Indexed OCR Text
Pages 21-40
السياسة الإسناد وصحته ويذهبون إلى رأي سفيان، والله يقول: ﴿فَلَيَحْذَّرِ الَّذِينَ يُخَالِقُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةُ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]، أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك. وعن عدي بن حاتم أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية: ﴿أَّخَذُوّا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوّا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهَا وَحِدًّاً لََّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ سُبْحَنَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١]. فقلت له: (إنا لسنا نعبدهم، قال: أليس پحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ فقلت: بلى، قال: فتلك عبادتهم) (١)(٢). (١) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب تفسير القرآن، ١٠ ٢٧٨/٥، رقم ٣٠٩٥. قال الترمذي: حسن غريب. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، ٨٦١/٧، رقم ٣٢٩٣. (٢) انظر: فتح المجيد شرح كتاب التوحيد، ابن حسن ص ١٣٤. مقاصد السياسة في القرآن ذكر الله عز وجل في كتابه المقاصد العامة للسياسة الشرعية، والتي حرص على إيضاحها والعناية بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ عليها قوام الشرع والدين، وهي المقاصد التي بعث من أجلها الرسل وأنزلت الكتب، وشرعت الشرائع، ونبين هذه المقاصد في النقاط الآتية: أولًا: حراسة الدين: وحراسة الدين تتم بأمرين (٣): الأول: حفظ الدين. الثاني: تنفيذ أحكام الدين، وإقامة حدوده. وذلك بغرض قطع الخصام بين المتنازعين، وصون محارم الله تعالى عن الانتهاك، وحفظ حقوق عباده من الإتلافِ والاستهلاك حتى تعم النصفة، فلا يتعدى ظالمٌ، ولا يضعف مظلومٌ. وأزيد الأمر إيضاحا فأقول: إن الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا كما ذكره الماوردي(٤). ((وحفظ الدين يعني : إبقاء حقائقه ومعانيه ونشرها بين الناس كما بلغها رسول الله صلى الله عليه وسلم وسار عليها صحابته (٣) انظر: الفقه الإسلامي وأدلته ٤٦٦/٨. (٤) انظر: الأحكام السلطانية ص٣. www. modoee.com ٢٧ حرف السين الكرام، ونقلوها إلى الناس من بعده، وعلى هذا لا يجوز أي تبدیل أو تحریف في هذه الحقائق والمعاني ، لأن التحريف والتبديل يدخلان في نطاق الابتداع المذموم في دين الله، ولا يجوز التردد أبدًا في منع التبديل والتحريف بجحة حق الفرد في إبداء الرأي وحرية الفكر والاجتهاد)) (١). وقد أجمع سلف الأمة على وجوب حفظ الدين على أصوله المستقرة، فإن نجم مبتدئٌ، أو زاغ ذو شبهة عنه، أوضح له الحجة، وبين له الصواب، وأخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود، ليكون الدين محروسًا من خللٍ، والأمة ممنوعة من زلل(٢). ومن أعظم أصول الشريعة وقواعد الملة: حفظ الدين وصيانته والذب عنه، وسنة الله تعالى الصراع بين الحق والباطل، والإسلام والكفر، والمعروف والمنكر، وقد قيض الله في كل زمان بقايا من أهل العلم، يحيون كتاب الله، ويحمون دينه. وقوام الدين يكون بالعلم والجهاد في سبيل الله. قال الله تعالى: ﴿أَنفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَهِدُواْ بِأَقْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِنْ كُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [التوبة: ٤١]. (١) انظر: أصول الدعوة ص٢٢١. (٢) انظر: الأحكام السلطانية ص ٢٢. ونزلت هذه الآية في الحث على غزوة تبوك، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من الطائف وغزوة حنين، أمر بالجهاد لغزو الروم، وذلك في زمان عسرة من البأس، وجدب من البلاد، وشدة من الحر، حين أخرقت النخل، وطابت الثمار، فعظم على الناس غزو الروم، وأحبوا الظلال والمقام فى المساكن والمال، وشق عليهم الخروج إلى القتال، فلما كان ذلك من تثاقل الناس، أنزل هذه الآية(٣). ((ولايخفى ما في هذه الآية الكريمة من التشديد في الخروج إلى الجهاد على كل حال)»(٤)، ((فالضمير في ﴿أَنْفِرُواْ﴾ عام للذين استنفروا فتثاقلوا، وإنما استنفر القادرون، وكان الاستنفار على قدر حاجة الغزو، فلا يقتضي هذا الأمر توجه وجوب النفير على كل مسلم في كل غزوة، ولا على المسلم العاجز لعمى أو زمانة أو مرض، وإنما يجري العمل في كل غزوة على حسب ما يقتضيه حالها وما يصدر إليهم من نفير)»(٥). وقال تعالى: ﴿وَجَهِدُواْ فِ اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِمْ﴾ [الحج: ٧٨]. ووجه الإضافة في قوله: ﴿حَقَّ جِهَادِهِ﴾ وكان القياس: حق الجهاد فيه، (٣) انظر: أسباب النزول، الواحدي ص٢٥١. (٤) أضواء البيان، الشنقيطي ١٤٥/٢. (٥) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٠٣/١٠. ٢٨ جَوَسُو القرآن الكريمِ السياسة أو حق جهادکم فیه، كما قال: ﴿وَجَھِدُوا فِيِ اللَّهِ﴾: أن الإضافة تكون بأدنى ملابسة واختصاص، فلما كان الجهاد مختصًا بالله، من حيث إنه مفعول لوجهه ومن أجله، صحت إضافته إلیه(١). والآيات النازلة في القتال على ثلاثة أنواع: أحدها: آيات أمرت بقتال الدفاع، كقوله تعالى: ﴿وَقَِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَفَّةً كَمَا يُقَئِلُونَكُمْ كَافَّةٌ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُنَّقِينَ ﴾ [التوبة: ٣٦]. وقوله: ﴿الشَّهُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْخَرَاءِ وَالْمَتُ قِصَاصَُّ فَمَنِ أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَعْلَمُوْاْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤]. وهذا قتال ليس للإكراه على الإسلام، بل هو لدفع غائلة المشرکین. الثاني: آيات أمرت بقتال المشركين والكفار ولم تغي بغاية، فيجوز أن يكون إطلاقها مقيدًا بغاية آية: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الچِزْیَةَ ﴾ [التوبة: ٢٩]. وحينئذ فلا تعارضه آية: ﴿لَآَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]. الثالث: ما غيى بغاية ، كقوله تعالى: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَّ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ أَنْنَهَوْاْ فَلَاَ عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الَّلِينَ﴾ [البقرة: ١٩٣]. (١) انظر: الكشاف، الزمخشري ١٧٥/٣. والله أعلم (٢). وقال ابن عباس ومجاهد وغيره في قوله تعالى: ﴿وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَتِلُونَكُمْ وَلَا تَفْتَدُوْاْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ اَلْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠]. معنى الآية: