Indexed OCR Text
Pages 21-32
الشر
وطأة العذاب بلسانه، لكن قلبه كان مطمئنًا
بالإيمان متحصنا به من الزلل والانزلاق في
وحل الشرك والكفر.
قال الزمخشري: ((وكان فيهم من أکره
فأجرى كلمة الكفر على لسانه وهو معتقد
للإيمان، منهم عمار، وأبواه - ياسر وسمية-
وصھیب، وبلال، وخباب، وسالم: عذبوا،
فأما سمية فقد ربطت بين بعیرین وجيء في
قبلها بحربة، وقالوا: إنك أسلمت من أجل
الرجال فقتلت، وقتل ياسر ، وهما أول
قتيلين في الإسلام، وأما عمار فقد أعطاهم
ما أرادوا بلسانه مكرها، فقيل : يا رسول
الله، إن عمارًا كفر، فقال: كلا، إن عمارًا
مليء إيمانًا من قرنه إلى قدمه، واختلط
الإيمان بلحمه ودمه)) (١).
لقد أخبرنا الله تعالى: أن من الجن
والإنس شياطين يريدون أن يضلونا وأن
يبعدونا عن صراط الله المستقيم، ويريدون
أن يسببوا لنا الأذى النفسي والبدني، فهم
يوسوسون، وينفثون سمومهم الكفرية بين
بني آدم، ويرسلون عليهم أعوانهم ليؤذوهم
وليلبسوا عليهم دينهم.
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيّ
عَدُوَّا شَيَطِينَ آلْإِنسِ وَآلْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى
بَعْضِ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًاً وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوَّةٌ
[الأنعام: ١١٢].
فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١)
وقد بین الله تعالی لنا في کتابه في آیات
كثيرة عداوة إبليس لنا، وأنه حريص على
إضلالنا وصرفنا عن صراط الله المستقيم،
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَنَّبِعُواْ
فقال تعالى:
خُطُوَتِ الشَّيْطَانِّ وَمَن يَتَّعْ خُطُوَتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ.
يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِّ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُرْ
وَرَحْتُهُ, مَا زَّكَ مِنْكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِي
مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [النور: ٢١].
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ
أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ
يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوّاً
أَن يَكْفُرُواْ بِهِ، وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ
ضَكَلاً بَعِيدًا (٥﴾ [النساء: ٦٠].
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَنُ أَنْ يُوقِعَ
بَيْنَكُمُ الْعَدَوَةَ وَالْبَغْضَآءُ فِ الْخَيْرِ وَالْمَيْسِ وَيَصُدَّكُمْ
عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَوَّةَ فَهَلْ أَنْهُم مُّنْفَهُونَ ﴾
[المائدة: ٩١].
﴿يَبَِّىّءَادَمَ لَا يَفْئِنَنَّكُمُ
وقال تعالى:
الشَّيْطَانُ كُمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمٍ مِنَ الْجَنَّةِ يَزِعُ عَنْهُمَا
لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَ تِهِمَاً إِنَّهُ يَرَكُمْ هُوَ رَقَبِيلُهُ.
مِنْ حَيْثُ لَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ
ا﴾ [الأعراف: ٢٧].
لَا يُؤْمِنُونَ
فكل هذه الآيات تبين شدة عداوة
الشيطان لبني آدم وخصوصًا عباد الله
المؤمنين، فهو حريص على كل ما يضرهم
من الكفر، والبدع، والمعاصي، وتعليق
قلوبهم بغير الله، والاستعانة بغيره، وغير
(١) الكشاف ٦٣٦/٢.
www. modoee.com
٢٤١
حرف الشین
ذلك مما یقدح في إیمانهم وعقيدتهم، ولکن
الله تعالى رحمة بعباده المؤمنين أنار لهم
الطريق بالبرهان الساطع والكلام الواضح
المبين، فحذر العباد منه ومن أعوانه، فقال
تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُنْ عَدُوٌ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوَّاً
إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ، لِيَكُونُواْمِنْ أَصْحَبِ السَّعِيرِ (
[فاطر: ٦].
