Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
-"أَ عَليْهُ السَّلام
شِغَيْت
وُ
عناصر الموضوع
التعريف بشعيب عليه السلام
٣١٤
ذكر شعيب عليه السلام في القرآن
٣٢١
معجزة شعيب عليه السلام
٣٢٢
معالم دعوة شعيب عليه السلام
٣٢٥
موقف قوم شعيب عليه السلام منه
٣٣٢
عاقبة قوم شعيب عليه السلام
٣٣٧
٣٤٢
الدروس المستفادة من قصة شعيب
المُجَلَ التَّاشِعْ عَشَرِ

حرف الشین
التعريف بشعيب عليه السلام
أولًا: اسمه ونسبه:
هو نبي الله شعيب عليه السلام، وشعيب تصغير شعب أو شعب بكسر الشين وفتحها(١).
وقيل: هو اسم مرتجل، وهو ابن نويلى أو نويب بن رعويل بن عيفا بن مدين : ومدين هو
ابن إبراهيم عليه السلام(٢).
وقد اختلف المفسرون في الذي زوج ابنته موسی علیه السلام، فبینما یری جمع أنه لیس
هو شعيب النبي، ويجزم ابن عاشور بأنه هو ، وأن موسى قد تزوج ابنته المسماة صفوره(٣).
وإلى مثله ذهب الدكتور عبد الكريم زيدان حيث قال: (أرسل الله تعالى رسوله شعيبا إلى
مدين، ثم استشهد بقوله تعالى: ﴿ وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾
[القصص: ٢٣].
وقال: وهم أصحاب الأيكة، فدعاهم شعيب عليه السلام إلى عبادة الله وحده)(٤).
وهذا فيه نظر ؛ فإن موسى قد جاء بعد شعيب عليهما السلام بعشرات السنين (٥).
وقد فصل الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى هذه المسألة في رسالة خاصة بقصة شعيب
عليه السلام، فبعد أن نقل الأقوال عن كتب التفسير وغيرها قال: فهذه كتب التفسير التي
تروي بالأسانيد المعروفة عن النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين لم يذكر فيها عن أحد أنه
شعيب النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن نقلوا بالأسانيد الثابتة عن الحسن البصري أنه قال:
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن ٢٤٨/٧.
(٢) انظر: البداية والنهاية، ابن كثير ١ / ٤٠٧ ذكر أولاد إبراهيم الخليل عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام،
ونقل عن محمد بن إسحاق أنه شعيب بن ميكيل بن يشجر، قال: واسمه في السريانية : يثرون.
انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٣٧٠.
وذهب إلى هذا الدكتور أحمد الكبيسي في كتابه القصص القرآني ص ١١١ حيث قال: إنه الابن الرابع
لإبراهيم عليه السلام وقد تزوج مدين من ابنة لوط عليه السلام فكثر الله نسله.
وقد شكك الدكتور فضل عباس رحمه الله تعالى في كون مدين ابنا لإبراهيم عليه السلام، وقال ص
٤٥٤ في كتابه قصص القرآن: إن القضية تحتاج إلى تحقيق تأريخي، لذا فإني لا أستريح إلى ما رجحه
صاحب المنار رحمه الله، لكني لا أجزم برأي؛ لأن الجزم يحتاج إلى تحقيق، وذكر بأن إبراهيم قد
رزق إسماعيل وإسحاق عليهم السلام على كبر، فمتى تزوج هذه المرأة، وولدت له هذا العدد من
الأولاد؟ أقول: وقد نقله رشيد رضا عن الإمام النووي في تهذيب الأسماء واللغات كما سيأتي.
(٣) انظر: التحرير والتنوير ٨/٢/٢٤٠.
(٤) انظر: المستفاد ٢٣٧/١.
(٥) انظر: القصص القرآني، الخالدي ص ١١.
٣١٤
جوبيه
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ

شعيب عليه السلام
يقولون : إنه شعيب ، وليس بشعيب ، ولكنه سيد الماء يومئذٍ(١).
فالحسن يذكر أنه شعيب عمن لا يعرف ، ويرد عليهم ذلك ، ويقول : ليس هو شعيب،
وإن كان الثعلبي قد ذكر أنه شعيب فلا يلتفت إلى قوله؛ فإنه ينقل الغث والسمين (٢).
فمن جزم بأنه شعيب النبي فقد قال : ما ليس له به علم وما لم ينقل عن النبي صلى الله
عليه وسلم ولا عن الصحابة ولا عمن يحتج بقوله من علماء المسلمين ، وخالف في ذلك ما
ثبت عن ابن عباس والحسن البصري ، مع مخالفته أيضًا لأهل الكتابين، فإنهم متفقون على
أنه ليس هو شعيب النبي، فإن ما في التوراة التي عند اليهود والإنجيل الذي عند النصارى أن
اسمه يثرون، وليس لشعيب النبي عندهم ذكر في التوراة.
وقد ذكر غير واحد من العلماء أن شعيبًا كان عربيًا، بل قد روي عن أبي ذر مرفوعًا
إلى النبي صلى الله عليه وسلم رواه أبو حاتم وغيره: ( أن شعیبًا کان عربيًا، وكذلك هود
وصالح)(٣).
وموسى كان عبرانيًا، فلم يكن يعرف لسانه، وظاهر القرآن يدل على مخاطبة موسى
للمرأتين وأبيهما بغير ترجمان(٤).
وذكر القرطبي أن اسم شعيب بالسريانية بيروت، ونقل أقوالا في نسبه، واختلافًا في اسم
أبيه، وكذا فعل الشوكاني وغيرهما من المفسرين، ولسنا بحاجة إلى الوقوف عند هذا طويلًا،
مع أن الكثيرين عدوه من ولد مدين بن إبراهيم عليهم السلام(٥).
وبعد أن نقل رشيد رضا رحمه الله تعالى ما في الأسفار من أقوال في اسمه ونسبه قال:
وأما علماؤنا فقال بعضهم كأبي عبيدة من حملة اللغة والبخارى من المحدثين والمؤرخين:
إن مدين بلدٌ (٦).
وإن قوله تعالى: ﴿وَإِلَى مَذْيَنَ﴾ فيه حذف المضاف: إلى أهل مدين، وهو غلطٌ. وأما
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره، ٩/ ٢٩٦٥، رقم ١٨٣٣.
(٢) قال الثعلبي في الكشف والبيان ٧/ ٢٤٤: فقال مجاهد والضحاك والسدي والحسن: هو شعيب النبي
صلى الله عليه وعلى جميع الأنبياء.
(٣) أخرجه ابن حبان في صحيحه مطولاً من حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه، كتاب البر والإحسان،
باب ذكر الاستحباب للمرء أن يكون له من كل خير حظ ٧٦/٢-٧٧، رقم ٣٦١، بلفظ: (وأربعة من
العرب هود وشعيب وصالح ونبيك محمد صلى الله عليه وسلم).
(٤) انظر: جامع الرسائل ١ / ٦٣.
(٥) انظر: الجامع لأحكام القرآن ٢٤٧/٧-٢٤٨.
(٦) انظر: فتح الباري، ابن حجر ٢٦٢/٨ -٢٦٣.
www. modoee.com
٣١٥

