد جاء في الكتاب العزيز كثير من
الآيات التي ينزه المؤمنون بها ربهم عن
الشركاء والأنداد ، وهذا بيانها:
قال تعالى: ﴿لَّكِنَّأْ هُوَ اللّهُ رَبِ وَلَا أُشْرِكُ
بِرَبِّ أَحَدًا ﴾ [الكهف: ٣٨].
وقال تعالي: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَنُ لِأَبْنِهِ، وَهُوَ
يَعِظُّهُ يَبُنَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ
عَظِيمٌ (٣)﴾ [لقمان: ١٣].
وقال تعالى: ﴿تَدْعُونَنِ لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ
وَأَشْرِكَ بِهِ، مَا لَيْسَ لِىِ بِهِ عِلَمٌ وَأَنَاْ أَدْعُوكُمْ
إِلَى الْعَزِيزِ الْفَفَّرِ ﴾ [غافر: ٤٢].
خامسًا: براءة الله ورسله من
المشركين:
قال تعالى: ﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَ رَسُولِ إِلَى الَّذِينَ
﴾ [التوبة: ١].
عَهَدْ تُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
وقال تعالى: ﴿ وَأَذَنٌّ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ»
إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجّ الْأَكْتَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِىٌّ مِّنَ
الْمُشْرِكِينٌ وَرَسُولُهُ، فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ
وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَأَعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى اَللَّهِ
[التوبة:
وَبَشْرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾
٣].
(٢) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٢٩/ ١٦١.
٢٦٤
القرآن الكريمِ

الشرك
لما كان المشركون بالله المصرون على إلى التأسي بإبراهيم ومن آمن معه ،
وجعلهم قدوة لهم في سيرتهم العملية التي
كانت من هداية الله تعالى لهم، وهي البراءة
من قومهم معبوداتهم ما داموا عابدين لها،
ولما كان وعد إبراهيم لأبيه بالاستغفار له
وهو المشرك ليس من هذا الهدى، بل كان
مسألة شاذة لها سبب خاص استثناها تعالى
من التأسي به، فقال: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرِهِيَمَ لِأَيْدِ
لَأَسْتَغْفِرَنَّلَكَ﴾(١).
شرکھم من أعدى أعداء الله ورسوله، تبرأ
سبحانه منهم وأمر رسوله أيضا بالتبرؤ منهم،
ومن عهودهم ومواثيقهم، وإن أكدوها
وغلظوها، فهذه براءة وإسقاط ذمة، ورفع
أمان من الله تعالى ورسوله صلى الله عليه
وسلم لما كان بين المؤمنين والمشركين من
عهود ومواثيق، فلا هدنة بعد اليوم، وصار
الحكم إما السيف، أو الإسلام فإن تابوا
ورجعوا عن الكفر والشرك إلى الايمان
والتوحید فھو خیرُ لهم، وإن أعرضوا عن
الإسلام والإيمان وأصروا على الشرك
والطغيان، فليسوا بمعجزي الله ولا غالبين
جنده.
وقد أثنى الله تبارك وتعالى في كتابه
العزیز علی إبراهيم علیه السلام ومن معه من
المؤمنين لتبرئهم من المشركين من قومهم،
وجعلهم قدوة حسنة ومثلًا يحتذى به في
توحیدهم لله عز وجل.
قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ مِّ
إِنَزِهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِ إِنَّا بُرَؤًا مِنْكُمْ
وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِكَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَاوَبَيْنَكُمُ
الْعَدَوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَحْدَهُ: إِلَّا
قَوّلَ إِبْرِهِيَمَ لِأَبِدِلَأَ سْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ
مِن شَىْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ
﴾ [الممتحنة: ٤].