قاتلوا الذين هم بحالة من يقاتلكم، ولا تعتدوا في قتل النساء والصبيان والرهبان وشبهه، وقال قوم: المعنى: لا تعتدوا في القتال لغير وجه الله، كالحمية وكسب الذكر (٣). وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَلْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَجَهَدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصََّدِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥]. وقال تعالى: ﴿يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِ، فَوَّفَ يَأْتِى اَللَّهُ بِقَوْمٍ يُحُهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَقِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ يُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةً لَآَيِرٍ﴾ [المائدة : ٥٤]. أخبر تعالى المؤمنين في هذه الآية الکریمة، أنهم إن ارتد بعضهم فإن الله یآتي عوضًا عن ذلك المرتد بقوم من صفاتهم الذل للمؤمنين، والتواضع لهم ولين الجانب، والقسوة والشدة على الكافرين، وهذا من كمال صفات المؤمنين، وبهذا أمر (٢) انظر: التحرير والتنوير ٥٠٠/٣-٥٠١. (٣) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٢٤٨/١، معالم التنزيل، البغوي ١/ ٢١٣. www. modoee.com ٢٩ حرف السين الله نبيه صلى الله عليه وسلم، فأمره بلين من المسلمين، أعقبه بالتحذير منه، وجيء بصيغة ﴿يَرْتَدِدْ﴾ وهي صيغة مطاوعة، الجانب للمؤمنين، بقوله: ﴿وَأَخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٨]. إشارة إلى أن رجوعهم عن الإسلام إن قدر حصوله، لا يكون إلا عن محاولة من المشركين، فإن من ذاق حلاوة الإيمان لا يسهل عليه رجوعه عنه، ومن عرف الحق لا يرجع عنه إلا بعناء، ولم يلاحظ المفعول الثاني هنا؛ إذ لا اعتبار بالدين المرجوع إليه، وإنما نيط الحكم بالارتداد عن الإسلام إلى أي دين، ومن يومئذ صار اسم الردة لقبًا شرعيًا على الخروج من دين الإسلام، وإن لم یکن في هذا الخروج رجوع إلی دین کان عليه هذا الخارج))(٣). والثاني مما تتم به حراسة الدين: تنفيذ أحکام الدین. وذلك بتنفيذ الأحكام بین المتشاجرين، وقطع الخصام بين المتنازعين، حتى تعم النصفة، فلا يتعدى ظالمٌ، ولا يضعف (٤) مظلوم(٤). وإقامة الحدود لتصان محارم الله تعالى عن الانتهاك، وتحفظ حقوق عباده من إتلاف واستهلاك(٥). (١) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ١/ ٤١٥. (٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٥/ ١٣٤. (٣) التحرير والتنوير ٣١٤/٢-٣١٥. (٤) انظر: الأحكام السلطانية، الماوردي ص ٢٢. (٥) انظر: الأحكام السلطانية ص٢٢، غياث الأمم، الجويني ص١٦١. ٣٠ جوبيه القرآن الكريم وأثنى تعالى على نبيه باللين للمؤمنين في قوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنْتَ لَهُمّ وَلَوْ كُنْتَ فَقًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَأَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩](١). وفي الآية تحذير للمؤمنين من أعدائهم في الدين، وتجنيبهم أسباب الضعف فيه، فأقبل على تنبیھھم إلی أن ذلك حرص على صلاحهم في ملازمة الدين والذب عنه، وأن الله لا یناله نفع من ذلك، وأنهم لو ارتد منهم فريق أو نفر، لم يضر الله شيئا، وسيكون لهذا الدين أتباع وأنصار وإن صد عنه من صد، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ اَلْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧] (٢) . وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ، فَيَمُتْ وَهُوَ كَاِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فِ الدُّنْيَا وَالْأَخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِّ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ ﴾ [البقرة: ٢١٧]. ((والمقصد منه التحذير، لأنه لما ذكر حرص المشركين على رد المسلمين عن الإسلام، وعقبه باستبعاد أن يصدر ذلك السياسة ثانيًا: إصلاح حياة الناس: من أسمى الغايات التي جاء بها القرآن الكريم إصلاح الأمة على جميع المستويات، سواءً كان إصلاحًا للكفار بدعوتهم إلى الإسلام والهدی، أو إصلاحًا للمؤمنين بتزكية نفوسهم وتقويم أخلاقهم. بل إن المهمة الأولى التي جاء بها الأنبياء هي إصلاح حياة الناس في جميع مناحي الحياة. ولا شك أن القرآن قد جمع جوانب الإصلاح في حياة الناس على أكمل الوجوه، فمن ذلك: ١. الاستخلاف على الناس. في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِهِ هَرُونَ أَخْلُفْنِ فِ قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلَا تَنَِّعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٢]. قاله موسى لأخيه عند العزم على الصعود إلى الجبل للمناجاة، ومعنى ﴿أَخْلُفِ﴾ أي: كن خلفًا عني وخليفة، وهو الذي يتولى عمل غيره عند فقده، فتنتهي تلك الخلافة عند حضور المستخلف، فالخلافة وكالة، وفعل (خلف) مشتق من الخلف بسكون اللام وهو ضد الأمام، لأن الخليفة يقوم بعمل من خلفه عند مغيبه، والغائب يجعل مکانه وراءه. ٢. إصلاح حياة الناس والبعد عن المفسدين. قد جمع موسى عليه السلام وصيته ملاك السياسة بقوله: ﴿وَأَصْلِحْ وَلَا تَنَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ فإن سياسة الأمة تدور حول محور الإصلاح، وهو جعل الشيء صالحًا، فجميع تصرفات الأمة وأحوالها يجب أن تكون صالحة، وذلك بأن تكون الأعمال عائدة بالخير والصلاح لفاعلها ولغيره، فإن عادت بالصلاح عليه ويضده على غيره لم تعتبر صلاحًا، ولا تلبث أن تؤول فسادًا على من لاحت عنده صلاحًا، ثم إذا تردد فعل بين كونه خيرًا من جهة، وشرًا من جهة أخری، وجب اعتبار أقوی حالتیه، فاعتبر بها إن تعذر العدول عنه إلى غيره مما هو أوفر صلاحًا، وإن استوى جهتاه ألغي إن أمكن إلغاؤه وإلا تخير، وهذا أمر لهارون جامع لما يتعين عليه عمله من أعماله في سياسة الأمة. وقوله: ﴿وَلَا تَنَِّعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ تحذير من الفساد بأبلغ صيغة، لأنها جامعة بين النهي والنهي عن فعل تنصرف صيغته أول وهلة إلى فساد المنهي عنه، وبین تعليق النهي باتباع سبيل المفسدين. والاتباع أصله المشي على خلف ماش، وهو هنا مستعار للمشاركة في عمل المفسد، فإن الطريق مستعار للعمل المؤدي إلی الفساد، والمفسد من کان الفساد صفته، فلما تعلق النهي بسلوك طريق المفسدين، www. modoee.com ٣١ حرف السين کان تحذیرًا من کل ما یستروح منه مآل إلی فساد، لأن المفسدين قد يعملون عملاً لا فساد فيه، فنهي عن المشاركة في عمل من عرف بالفساد، لأن صدوره عن المعروف بالفساد كاف في توقع إفضائه إلى فساد ، ففي هذا النهي سد ذريعة الفساد، وسد ذرائع الفساد من أصول الاسلام، وقد عني بها مالك بن أنس