حرف الشین
شعيبٌ فقد قال النووي في تهذيب الأسماء واللغات: هو ابن میکیل بن یشجر بن مدین بن
إبراهيم عليه السلام(١).
وقيل: إن جده يشجر بن لاوى بن يعقوب عليهم السلام ، وقال الحافظ في الفتح: هو
شعيب بن ميكيل بن يشجر بن لاوى بن يعقوب. كذا قال ابن إسحاق ، ولا يثبت.
وقيل: هو شعيب بن صفور بن عنقا بن ثابت بن مدين ، وكان مدين ممن آمن بإبراهيم
لما أحرق.
وروى ابن حبان في حديث أبي ذرِ الطويل: ((أربعةٌ من العرب: هودٌّ وصالحٌ وشعيبٌ
ومحمدٌ». فعلى هذا هو من العرب الخلص (٢).
ولا يترتب على هذا الخلاف كبير فائدة ولا عظيم أهمية، إذ لا تأثير لذلك على ما نحن
بصدده من بيان هدايات هذه القصة.
وذكر بعض المفسرين في وصفه بالضعف في قوله تعالى حكاية عن قومه: ﴿وَإِنَّا لَغَرَكَ
فِینَاضَعِيفًا﴾ [هود: ٩١]: أنه كان ضریر البصر أعمى، أو أنه کان ناحل البدن، قال ابن عطية
بعد أن نقل قول من قال بذلك: وهذا كله ضعيف، ولا تقوم عليه حجة بضعف بصره أو
بدنه، والظاهر من قولهم: ﴿ضَعِيفًا﴾ أنه ضعيف الانتصار والقدرة، وأن رهطه الكفرة كانوا
يراعون فيه (٣).
وقد كان شعيب عليه السلام من المرسلين المؤيدين بالمعجزة، كما قال صلى الله عليه
وسلم: (ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا
أو حاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة) (٤).
واختلف في معجزته؛ لأن الله تعالى لم يذكرها صراحة، لكنه قال على لسانه: ﴿قَدْ
جَآءَتَكُم بَيِّنَةٌ مِّنْ رَّبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٨٥].
فما هي هذه البيئة؟ الظاهر أنها معجزة قامت بها الحجة عليهم لم يذكرها القرآن الكريم،
كما أنه لم يذكر معجزة هود ونوح عليهم السلام.
(١) انظر: تهذيب الأسماء واللغات ٢٤٦/١.
(٢) انظر: المنار، محمد رشيد رضا ٨/ ٤٦٧، فتح القدير ٢٢٤/٢، فقد نقل الشوكاني طرفا من تلك
الأقوال.
(٣) انظر: المحرر الوجيز ٣٨٤/٧.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل القرآن، باب كيف نزل الوحي، ١١/ ١٩٣، رقم ٤٩٨١،
ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إلى
جميع الناس، رقم ١٥٢.
٣١٦
جويق
القُرآن الكَرِيْمِ

شعيب عليه السلام
ونبي الله شعيب هو خطيب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقد جاء ذلك في حديث
مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم عن محمد بن إسحاق قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم - فيما ذكر لي يعقوب بن أبي سلمة - إذا ذكر شعيبا قال: (ذاك خطيب الأنبياء
لحسن مراجعته قومه، فیما یرادهم به)(١).
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن وهب قال: سمعت مالكا يقول: كان شعيب عليه الصلاة
والسلام خطيب الأنبياء(٢).
وهذه فضيلة مهمة لسيدنا شعيب عليه السلام، لاسيما في باب النصح الذي اتسمت به
دعوته، ولا يخفى ما للخطيب المفوه من قدرة على إقناع المستمعين، وإقامة الحجة على
المعاندين، بحيث لا يجدون فكاكا عن أحد الأمرين، إما الإيمان به وإجابته، وإما إلزامهم
بصدق دعوته.
ثانيًا: قوم شعيب:
نجد في قصة شعيب عليه السلام التي ذكرها الله تعالى في كتابه الكريم ذكر أهل مدين
وأصحاب الأيكة، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف: ٨٥].
٢٧﴾ [الشعراء:
وقوله تعالى: ﴿كَذَّبَ أَصْحَبُ لَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (٣٦) إِذْقَالَ لَمْ شُعَيْبُ أَلَا نَتَّقُونَ (
١٧٦-١٧٧].
ونظرائها من الآيات.
فهل أهل مدين هم أصحاب الأيكة، أم هما قومان، وأن شعيبا عليه السلام قد أرسل
إليهما؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين، فمنهم من يرى الأول، ومنهم من يرى الثاني، ولكل
دليله على ما ذهب إليه، وسنختصر القول في ذلك، إذ لا يترتب على هذا الخلاف كبير ثمرة
في ما نحن بصدده من عرض قصة شعيب عليه السلام، وبيان دعوته وأمانته في تبليغ رسالة
ربه، فهو قد صدق في النصح لقومه سواء كانوا أمة واحدة أم أمتين مختلفتين ، فنقول:
ذهب الإمام الطبري إلى أنهما أمتان ، وأن شعيبا أرسل إليهما ، فكفرتا ، فعذبهما الله
تعالى بعذابين مختلفين، أهل مدين بالصيحة، وأصحاب الأيكة بالظلة(٣)، كذا نقله ابن عطية
(١) أخرجه ابن جرير في تفسيره، رقم ١٤٨٦٩، عن ابن إسحاق.
(٢) أخرجه في تفسيره، رقم ١،٦٦٢/ ٣٦٣.
(٣) انظر: جامع البيان ١٢٤/١٧، وفيه: ذكر لنا أنه سلط عليهم الحر سبعة أيام، لا يظللهم منه ظل، ولا
www. modoee.com
٣١٧