وقد أكدت الآيات أن الشیاطین أولیاء
للذين لا يؤمنون؛ قال السمعاني: ((يعني: أن
الشياطين يوالون الكفار))(١)، أي: بمفهوم
المخالفة أن الإنسان الذي يتحصن بالإيمان
يكون بعيدًا عن موالاة الشياطين.
وعلى الإنسان أن يؤمن بأن الله سبحانه
لا یقدر شرًا محضًا لیس فیه خیر، بل كل ما
قدر وإن ظهر لنا أنه شر كله فإن من وراءه من
الخير مالا يعلمه إلا الله ، كتكفير السيئات،
ورفعة الدرجات وتمحيص المؤمنين
وتبصيرهم بعيوبهم وكشف ما يخطط لهم،
أو دفع شر أعظم مما حل بهم، كحفظ دينهم
ولو ذهب شيء من دنياهم، ونحو ذلك من
المصالح التي لا تخطر على البال، وقد جاء
في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لربه
(والشر ليس إليك) (٢).
وهذا إبليس أساس الشر في العالم خلقه
(١) تفسير القرآن ١٧٦/٢.
(٢) أخرج مسلم في صحيحه، كتاب صلاة
المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة
الليل وقيامه، رقم ١،٢٠١/ ٥٣٤.
الله سبحانه وقدر وجوده في الكون، ليختبر
العباد ويعلم الصادق من الكاذب وغيرها
من الحكم التي ظهر فيها الخير للعباد،
ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
ثانيًا: الذكر والدعاء:
للذكر والدعاء أثرٌ عظيم في طمأنة
القلوب، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَتَطْمَيْنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَ بِذِكْرِ اللَّهِ
تَطَّمَيِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ [الرعد: ٢٨].
قال القشيري: ((قوم اطمأنت قلوبهم
بذکرهم الله، وفي الذکر وجدوا سلوتهم،
وبالذكر وصلوا إلى صفوتهم، وقوم
اطمأنت قلوبهم بذكر الله ، فذكرهم الله
سبحانه بلطفه، وأثبت الطمأنينة في قلوبهم
على وجه التخصيص لهم))(٣).
وفي قوله تعالى: ﴿وَتَطْمَيْنُّ قُلُوبُهُم
◌ِذِكْرِ اللَّهِ﴾ إشارة إلى أن من علامات أهل
الإیمان، أنهم إذا ذكروا الله، أو ذكروا به،
اطمأنت قلوبهم، واشتملت عليهم السكينة،
وغشيهم الأمن والسلام(٤).
وقد ذكر ابن القيم في كتابه مائة فائدة
للذكر صدرها بقهر الشيطان فقال: ((وفي
الذکر أكثر من مائة فائدة: إحداها: أنه يطرد
الشيطان ويقمعه ويكسره، والثانية: أنه
(٣) لطائف الإشارات ٢٢٩/٢.
(٤) انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم
الخطيب ٧/ ١٠٩.
مَوَسُولَةُ النَّيـ
الْقُرْآن الكَرِيمِ
٢٤٢
الشر
يرضي الرحمن عز وجل، والثالثة: أنه يزيل
الهم والغم عن القلب، والرابعة: أنه يجلب
للقلب الفرح والسرور والبسط))(١).
وقد جاء في كتاب السنن والمبتدعات:
أن الذكر كما قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ
تَطْمینُّ الْقُلُوبُ ﴾، فلا تهمه زعازع الدنیا ولا
آفاتها بل ﴿وَهُم مِّنِ فَزَعِ يَوْمَيِذٍ مَامِنُونَ﴾ [النمل:
٨٩].
وقوله: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ
وَنَذَلَقَّهُمُ الْمَلَتَبِكَةُ هَذَا يَوْمُّكُمُ الَّذِى
كُنْتُرْ تُوعَدُونَ ﴾ [الأنبياء: ١٠٣].
ذلك لأن قلوبهم سکنت بذکره وآمنت
بآياته وسننه، وعرفت نعمه فقدرتها
وشکرتها؛ فقلوبهم عن ربهم راضية»(٢).