وقد أرشد الله تبارك وتعالى المؤمنين
روى البخاري في الصحیح بسنده قال:
(لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه
النبي صلى الله عليه وسلم، وعنده أبو جهل
وعبد الله بن أبي أمية، فقال النبي صلى الله
عليه وسلم: (أي عم، قل: لا إله إلا الله ،
أحاج لك بها عند الله)، فقال أبو جهل،
وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب
عن ملة عبد المطلب، فقال النبي صلى الله
عليه وسلم: (لأستغفرن لك ما لم أنه عنك)،
﴿مَا كَانَ لِلنَّبِّ وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُواْ
لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِى قُرْبَى مِنْ بَعْدِ
مَا تَبَّنَ لَهُمْ أَّهُمْ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ
١١٣
[التوبة: ١١٣](٢).
ففي الحديث بيان لنهي الله تبارك وتعالى
لنبيه صلى الله عليه وسلم من الاستغفار
(١) انظر: المنار، محمد رشيد رضا ٧ /٤٩٧.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير،
باب قوله: (ما كان للنبي والذين آمنوا)، رقم
٦،٤٦٧٥ /٠٩٦
www. modoee.com
٢٦٥

حرف الشین
للمشرکین مهما تکن قرابتهم.
أما استغفار إبراهيم لأبيه فكما يبين
السياق القرآني في قوله تبارك وتعالى:
﴿وَمَا كَانَ أَسْتِغْفَارُ إِبْرَهِيمَ لِأَبِهِ إِلَّا عَنْ
مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّانَبَيِّنَ لَهُ, أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ
[التوبة:
تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَهِيمَ لَأَوَّهُ حَلِيمٌ (١)﴾
١١٤].
حيث دعا إبراهيم أباه للإيمان وترك
الأوثان، فوعده أبوه بأن يسلم، فقال إبراهيم:
لأستغفرن لك إن أسلمت، باعتبار أن هاء
تعود على إبراهيم،
الضمير في
وقيل : إن الهاء تعود إلى الأب على اعتبار
أن إبراهیم وعد أباه أن يدعو له ربه ويستغفر
له رجاء إسلامه، ويدل على المعنى الثاني
قراءة الحسن (وما كان استغفار إبراهيم
لأبيه إلا عن موعدةٍ وعدها أباه)، فلما تبين
لإبراهیم أن أباه عدو لله بموته علی الکفر
تبرأ منه وكف عن الدعاء له والاستغفار (١).
وقد جاء في السياق القرآني العديد من
الآيات الكريمة التي تبين براءة الله ورسوله
ورسله أجمعين من المشركين، فبراءة الله
ورسوله من المشركين تستوجب خذلانهم
في الدنيا وهزيمتهم ومهانتهم، وعذابهم في
الآخرة والانتقام منهم.
(١) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٣٩٥/٢.
جَوَبُوالَهُ النَّقِينَ
القرآن الكريم
أنواع الشرك في القرآن
أمر الله سبحانه وتعالى المؤمنين بعبادته
وتنزيهه عن كل الشركاء.
﴿ وَأَعْبُدُواْ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ
قال تعالى:
بِهِ، شَيْئًا وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا وَبِذِى الْقُرْبَ
وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَى
وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَمُبِ وَأَبْنِ
السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ إِنَّ اللّهَ لَا يُحِبُّ
[النساء:
مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٦)﴾
٣٦].
كما أمرهم سبحانه وتعالى أن يجعلوا
له في نفوسهم من التعظيم والتنزيه ما لا
يجعلوا لسواه، فأبی أکثر الناس إلا کفورًا،
فأشرك من أشرك وحاد من حاد، ونتناول في
هذا المبحث بعضًا من المطالب التي بين
القرآن الكريم فيها وقوع بعض الناس في
أنواع من الشرك، وبيانها فيما يأتي:
أولًا: الشرك في الاعتقاد:
١. شرك المحبة.
راعى القرآن الكريم الفطرة البشرية،
واعترف بمكوناتها ونزعاتها ورغباتها،
والحب أمر فطري مغروس في النفس
البشرية ومجبولة عليه، كحب الولد والمال
والنساء.
قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ
٢٦٦

الشرك
مِنَ الْنِسَآءِ وَاَلْبَنِينَ وَاَلْقَنَطِيرِ الْمُقَنَطَرَةِ
مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ
وَالْأَنَْمِ وَالْحَرْثِّ ذَلِكَ مَتَعُ الْحَيَوَةِ
الدُّنْيَّا وَاللَّهُ عِندَهُ, حُسْنُ الْمَعَابِ ﴾ [آل
عمران: ١٤].