حرف الشین
عن الطبري وسكت عنه، فكأنه ارتضاه(١).
ويستفاد من كلام الرازي أنه يقول بذلك، فإنه بعد أن بين أن الضمير في قوله تعالى:
﴿وَإِنَّهُمَا لِبِإِمَامِ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩] يعود إلى أصحاب مدین والأیکة، لأن شعيبا کان مبعوثا
إليهما ، قال: فإن قيل: هلا قال :أخوهم شعیب ، کما في سائر المواضع؟ جوابه: إن شعيبا
لم يكن من أصحاب الأيكة(٢).
وقال في تفسير سورة الشعراء: وروي أن شعيبا بعث إلى أمتين أصحاب مدين وأصحاب
الأيكة(٣).
وبعد أن بين الألوسي معنى الأيكة وأنها الغيضة التي تنبت ناعم الشجر ، قال: وهي
غيضة من ساحل البحر إلى مدين يسكنها طائفة، وكانوا ممن بعث إليهم شعيب عليه السلام
، وكان أجنبيا منهم، ولذلك قيل ﴿إِذْقَالَ لَمْ شُعَيْبُ أَلَا نَتَّقُونَ﴾ ولم يقل أخوهم، وقيل: الأيكة
الشجر الملتف، وكان شجرهم الدوم، وهو المقل، وعلى القولين أصحاب الأيكة غير أهل
مدين، ومن غريب النقل عن ابن عباس أنهم هم أصحاب مدين (٤).
وانتصر لهذا ابن عاشور فبعد أن نقل بعض أقوال العلماء في ذلك قال: ((والأظهر أن
أهل الأيكة قبيلة غير مدين، فإن مدين هم أهل نسب شعيب ، وهم ذرية مدين بن إبراهيم من
زوجه (قطورة)، سكن مدين في شرق بلد الخليل، كما في التوراة ، فاقتضى ذلك أنه وجده
بلدا مأهولا بقوم فهم إذن أصحاب الأيكة، فبنى مدين وبنوه المدينة، وتركوا البادية لأهلها،
وهم سكان الغيضة)»(٥).
وذكر الدكتور أحمد الكبيسي تحت عنوان رسالة جديدة: ((إن الله بعد أن أهلك مدين
ونجا شعيبا عليه السلام أرسله مرة أخرى إلى أصحاب الأيكة، وكان غريبا عنهم ، لذا لم يقل
تعالى، أخوهم شعيب، وكانت أخلاقهم كأخلاق أهل مدين من تطفيف المكيال والميزان،
يمنعهم منه شيء، فبعث الله عليهم سحابة، فحلوا تحتها يلتمسون الروح فيها، فجعلها الله عليهم
عذابا، بعث عليهم نارا فاضطرمت عليهم فأكلتهم، فذلك عذاب يوم الظلة، إنه كان عذاب يوم عظيم.
(١) انظر: المحرر الوجيز ٣٤٥/٨.
(٢) انظر: مفاتيح الغيب ٢٠٩/١٩.
(٣) المصدر السابق السابق ١٦٣/٢٤ .
(٤) انظر: روح المعاني ١١٦/١٠.
وما نقله عن ابن عباس أخرجه ابن جرير ١٢٤/١٧ من طريق حجاج عن ابن جريج قوله: ﴿وَإِن كَانَ
أَْعَبُ الْأَيْكَةِ لَظَلِينَ﴾ قال: قوم شعيب، قال ابن عباس: الأيكة ذات أكام وشجر كانوا عليها. فقوله من
قوم شعيب ، من كلام ابن جريج - كما ترى - وليس من كلام ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
(٥) التحرير والتنوير ١٨٣/١٩.
٣١٨
القرآن الكريمِ

شعيب عليه السلام
ويخس الناس أشياءهم، والإفساد في الأرض))(١).
ويستفاد من كلام الشوكاني أنهما أمة واحدة، حيث قال في تفسير سورة الحجر:
وأصحاب الأيكة هم قوم شعيب ،وقد تقدم خبرهم، واقتصر الله سبحانه على وصفهم
بالظلم، وقد فصل ذلك الظلم فيما سبق، ثم قال في عود الضمير ﴿وَإِنَّهُمَا ﴾ بعد أن ذكر قول
الجمهور أنه يعود على قوم لوط وأصحاب الأيكة، وقيل: الضمير للأيكة ومدين ، لأن شعيبا
کان ینسب إليهما(٢).
وأيد هذا الدكتور صلاح الخالدي حيث قال: فالراجح أن شعيبا عليه السلام بعث إلى
أهل مدين ، ومدين هم أنفسهم أصحاب الأيكة، وأن الله دمر مدين أصحاب الأيكة بعذاب
واحد، هو الرجفة والصيحة والظلة (٣).
ثم أيد ما ذهب إليه بالتفصيل الذي ذكره الحافظ ابن كثير، وخلص منه إلى أنهما أمة
واحدة، وأنها أهلكت بأنواع من العذاب (٤).
ومما قال ابن كثير: وإنما لم يقل ههنا : أخوهم شعيب ؛ لأنهم نسبوا إلى عبادة الأيكة،
وهي شجرة ، وقيل: شجر ملتف كالغيضة كانوا يعبدونها، فلهذا لما قال: ﴿كَذَّبَ أَصْحَبُ
لَيَّكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾ لم يقل: إذ قال لهم أخوهم شعيب، وإنما قال ﴿إِذْ قَالَ لَمْ شُعَيْبُ﴾ فقطع
نسب الأخوة بينهم للمعنى الذي نسبوا إليه، وإن كان أخاهم نسبا، ومن الناس من لم يفطن
لهذه النكتة، فظن أن أصحاب الأيكة غير أهل مدين، فزعم أن شعيبا عليه السلام بعثه الله
إلى أمتين (٥).
أقول: ولعل هذا هو الراجح في هذه المسألة، ويمكن أن نفصل ذلك بأنهما أمة واحدة غير
أن بعضا منهم - وهم أهل مدين - كانوا يسكنون المدينة، وأن بعضا آخر - وهم أصحاب
الأيكة - كانوا يسكنون الغيضة، ومما يرجح أنهما أمة واحدة أن الله تعالى قد ذكر عن أهل
الأيكة من المذمة ما ذكره عن أهل مدين - كما يقول ابن كثير - من التطفيف في المكيال
والميزان(٦).
(١) انظر: القصص القرآني ١١٥.
(٢) انظر: فتح القدير ٣/ ١٤٠.
(٣) القصص القرآني ٣٧/٢.
(٤) انظر: قصص الأنبياء، ابن كثير ص ١٩٣ - ١٩٤.
(٥) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥٥٢/٣.
(٦) انظر: المصدر السابق.
www. modoee.com
٣١٩

حرف الشین
فنقرأ في سورة الأعراف قوله تعالى في نصيحة أهل مدين: ﴿فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ
وَاُلْمِيزَانَ وَلَا نَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَآءَ هُمْ وَلَا تُفْسِدُواْ فِ الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَحِهَا﴾
[الأعراف: ٨٥].
وقوله تعالى في سورة الشعراء في نصيحة أصحاب الأيكة: ﴿﴿ أَوْفُواْ الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ
الْمُخْسِرِينَ * وَزِنُواْ بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١) وَلَا تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءَ هُمْ وَلَا تَعْثَوْ فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ
[الشعراء: ١٨١- ١٨٣].
ومما يدل على أن أهل مدين هم أصحاب الأيكة : ما أخرجه الحاكم عن وهب بن منبهٍ
قال: إن الله بعث شعيبًا إلى أهل مدين، وهم أصحاب الأيكة ، فكانت الأيكة من الشجر
الملتف، وكانوا أهل كفرٍ بالله وبخسٍ للناس في المكاييل والموازين، وإفسادٍ لأموالهم،
وكان الله تعالى وسع عليهم في الرزق وبسط لهم في العيش ؛ استدراجًا منه لهم مع كفرهم
به ، فقال لهم شعيبٌ: ﴿يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ، وَلَا تَنَقُصُواْ الْمِكْيَالَ
وَالْمِيزَانَ إَِّّ أَرَئِكُمْ بِخَيٍْ وَ إِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ تُحِيطٍ﴾ فكان من قول شعیبٍ
لقومه وجواب قومه له ما قد ذكر الله في كتابه.(١)
ونكتفي بهذا القدر فكما قلنا : إن الذي يهمنا هنا هو ما نستخلصه من الدروس والعبر
والعظات من قصة شعيب عليه السلام وصدقه في نصح قومه، وذلك يتأتى من كونه عليه
السلام مرسلا إلى أمة واحدة أو إلى أمتين، إذ الصدق والإخلاص حاصل في هذا وفي ذاك.
والله تعالى أعلم.
[انظر: مدين: التعريف بمدين]
(١) أخرجه الحاكم رقم ٤٠٧٣، وسكت عنه الذهبي ٢/ ٦٢٠.
٣٢٠
مَوَسُوعَة النفسي
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