وكررها في كتابه واشتهرت هذه القاعدة في أصول مذهبه. فلا جرم أن كان قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ جامعًا للنهي عن ثلاث مراتب من مراتب الإفضاء إلى الفساد: وهو العمل المعروف بالانتساب إلى المفسد، وعمل المفسد وإن لم يكن مما اعتاده، وتجنب الاقتراب من المفسد ومخالطته. وقد أجرى الله على لسان رسوله موسى، أو أعلمه، ما يقتضي أن في رعية هارون مفسدين، وأنه يوشك إن سلكوا سبيل الفساد أن يسايرهم عليه، لما يعلم في نفس هارون من اللین في سياسته، والاحتياط من حدوث العصيان في قومه، كما حكى الله عنه في قوله: ﴿إِنَّ الْقَوْمَ أَسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِ﴾ [الأعراف: ١٥٠]. وقوله: ﴿إِنِّ خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيّ إِسْرَّهِيلَ﴾ [طه: ٩٤]. ﴿وَلَا تَنَّعْ سَبِيلَ فليست جملة الْمُفْسِدِينَ﴾ مجرد تأكيد لمضمون جملة ﴿وَأَصْلِحْ﴾ تأكيدًا للشيء بنفي ضده مثل قوله: ﴿أَتَوَتُّ غَيْرٌ أَحْيَاءٍ﴾ [النحل: ٢١]. لأنها لو كان ذلك هو المقصد منها لجردت من حرف العطف، ولاقتصر على النهي عن الإفساد فقيل: وأصلح لا تفسد، نعم يحصل من معانيها ما فيه تأكید لمضمون جملة ﴿وَأَصْلِحْ﴾(١). ٣. المهمة الأولى للرسل إصلاح حياة الناس. قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينٌ فَمَنْ ءَامَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأنعام: ٤٨]. ومعنى ﴿وَأَصْلَحَ﴾: أي فعل الصلاح، وهو الطاعة لله فيما أمر ونهى، لأن الله ما أراد بشرعه إلا إصلاح الناس، كما حكى عن شعيب: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أُسْتَطَعْتُ" [هود: ٨٨]. ولما بين شعيب عليه السلام لقومه حقيقة عمله، وكان في بيانه ما يجر الثناء على نفسه، أعقبه بإرجاع الفضل في ذلك إلى الله فقال: ﴿وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّ بِاللَّهِ﴾ [هود: ٨٨]. فسمى إرادته الإصلاح توفيقًا، وجعله من الله لا يحصل في وقت إلا بالله، أي: بإرادته وهديه، فجملة ـلَّهِ توفيقى إلا با في موضع الحال من ضمير ﴿أُرِيدُ﴾. والتوفيق: جعل الشيء وفقا لآخر، أي: (١) انظر: التحرير والتنوير ٢٧٢/٨. جَوَبُورَةُ النَّفِيَّة القرآن الكريمِ ٣٢ السياسة طبقًا له، ولذلك عرفوه بأنه خلق القدرة والداعية إلى الطاعة(١). وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ وفي قول الملائكة: لِلْمَلَتَبِكَّةِ إِنِّ جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ قَالُواْ أَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ﴾ [البقرة: ٣٠]. يحتمل أنهم علموا ذلك من تسميته خلیفة، لأن الخلافة تقتضي الإصلاح وقهر المستخلف عليه، وهو يستلزم أن يصدر منه فساد، إما في ذاته بمقتضى الشهوة، أو في غيره من السفك، أو لأنها مجلي الجلال کما أنها مجلي الجمال، ولکل آثار، والإفساد والسفك من آثار الجلال، وسكتوا عن آثار الجمال، إذ لا غرابة فيها، وهم على كل تقدير ما قدروا الله تعالی حق قدره، ولا يخل ذلك بهم ففوق كل ذي علم عليم(٢). وقال تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِنَّمَا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ زَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٨٢]. «في هذه الآية دليل على الحكم بالظن، لأنه إذا ظن قصد الفساد وجب السعي في الصلاح، وإذا تحقق الفساد لم یکن صلحًا، إنما يكون حكمًا بالدفع، وإبطالًاً للفساد وحسمًا له))(٣). وقال تعالى: ﴿وَإِن طَآَيِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١) انظر: المصدر السابق ٣١٦/١١،١٠٨/٦. (٢) انظر: روح المعاني، الألوسي ١/ ٢٢٢. (٣) الجامع أحكام القرآن، القرطبي ٢/ ١٨٢. أُقْنَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَّاً فَإِنَّ بَغَتْ إِحْدَنَهُمَا عَلَى اٌلْأُخْرَى فَقَدِلُواْ الَّتِى تَبْغِى حَّى تَّفِىَّ إِلَى أَمْرِ الَّهِ فَإِنِ فَآءَتَّ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَفْسِطُواْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ [الحجرات: ٩]. وقوله: ﴿قاصْلِحُواْ﴾ ( يدل على وجوب الاصلاح عند التنازع بين المسلمين ) (٤). ومحمل الإصلاح العدل كما في قوله تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾ (٥). ﴿لََّ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ وقوله تعالى: مِّن نَّجْوَمُهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَحِ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤]. لم يبين هنا هل المراد بالناس المسلمون دون الكفار أو لا؟ لكنه أشار في مواضع أخر أن المراد بالناس المرغب في الإصلاح بينهم هنا، المسلمون خاصة، كقوله تعالى: ﴿إِنََّا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيَّكُنْ وَأَتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ١٠]. وقوله: ﴿وَإِن طَآَيِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ آَقْنَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا﴾ فتخصيصه المؤمنين بالذكر يدل على أن غيرهم ليس كذلك كما هو ظاهر، وكقوله تعالى: ﴿فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١](٦). قال ابن كثير رحمه الله نقلًا عن الرازي: النميمة على قسمين: تارة تكون على وجه التحريش بين الناس، وتفريق قلوب (٤) أحكام القرآن، الكيا الهراسي ٣٨٢/٢. (٥) انظر: الكشاف، الزمخشري ٣٦٨/٤. (٦) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٣٠٧/١. www. modoee.com ٣٣ حرف السين كانت على وجه الإصلاح بين الناس، وائتلاف كلمة المسلمين، كما جاء في الحديث: (لیس الكذاب من ینم خیرًا)(١)، أو يكون على وجه التخذيل والتفريق بين جموع الكفرة، فهذا أمر مطلوب كما جاء في الحديث: (الحرب خدعةٌ)(٢)، وکما فعل نعيم بن مسعود في تفريقه بين كلمة الأحزاب وبين قريظة، جاء إلى هؤلاء ونمى إليهم عن هؤلاء، ونقل من هؤلاء إلى أولئك شیئا آخر، ثم لأم بین ذلك، فتناکرت النفوس وافترقت(٣). وفي قوله: ﴿إِنَّمَا أَلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخُوَيَّكُمْ وَأَتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ١٠]. هذا تقرير لما ألزمه من تولى الإصلاح بين من وقعت بينهم المشاقة من المؤمنین، وبيان أن الإيمان قد عقد بين أهله من السبب (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلح، باب ليس الكاذب الذي يصلح بين الناس، ٩٥٨/٢، رقم ٢٥٤٦، ومسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والأدب، باب تحريم الكذب وبيان ما يباح منه، ٤ /٢٠١١، رقم ٢٦٠٥. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجهاد والسير ، باب جواز الخداع في الحرب، ١٣٦١/٣، رقم ١٧٣٩. (٣) انظر: مصنف عبد الرزاق، رقم ٩٧٣٧، ٣٦٧/٥، الفتاوى الكبرى، ابن تيمية ١٠٦/٦، إعلام الموقعين، ابن القيم ٢٤٠/٣. المؤمنين، فهذا حرام متفق عليه. فأما إن القريب والنسب اللاصق، ما إن لم يفضل الأخوة ولم يبرز عليها، لم ينقص عنها ولم يتقاصر عن غايتها، والمعنى: ليس المؤمنون إلا إخوة، وأنهم خلص لذلك متمحضون، قد انزاحت عنهم شبهات الأجنبية، وأبى لطف حالهم في التمازج والاتحاد أن يقدموا علی ما يتولد منه التقاطع، فبادروا قطع ما يقع من ذلك إن وقع واحسموه (٤). ٤. النهي عن الإفساد في الأرض. نهى الله تعالى عن الإفساد في الأرض ﴿وَلَا نُفْسِدُواْ فِي الْأَرْضِ بَعْدَ فقال: إِصْلَحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦]. أي: لا تفسدوا فيها بعدما أصلح فيها الصالحون من الأنبياء وأتباعهم العاملين بشرائعهم، أو بعد إصلاح أهلها(٥). وقوله: ﴿وَلَا نُفْسِدُواْ ﴾ لفظ عام يشمل دقيق الفساد وجليله، وكذلك الإصلاح عام، والمفسرون نصوا على أن الإشارة إلى الكفر بالفساد، وإلى النبوءات والشرائع (٦) بالإصلاح(٦). ((والفساد: خروج الشيء عن الحالة اللائقة به والصلاح مقابله، والفساد في الأرض هيج الحروب، والفتن المستتبعة لزوال الاستقامة عن أحوال العباد، واختلال أمر المعاش والمعاد، والمراد بما نهوا عنه: (٤) انظر: الكشاف، الزمخشري ٣٦٩/٤. (٥) انظر: المصدر السابق ١٢١/٢. (٦) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٤٩٣/٢. جوسين القرآن الكريمِ ٣٤ السياسة ما يؤدي إلى ذلك من إفشاء أسرار المؤمنين المقصود إثبات أن ماهية الصلح خير للناس، فهو تذييل للأمر بالصلح والترغيب فيه (٣). إلی الکفار، وإغرائهم علیھم، وغير ذلك من فنون الشرور))(١). ومعنى الإفساد: هو ما ینبغی تر که مما هو مضرة، وأن الإصلاح ضده: وهو ما ينبغي فعله مما فعله منفعة، وإن جهل المعاني التي جعلها الله إفسادًا، والمعاني التي جعلها الله إصلاحًا (٢). وفي قوله تعالى: ﴿وَإِنِ أَمْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيَنَهُمَا صُلْحَاْ وَالصُّلِّحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]. يحتمل أن تكون صيغة: ﴿فَلاَ جُنَاحَ﴾ مستعملة في التحريض على الصلح، أي: إصلاح أمرهما بالصلح وحسن المعاشرة، فنفي الجناح من الاستعارة التمليحية، فالمراد الصلح بمعنى: إصلاح ذات البين، والأشهر فيه أن يقال: الإصلاح. والمقصود الأمر بأسباب الصلح، وهي: الإغضاء عن الهفوات، ومقابلة الغلظة باللين، وهذا أنسب وأليق بما يرد بعده من قوله: ﴿وَإِن يَنَفَرَّقَا يُغْنِ اَللّهُ كُلََّ مِنْ سَعَتِهِ،﴾ [النساء: ١٣٠]. والتعريف في قوله: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ تعريف الجنس وليس تعريف العهد، لأن (١) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٤٣/١. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١/ ٧٥. ٥. مقاصد الإصلاح التي جاء بها القرآن. المقاصد الأصلية التي جاء بها القرآن وبينها، والتي لها تعلق بالإصلاح، تبلغ بالاستقراء ثمانية أمور ، كما ذكرها ابن عاشور رحمه الله (٤): الأول: إصلاح الاعتقاد وتعليم العقيدة الصحيح. وهذا أعظم سبب لإصلاح الخلق، لأنه يزيل عن النفس عادة الإذعان لغير ما قام عليه الدليل، ويطهر القلب من الأوهام الناشئة عن الإشراك والدهرية وما بينهما، وقد أشار إلى هذا المعنى قوله تعالى: ﴿فَمَآ أَغْنَتْ عَنْهُمْ ءَالِهَتُّهُمُ الَّتِى يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَىْءٍ لَّمَّا جَاءَ أَمْرُ رَيِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَنَّبِيبٍ﴾ [هود: ١٠١] فأسند لآلهتهم زيادة تتبیبهم، وليس هو من فعل الآلهة، ولکنه من آثار الاعتقاد بالآلهة. الثاني: تهذيب الأخلاق. قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]. ولما سئلت عائشة رضى الله تعالى عنها عن خلقه صلى الله عليه وسلم قالت: كان خلقه القرآن (٥). (٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٦٧/٤. (٤) انظر: المصدر السابق ٣٧/١. (٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة www. modoee.com ٣٥ حرف السين وفي الحديث الذي رواه مالك في الموطأ اَللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ وَأَذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْكُنُمْ أَعْدَاءُ فَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ» إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. بلاغًا أن رسول الله صلی الله عليه وسلم قال: (بعثت لأتمم حسن الأخلاق)(١). وهذا المقصد قد فهمه عامة العرب، بله خاصة الصحابة. الثالث: التشريع وهو الأحكام خاصة وعامة. قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَآ أَرَكَ اَللَّهُ ﴾ [النساء: ١٠٥] ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيِّهِ مِنَ الْكِتَبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ﴾ [المائدة: ٤٨]. ولقد جمع القرآن جميع الأحكام جمعًا كليًا في الغالب، وجزئيًا في المهم. قال الشاطبي: لأنه على اختصاره جامع، والشريعة تمت بتمامه، ولا یکون جامعًا لتمام الدين إلا والمجموع فيه أمور كلية (٢). الرابع: سياسة الأمة. وهو باب عظيم في القرآن، القصد منه صلاح الأمة وحفظ نظامها، كالإرشاد إلى تكوين الجامعة بقوله: ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلٍ المسافرين، باب جامع صلاة الليل، ٥١٢/١، رقم ٧٤٦. (١) أخرجه مالك في الموطأ من رواية يحيى الليثي رقم ٢،١٦٠٩ / ٩٠٤. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ١١٢/١. (٢) انظر: الموافقات ١٨١/٤. وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا ◌َّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَىْءٌ﴾ [الأنعام: ١٥٩] وقوله: وَلَا تَتَزَعُواْ فَنَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ـ: ٤٦] وقوله: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨]. الخامس: القصص وأخبار الأمم السالفة للتأسي بصالح أحوالهم. قال تعالى: ﴿فَحْنُ نَقُصُ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْءَانَ وَإِن كُنْتَ مِن قَبْلِهِ، لَمِنَ الْفَفِلِينَ﴾ [يوسف: ٣]. وقال تعالى: ﴿أُوْلَيْكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَيَهُدَ هُمُ أَقْتَدِةٌ﴾ [الأنعام: ٩٠] السادس: التعليم بما يناسب حالة عصر المخاطبین. وما يؤهلهم إلى تلقي الشريعة ونشرها، وذلك علم الشرائع وعلم الأخبار. السابع: المواعظ والإنذار والتحذير والتبشير. وهذا يجمع جميع آيات الوعد والوعيد، وكذلك المحاجة والمجادلة للمعاندین، وهذا