ومن فوائده أيضًا: أنه يقوي القلب
ويجرئه في مواجهة أعتى المواقف؛ ولذلك
ثبت عن الصحابة رضوان الله عليهم في
قتال فارس والروم مع أنهم أعظم أجسامًا
وأقوى أسلحة وأكثر عددًا وعدة ثباتهم
أمامهم، ومع الكفار الفيلة، ومعهم أنواع من
المنجنیقات، وآلات الحرب لم یکن العرب
يعرفونها أو یعرفون مثل عظمها، لكنهم ثبتوا
بتحصنهم بذکر الله.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ إِذَا
لَقِيتُمْ فِئَةٌ فَاعْبُتُواْ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا
(١) الوابل الصيب من الكلم الطيب ص ٤١.
(٢) السنن والمبتدعات المتعلقة بالأذكار
والصلوات، محمد الحوامدي ص٣٢٠.
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [الأنفال: ٤٥].
إن ذكر الله يجعل للعبد الذاكر صلوات
علیه من ربه ورحمة وتحصينًا.
قال تعالى: ﴿بَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْ اللَّهَ
ذِكْرًا كَثِيرًا ﴿ وَسَبِّحُوهُ بَّكْرَةً وَأَصِيلًا ( هُوَ
الَّذِى يُصَلِى عَلَيْكُمْ وَمَلَمِكَتُهُ، لِيُخْرِحَكُم مِّنَ
القُلُمَتِ إِلَى النُّورِّ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا
﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٣].
(٤٣)
يقول المراغي: ((أي: إن ربكم الذي
تذكرونه الذكر الكثير وتسبحونه بكرة
وأصيلا، هو الذي يرحمكم ويثنى عليكم
في الملا من عباده، وتستغفر لکم ملائكته،
وفي هذا من التحريض على ذكره والتسبيح
له مالا يخفى)»(٣).
والذكر والدعاء متلازمان، فلفظ الدعاء
والدعوة في القرآن الكريم يتناول معنيين:
الأول: دعاء العبادة، والآخر: دعاء المسألة.
ودعاء المسألة: هو طلب ما ينفع الداعي،
وطلب کشف ما يضره ودفعه.
وكل من يملك الضر والنفع فإنه هو
المعبود بحق، أما دعاء العبادة فهو الذي
يتضمن الثناء على الله بما هو أهله ويكون
مصحوبا بالخوف والرجاء، والدعاء في
القرآن يراد به هذا تارة، وهذا تارة، ويراد به
مجموعهما وهما متلازمان، فالعبد يدعو
للنفع أو دفع الضر دعاء المسألة ويدعو خوفًا
(٣) تفسير المراغي ١٨/٢٢.
www. modoee.com
٢٤٣
حرف الشین
ورجاءً دعاء العبادة؛ فكل دعاء عبادة مستلزم
لدعاء المسألة، وكل دعاء مسألة متضمن
لدعاء العبادة، وقد ورد المعنیان جميعًا في
قوله سبحانه: ﴿أَدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةٌ
إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٣) وَلَا نُفْسِدُوا فِى
الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَأَدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعَاً إِنَّ
رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
[الأعراف: ٥٥-٥٦](١).
ثالثًا: الصحبة الصالحة:
لقد حذر الإسلام من الصحبة السيئة،
لاسيما رفقاء السوء، الذين يجاهرون
بالمعاصي ، وحث على اختيار الصحبة
الصالحة، قال تعالى: ﴿اَلْأَخِلَّءُ يَوْمَيِلْم
بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ عَدُوٌّ إِلَّ الْمُتَّقِينَ
٦٧
[الزخرف: ٦٧].
قال الجزائري: ( أي: الأحباء في الدنيا
يوم إذ تأتي الساعة بعضهم لبعض عدو
فتنقطع تلك الخلة والمودة وتصبح عداء؛
لأنها كانت على معصية الله تعالى وقوله
﴿إِلَّ الْمُتَّقِينَ﴾ أي : الله عز وجل بفعل
أوامره وترك نواهيه فإن مودتهم وخلتهم لا
تنقطع ، لأنها كانت محبة في الله وما كان
لله دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع
وانفصل))(٢).
(١) انظر: نضرة النعيم، مجموعة مؤلفين
١٩٠٢/٥.