شعيب عليه السلام
ذكر شعيب عليه السلام في القرآن
ورد ذكر (شعيب) عليه السلام في القرآن الكريم (١١) مرة في (٤) سور.
وأما قصته عليه السلام فقد وردت في السور الآتية:
السورة
الآيات
الأعراف
٨٥-٩٣
هود
٨٤-٩٥
الشعراء
١٧٧-١٩١
العنكبوت
٣٦-٣٧
www. modoee.com
٣٢١

حرف الشين
معجزة شعيب عليه السلام
المعجزة كما عرفها العلماء: أمر خارق
للعادة سالم من المعارضة ، يجريه الله
تعالى على يد نبي من أنبيائه على سبيل
التحدي(١).
وهي بمثابة قول الله تعالى: صدق عبدي
فيما يبلغ عني.
وما من نبي من أنبياء الله تعالى إلا أيده
الله تعالى بمعجزة، تظهر صدقه وتدل على
نبوته، كما تقدم في قول النبي المصطفى
صلى الله عليه وسلم: (ما من الأنبياء نبي إلا
أعطي ما مثله آمن عليه البشر) الحديث(٢).
ولكنا وجدنا أن الله تبارك وتعالى قد
قص علينا نبأ بعض الأنبياء عليهم السلام،
ولم يذكر لنا معجزاتهم، من مثل: نوح وهود
وشعيب عليهم السلام، والذي يهمنا أن
نقف عنده في هذا البحث هو شعيب عليه
السلام، فهل له معجزة؟ وما هي؟
لم نقرأ في قصته التي حكاها الله تعالى
في كتابه الكريم على شيء من ذلك إلا
(١) انظر: الإتقان ٣/٤، وانظر: كبرى اليقينيات
الكونية ص ٢١٤.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل
القرآن، باب كيف نزل الوحي، ١٩٣/١١،
رقم ٤٩٨١، ومسلم في صحيحه، كتاب
الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا
محمد صلى الله عليه وسلم إلى جميع
الناس، رقم ١٥٢.
قوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ
زَّبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٨٥].
فهل هذه البيئة هي المعجزة؟ أم له
معجزة لم يخبرنا الله تعالی بها؟
من العلماء من يرى أن البينة المذكورة
هي المعجزة، ومن هؤلاء الإمام الكسائي
فيما نقله القرطبي عنه(٣)، وابن عطية حيث
قال: (والبينة إشارة إلى معجزته، وإن کنا
نحن لم ينص لنا عليها) (٤).
وبذلك جزم الرازي حيث قال رحمه الله
تعالى: (ويجب أن يكون المراد من البينة
ههنا المعجزة، لأنه لا بد لمدعي النبوة منها،
وإلا لكان متنبئًا لا نبيًّا)(٥).
بينما ذهب القرطبي - بعد ما نقل عن
الکسائي ما تقدم-إلی أن الله تعالی لم يذكر
له معجزة في القرآن.
وأما الطبري فيرى أن البينة علامة دالة
على صدقه حيث قال: ((يقول: قد جاءتكم
علامة وحجة من الله بحقيقة ما أقول،
وصدق ما أدعوكم إليه))(٦).
وإلی نحو هذا ذهب ابن عاشور، فذكر
أنها حجة أقامها على بطلان ما هم عليه من
الشرك وسوء الفعل، وعجزوا عن مجادلته
فيها فقامت عليهم الحجة، فهي علامة على
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن ٧/ ٢٤٨.
(٤) المحرر الوجيز ٥ / ٥٧٤.
(٥) مفاتيح الغيب ١٤/ ١٨٠.
(٦) جامع البيان ١٢/ ٥٥٥.
٣٢٢
جوية
لِلْقُرآن الكَرِيمِ

شعيب عليه السلام
صدق شعيب عليه السلام(١).
وللإمام الألوسي تفصيل في ذلك،
فقد فسر البينة بالمعجزة، حیث قال: ﴿قَدْ
جَآءَتَكُم بَيِّنَةٌ مِنْ رَّبِّكُمْ﴾: أي:
معجزة عظيمة ظاهرة من مالك أموركم،
وقال: ولم تذكر معجزته عليه السلام في
القرآن العظيم كما لم تذكر أكثر معجزات
نبينا صلى الله عليه وسلم والأنبياء عليهم
السلام فيه، ثم بين غلط من ذهب إلى أن
شعيبا لم تكن له معجزة وعلل ذلك بأن
الفاء في قوله سبحانه: ﴿فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ
وَالْمِيزَانَ﴾ لترتيب الأمر على مجيء
البينة، وقال: واحتمال كونها عاطفة على
(اعبدوا) بعيد، وإن كانت عبادة الله تعالى
موجبة للاجتناب عن المناهي التي معظمها
بعد الكفر البخس ، فكأنه قيل: قد جاءتكم
معجزة شاهدة بصحة نبوتي أوجبت عليكم
الإيمان بها والأخذ بما أمرتكم به، فأوفوا ..
إلخ.
ودلل على ذلك بأنه لو ادعى مدع النبوة
بغیر معجزة لم تقبل منه، لأنها دعوى أمر غير
ظاهر ، وفيه إلزام للغير ، ومثل ذلك لا يقبل
من غير بينة، وقال: ومن الناس من زعم أن
البينة نفس شعيب. ومنهم من زعم أن المراد
بالبينة : الموعظة ، وأنها نفس ﴿فَأَوْقُواْ ﴾
(١) انظر: التحرير والتنوير ٢٤١/٨.
إلخ، وليس بشيء كما لا يخفى (٢).
وقال القاسمي: ((ولا يخفى أن البيئة أعم
من المعجزة بعرفهم، فكل من أبطلت شبهة
ضلاله، وأظهرت له حجة الحق الذي يدعی
إليه فقد جاءته البينة ؛ لأن حقيقة البينة كل ما
بين الحق فاحفظه))(٣).
وسکت عن هذا الدکتور فضل عباس
حيث قال: ((فقد جاءتهم المعجزة الدالة
على صدقه عليه السلام، والقرآن لم يبين
لنا نوع هذه الآية التي جاءتهم، فنسکت عما
سكت عنه)»(٤).
وإلى مثله ذهب الدكتور عبدالكريم
زيدان وقال: ((وإن كنا جازمين بأن الله
تعالى قد أيده بآية هي البينة التي دلت على
أنه رسول من رب العالمين، وبها قامت
الحجة على قومه)»(٥).
وذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم:
(ما من الأنبياء نبي إلا قد أعطي من الآيات
ما مثله آمن علیه البشر) الحدیث، وقد سبق
الاستدلال به (٦).
(٢) انظر: روح المعاني ٤ /٤١٣.
(٣) محاسن التأويل ٢٠٦/٧.
(٤) قصص القرآن الكريم ص ٤٥٥.
(٥) انظر: المستفاد ٢٣٨/١.
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل
القرآن، باب كيف نزل الوحي، ١١/ ١٩٣،
رقم ٤٩٨١، ومسلم في صحيحه، كتاب
الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا
محمد صلى الله عليه وسلم إلى جميع
الناس، رقم ١٥٢.
www. modoee.com
٣٢٣