باب الترغيب والترهيب. الثامن: الإعجاز بالقرآن ليكون آية دالة علی صدق الرسول. ٣٦ جوبيه القرآن الكريمِ السياسة إذ التصديق يتوقف على دلالة المعجزة بعد التحدي، والقرآن جمع كونه معجزة التي أرشد إليها الكتاب العزيز فيما يلي: بلفظه، ومتحدي لأجله بمعناه. کما أن من أهم ما يقوم به الإمام لتحقيق الإصلاح في حياة الناس ما يلي: حماية البيضة والذب عن الحريم، ليتصرف الناس في المعایش، وينتشروا في الأسفار آمنين، من تغریر بنفس أو مال. تقدير العطايا وما يستحق في بيت المال من غير سرفٍ ولا تقتير، ودفعه في وقت لا تقدیم فيه ولا تأخیر. استكفاء الأمناء وتقليد النصحاء فيما يفوض إليهم من الأعمال، ويكله إليهم من الأموال، لتكون الأعمال بالكفاءة مضبوطة، والأموال بالأمناء محفوظة (١). ثالثًا: حفظ وحدة الأمة: إن من أعظم مقاصد السياسة التي جاء بها القرآن الكريم وحدة الأمة، ونبذ الفرقة والاختلاف، والنصوص القرآنية كثيرة في تجذير مفهوم الأمة في نفوس المسلمين، الذي لا تقف دونه الحدود والتضاريس، ومعيار وحدة الأمة هو الاعتصام بحبل الله تعالى، والتمسك بشرعه ودينه. (١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٧٤/٣. ويمكن إجمال عوامل وحدة الأمة الاعتصام بدين الله تعالى ونبذ الفرقة، وطاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وذم الاختلاف والتفرق. كما سيأتي إن شاء الله. قال الله تعالى: ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَغَرَّقُواْ وَأَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنُمْ أَعْدَاءُ فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ» إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. حیث أمر الله في هذه الآية بما فيه صلاح حال الناس في دنياهم، وذلك بالاجتماع على هذا الدين وعدم التفرق ليكتسبوا باتحادهم قوة ونماء. والاعتصام افتعال من عصم، وهو طلب ما يعصم ، أي : يمنع. والحبل: ما يشد به للارتقاء، أو التدلي، أو للنجاة من غرق، أو نحوه، والكلام تمثیل لهيئة اجتماعهم والتفاتهم على دين الله ووصاياه وعهوده، بهيئة استمساك جماعة بحبل ألقي إليهم، منقذ لهم من غرق أو سقوط، وإضافة الحبل إلى الله قرينة هذا التمثيل (٢). والله تعالى يأمر بالألفة، وينهى عن الفرقة، فإن الفرقة هلكة، والجماعة نجاة. وقوله: ﴿وَلَا تَفَرَّقُواْ﴾ يعني: في دينكم کما افترقت اليهود والنصارى في أديانهم. (٢) انظر: المصدر السابق. www. modoee.com ٣٧ حرفالسین مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِنَبَ بِالْحَقِّ ويجوز أن يكون معناه: ولا تفرقوا متابعين للهوى والأغراض المختلفة، وكونوا في لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا أَخْتَلَفُواْ فِيَةٍ وَمَا أَخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَ تَهُمُ اَلْبَيْنَتُ دین الله إخوانًا؛ فیکون ذلك منعا لهم عن التقاطع والتدابر (١). ـَهُمَّ فَهَدَى اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْلِمَا أُخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ، وَاللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾﴾ [البقرة: ٢١٣]. وقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَّا تَنَزَعُواْ فَنَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَأَصْبِرُوَاْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّبِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦]. نهى الله جل وعلا المؤمنين في هذه الآية الكريمة عن التنازع، مبينًا أنه سبب الفشل، وذهاب القوة، ﴿وَتَذْهَبَرِيحُكُمْ﴾ أي: قوتكم(٢). وقال تعالى: ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اَللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَأَخْتَلَفُواْ مِنْ بَعْدِ مَا جَهُ الْبَيِّنَتُّ وَأُوْلَكَ لَْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥]. ﴿وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ وقال تعالى: الْمُشْرِكِينَ آ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُوْ شِيَقًّا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ [الروم: ٣١-٣٢] (٥) ووحدة الأمة تكون باجتماع الكلمة على الألفة والتناصر ؛ ليكون للمسلمين يد على من سواهم(٦). رابعًا: تحقيق مقاصد الشريعة: مقاصد الشريعة الإسلامية تنقسم إلى: عامة وخاصة، فالمقاصد العامة يقصد بها: المعاني والحكم الملحوظة للشارع في (٥) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٩٣/١. (٦) انظر: الأحكام السلطانية ص ٤٥. ٣٨ ـالعضوي جَوَسُولَةُ النَّقْتَبَ القرآن الكريمِ وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِ شَىْءٌ﴾ [الأنعام: ١٥٩]. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُسَّتِكُرْ أُمَّهُ وَحِدَةٌ وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَأَنَّقُونِ ﴾ [المؤمنون: ٥٢]. أي: «إن هذه شریعتكم شريعة واحدة، ودينكم دين واحد، وربكم واحد، فلا تتفرقوا في الدین»(٣). ((وقدیما كان التحزب مسببًا لسقوط الأديان والأمم، وهو من دعوة الشيطان التي يلبس فيها الباطل في صورة الحق)»(٤). وقد ذم الله سبحانه أهل التفرق والاختلاف في الكتاب، الذین یؤمن کل منهم ببعضه دون بعض، كما قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةَّ وَحِدَةٌ فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيْنَ (١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٠٣/٤. (٢) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ١٠٢/٢. (٣) المصدر السابق ٧/ ٦١. (٤) التحرير والتنوير ٦٠/١٨. السياسة جميع أحوال التشريع أو معظمها؛ بحيث لا تختص ملاحظاتھا فی الکون في نوع خاص من أحكام الشريعة (١). والمقاصد الخاصة: المراد بها الكيفيات المقصودة للشارع لتحقيق مقاصد الناس النافعة، أو لحفظ مصالحهم العامة في تصرفاتهم الخاصة، كي لا يعود سعيهم في مصالحهم الخاصة بإبطال ما أسس لهم من تحصيل مصالحهم العامة إبطالًا عن غفلة، أو استنزال هوى، أو شهوة (٢). والمقاصد ذات تقسيمات متعددة لا يتسع المقام لذكرها، ويمكن الإشارة إليها بإيجاز، فأقول: إن المقاصد من حيث الحاجة إليها تشتمل على ثلاث أشياء: الضروريات، والحاجيات، والتحسينيات. ومن حيث المحل تجدها قسمين: مقاصد الشارع، ومقاصد المكلف، ومن حيث تعلقها بعموم الأمة وخصوصها تنقسم إلى ثلاثة أقسام: ١. مقاصد عامة: وهي التي تلاحظ في أغلب أبواب الشريعة. ٢. ومقاصد خاصة: وهي التي تتعلق بباب معين، وتشمل مقاصد العائلة، والتصرفات المالية، والعمل والعمال، والقضاء والشهادات والعقوبات، (١) انظر: مقاصد الشريعة، ابن