(٢) أيسر التفاسير ٦٥٤/٤.
قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى
يَدَيْهِ يَقُولُ يَلَيْتَنِ اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا
٧ يَوَيِلَقَ لَيْتَفِى لَمْ أَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا
٢٨
[الفرقان: ٢٧-٢٨].
قال الزمخشري: ((فكل من اتخذ من
المضلين خليلاً كان لخليله اسم علم لا
محالة)»(٣).
وقال المراغي: ((أي: يا هلكتي احضري
فهذا أوانك، ليتني لم أتخذ فلانا الذي
أضلني وصرفني عن طريق الهدى خليلاً
وصديقًا، ومن الأخلاء الشياطين، ولا فارق
بين شياطين الإنس وشياطين الجن)) (٤).
فالصحبة الصالحة حصنٌ حصينٌ للمرء
من الانزلاق في مزالق الشيطان وشروره،
فلقد حثنا الله والنبي صلى الله عليه وسلم
على اختيار وملازمة الصحبة الصالحة؛
فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهو
خير خلق الله على الإطلاق، يأمره الله بأن
يلزم أصحابه.
قال تعالى: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ
يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِِّيُرِيدُونَ وَجْهَةٌ.
وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوْةِ الدُّنيّ
وَلَا نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبُهُ عَن ذِكْرِنَا وَأَتَّبَعَ هَوَنُهُ
وَكَانَ أَمْرُهُ فُرْطًا (٦)﴾ [الكهف: ٢٨].
والرسول صلی الله عليه وآله وسلم هو
(٣) الكشاف ٣/ ٢٧٧.
(٤) تفسير المراغي ٨/١٩.
٢٤٤
جوببيو
الْقُرآن الكَرِيمِ
الشر
معلم البشرية الخير، وهو الذي هداها الله قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء
الدنيا، قال: فيسألهم ربهم، وهو أعلم منهم،
عز وجل به، وهو الذي أرشدهم إلى طريق
الصواب ، ومع ذلك فهو يحتاج إلى أن
یصبر نفسه معهم، ولا يعني ذلك أنه لا يلتزم
بدونهم، ولكن رفقة الصالحين مطلوبة ولو
کانوا أقل منزلة، فالمرء يحتاج إلى أصحاب
في الخير وإخوان في الله، ولو كان أفضل
منهم.
ما يقول عبادي؟ قالوا: يقولون: يسبحونك
ویکېرونك ويحمدونك ويمجدونك، قال:
فيقول: هل رأوني؟ قال: فيقولون: لا، والله
ما رأوك؟ قال: فيقول: وكيف لو رأوني؟
قال: یقولون: لو رأوك كانوا أشد لك عبادة،
وأشد لك تمجيدًا وتحميدًا، وأكثر لك
تسبيحًا، قال: يقول: فما يسألوني؟ قال:
ويدعو ابراهيم عليه الصلاة والسلام
قائلًا: ﴿رَبِّ هَبْ لِ حُكْْمًا وَأَلْحِقْنِى
بِالصََّلِمِينَ ﴾ [الشعراء: ٨٣].
يسألونك الجنة ، قال: يقول: وهل رأوها؟
قال: يقولون: لا ، والله يا رب ما رأوها،
قال: يقول: فكيف لو أنهم رأوها ؟ قال:
ويؤكد عليها يوسف عليه السلام قائلًا:
﴿تَوَقَّنِ مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِ بِالصَِّحِينَ﴾
[يوسف: ١٠١]؛ ذلك أن صحبة الصالحين
نعيم في الدنيا والآخرة، وصحبة الظالمين
والفاسقين والكافرين عذاب في الدنيا
والآخرة، فصحبة أهل الفساد عذاب
للإنسان، ومجرد النظر في وجوه الظلمة أو
سماع كلامهم، أو النظر في وجوه الفسقة
والفجرة يصيب الإنسان بالهم والكرب.
يقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها
حرصًا، وأشد لها طلبًا، وأعظم فيها رغبة،
قال: فمم يتعوذون؟ قال: يقولون: من النار،
قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا ،
والله يا رب ما رأوها، قال: يقول: فكيف لو
رأوها؟ قال: يقولون: لو رأوها كانوا أشد
منها فرارًا، وأشد لها مخافة، قال: فيقول:
فأشهدكم أني قد غفرت لهم، قال: يقول
ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم،
ومن فضل الصحبة الصالحة جلب
المغفرة من الذنوب.
إنما جاء لحاجة، قال: هم الجلساء لا يشقى
بهم جليسهم)(١).
روى البخاري في صحيحه: عن أبي
هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (إن لله ملائكة يطوفون في الطرق،
يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قومًا
يذكرون الله تنادوا: هلموا إلى حاجتكم،
(١) أخرج البخاري في صحيحه، كتاب الدعوات،
باب فضل ذكر الله عز وجل، رقم ٦٤٠٨،
٨٦/٨.
www. modoee.com
٢٤٥
حرف الشین
موقف الإنسان إذا مسه الشر
الشر المقصود في هذا المبحث هو
الشدائد والابتلاءات ؛ لذا ينقسم الناس في
موقفهم من الشدائد إلى قسمين: موقف
مذموم وموقف محمود.
أولًا: الموقف المذموم:
١. الإنسان الكافر.
والموقف المذموم عند الشدائد يصدر
عن الكافرين.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَنِ
أَعْرَضَ وَنَا بِجَانِهُ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُ كَانَ يَتُوسَا
[الإسراء: ٨٣].
والإنسان الكافر إذا أصابته النعمة بطر
وتکبر، وإن أصابته الشدة يئس وقنط، وكل
إنسان يعمل على نهجه وطريقته في الهدى
والضلال، فإن نفس الإنسان مشرقة صافية
تسير في طريق الهدى صدرت منه أفعال
كريمة فاضلة، وإن كانت نفسه فاجرة كافرة
تتخبط في الضلال صدرت عنه أفعال سيئة
شريرة، وسيجزي الله كل عامل بعمله(١).
قال الزمخشري: ((وإذا أنعمنا على
الإنسان بالصحة والسعة أعرض عن ذكر
الله، كأنه مستغن عنه مستبد بنفسه ونای
بجانبه تأكيد للإعراض، لأن الإعراض
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٣/٢١.
عن الشيء أن يوليه عرض وجهه، والنأي
بالجانب: أن يلوى عنه عطفه ويوليه
ظهره، وأراد الاستكبار، لأن ذلك من عادة
المستكبرين وإذا مسه الشر من فقر أو مرض
أُو نازلة من النوازل کان یؤوسًا شدید الیاس
من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا
القوم الكافرون)(٢).
٢. الإنسان الذي يعبد الله على
حرف.
إذا أصابه الضر من مرض أو فقر أو نحوه
دعا الله في جميع الحالات مضطجعًا أو
قاعدًا أو قائمًا لکشف ذلك الضر عنه، فلما
أزال الله ما به من ضر استمر على عصيانه،
ونسي ما كان فيه من الجهد والبلاء أو تناساه،
وهو عتاب لمن يدعو الله عند الضر، ويغفل
(٣)
عنه عند العافية
٠
﴿وَإِذَا مَسَ آلْإِنسَانَ الشُّرُّ
قال تعالى:
دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَّيِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ
ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾
[يونس: ١٢].
قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى
حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرُ الْمَنَّ بِّ وَإِنْ أَصَابَهُ فِئْنَةً
أَنْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ، خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُّ ذَلِكَ
هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١﴾ [الحج: ١١].
قال الزمخشري: ((﴿عَ حَرْفٍ﴾ على
(٢) الكشاف ٢/ ٦٩٠.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١١ / ٩١.
٢٤٦
القرآن الكريم
الشر
طرف من الدين لا في وسطه وقلبه، وهذا
مثل لکونھم علی قلق واضطراب في دينهم،
لا علی سکون وطمأنينة، کالذي یکون علی
طرف من العسكر، فإن أحس بظفر وغنيمه
قر واطمأن، وإلا فر وطار على وجهه، قالوا:
نزلت في أعاريب قدموا المدينة، وكان
أحدهم إذا صح بدنه ونتجت فرسه مهرا
غلامًا سويا، وكثر
سريا، وولدت امرأته
ماله وماشيته قال: ما أصبت منذ دخلت في
ديني هذا إلا خيرا، واطمأن، وإن كان الأمر
بخلافه قال: ما أصبت إلا شرا، وانقلب))(١).