حرف الشین
والدكتور الخالدي فقد اكتفى بقوله: بمجرد عجزهم عن مجادلته ففيه نظر، إذ
لو کان ذلك کافیا في إثبات نبوته، أثبتت
نبوة کثیرین، فکم من صاحب دعوى يعجز
الآخرون عن مقارعة حجته !! والله تعالى
أدرى بأسرار كلامه.
((﴿قَدْ جَآءَتَكُمْ بَيِّنَةٌ﴾ المراد بالبينة
هنا الآية والدليل والبرهان، على أن شعيبا
علیه السلام هو رسول الله إليهم، وأنه يجب
علیهم اتباعه»(١).
وقد ورد في القرآن الكريم ذكر المعجزة
بعد ذكر البينة ، كما في قوله تعالى في قصة
صالح عليه السلام: ﴿قَدْ جَآءُتَكُم
بَهِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ
ءَايَةً﴾ [الأعراف: ٧٣].
وفي قصة موسى عليه السلام: ﴿قَدّ
جِئْتُكُمْ بِبَيْنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَرْسِلْ مَعِىَ بَقِّ
إِسْرَوَيلَ ﴾ إلى أن قال: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ
فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ ﴾ [الأعراف: ١٠٥-
١٠٧].
أقول: ولعل الراجح في هذه المسألة،
قول من قال: إن في قوله تعالى: ﴿قَدْ
جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّيِّكُمْ﴾ إشارة إلى
معجزة شعيب عليه السلام، وأنها كانت
آية ظاهرة لا لبس فيها ولا غموض، دالة
بلا امتراء على صدق من جاء بها، والأولى
أن نسكت عن الجزم بها ؛ لأن الله تعالى
سکت عن ذكرها، ولم يكشف عنها في كتابه
الكريم، فنجزم أن شعيبا عليه السلام قد أيده
الله تعالی بمعجزة، والله تعالى أعلم بها.
وأما من قال: إن الحجة قامت عليهم
(١) القصص القرآني ١٥/٢.
٣٢٤
الْقُرْآن الكَرِيمِ

شعيب عليه السلام
معالم دعوة شعيب عليه السلام
أولًا: آفاق النصيحة في القرآن الكريم:
لا يخفى أن الله تعالى إنما خلق الخلق
لعبادته ، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ
وَاَلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: ٥٦].
ولما علم سبحانه وتعالى أن أمور الخلق
لا تستقيم، وأن تلك العبادة لا تتحقق بدون
أن يكون هناك تعليم منه وإرشاد، أرسل
الرسل وأنزل الكتب، وبذلك قامت حجة
الله على عباده.
ولفظ النصح ومشتقاته من الألفاظ
الدائرة في الكتاب العزيز، فقد ورد على
ألسنة جمع من خلق الله تعالى، من ذلك
إحدى عشرة آية جاءت على لسان الأنبياء
عليهم الصلاة والسلام، مما يدل على أهمية
النصيحة في حياة كل أمة.
وقد كان من أولى مهمات الرسل
عليهم الصلاة والسلام أن ينصحوا أممهم،
ويدعوهم إلى توحيد الله وعبادته، وقد
ساروا جميعاً في هذا الطريق غير مبالين
بما أصابهم في سبيل ذلك من نكبات، وما
اعترضهم من عقبات، مبلغين رسالات
ربهم على أتم وجه وأکمله، حتى ختمت
تلك الرسالات بمسك الختام، سيدنا ونبينا
محمد عليه وعليهم الصلاة والسلام، ذلك
النبي الخاتم الذي جاء بالكتاب العظيم
الخاتم، (فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم)(١).
وقد حكى الله تعالى لنا فيه نصح الأنبياء
عليهم السلام لأقوامهم، فمن ذلك ما حكاه
الله تعالى عن نوح عليه السلام في نصح
قومه: ﴿أَبَلِّغُّكُمْ رِسَلَتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ
وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِمَا لَا نَعْلَمُونَ (٣)﴾ [الأعراف:
٦٢].
كم
◌ِلِفُع
ومثله قول هود لقومه:
◌ِسَلَتِ رَبِّ وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِعُ أَمِينٌ ﴾ [الأعراف:
٦٨].
(١) هذا جزء من حديث طويل أخرجه الترمذي
من حديث الحارث الأعور عن علي رضي
الله عنه، أبواب فضائل القرآن، باب ما جاء
في فضل القرآن ١٧٢/٥، رقم ٢٩٠٦.
والحديث وإن كان في سنده مقال، إلا أن
الوصف صادق، وهو بتمامه: سمعت رسول
الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ألا إنها
ستكون فتنة). فقلت: ما المخرج منها يا رسول
الله؟ قال: ( كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر
ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس
بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن
ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل
الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط
المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا
تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا
يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، هو
الذي لم تنته الجن إذا سمعته حتى قالوا: ﴿إِنَّا
سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَبً يَهْدِىّ إِلَى الْرُّشْدِ يَهْدِىّ إِلَى الْرُّشْدِ
[الجن: ٢] من قال به صدق، ومن عمل به
أجر، ومن حکم به عدل، ومن دعا إليه هدى
إلى صراط مستقيم ) خذها إليك يا أعور. قال
الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من
هذا الوجه ، وإسناده مجهول، وفي الحارث
مقال.
www. modoee.com
٣٢٥