لكنه مع ذلك بين أن هناك من المحبة ما
هو أعظم وأفضل ، وهي محبة الله ورسوله
صلى الله عليه وسلم ، وهي ثابتة في
الكتاب.
قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ
مِن دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبٍّ اللَّهِ وَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبَّا لِلَّهُ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوْ إِذْ يَرَوْنَ
اَلْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ
اَلْعَذَابِ ﴾ [البقرة: ١٦٥](١).
وجاءت هذه الآية الكريمة في سياق
الحديث عن وحدانية الله تعالى، وتفرده
بخلق السموات والأرض، وتسيير كل
ما فيها في نظام واحد، يدل على قدرته
ووحدانيته(٢).
فمن کان هذا شأنه فهو الذي يستحق من
عباده أن ينزهوه عن كل الشركاء والأنداد،
في كل جانب من جوانب حياتهم، فلا
یقدموا على محبته محبةً، فهو محبوب لذاته،
ومحبوب لجميل عطائه وكريم إنعامه، لذا
(١) وقد ورد في السياق القرآني ثلاث آيات
أخرى: آل عمران: ٣١، والمائدة: ٥٤،
والتوبة، ٢٤.
(٢) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٢٣٤/١.
نرى السياق القرآني يعجب ممن يتخذون
من أوثانهم وسادتهم التي يشركونها مع
الله في الطاعة نظراء لله، فيجعلون لهذه
الآلهة في قلوبهم نصيبًا من المحبة، كحب
المؤمنين لله، ولكن حقيقة الأمر أن حب
المؤمنين لله أشد وأصدق(٣).
وقد توعد الله من ساوى بين الخالق
والمخلوق في المحبة بالعذاب الأليم يوم
القيامة، كما قضى بفسق من قدم محبة شيء
من زينة الدنيا ومتاعها من مال وأهل وعشيرة
وتجارة على حب الله.
قال تعالى: ﴿قُلٌ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ
وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَتُكُمْ وَأَزْوَجَّكُمْ وَعَشِيَتُكُ
وَأَمْوَلُ أَقْتَرَفْتُمُوهَا وَنْجَرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا
وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ
اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ
حَّ يَأْتِى اَللّهُ بِأَمْيِهُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ
الْفَسِقِينَ ﴾ [التوبة: ٢٤].
والذي نخلص إليه: أن الذين يعدلون
أو يساوون في محبتهم لله تبارك وتعالى
أي مخلوق، فقد أشركوه مع الله عز
وجل ، وأعطوه ما لا يستحقه من المحبة
والإجلال (٤)
(٣) انظر: فتح القدير، الشوكاني ١/ ١٩٠.
(٤) انظر: مختصر تسهيل العقيدة الإسلامية،
الجبرين، ص٨٣.
www. modoee.com
٢٦٧

حرف الشین
٢. الخوف.
قال ابن فارس: ((الخاء والواو والفاء
أصل واحد يدل على الذعر والفزع، يقال :
خفت الشيء خوفا وخيفة)) (١).
وقال الأصفهاني: ((حقيقة خوف الله
امتثال أمره»(٢)
.
والخوف أمر فطري جبلت عليه النفس
البشرية كما الحب، وأقر القرآني الكريم
وجوده.
قال تعالى: ﴿وَأَلْقِ عَصَالٌ فَلَمَّا رَءَاهَا تَهْتَرُّ
كَأَنَّهَا جَانٌ وَلَى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبَّ يَمُوسَى لَا تَخَفْ إِلَا
يَخَافُ لَدَّ الْمُرْسَلُونَ ﴾ [النمل: ١٠].
فالخوف عند توافر دواعيه، من فزع
وحدوث خوارق وخلافه، مباح.
والخوف إذا اقترن معه التعظيم
والخضوع والمحبة لغير الله، أو اقترن معه
الاعتقاد بالنفع أو الضر من غير الله، أصبح
خوفًا شركيًا مذمومًا(٣).
