Indexed OCR Text
Pages 21-23
الشك مماتهم، بأن يوفقهم إلى الجواب السديد أهل الكتاب أى: لقد اقتضت حكمتنا أن یکون الرسول من البشر في كل زمان ومكان، عند سؤالهم في القبر وعند سؤالهم في مواقف يوم القيامة (١) فإن كنتم في شك من ذلك-أيها المكذبون- فاسألوا علماء أهل الكتب السابقة من اليهود ٣. تدبر قصص الأنبياء. والنصارى، فسیبینون لكم أن الرسل جميعا كانوا من البشر ولم يكونوا من الملائكة، فمادامت قد بلغت بكم الجهالة أن تشكوا أن يكون الرسول بشرا فاسألوا أهل العلم في ذلك، فسيبينون لكم أن الرسل السابقين لم يكونوا إلا رجالاً(٣). ذكرنا سابقًا كيف قابلت الأقوام أنبياءهم بالكفر والجحود والشك فيهم وفي رسالتهم، فتدبر هذه القصص من الوسائل الفعالة على الثبات على الإيمان، فيبين سبحانه أهم الفوائد التي تعود على الرسول صلى الله عليه وسلم وعلينا من وراء إخباره بأحوال الأنبياء السابقين مع أقوامهم. قال تعالى: ﴿وَكُلَّا نَّقُصُ عَلَيْكَ مِنْ أَثْبَآءِ الرُّسُلِ مَا تُثَبِّتُ بِهِ، فُؤَادَكَ وَجَآءَلَكَ فِ هَذِهِالْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىْ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ١٢٠] أي: وكل نبأ من أنباء الرسل الكرام السابقين نقصه عليك -أيها الرسول الكريم - وعلى أمتك، فالمقصود به تثبيت قلبك، وتقوية يقينك، وتسلية نفسك ونفوس أصحابك عما لحقكم من أذى في سبيل تبليغ دعوة الحق إلى الناس(٢). ثانيًا: سؤال أهل العلم: قال تعالى: ﴿فَسْتَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْلًا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]. المراد بأهل الذكر في هذه الآية، علماء (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ١٥٧/٥، الدر المصون، الحلبي، ٤٨٨/٧. (٢) التفسير الوسيط، ٢٧٨/١١. وفي قوله تعالى: ﴿إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ إشارة إلى أنهم كانوا يعلمون أن الرسل لا یکونون إلا من البشر، ولكنهم قصدوا بإنكار ذلك الجحود والمكابرة، والتمويه لتضليل الجهلاء، ولذا جيء في الشرط بحرف (إن) المفيد للشك، وجواب الشرط لهذه الجملة محذوف، دل عليه ما قبله. أی: إن كنتم لا تعلمون، فاسألوا أهل الذكر (٤). فيفهم من الآيات السابقة أن الرجوع إلى أهل العلم وسؤالهم عن الأمور التي ربما يعتريها الشك، هو السبيل الوحيد للابتعاد عن الشك وما يترتب عليه من عواقب وخيمة. (٣) انظر: تفسير الشعراوي، ١٥/ ٩٤٨٦. (٤) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ١١٦/٥. www. modoee.com ٤٤٣ حرف الشین عاقبة الشك الشك له عواقب وخيمة تعود على صاحبة في الدنيا والآخرة، في هذا المبحث سنتعرف على أهم العواقب التي تنتج عن الشك. ١. الانغماس في الضلالة. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَآءَ كُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَتِ فَمَا زِلْتُمْ فِ شَكٍّ مِمَّا جَآءَ كُم بٌِ حَّ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَنَ اَللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ، رَسُولَا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ [غافر: ٣٤]. الكلام في هذه الآية جاء على لسان مؤمن آل فرعون، يحذر قومه من الشك في دعوة موسى عليه السلام كما فعل أجدادهم من قبل مع يوسف عليه السلام، ﴿فَازِلْتُمْ فِي شَكِ مِّمَّا جَآءَكُم بِهِ﴾ أى: فما زال آباؤكم في شك مما جاءهم به من البينات والهدى، کشأنكم أنتم مع نبیکم موسى عليه السلام(١). ثم بين لهم عاقبة ومصير الذي يستمر في الشك في الأنبياء، الانغماس في الضلالة بقوله: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ أي: مثل ذلك الإضلال الفظيع، يضل الله تعالى من هو مسرف في ارتكاب (١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٧٣٦. الفسوق والعصيان، ومن هو مرتاب في دينه، شاك في صدق رسوله، لاستيلاء الشيطان والهوى على قلبه(٢). ٢. الوقوع في الاختلاف. من عواقب الشك، الوقوع في الاختلاف لا سیما حول ما أنزل الله عز وجل، كما حدث الاختلاف حول التوراة التي أنزلها الله عز وجل على موسى عليه السلام. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ فَأَخْتُلِفَ فِيَةٍ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن زَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمَّ وَإِنَّهُمْ لَفِى شَكٍ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ [فصلت: ٤٥] أي: ولقد آتينا نبينا موسى عليه السلام كتابه التوراة ليكون هداية ونورًا لقومه، فاختلفوا في شأن هذا الكتاب، فمنهم من آمن به، ومنهم من صد عنه(٣). ٣. العذاب في الآخرة. عواقب الشك لا تقتصر على الدنيا فقط بل إنها تمتد للآخرة، فمن عواقب الشك في الآخرة العذاب والفناء والهلاك، كما في قوله تعالى: ﴿بَلِ أَذَّرَكَ عِلْمُهُمْ فِ اَلْآَخِرَةَّ بَلْ هُمْ فِى شَكٍّ مِنْهَا بَلّ هُم مِّنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل: ٦٦]. قال طنطاوي: «التدارك بمعنى الاضمحلال والفناء، وأصله التتابع (٢) انظر: الوجيز، الواحدي ص٩٤٥. (٣) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٧/ ٥٦٨. ٤٤٤ مَشَبَرُ النَّفْسِيَةْ لِلْقُرْآن الكَرِيمِ الشك والتلاحق، أى: بل تتابع علم هؤلاء المشركين بشئون البعث حتى اضمحل وفنى، ولم يبق لهم علم بشيء مما سيكون فيها قطعا مع توافر أسبابه ومباديه من الدلائل، ومنهم من يرى أن التدارك هنا التكامل، فيكون المعنى: بل تكامل علمهم بشئون الآخرة، حين يعاينون ما أعد لهم فيها من عذاب، بعد أن كانوا ينكرون البعث والحساب في الدنيا، ويبدو لنا أن الآية الكريمة تتسع للقولين، على معنى أن المشركين اضمحل علمهم بالآخرة لكفرهم بها في الدنيا، فإذا ما بعثوا يوم القيامة وشاهدوا العذاب، أيقنوا بحقيقتها، وتكامل علمهم واستحكم بأن ما كانوا ينكرونه في الدنيا. قد صار حقيقة لا شك فيها، ولا مفر لهم من عذابها))(١). قال الألوسى: ((قوله: ﴿بَلِ أَذَّرَكَ عِلْمُهُمْ فِ اُلْآَخِرَةِ﴾ والمعنى: بل تتابع علمهم في شأن الآخرة، التي ما ذكر من البعث حال من أحوالها، حتى انقطع وفنی، ولم يبق لهم علم بشيء مما سيكون فيها قطعا، مع توفر أسبابه)»(٢) ٠ موضوعات ذات صلة: الإيمان، الظن، النفاق، اليقين (١) التفسير الوسيط، ٣٤٩/١٠. (٢) روح المعاني، ٢٢٤/١٠. www. modoee.com ٤٤٥