حرف الشین
وقول صالح: ﴿يَقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ
رِسَالَةَ رَبِّ وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ [الأعراف: ٧٩].
وقول شعيب: ﴿فَنَوَلَى عَنْهُمْ وَقَالَ
يَقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْنُكُمْ رِسَلَتِ رَنِي وَنَصَحْتُ
لَكُمَّ فَكَيْفَ ءَسَى عَلَى قَوْمٍ كَفِرِينَ ﴾
[الأعراف: ٩٣].
والنصيحة: من نصح ينصح نصحا
ونصاحة ونصاحیة، وهو ناصح ونصبح،
والاسم النصيحة، فالنون والصاد والحاء
- كما يقول ابن فارس - أصل يدل على
الملائمة بين شيئين وإصلاح لهما، وهي
خلاف الغش، ونصحت له ونصحته
بمعنى(١).
وقد حدثنا القرآن الكريم أنهم أخلصوا
وفي الصحاح: وهو باللام أفصح، قال
الله تعالى: ﴿وَأَصَحُ لَكُمْ﴾(٢).
النصح لقومهم في آيات بينات واضحات،
تقدم ذكر بعضها، فلم يكن شعيب عليه
وقال الزجاج: وفي الكلام : نصحت لك
أكثر من نصحتك(٣).
السلام بدعا من الرسل في ذلك، لقد بذل
جهده في نصح قومه، لاسيما وأنه خطيب
فأصل النصح في اللغة: الخلوص،
فالنصيحة: كلمة يعبر بها عن جملة، هي
إرادة الخير للمنصوح له، ولیس یمکن أن
الأنبياء عليهم السلام، ولا يخفى ما للخطابة
من ميزة في حسن العرض وجودة التعبير،
يعبر هذا المعنى بكلمة واحدة تجمع معناه مما يكون أثر بالغ في إيصال المقصد
الأعظم من الرسالة.
غيرها (٤).
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤٣٥/٥،
القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص ٥٠٠.
(٢) الصحاح، الجوهري ١/ ٤١٠.
(٣) انظر: معاني القرآن وإعرابه ١٣٨/٤.
(٤) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن
الأثير ٦٣/٥.
وهي الدعاء إلى ما فيه الصلاح، والنهي
عما فيه الفساد، والنصح: إخلاص العمل
عن شوائب الفساد(٥).
قال الأصمعي: الناصح الخالص من
العسل وغيره مثل الناصع، وكل شيء خلص
فقد نصح(٦).
وقد كثرت أقوال العلماء في تعريفها
وبيان حقيقتها، وخلاصة ذلك أنها: إرادة
الخير للمنصوح والإخلاص في ذلك.
وإذا علمنا أن النصح يعني الإخلاص
والصدق والنقاء وأنه نقيض الغش، كما
تقدم في المعنى اللغوي، فقد كان الأنبياء
عليهم السلام کلهم كذلك.
فقد أدى المهمة التي أرسل من أجلها
على أتم وجه وأكمله.
قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا
(٥) التعريفات، الجرجاني ص ٣٠٩.
(٦) انظر: الصحاح، الجوهري ١ / ٤١١.
٣٢٦
جوية
القرآن الكريم

شعيب عليه السلام
مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينٌّ فَمَنْ ءَامَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفُ ثانيًا: الدعوة إلى توحيد الله تعالى
وعبادته.
عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٨) وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَتِنَا
يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ
[الأنعام: ٤٨ - ٤٩].
وهكذا صنع شعيب عليه السلام مع
قومه، كما أنهم كانوا فريقين تجاه دعوته،
وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِنكُمْ ءَامَنُواْ بِالَّذِىّ
أُرْسِلْتُ بِهِ، وَطَائِفَةٌ لَّمْ يُؤْمِنُواْ فَأَصْبِرُواْ حَقَّ
يَحْكُمَ اَللَّهُ بَيْنَنَأْ وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِمِينَ (١)
[الأعراف: ٨٧].
لقد اشتمل نصح شعيب عليه السلام
لقومه على دروس متعددة، وفيه عبر
وعظات متنوعة، تستفيد منها الأجيال على
مر الدهور وتعاقب العصور، فقد کان نصحا
صادقا، صادرا من مخلص مستجمع لما
یجب أن یکون علیه الناصحون، ومن حکم
الشعر(١):
فما ◌ُل ذي نُصْح بمؤْتِيك نُصْحَهُ
ولا كل مُؤْتٍ نُصْحَه بلبيب
ولكن إذا ما استجمعا عند صاحب
فحق له من طاعةٍ بنصيب
فكان حريًا بقومه أن يسمعوا ويطيعوا،
ولكن أغلبهم کان على خلاف ذلك، وهكذا
هو شأن من لا يحبون الناصحین.
(١) انظر: ديوان أبي الأسود الدؤلي ظالم بن
عمرو بن سفيان ص٦.
إن الإيمان بالله تعالى وتوحيده وإفراده
بالعبادة، مقصد مهم من مقاصد خلق
الإنسان، ذاك أن الله تعالى هو الذي أنعم
على هذا الإنسان وأخرجه بفضله من العدم،
ولأهمية العبادة في حياة الإنسان، فقد
توجه ربنا تبارك وتعالى بنداء جميع خلقه ،
وأمرهم بذلك بلا استثناء، فإنه بعد أن ذكر
أصناف الناس في صدر سورة البقرة، أردف
ذلك بقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَعْبُدُوا
رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ
تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: ٢١].
((والإيمان لغة: التصديق، وشرعًا:
تصدیق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما
جاء به عن ربه»(٢).
((والإيمان بالله تعالى هو التصديق
القاطع الجازم بوجود الله تعالى، كما أخبر
سبحانه و تعالى به، واطمئنان القلب وسكون
النفس إلى ذلك، بحيث لا يبقى في القلب
أدنى مرض وظلمة، ولا في العقل أقل شبهة
أو ريبة في وجود الله جل جلاله ووجوب
الإيمان به سبحانه، فلو زالت الجبال من
مواضعها ما زال إیمان المؤمن عن قلبه، ولو
ضل الناس عن الإيمان به سبحانه ثبت هو
(٢) فتح الباري، ابن حجر ١/ ١١٢.
www. modoee.com
٣٢٧

حرف الشین
علی إیمانه))(١).
فقوله: «ما جاء به عن ربه))، ومثله ((كما
أخبر سبحانه وتعالى به))، يخرج ما كان
عليه المشركون من الاعتراف بوجود الله
وإشراكهم غيره معه ، تعالى الله عن ذلك
علوًا كبيرًا.
((والإيمان بالله عز وجل أساس مسائل
العقيدة كلها، وعنه تتفرع بقية الأمور
الاعتقادية التي يجب إنهاض العقل للتأمل
فيها ، ثم الإيمان بها، وبتعبير آخر نقول: إن
ما تراه من حقائق الكون كلها، إنما هو فيض
عن حقيقة واحدة کبری، ألا وهي ذات الله
عز وجل، ومن المحال أن تدرك ما هية
الحقائق المتفرعة الصغرى قبل أن تدرك
منبعها وأصلها الأول، فكان لابد إذًا لكي
تستطيع التعرف على الكون من أن تعرف
خالقه أولًا))(٢).
ومن هنا فإن الدعوة إلى الإيمان بالله
تعالى وتوحيده وإفراده بالعبادة، كانت من
أبرز مهمات الرسل عليهم الصلاة والسلام،
فهي سمة ظاهرة، وقدر مشترك بين جميع
الأنبياء من لدن آدم إلى محمد صلى الله
وسلم عليه وعليهم أجمعين، فقد كانت هذه
الدعوة من الألفاظ الدائرة في الكتاب العزيز
على لسان الأنبياء جميعا، من ذلك قوله
(١) أركان الإيمان، وهبي غاوجي ص ١٣.
(٢) كبرى اليقينيات الكونية ص ٧٧.
تعالى: ﴿أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ
غيره,﴾ [الأعراف: ٨٥] ونظائرها.
وقوله تعالى: ﴿وَأَعْبُدُواْ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ
بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦].
ولدى تتبع ما جاء عن شعيب عليه السلام
في الكتاب الكريم، نجد أن لنصح شعيب
دعائم يقوم عليها، وهي جملة من الأوامر
والنواهي، تنظم لقومه شؤون حياتهم في
الدنيا على أمن وسلام وطمأنينة، وتكفل
لهم سعادة ونجاة وفوزا في الحياة الآخرة،
وإن من أهم تلك الدعائم: توحيد الله تعالى
وإفراده بالعبادة.
وعند تأمل هذه الدعامة في قصة شعيب
عليه السلام، نجد أنها جاءت متعددة متنوعة
في أكثر من سورة من سور القرآن الکریم،
ففي سورتي الأعراف وهود وردت بلفظ:
﴿قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ
إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٨٥] و [هود: ٨٤].
وفي سورة الشعراء وردت بلفظ:
إِذْ
قَالَ لَهُمْ شُعَيْبُ أَلَا نَنَّقُونَ (٣) إِ لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ
﴿٣)فَتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١)﴾ [الشعراء: ١٧٧ -
١٧٩].
وفي سورة العنكبوت وردت بلفظ:
﴿فَقَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَرْجُواْ الْيَوْمَ
اُلْآَخِرَ﴾ [العنكبوت: ٣٦].
ويلاحظ أن شعيبًا عليه السلام قد ابتدأ
الدعوة بالإيمان ؛ لأن به صلاح الاعتقاد
٣٢٨
جوبيع
القرآن الكريمِ