وذلك من مفهوم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا
يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ
اَلْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَاتَ الزَّكَوَةَ وَلَمْ
يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَكَ أَنْ يَكُونُواْ مِنَ
الْمُهْتَدِينَ ﴾ [التوبة: ١٨].
وقد بين علماء التفسير أن المقصود من
(١) مقاييس اللغة ٢٣٠/٢.
(٢) تفسير الأصفهاني ٣/ ٩٩٥.
(٣) انظر: مختصر تسهيل العقيدة الإسلامية،
الجبرين، ص ٨١.
خشية الله في الآية هو عبادته وتعظيمه دون
سواه (٤).
وقد ذم الله وعاب هذ الخوف إذا صرف
لغيره، وأمر عباده المؤمنين بخشيته وقصر
هذا الخوف لذاته سبحانه وتعالى والخضوع
لسلطانه ،وبین ذلك في كتابه العزيز.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَنُ يُحَوِّفُ
أَوْلِيَآءَهُ، فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونٍ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ
﴾ [آل عمران: ١٧٥].
وقوله: ﴿﴿ وَقَالَ اَللَّهُ لَا نَتَّخِذُواْ إِلَهَيْنِ
أَثْنَيْنِّ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَحِدٌّ فَإِنَّنِىَ فَأَرْهَبُونِ
[النحل: ٥١].
وأثنى الله على عباده الذين أظهروا
خوفهم من الله، وتحملوا في سبيل ذلك
مشاق وتبعات التكاليف.
قال تعالى: ﴿لَيْنَ بَسَطَتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِنَقْتُلِ
مَآ أَنْ يِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَّ إِنَّ أَخَافُ اَللّهَ
﴾ [المائدة: ٢٨].
٢٨
رَبَّ الْعَلَمِينَ
٣. التوكل على غير الله.
أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بعبادته
والتوكل عليه في كتابه العزيز، فقال: ﴿ وَللَّهِ
غَيْبُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ.
فَأَعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَفِلٍ عَمَّا
تَعْمَلُونَ (٣)﴾ [هود: ١٢٣].
أي: ((قم بعبادته -وهي جميع ما أمر
الله به مما تقدر عليه- وتوكل على الله في
(٤) انظر: الجواهر الحسان، الثعالبي ١٦٩/٣.
مُوسَو ◌َر النفسي
جوبسين جر
الْقُرآن الكَرِيمِ
٢٦٨

الشرك
ذلك))(١).
وقد جعل التوكل من شروط صحة
فجعل التوكل على الله وحده هو ما يعين الإيمان بالله، فقال: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ
على صحة القيام بالتكاليف.
كما أمر عباده المؤمنين بالتوكل عليه
وجعله من تمام الإيمان، فقال: ﴿إِذْهَمَّت
◌َآيِفَتَانِ مِنكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَأُ وَعَلَ اللَّهِ
فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦)﴾ [آل عمران: ١٢٢].
أي: ((إن الألوهية من موجبات التوكل
علیه تعالى ، واللام في المؤمنین للجنس،
فيدخل فيه الطائفتان دخولا أوليًا، وفيه
إشعار بأن وصف الإيمان من دواعي التوكل
وموجباته))(٢).
ونھی عز وجل عباده المؤمنين عن اتخاذ
غيره وليًا، فقال: ﴿وَءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ
وَجَعَلْنَهُ هُدَى لِبَنِىَ إِسْرَِّيلَ أَلَّا تَتَّخِذُواْ مِن دُونِ
وَكِيلًا ﴾ [الإسراء: ٢].
أي: «أن لا تتخذوا شریکا تلجؤون إلیه،
وقد عرف إطلاق الوكيل على الله في لغة
بني إسرائيل)) (٣).
فجعل عز وجل الالتجاء إلى غيره
سبحانه وتعالى اعتقادًا شركًا به، لذا نهى
بني إسرائيل عن ذلك، والنهي هنا يشمل
المؤمنين جميعًا، لأن ذلك من أصول
العقيدة التي هي أصل التوحيد الذي شرعه
الله للناس أجمعين.