وقال المراغي: « أي : فإن أصابه رخاء
وسعة في العيش سكن واستبشر بهذا الخير
والدين فعبد الله، وإن أصابه شر وبلاء في
جسمه أو ضيق في معیشته ارتد ورجع إلى
الكفر.
والثبات في الدين إنما يكون إذا كان
الغرض منه إصابة الحق وطاعة الرب
والخوف من عقابه، أما إذا كان المقصد منه
الخير المعجل فإنه يظهر في السراء ويختفى
لدى الضراء، وهذا هو النفاق بعينه كما يرشد
إلى ذلك قوله في المنافقين: ﴿مُّذَبَذَ بِينَ بَيْنَ
ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءٍ وَلََّ إِلَى هَؤُلَاءٍ﴾ [النساء:
١٤٣].
وقوله: ﴿فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحُ مِّنَ اُللَّهِ قَالُوا
أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ [النساء: ١٤١].
(١) الكشاف ١٤٦/٣.
وخلاصة ذلك أن من الناس من ليس له
ثبات في أمر دينه، بل هو متأرجح مضطرب
مذبذب، يعبد الله على وجه التجربة انتظارا
للنعمة، فإن أصابه خير بقي مؤمنا، وإن
أصابه شر من سقم أو ضياع مال أو فقد ولد
ترك دینه وارتد كافرًا (٢).
ثانيًا: الموقف المحمود:
وهذا الموقف لا يصدر إلا من
أهل الإيمان فهم يتلقون هذه الشدائد
والابتلاءات بقلوب صابرة مطمئنة وعامرة
بالإيمان بقضاء الله وقدره راضية عن الله
تعالى، فالمؤمن يراقب نفسه ويوجهها إلى
ما یحب الله ويرضى.
* إِنَّ الْإِنسَنَ خُلِقَ هَلُوعًا
قال تعالى:
(٢) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّجُوعًا ٢) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا
﴿ إِلَّ الْمُصَلّينَ ﴾[المعارج: ١٩-٢٢].
قال ابن كيسان: خلق الله الإنسان على
طبيعة تحب ما يسره وتهرب مما يكرهه،
ثم تعبده بإنفاق ما يحب، والصبر على ما
یکره(٣).
قال السعدي: ((وهذا الوصف للإنسان
من حيث هو وصف طبيعته الأصلية، أنه
هلوع، وفسر الهلوع بأنه: ﴿إِذَا مَسَّهُ الثَّرُّ
جَزُوعًا﴾ فيجزع إن أصابه فقر أو مرض،
أو ذهاب محبوب له، من مال أو أهل أو
(٢) تفسير المراغي ١٧ / ٩٤
(٣) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٤ / ١٥١.
www. modoee.com
٢٤٧
حرف الشین
ولد، ولا يستعمل في ذلك الصبر والرضا
بما قضى الله، ﴿وَإِذَا مَسَّهُ اُلْخَيْرُ مَنُوعًا﴾فلا
ينفق مما آتاه الله، ولا يشكر الله على نعمه
ويره، فيجزع في الضراء، ويمنع في السراء،
﴿إِلََّ الْمُصَلِينَ﴾ الموصوفين بتلك الأوصاف
فإنهم إذا مسهم الخير شكروا الله، وأنفقوا
مما خولهم الله، وإذا مسهم الشر صبروا
واحتسبوا))(١).
مواقف محمودة من القصص القرآني:
موقف إبراهيم عليه السلام.
لقد ابتلي إبراهيم عليه السلام في أبيه
الذي کان یصنع أصنامًا تعبد من دون الله،
وابتلي في جسمه فقذف في النار، وابتلي
إلی ذلك بابتلاء من نوع خاص، وهو تحميله
وَإِذِ
أمانة الإمامة، حيث قال تعالى:
أَبْتَلَىَ إَِهِعَ رَبُّهُ بِكَلِمَتٍ فَأَتَمَّهُنُّ قَالَ إِّ جَاعِلُكَ
لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيٌَّ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِى
{١٢٤) [البقرة: ١٢٤].