شعيب عليه السلام
والقلب، وإزالة الزيف من العقل(١)، وذلك
أمر مهم لتلقي ما بعده.
وآيتا الأعراف وهود صريحتان في
الدعوة إلى توحيد الله تعالى وإفراده
بالعبادة، وتأتي الآيات في سورة الشعراء،
مكملة لذلك بالدعوة إلى تحقيق التقوى
والطاعة المطلقة لله ولرسوله شعيب عليه
السلام، وذلك شامل للرسالة كلها، ذاك أن
التقوى على مراتب أدناها اتقاء الشرك بالله،
ثم امتثال الأوامر واجتناب النواهي (٢).
وأما آية العنكبوت فنجد فيها التذكير
باليوم الآخر: ﴿يَقَوْمِ أَعْبُدُواْاللَّهَ وَأَرْجُواْ
اَلْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾ [العنكبوت: ٣٦].
ذاك لأن العبادة هي سر وجود الإنسان،
قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ لَلْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَا
لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: ٥٦].
ومن ضیع سر وجوده فقد ضاع منه كل
شيء، ومن حكم الشعر:
لكل شيء إذا ضیعته عوض
وليس لله إن ضيعت من عوض
وأمره إياهم بأن يرجوا اليوم الآخر يدل
على أنهم لم يكونوا مؤمنين بالبعث، لأن
المراد بالرجاء هنا: الترقب واعتقاد الوقوع
في المستقبل(٣)، ولأن عبادة الله تعالى
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٤١/٨.
(٢) انظر: دعائم السلوك الأمثل ص ٧١.
(٣) انظر: التحرير والتنوير ٢٤٧/٢٠.
يرجى منها الخير في الدارين (٤)، فمن آمن
بالبعث وباليوم الآخر صح رجاؤه(٥).
ثالثًا: إقامة القسط في الكيل والميزان:
إن من أهم مقاصد رسالة شعيب عليه
السلام ومن أبرز أهدافها بعد الدعوة
إلى توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة :
تصحيح ما كان عليه قومه من تطفيف الكيل
والميزان، بل إن الدعوة إلى إقامة القسط
في الكيل والميزان مما تميز به شعيب عليه
السلام، وهو ظاهر في دعوته، بل هو أظهر
شيء وأهمه بعد التوحید کما ذکرنا.
وفي هذا يقول الله تعالى على لسان
أَوَّقُواْ الْكَلَ وَلَا
شعيب عليه السلام:
تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِنَ * وَزِنُواْ بِالْقِسْطَاسِ
الْمُسْتَقِيمِ (٣) وَلَا تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا
[الشعراء: ١٨١-
تَعْثَوْ فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾
١٨٣].
ونظائرها من الآيات التي تحدثت عن
قصة شعيب مع قومه.
لقد كان هذا الخلق السيء ديدن قوم
شعیب، وقد كان ذلك أمرا مألوفا عندهم، لا
يرون فيه بأسًا ولا غضاضة، به طبعوا ، وعليه
درجوا، ولذا فقد رفضوا دعوة شعیب هذه،
وقابلوها بالإعراض والإنكار، فقالوا ما
حكاه الله تعالى عنهم: ﴿قَالُواْ يَشُعَيْبُ
(٤) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٥/ ٦٦.
(٥) انظر: المحرر الوجيز ٣٨٨/١١.
www. modoee.com
٣٢٩

حرف الشین
أَصَلَوْتُكَ تَأْمُكَ أَن تَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا لَا تُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّاوُسْعَهَا﴾ [الأنعام: ١٥٢].
أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِى أَمْوَلِنَا مَا نَشَتُؤَّأْ إِنَّكَ لَأَنْتَ
الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ
﴾ [هود: ٨٧].
AV
وقولهم: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ ﴾
قالوه على طريق الاستهزاء، فهم ينكرون
على شعيب منعه لهم عن التطفيف ؛ لأن
تلك أموالهم فهم يفعلون بها ما یشاءون!
والبخس هو النقص في آلة الكيل
والوزن، وهو جرم اجتماعي، ويكون في
السلعة بالتعييب والتزهيد فيها، أو المخادعة
عن القيمة، والاحتيال في التزيد في الكيل
والنقصان منه ۔ کما يقول القرطبي - وكل
ذلك من أكل المال بالباطل، وذلك منهي
عنه في الأمم المتقدمة والسالفة على ألسنة
الرسل صلوات الله وسلامه على جميعهم،
وحسبنا الله ونعم الوكيل(١).
ودعامة إقامة القسط في الكيل والميزان
دعامة هامة جدًا في تماسك النظام
الاقتصادي، وإن الإخلال بها يؤدي إلى
اضطراب في المجتمع، ويفقده الأمن
والاستقرار، وبه تظهر الطبقية والاستبداد،
وعن طريقه تؤكل أموال الناس بالباطل، ولذا
فقد جاءت شريعتنا - وهي شريعة الكمال -
آمرة بما أمر به شعيب عليه السلام، فقال
تعالى في الوصايا العشر في أواخر سورة
الأنعام: ﴿وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِّ
(١) الجامع لأحكام القرآن ٢٤٨/٧.
والملاحظ أن هذه الوصية أدرجت ضمن
وصايا عظيمة ، ابتدأها ربنا بالنهي عن الشرك
والأمر ببر الوالدين، وبذلك تدرك موقع هذه
الوصية ومدى خطورتها، ولا يخفى أن من
أسباب عاصفة الأزمة الاقتصادية التي مرت
بالناس هذه السنوات اختلال ميزان العدل
الذي وضعه الله تعالى لعباده.
﴿وَالسَّمَآءَ رَفَّعَهَا وَوَضَعَ
قال تعالى:
اَلْمِيزَانَ ﴿ أَلَّا تَطْغَّوْا فِ الْمِيزَانِ
﴿ وَأَقِيمُواْ الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُواْ
[الرحمن: ٧-٩].
اَلْمِيزَانَ
والأمر والنهي هنا شامل للبشرية جمعاء،
ذاك أن رسالة نبينا صلی الله عليه وسلم عامة
شاملة، ولا شيء عند الله تعالى أقبح من
الظلم ، ولذا فقد حرمه على نفسه سبحانه
وتعالى، كما في الحديث القدسي عن النبي
صلى الله عليه وسلم فيما روى عن الله
تبارك وتعالى أنه قال: (يا عبادي إني حرمت
الظلم على نفسي، وجعلته بینکم محرمًا، فلا
تظالموا) الحدیث(٢).
لقد أوضح شعيب عليه السلام لقومه
کیفیة بناء الاقتصاد السلیم، على أسس من
الرزق الحلال، وترك المحرمات التي نهانا
(٢) وهو حديث طويل، أخرجه مسلم في
صحيحه، كتاب البر والصلة ، باب تحريم
الظلم، ١٧ /١٢٤-١٢٥، رقم ٢٥٧٧، عن
أبي ذر رضي الله عنه.
٣٣٠
جَوَبُوالَهُ النَّفَتِيَّة
القرآن الكريم