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٣٩٢.
(٢) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٧٩/٢.
(٣) التحرير والتنوير، بن عاشور ٢٥/١٥.
يَخَافُونَ أَنَّعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِمَا أَدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ
اَلْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَلِبُونَّ وَعَلَى
اللَّهِ فَتَوَّكَّلُواْ إِن كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [المائدة:
٢٣].
أي: ((إن التوكل الحق لا يكون إلا من
قلب مذعن مؤمن بالله مخلص له، مجيب
لما يأمر وينهى، ولذلك قرن التوكل بقوله:
﴿إِنْ كُتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾))(٤).
وقد جاء الحديث عن التوكل في
القرآن في قرابة سبعين آية من آياته في أربع
وعشرين سورة مكية ومدنية، وذلك لمكانة
هذه العبادة القلبية العظيمة وأثرها في حياة
الأمة المسلمة.
وقد جاءت هذه الآيات الكريمة لتبين أن
التوكل على الله عز وجل هو السمة المميزة
للمؤمنين الصادقین، فالله لا يأمر نبيه صلى
الله عليه وسلم أو عباده المؤمنين بأمر إلا ما
فیه من الخير والرشاد ما يصلح حالهم وما
فيه تمام إيمانهم، ففي الآية الأولى قرن عز
وجل بين العبادة والتوكل.
والذي نخلص إليه : أن التوكل الذي هو
عمل قلبي يجعل الإنسان يعتقد أن الضر
والنفع معقود بهذا الوكيل، وذلك لا يكون
إلا لله.
(٤) زهرة التفاسير، أبو زهرة ٤ /٢١١٦.
www. modoee.com
٢٦٩

حرف الشین
٤. الرياء.
جعل سبحانه وتعالى الرياء في العمل
إشراكًا به في العبادة ومنافيًا للتوحيد ، فقال:
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَىَّ أَنََّا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ
وَحِلٌّ فَ كَانَ يَرْحُوْلِقَاءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحًا وَلَا
يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّدِ أَحَدًا ﴾ [الكهف: ١١٠].
فقوله عز وجل: ﴿فَ كَانَ يَرْجُو ◌ْلِقَآءَ رَبِّهِ﴾
أي: من كان يرجو ثوابه وجزاءه الصالح،
﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحًا﴾، أي: موافقًا لشرع
الله، ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَيِِّ أَحَدَاً﴾ وهو الذي
يراد به وجه الله وحده لا شريك له، وهذان
رکنا العمل المتقبل عند الله، لا بد أن يكون
خالصا لله، صوابًا، على شريعة رسول الله
صلى الله عليه وسلم، وفي الحديث أن
رجلًا قال: (يا رسول الله، إني أقف المواقف
أريد وجه الله، وأحب أن يرى موطني. فلم
يرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم
شيئًا،. حتى نزلت هذه الآية: ﴿فَ كَانَ يَرْجُواْ
لِقَاءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِِّ
أَحَدَأْ﴾﴾(١) (٢).
فقد جاء الرد من العليم الحكيم قرآنًا
يتلى إلى يوم القامة، شافيًا لكل من يريد
أن یعرف الرياء، فهو إشراك بالله عز وجل،
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب الجهاد
رقم ٢،٢٥٢٧/ ٠١٢٢
وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ولم
يتعقبه الذهبي.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن کثیر ٢٠٥/٥.
القرآن الكريمِ
فمن يرغب عن الشرك في العمل فعليه
تجريد عمله من كل الأهواء، وإخلاص نيته
عن کل الشركاء.
ولما كان الرياء نقيض الإخلاص ، وقد
عاب الله الرياء، فقد أمر المؤمنين بإخلاص
العبودية له، وجعل أهل العلم إخلاص النية
لله الأساس لكل عمل.
قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوَاْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللّهُ
◌ُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُواْ
الزَّكَوَةُ وَذَلِكَ دِينُ اَلْقَيِّمَةِ ﴾ [البينة: ٥].
﴿مُخْلِصِينَ لَهُ
وفي معنى قوله عز وجل:
اُلِدِينَ حُنَفَآءَ﴾ أي: ((موحدين لا يعبدون سواه
حنفاء على دين إبراهيم))(٣).