الَّالِمِينَ:
وابتلي في ولده و فلذة كبده فأمر بذبحه،
﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ قَالَ
قال تعالى:
يَبُنَّ إِِّ أَرَىْ فِ الْمَنَامِ أَنِّ أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا
تَرَّ قَالَ يَأَبَتِ أَفْعَلْ مَا تُؤْمَرٌّ سَتَجِدُفِّ إِن
شَآءَ اللّهُ مِنَ الصَّبِينَ ﴿١٠ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَِينِ
﴿١٠أَقَدْ صَدَّقْتَ
أُوَنَدَيْنَهُ أَنْ يَتَإِبَهِيمُ
١٠٣
الرُّوَيَأْ إِنَّا كَذَلِكَ نَّجْزِى الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا
[الصافات: ١٠٢- ١٠٦].
◌َهُوَ الْبَلَوَّأْ الْمُبِينُ
(١) تيسير الكريم الرحمن ص ٨٨٧.
فلقد ابتلى الله إبراهيم ابتلاءً شديدًا، أمره
بأن يذبح ولده الحبيب، «وكان ذلك الولد
عزیزا علی أبیه لأنه فلذة كبده وإنسان عينه،
وقد جاء من الله بعد الدعاء وبشارة الملائكة
به ، فکان له مزید فضل، وعلو كعب، ومع
ذلك فقد صدع إبراهيم لأمر ربه»(٢)، وقد
كان هذا الابتلاء ابتلاءً بالشر والمكروه.
قال القرطبي: ((قال أبو زيد: هذا من
البلاء الذي نزل به في أن يذبح ابنه، قال:
وهذا من البلاء المكروه))(٣).
موقف يوسف عليه السلام.
حين تعرض للعديد من الشدائد
والابتلاءات ، فصبر على تآمر إخوته عليه
وهو صغير ، فعانى الحرمان من حنان والده،
وصبر على محاولة امرأة العزيز إغواءه
بارتكاب الفاحشة، وصبره على السنوات
التي قضاها في السجن.
قال الله تعالى على لسانه بعد أن اجتمع
بأخيه الشقيق بعد فراق طويل: ﴿إِنَّهُ,
مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ
الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٠].
* موقف أيوب عليه السلام.
ابتلي أيوب عليه السلام بأنواع البلاء
فصبر، و کان قد أصيب في ماله وأهله وبدنه،
أذهب ماله فصبر، ثم أهلك أولاده وهم
(٢) التفسير الواضح ٢١٥/٣.
(٣) الجامع لأحكام القرآن ١٠٦/١٥.
جَوسُو ◌َر التفسير
القرآن الكريم
٢٤٨
الشر
سبعة من الذكور وسبعة من الإناث فصبر،
ثم سلط البلاء والمرض جسمه فصبر، بقي
في البلاء ثماني عشرة سنة، فمر عليه ملأ من
قومه ذات يوم فقالوا: ما أصابه هذا إلا بذنب
عظيم ، فعند ذلك تضرع إلى الله تعالى
فکشف عنه ضره (١).
قال تعالى: ﴿﴿ وَأَيُّوبَ إِذْنَادَى رَبَّهُ:
أَنِّ مَسَّفِىَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الزَّحِينَ )
[الأنبياء: ٨٣].
وفي قصته عليه السلام عبرة لنا يا أهل
فلسطين للصبر على المحن والابتلاءات،
ولنا في نبينا صلى الله عليه وسلم أسوة
حسنة حين بشرنا بقوله: (عجبًا لأمر المؤمن
، إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر
فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان
خيرًا له)(٢).
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٣٢٧/١١.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الرقاق،
باب المؤمن أمره كله خير، رقم ٧٦١٠،
٢٢٧/٨.
جزاء الأشرار
الله عز وجل حكمٌ عدل جعل الجزاء
من جنس العمل؛ إنه يمهل الظالم ولا يهمله
حتى إذا أخذه لم يفلته ، بل يأخذه أخذ عزيز
مقتدر، وفي هذا المبحث سنتناول شيئًا من
جزاء الأشرار في الدنيا والآخرة.