عاشور ص٥١. (٢) انظر: المصدر السابق ص ٥١، ١٤٦. وعقود التبرعات. الخ. ٣. ومقاصد جزئية: والمراد بها علل الأحكام وأسرارها(٣). ولا جرم أن الله تعالى خص الشريعة الإسلامية بوصف الرحمة الكاملة، وقد أشار إلى ذلك قوله تعالى فيما حكاه خطابًا منه لموسى عليه السلام: ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَالَّذِينَ هُم بِحَّايَئِنَا يُؤْمِنُونَ ( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىَّ الْأُفِىَ﴾ [الأعراف: ١٥٦-١٥٧]. ففي قوله: ﴿وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾ إشارة إلى أن المراد رحمة هي عامة، فامتازت شريعة الإسلام بأن الرحمة ملازمة للناس في سائر أحوالهم، وأنها حاصلة بها لجميع الناس لا لأمة خاصة. فأقيمت شريعة الإسلام على دعائم الرحمة والرفق واليسر، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِ الدِّينِ مِنْ حَرَجْ﴾ [الحج: ٧٨]. وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْمُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْمُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (بعثت بالحنيفية السمحة) (٤). (٣) انظر: مقاصد الشريعة، ابن عاشور ص ٥١، مقاصد التشريع الإسلامي، نور الدين الخادمي مجلة العدل، عدد ٦ ربيع الآخر ١٤٢١ هـ. (٤) أخرجه أحمد في مسنده، ٢٦٦/٥، رقم www. modoee.com ٣٩ حرف السين وما يتخيل من شدة في نحو القصاص والحدود، فإنما هو لمراعاة تعارض الرحمة والمشقة، كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حوهً ﴾ فالقصاص والحدود شدة على الجناة ورحمة ببقية الناس. وأما رحمة الإسلام بالأمم غير المسلمين فإنما نعني به رحمته بالأمم الداخلة تحت سلطانه وهم أهل الذمة، ورحمته بهم عدم إكراههم على مفارقة أديانهم، وإجراء العدل بینهم في الأحكام، بحیث لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم في الحقوق العامة. هذا وإن أريد بلفظة: ﴿لِلْعَلَمِينَ﴾ في قوله تعالى: ﴿إِلَّرَحْمَةُ لِلْعَلَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] النوع من أنواع المخلوقات ذات الحياة، فإن الشريعة تتعلق بأحوال الحيوان في معاملة الإنسان إياه وانتفاعه به، إذ هو مخلوق لأجل الإنسان. قال تعالى: ﴿هُوَاُلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّافِی اُلْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]. وقال تعالى: ﴿وَالْأَنْعَمَ خَلَقَهَأُ لَكُمْ فِيهَا رِفْءٌ وَمَنَفِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَالُ حِينَ تُرِحُونَ وَحِينَ تَتْرَحُونَ ا وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُواْ بَلِغِيهِ إِلَّ بِشِقِّ الْأَنفُسَِّ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ [النحل: ٦-٧]. ٢٢٣٤٥. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ١٢٥/٧. وكل ما سبق ذكره من تقسيمات مقاصد وتفريعاتها المختلفة، تخدم جوانب الحياة المختلفة، سواء في مجال الضروريات أو الحاجيات أو التحسينات. وأكتفي هنا بالإشارة إلى الضروريات الخمس، وما جاء في القرآن الكريم بشأنها من النصوص على هذا النحو: الأول: حفظ الدين. حيث شرع الله لإقامته العبادات، وشرع لحفظه الجهاد وعقوبة المرتد، وزجر من يفسد على الناس عقيدتهم(١). الثاني: حفظ النفس. شرع الله لإيجادها النكاح، وشرع لحفظها القصاص على من يعتدي عليها، وتحريم إلقاء النفس في التهلكة، ولزوم دفع الضرر عنها (٢). قال تعالى: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ اَلْقِصَاصُ فِى الْقَدْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨]. وقال سبحانه: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ النَّفْسَ أَلَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُئِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِّهِ، سُلْطَانًا فَلَا يُشْرِفِ فى الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا﴾ [الإسراء: ٣٣]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِىِ اَلْقِصَاصِ حَوَةٌ يَتْأَوْلِىِ الْأَلْبَبِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: ١٧٩]. (١) انظر: المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية، عبدالكريم زيدان ص ٤٢. (٢) انظر: المصدر السابق. ٤٠ جَوَبُو بَرُ النَّقِين الْقُرآن الكَرِيمِ السياسة في هذه الآية تنبيه على الحكمة في شرع القصاص، وإبانة الغرض منه، وخص أولي الألباب مع وجود المعنى في غيرهم؛ لأنهم المنتفعون به(١). ومن علم أنه يقتل إذا قتل، یکون ذلك رادعًا له وزاجرًا عن القتل، ولو كان الاثنان لا يقتص منهما للواحد، لكان كل من أحب أن يقتل مسلمًا، أخذ واحدًا من أعوانه فقتله معه، فلم يكن هناك رادع عن القتل، وبذلك تضيع حكمة القصاص من أصلها، مع أن المتمالئين على القتل، يصدق على كل واحد منهم أنه قاتل فيقتل، ويدل له أن الجماعة لو قذفوا واحدًا لوجب حد القذف على جميعهم(٢). ولا شك أن هذا من أعدل الطرق وأقومها، ولذلك يشاهد في أقطار الدنيا قديمًا وحديثًا، قلة وقوع القتل في البلاد التي تحکم کتاب الله، لأن القصاص رادع عن جريمة القتل، كما ذكره الله في الآية (٣). وفيه ارتداع الناس عن قتل النفوس، فلو أهمل حكم القصاص لما ارتدع الناس؛ لأن أشد ما تتوقاه نفوس البشر من الحوادث هو الموت (٤). (١) انظر: أحكام القرآن، الكيا الهراسي ١/ ٥٦. (٢) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٤١٠/١. (٣) انظر: أضواء البيان ٣٢/٣. (٤) انظر: التحرير والتنوير ١٤٣/٢. الثالث: حفظ العقل. حيث شرع الله لحفظه تحريم الخمر وعقوبة شاربها، قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الَْقُرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]. في هذه الآية دليل على وجوب اجتناب الخمر، وقد أخذ بعض العلماء منها أن الخمر نجسة العين، لأن الله تعالی قال: إنها س٣ٌ﴾، والرجس في كلام العرب: كل مستقذر تعافه النفس. قالوا: ويدل لهذا مفهوم المخالفة في قوله تعالى في شراب أهل الجنة: ﴿وَسَقَهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]؛ لأن وصفه لشراب أهل الجنة بأنه طهور یفهم منه، أن خمر الدنيا ليست كذلك، والنزاع الفقهي في هذه المسألة شهير (٥). وقد بينت السنة حد شرب الخمر، وهو ثمانون جلدة مع الحرية وأربعون مع الرق (٦). الرابع: حفظ النسب. شرع الله لإيجاده الزواج، وشرع لحفظه عقوبة الزنى، وحرمة إجهاض المرأة الحامل إلا لضرورة (٧). (٥) انظر: أضواء البيان ١/ ٤٢٦. (٦) انظر: زاد المستقنع، الحجاوي ص ١٩٥. (٧) انظر: المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية، عبدالکریم