وقد حذر الله عز وجل عباده المؤمنين
من الرياء، وجعله من أعمال المنافقين.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَفِقِينَ يُخَدِّعُونَ اللّهَ
وَهُوَ خَدِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلَوَةِ قَامُواْ
كَُالَى يُوَآءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلَّا قَلِيلًا
﴾ [النساء: ١٤٢].
١٤٢)
فهذه صفة المنافقين في أشرف الأعمال
وأفضلها وخيرها، وهي الصلاة، إذا قاموا
إليها قاموا وهم كسالى، فما بالك بغيرها
من سائر الأعمال، إنهم لا نية لهم فيها،
ولا إيمان لهم بها ولا خشية، ولا يعقلون
معناها، ﴿وَ إِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلَوَةِ قَامُواْ كُسَالَ﴾
فهذه صفة ظواهرهم، ثم ذكر تعالى صفة
(٣) زاد المسير، ابن الجوزي ٤ / ٤٧٦.
٢٧٠

الشرك
بواطنهم الفاسدة، فقال: ﴿يُرَآءُونَ النَّاسَ﴾
أي: لا إخلاص لهم ولا معاملة مع الله بل
إنما يشهدون الناس تقية من الناس ومصانعة
لهم(١).
وهذا هو معنى الإشراك بالله تعالى في
الطاعة والنية.
وقد قرن الله تبارك وتعالى بين النفاق
وعدم الإيمان بالله فقال: ﴿وَالَّذِينَ
يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ رِشَآءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ
بِاللَّهِ وَلَا بِأَلْيَوْمِ الْآَخِرِّ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ.
قَرِينًا فَسَآءَ قَرِينًا )﴾ [النساء: ٣٨].
٥. الطيرة.
التطير صفة أعداء الرسل في كل زمانٍ
ومكانٍ، فهي لم تكن موجودةً قبل الإسلام
فحسب؛ بل استمرت معهم بعد الإسلام
إذ تطيروا من سيدنا محمد صلى الله عليه
وسلم ودعوته.
وهذا يفهم من قوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا
تَكُونُواْ يُدْرِكِكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُمْ فِ بُرُوجِ مُشَيِّدَةٍ
وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِنِدِ اَللَّهِ وَإِن
تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ، مِنْ عِندِكْ قُلْ كُلٌّ مِنْ
عِندِ اللّهِ قَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا
﴾ [النساء: ٧٨].
٧٨
فكان إذا أصاب المنافقين الخصب،
والنماء، وكثرة الأولاد، قالوا: هذا من عند
الله، وإن أصابهم القحط، ونقص في الثمار
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٣٨/٢.
والأولاد أو غير ذلك، نسبوا ذلك لسبب
اتباعهم النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال
تعالى: ﴿قُلْ كُلُّ مِّنْ عِندِ اللّهِ ﴾ أي: بقضائه
وقدره، وهو جارٍ على المؤمن والكافر على
السواء.
وقد ورد في سبب نزول قوله تعالى:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيِّرُ
أَحْمَأَنَّ يِّ وَإِنْ أَصَابَهُ فِئْنَةُ أَنْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ،
خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ
[الحج: ١١]. أن الأعراب کانوا إذا ما
آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، فصحوا،
وولدت نساؤهم الغلمان، وأنتجت بهائمهم،
قالوا : ما أصابنا منذ دخلنا في هذا الدين إلا
الخیر، وإن أصابهم همٍّ ووجعٌ، وحلت بهم
الكروب، وسوس إليهم شيطانهم أنه ما
أصابهم منذ دخولهم في دین محمد صلى
الله عليه وسلم إلا الشر، فينقلبوا عن دينهم
خاسرين(٢).
ومما سبق يتضح أن القرآن الكريم ذم
التطير، والمتطيرين، وجعل هذه الصفة
ملازمةً لأعداء رسله وأتباعهم، تنفیرًا منها،
وإظهارًا لخطورتها على عقيدة المؤمن،
فالمؤمن الحق هو الذي يسلم أمره لربه
ويحسن التوكل عليه، ويعلم أن كل ما أصابه
من خيرٍ أو شر جارٍ بقضاء الله وقدره.