شعيب عليه السلام
الله عز وجل عنها، ومن ذلك نستفيد في
بناء اقتصادنا العملي - كما يقول الدكتور
نواف الحليسي- بأن نبتعد عن كل ما نهى
الله تبارك وتعالى عنه على ضوء تاريخنا
الاقتصادي من خلال قصة شعيب عليه
السلام، وبذلك تتضح لنا القواعد الأساسية
في حياتنا الاقتصادية (١).
وأعلمهم بأن قليل الحلال خير وأعظم
بركة من كثير الحرام ، دل على هذا قوله
تعالى: ﴿يَقِيَّتُ اَللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ [هود: ٨٦].
فكم جر الحرام على أصحابه من نكبات
وويلات، ومن يقف على بعض دواعي
الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالعالم هذه
الأيام يدرك سر ذلك.
ناحية الوزن والكيل، الذي يؤثر في حياة
الناس اليومية، وتعاملهم الاقتصادي
والمالي والتجاري في مختلف المجالات
التي تحتاج إلى إيفاء من الكيل والميزان،
كي تستقيم المعاملات بين الناس (٢).
رابعًا: النهي عن الفساد في الأرض:
لم يكن تطفيف الكيل والميزان هو
(١) انظر: المنهج الاقتصادي في المكاييل
والموازين لنبي الله شعيب عليه السلام ص
١٨.
(٢) انظر: المصدر السابق ص ٢٠-٢١.
الذنب الوحيد الذي كان عليه قوم شعيب
عليه السلام بعد الشرك بالله، بل ثمة ذنوب
أخرى لا تقل جرما عن ذنب التطفيف،
لقد كان التطفيف والبخس والإفساد
في الأرض، والصد عن سبيل الله أمورًا
متلازمة، يقوم بها قوم شعيب عليه السلام،
وكلها أمراض خطيرة، متى ما استشرت في
قوم أفسدتهم، وألحقت الدمار بهم، ولذا
فقد حذر شعيب الشفيق على قومه من مغبة
ذلك، وبالغ في النصح لهم، وأمرهم بالكف
عن هذه المساوئ.
قال تعالى على لسانه: ﴿وَلَا نَبْخَسُواْ
النَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلَا نَّفْسِدُواْ فِى
الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ
وإن نصح شعيب عليه السلام ليعد إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ ﴿ وَلَا نَقْعُدُواْ
الدرس الأول في الاقتصاد التطبيقي من بِكُلٍ صِرَّطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن
سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِهِ، وَتَبْغُونَهَا
عِوَجًا﴾ [الأعراف: ٨٥-٨٦].
والفساد -كما يقول الراغب- خروج
الشيء عن الاعتدال، قليلًا كان الخروج
عنه أو كثيرا، ويضاده الصلاح، ويستعمل
ذلك في النفس والبدن والأشياء الخارجة
عن الاستقامة، يقال: فسد فسادًا وفسودًا،
وأفسده غيره(٣).
فهي إذًا كلمة جامعة لصنوف الشر،
فشملت الصد عن سبيل الله تعالى، والسلب
(٣) مفردات القرآن ص ٦٣٦.
www. modoee.com
٣٣١

حرف الشین
وقطع الطريق، وأكل أموال الناس بالباطل،
فقوله: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا ﴾ نهي عام عن دقيق
الفساد وجلیلہ۔کما یقول ابن عطية-و کذلك
الإصلاح عام(١)، فكل أعمالهم التي نهاهم
شعيب عليه السلام عنها كانت من الفساد في
الأرض، فهي شاملة لإفساد نظام المجتمع
بالظلم وأكل أموال الناس بالباطل، وإفساد
الأخلاق بارتكاب الفواحش، وإفساد
العمران بالجهل وعدم النظام(٢)، وكل ذلك
مما يمقته الله ولا يحبه، قال تعالى: ﴿وَاَللَهُ
لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥].
وقوله: ﴿إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ﴾ شرط
لحصول الخير والنفع الذي وعدوا به، وإلا
فلا ينفع عمل دون إيمان(٣)، ومن هنا ندرك
سر ابتداء شعيب عليه السلام تبليغ رسالة
ربه بالدعوة إلى الإيمان والتوحيد كما تقدم،
كما هو شأن سائر الأنبياء والمرسلين عليهم
الصلاة والسلام.
(١) انظر: المحرر الوجيز ٥٧٤/٥.
(٢) انظر: التفسير المنير ٢٨٨/٨.
(٣) انظر: المحرر الوجيز ٥٧٤/٥.
موقف قوم شعيب عليه السلام منه
أولًا: التكذيب والاستهزاء:
لقد أخلص شعيب عليه السلام النصح
لقومه كما تقدم، ومن أهم ذلك أن ذكرهم
بنعم الله تعالى، وأمر هذه الدعامة عظيم،
ذاك لأن الشكر سبب مهم في دوام النعم
وازديادها ، كما أن الكفر سبب في انمحاقها
واضمحلالها.
قال تعالى: ﴿ وَإِذْ تَأَذَنَ رَبُّكُمْ لَپن
شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَإِن كَفَرْتُمْ إِنَّ
عَذَابِى ◌َشَدِيدٌ ﴾ [إبراهيم: ٧].
وقد كان قوم شعيب عليه السلام في نعمة
سابغة، لاسيما نعمة الأولاد الذين كثروا بهم
بعد قلة، فخشي عليهم زوال تلك النعمة بما
كانوا عليه من الاعوجاج والكفر والطغيان،
فقال لهم: ﴿وَأَذْكُرُوَاْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا
فَكَتَرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٨٦].
ومن المعلوم أن الشكر ليس قولا
باللسان، إنما يقوم على دعامتين هما: نسبة
النعم إلى المنعم جل جلاله، والاجتهاد في
استعمالها في طاعته.
فما كان من قومه بعد هذا النصح والتذكير
إلا أن يقابلوه بالسخرية والاستهزاء،
وتكذيبه فيما جاء به من ربه، بل واتهموه
بالسحر، تلك التهمة التي لم يسلم منها نبي
من أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام، قال
٣٣٢
فَضْو
بَرُ النَِّّيَّـ
جومبو
القرآن الكريمِ