زيدان ص٤٢ . www. modoee.com ٤١ حرف السين قال تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ الزِّنَّةِ إِنَّهُ، كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢]. وقال سبحانه: ﴿الزِّيَّةُ وَالزَّنِ فَأَجْلِدُواْ كُلَّ وَحِدٍ مِنْهُمَامِاْتَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]. كما أوجب الله سبحانه العدة صيانة وحفظًا للأنساب. قال الله تعالى: ﴿ وَالْمُطَلَّقَتُ بََّبَّصْنَ [البقرة: ٢٢٨]. ياس ج بِأَنْفُسِهِنَّ ثَثَةَ قُرْوٌ ﴿وَأَِّى بَيِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ وقال سبحانه: مِنِ نِسَابِكُمْ إِنٍ أَرْتَبْتُمْ فَعِنَّتُهُنَّ ثَلَنَّةُ أَشْهُرٍ وَأَّتِى لَمْ يَضْنَّ وَأُوْلَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]. الخامس: حفظ العرض. حيث شرع الله لحفظه عقوبة الزنى والقذف، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ اَلْمُحْصَنَتِ الْفَفِلَتِ الْمُؤْمِنَتِ لُمِنُواْ فِ الدُّنْيَا وَاْأَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ٢٣]. السادس: حفظ المال. شرع الله لتحصيله أنواع المعاملات من بيع وشراء وشركة ونحو ذلك، وشرع لحفظه حرمة أکل مال الناس بالباطل، أو إتلافه والحجر على السفيه وتحريم الربا، وعقوبة السرقة (١). ﴿ وَاُلسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ قال تعالى: فَأَقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَّاءُ بِمَا كَسَبَا نَكَلًا مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨]. وقال سبحانه: ﴿ وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَّكُمْ بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِآلْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨]. وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِلْبَطِلِ إِلَّ أَنْ تَكُونَ تَجَرَةً عَن تَرَاضٍ مِّنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. کما شرع الله تعالى حد الحرابة، وهو حد قطاع الطريق: ﴿إِنَّمَا جَزَّاوُاْ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِ يهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَفٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الْأَرْضَِّ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِ الدُّنْيَاً وَلَهُمْ فِي اْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣]. وما تقدم ذكره من ضروريات الشريعة وكلياتها يصب في مصلحة الأمة من النواحي المختلفة، وخصوصًا الناحية السياسية، إذ إن ضبط هذه المصالح والحفاظ عليها هو تحقيق واضح لمقاصد الشريعة بتقسيماتها المختلفة، وأساس من أسس تماسك الأمة ووحدتها، وسلامة أفرادها ومجتمعاتها من العبث والإتلاف، واستبقاء لصورة الأمة قوية قلباً وقالبًا أمام نفسها وأمام أعدائها. (١) انظر: المصدر السابق. جَوَسُو ◌َرَ النَّفَيْ القرآن الكريمِ ٤٢ السياسة خامسًا: دفع العدوان: من أعظم المهام المنوطة بالإمام رعاية الأمة ودفع العدوان عنها، سواء كان العدوان علی ثغور المسلمین، أو کف عدوان بعض المسلمین علی المسلمین، ویکون ذلك بما يلي: تحصين الثغور بالعدة المانعة والقوة الدافعة حتى لا تظفر الأعداء بغرةٍ ینتھکون فيها محرمًا، أو يسفكون فيها لمسلم أو معاهد دمًا (١). جهاد من عاند الإسلام بعد الدعوة حتى يسلم، أو يدخل في الذمة ليقام بحق الله تعالى في إظهاره على الدين كله(٢). والعدوان مصدر عدا، بمعنى: اعتدى، وهو نفي عام، أي: لا يؤخذ فرد فرد من أنواعه البتة إلا على من ظلم، ويراد بالعدوان الذي هو الظلم الجزاء (٣). ومن واجبات السياسة في الإسلام دفع العدوان، سواء كان هذا العدوان على بلاد المسلمین، والذي هو جهاد الدفع، أو كان عدونا من المسلمين بعضهم على بعض. ومن أمثلة الأول قوله تعالى: ﴿وَقَئِلُوهُمْ حَّ لَا تَكُونَ فِثْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ أَنَهَوْاْ فَلَا (١) انظر: الأحكام السلطانية، الماوردي ص ٢٢، غياث الأمم، الجويني ص١٢٩. (٢) انظر: الأحكام السلطانية ص٢٢. (٣) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٧٦/٢. عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى النَّلِينَ﴾ [البقرة: ١٩٣]. أي: فإن انتهوا عما هم فيه من الشرك، وقتال المؤمنين، فكفوا عنهم، فإن من قاتلهم بعد ذلك فهو ظالم، ولا عدوان إلا على الظالمين، وهذا معنى قول مجاهد: لا يقاتل إلا من قاتل. أو يكون تقديره : فإن انتهوا فقد تخلصوا من الظلم، وهو الشرك، فلا عدوان علیهم بعد ذلك. والمراد بالعدوان هاهنا: المعاقبة والمقاتلة، كقوله: ﴿فَمَّنِ اُعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلٍ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ ﴾ [البقرة: ١٩٤]. ﴿وَحَزَّوُاْ سَيْئَّةٍ سَيِّئَّةٌ مِثْلُهَا﴾ و قوله: [الشورى: ٤٠]. وقوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُوبِهٌِ﴾ [النحل: ١٢٦](٤). وقوله: ﴿فَلَاَ عُدْ وَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِينَ﴾ إنما ذلك على وجه المجازاة، والمعنى: افعلوا بهم مثل الذي فعلوا بكم، ولا تقاتلوا إلا من (٥) قاتلكم(٥). ﴿وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ و قوله: يُقَتِلُونَكُمْ وَلَا تَفْتَدُوْاْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠]. في هذه الآية نهي عن الاعتداء، وقد ذكر بعض المفسرين أن الاعتداء على ثلاثة أقوال: الأول: قتال من لم يقاتل. والثاني: (٤) انظر: تفسير القرآن العظيم ٥٢٦/١. (٥) انظر: جامع البيان ٣/ ٥٧٣ -٥٧٤. www. modoee.com ٤٣ حرف السين أنه قتل النساء والولدان. والثالث: أنه القتال على غير الدين(١). ولا يمنع أن يكون اللفظ شاملًا للأقوال الثلاثة. وقد يكون الاعتداء بتعدي حدود الله تعالى، فيجب على الإمام حمايتها ورعايتها، والشريعة جاءت بحماية حقوق الناس، ورعايتها لشؤونهم، أيًا كان هذا الاعتداء حتی بین الزوجين. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلا تُمْسِكُهُنَّ ضِرَارًا لِعْنَدُواْ﴾ [البقرة: ٢٣١]. صرح تعالى في هذه الآية الكريمة بالنهي عن إمساك المرأة مضارة لها؛ لأجل الاعتداء عليها بأخذه ما أعطاها؛ لأنها إذا طال عليها الإضرار افتدت منه؛ ابتغاء السلامة من ضرره(٢). وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيَتَعَذَّ حُدُودَهُ ﴾ [النساء: ١٤]. والتعدي هو: مجاوزة الحد الذي المواريث، وذكر أنصباء الوارث، والنظر في أموال الأيتام، وبيان عدد ما يحل من الزوجات، فناسب أن يذكر عقيب هذا كله التعدي، الذي هو مجاوزة ما شرعه الله من هذه الأحكام إلى ما لم يشرعه، وجاء قوله: ﴿َتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ عقيب قوله: ﴿وَصِيَّةً مِّنَ (١) انظر: النكت والعيون، الماوردي ١/ ٢٥١. (٢) انظر: أضواء البيان ١/ ١٤٩. ﴾ [النساء: ١٢]. & الله ثم وعد من أطاع بالجنة، وأوعد من عصا وتعدى حدوده بالنار (٣)، وقال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اَللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]. في هذه الآية نهي عن استحلال المحرمات، وذلك بالاعتداء على حقوق الناس، وهو أشد الاعتداء، أو على حقوق الله تعالى في أمره ونهيه دون حق الناس، كتناول الخنزير أو الميتة. ويعم الاعتداء في سياق النهي جميع جنسه مما كانت عليه الجاهلية من العدوان، وأعظمه الاعتداء على الضعفاء كالوأد، وأكل مال اليتيم، وعضل الأيامى، وغير ذلك (٤). وقال تعالى: ﴿فَمَنِ اُعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ. عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]. ((أي: من تجاوز شرع الله بعد القود، وأخذ الدية بقتل القاتل، بعد سقوط الدم، أو بقتل غير القاتل، وكانوا في الجاهلية يفعلون حده الله فيها، وقد جاء ذلك بعد أحكام ذلك، ويقتلون بالواحد الاثنين والثلاثة والعشرة، وقيل: المعنى: من قتل بعد أخذ الدية، وقيل: بعد العفو، وقيل: من أخذ الدية بعد العفو عنها. والأظهر القول الأول لتقدم العفو، وأخذ المال، والاعتداء وهو: تجاوز الحد، يشمل ذلك كله)»(٥). (٣) انظر: البحر المحيط ٢/ ٦١. (٤) انظر: التحرير والتنوير ١٩٢/٥. (٥) البحر المحيط ٢/ ١٧. ٤٤ جوية القرآن الكريم السياسة «وهذا تفریع عن حكم العفو ؛ لأن العفو يقتضي شكر الله على أن أنجاه بشرع جواز العفو، وبأن سخر الولي للعفو، ومن الشكر ألا يعود إلى الجناية مرة أخرى، فإن عاد فله عذاب أليم، وقد فسر الجمهور العذاب الأليم بعذاب الآخرة))(١). وقال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَثَانُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواُ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِّ وَالنَّقْوَىَّ وَلَ نَعَاوَنُواْ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ ﴾ [المائدة: ٢]. والعدوان هنا إما أن یکون أعم من الإثم، وإما أن يكون نوعًا آخر، وإما أن يكون العدوان فى مجاوزة حدود المأمورات، واجبها ومستحبها، ومجاوزة حد المباح، وإما أن يكون فى ذلك مجاوزة حد التحريم أيضًا؛ فإنها ثلاثة أمور: مأمور به، ومنهى (٢) عنه، ومباح(٢). وقال تعالى: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾ [النساء: ٣٠]. في هذه الآية نهي عن أن يقتل الرجل غیره، فالضمیران فیه علی التوزيع، إذ قد علم أن أحدًا لا يقتل نفسه فینھی عن ذلك، وقتل الرجل نفسه داخل في النهي، لأن الله لم یبح للإنسان إتلاف نفسه كما أباح له صرف ماله(٣). (١) التحرير والتنوير ١٤٢/٢. (٢) انظر: مجموع فتاوى، ابن تيمية ٣/ ١٩١. (٣) انظر: التحرير والتنوير ١٠١/٤. سمات النظام السياسي في القرآن يتسم النظام السياسي في القرآن الكريم بسمات عامة، تجعله في منزلة لا يصل إليها أي نظام سياسي آخر في الشرق أو الغرب، ومن أبرز هذه السمات ما يلي: ١. رباني. مصدر الشريعة الإسلامية هو الله تعالى، فھي وحیه إلى رسوله صلی الله عليه وسلم باللفظ والمعنى وهو القرآن، أو بالمعنى دون اللفظ وهو السنة، فهي بهذا الاعتبار تختلف اختلافا جوهريًا عن جميع الشرائع الوضعية، لأن مصدر هذه الشرائع البشر، ومصدر الشريعة الإسلامية رب البشر. وينبني على ذلك أن أحكام النظام السياسي في الإسلام معصومة من التناقض، فهي خالية من معاني الجور والنقص والهوى، لأن صانعها هو الله، والله له الكمال المطلق الذي هو لوازم ذاته، بخلاف القوانين الوضعية التي لا تنفك عن هذه المعاني؛ لأنها صادرة عن الإنسان، والإنسان لا يخلو من معاني الجهل والجور والنقص والهوی وما إلى ذلك. وكذلك مما ينبني عليها أيضًا أن لأحكام النظام السياسي الإسلامي هيبة واحترامًا في نفوس المؤمنين بها حكامًا كانوا أو محکومین، لأنها صادرة عن الله، ومن ثم www. modoee.com ٤٥ حرف السين فلها صفة الدين. وما له هذه الصفة من حقه أن يحترم ويطاع طاعة اختيارية تنبعث من النفس وتقوم على الإيمان، ولا يقسر عليها الإنسان قسرًا. وفي هذا أعظم ضمان لحسن الخروج عليه ، ولو مع القدرة على هذا الخروج(١). والثوابت في هذه الشريعة من أظهر الأدلة على ربانيتها، وأنها من عند الله عز وجل، حيث إنها لا تقبل التعديل أو التبديل أو التغيير أو التعارض والاختلاف، قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْفِيهِ اخْتِلَفَا كَثِيرًا ﴾ [النساء: ٨٢]. فالقرآن لا يشتمل على كلام يوجب الريبة في أنه من عند الحق رب العالمين، من كلام يناقض بعضه بعضًا، أو كلام يجافي الحقيقة والفضيلة، أو يأمر بارتكاب الشر والفساد، أو يصرف عن الأخلاق الفاضلة، وانتفاء ذلك عنه يقتضي أن ما يشتمل عليه القرآن من عند الله (٢). وقال الفراء: أظن أن القرآن سمي من القرائن، وذلك أن الآيات يصدق بعضها بعضًا(٣). (١) انظر: المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية، عبدالکریم زیدان ص٣٥. (٢) انظر: التحرير والتنوير ٢٢١/١. (٣) انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل جَوَُّور القرآن الكريمِ وحيث خلا هذا الكتاب عن التناقض علمنا أنه من عند الله (٤). وقال القرطبي: ((إنه ليس من متكلم یتکلم کلامًا کثیرًا إلا وجد في کلامه اختلاف تطبيق القانون الإسلامي من الجميع، وعدم كثير؛ إما في الوصف واللفظ؛ وإما في جودة المعنى، وإما في التناقض، وإما في الكذب. فأنزل الله عز وجل القرآن وأمرهم بتدبره؛ لأنهم لا يجدون فيه اختلافًا في وصف ولا ردًّا له في معنی، ولا تناقضًا ولا كذبًا فيما يخبرون به من الغيوب وما يسرون))(٥) وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَنُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبِّ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ اَلْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: ١١٦]. أوضحت هذه الآية أن المشرعين غير ما شرعه الله إنما تصف ألسنتهم الكذب، لأجل أن يفتروه على الله، وأنهم لا يفلحون، وأنهم يمتعون قليلًا ثم يعذبون العذاب الأليم، وذلك واضح في بعد صفاتهم من إذا تدبر فيه المتدبر، وجده مفيدًا اليقين بأنه صفات من له أن يحلل ويحرم (٦). ٢. أخلاقي. أمر الله تعالى في كتابه بجملة من مكارم الأخلاق والفضائل والمحاسن، منها: العدل، والإحسان، وإيتاء ذي القربى، ٢٧٨/٥. (٤) انظر: المصدر السابق ١٠/ ٣٣٢. (٥) الجامع لأحكام القرآن ١٨٧/٥. (٦) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٥٣/٧. ٤٦