كما يلاحظ توافق الكافرين في موقفهم
(٢) انظر: أسباب النزول، الواحدي، ص٣٠٧.
www. modoee.com
٢٧١

حرف الشین
من الرسل عليهم السلام، والتقائهم على
التطير منهم، وذلك نظرًا للكفر الجامع
بينهم، الأمر الذي جعلهم شركاء في الذم.
قال السعدي في حق المتطيرين: «فلما
تشابهت قلوبهم بالكفر تشابهت أقوالهم
وأعمالهم، وهكذا كل من نسب حصول
الشر أو زوال الخیر لما جاءت به الرسل أو
لبعضه، فهو داخلٌ في هذا الذم الوخيم))(١).
وتجدر الإشارة إلى أنه لا تعارض بين
الآيات، قال تعالى: ﴿أَلَآَ إِنَّمَا طَبِرُهُمْ عِندَ
اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٣١].
وقوله تعالى: ﴿قَالُواْ طَيْرَّكُمْ مَعَكُمْ﴾
[يس: ١٩].
بل كل منهما محققٌ للآخر ومتممٌ لمعناه،
فقوله تعالى: ﴿طَِرَّكُمْ مَعَكُمْ﴾، أي: أن الله
هو المقدر لهذا الشيء ولیس غيره سبحانه،
فهي في بیان سبب حصول الشؤم لهم، فهو
بسبب كفرهم ومعصيتهم(٢)، فالله قدر
السوء والشر لهم بأعمالهم جزاءً عليها(٣).
ثم أخبر سبحانه وتعالى أن كل ما يجري
على ذلك العبد من نعمةٍ أو مصيبةٍ من عنده
تعالى (٤)، فقال: ﴿قُلْ كُلُّ مِّنْ عِنْدِ اللّهِ﴾ [النساء:
٧٨].
(١) تيسير الكريم الرحمن، ص١٨٨.
(٢) انظر: القول المفيد على كتاب التوحيد، ابن
عثيمين ٢/ ٧٩- ١٠٠.
(٣) انظر: الحسنة والسيئة، ابن تيمية، ص ٣٩.
(٤) انظر: شفاء العليل، ابن القيم ٣٣/٢.
جَوَنُور
القرآن الكريمِ
وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم
في أحاديث كثيرة، حكم التطير، وكونه من
الشرك، فقال صلى الله عليه وسلم: (الطيرة
من الشرك)(٥).
وعلى هذا فإن قوله: (من الشرك)، دلالة
على كونه من الشرك الأصغر، لأنه اعتمد
على سببٍ لم يجعله الله تعالى سبيًا، ((إِن
كل إنسانٍ اعتمد على سببٍ لم يجعله الشرع
سببًا، فإنه مشرك شركًا أصغر)) (٦).
قال الطاهر بن عاشور: «التطير من شعار
أهل الشرك لأنه مبني على نسبة المسببات
لغير أسبابها، وذلك من مخترعات الذين
وضعوا لهم ديانة الشرك وأوهامها)»(٧).
أما إذا اعتقد أنها مؤثرة بذاتها، فهذا عين
الشرك الأكبر المخرج من الملة (٨).
ثانيًا: الشرك في الأعمال:
١. الشرك في الطاعة.
تعد الطاعة من أعظم أنواع العبادات التي
أمر الله بها.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُوا اللَّهَ
وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْيِ مِنْكُمْ فَإِن نَزَعْنُمْ فِ شَىْءٍ
(٥) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب السير، باب
ما جاء في الطيرة، رقم ١٦١/٤،١٦١٤.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٧٣٢/٢، رقم ٣٩٦٠.
(٦) انظر: القول المفيد، ابن عثيمين ٢/ ٩٣.
(٧) التحرير والتنوير ٩/ ٦٦.
(٨) انظر: القول المفيد، ابن عثيمين ٢/ ٩٤.
٢٧٢