أولًا: جزاء الأشرار في الدنيا:
ولنا في قصص الأنبياء مع أقوامهم العبرة
في مصير الأشرار الذين ازداد طغيانهم
وعقابهم في الدنيا والآخرة.
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَكَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ
بِعَادٍ ﴿ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ) الَِّى لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا
فِي الْبِلَدِ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُواْ الصَّخْرَ بِالْوَادِ
٢) وَفْعُوْنَ ذِى الْأَوْنَادِ ◌َ الَّذِينَ طَفَوْا فِ اَلْبِلَدِ
﴿﴿ فَكْثَرُواْ فِيهَا الْفَسَادَ ا نَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ
سَوْطَ عَذَابٍ ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ﴾
[الفجر: ٦-١٤].
حیث عددت الآيات أقوامًا عتاة متمردین
جبارين خرجوا عن طاعة الله تعالى، كذبوا
رسلهم، وجاوزوا الحد في الشر والظلم
والطغيان، وأكثروا من المعاصي والآثام
فأنزل الله عليهم ألوانًا شديدة من العذاب،
فأهلكت عادٌ بالريح، وثمود بالصيحة،
وفرعون وجنوده بالغرق.
وقوله تعالى: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ
عَذَابٍ ﴾ [الفجر: ١٣].
www. modoee.com
٢٤٩
حرف الشین
السوط وشدته حين يذكر الصب، حيث
يجتمع الألم اللاذع والغمرة الطاغية على
هؤلاء الطغاة الأشرار ، كما قال الله تعالى:
﴿فَكُلَّا أَخَذْنَا بِذَئِةٍ فَمِنْهُم مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ
حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ اُلْضَّيْحَةُ وَمِنْهُم
مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَأْ
وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا
أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [العنكبوت: ٤٠].
ففي قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا
بِهِ اُلْأَرْضَ﴾ قال القرطبي: ((﴿فَمِنْهُم مَّنْ
أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾ يعني : قوم لوط،
والحاصب ريح يأتي بالحصباء وهي الحصى
الصغار، وتستعمل في كل عذاب، ﴿وَمِنْهُم
مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ ﴾ يعني : ثمودا وأهل
مدين، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾
يعني : قارون، ﴿وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا﴾ قوم
نوح وقوم فرعون، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ
لِيَظْلِمَهُمْ﴾ لأنه أنذرهم وأمهلهم وبعث
إليهم الرسل وأزاح العذر (١).
﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ
وقال الله تعالى:
الظَّالِمُونَ فِى غَمَرَتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَتِكَةُ بَاسِطُواْ
أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوْ أَنفُسَكُمٌ أَلْيُوْمَ تُجْزَوْنَ
عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ
وَكُنْتُمْ عَنْ ءَايَنِهِ، تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣].
ما أعظمه من مشهد هؤلاء الظلمة وهم
(١) الجامع لأحكام القرآن ٣٤٤/١٣.
جوسو جداً
الْقُرآن الكَرِيمِ
تعبیر یوحي بلذع العذاب حين يذكر في سكرات الموت وشدائده ، وملائكة
العذاب يضربون وجوههم وأدبارهم لتخرج
أرواحهم من أجسادهم، قائلين لهم : خلصوا
أنفسكم من العذاب، وهاتوا أرواحكم
وأخرجوها إلينا من أجسادكم، وفي ذلك
معنى العنف في النسيان والإلحاح الشديد
في الإزهاق من غير إمهال وتنفيس فاليوم
تجزون العذاب الذي به الهوان الشديد مع
الخزي الأکید بافترائكم علی الله وتكبرکم
على الإيمان بآيات الله تعالی (٢).
ثانيًا: جزاء الأشرار في الآخرة:
وإذا كان ذلك حال عذابهم في الدنيا
فما بال العذاب الذي ينتظرهم في الآخرة،
لا شك أنه أشد وأخزى لقوله عز وجل:
﴿كَذَلِكَ الْعَذَابِّ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبُرٌ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ
[القلم: ٣٣].
٣٣
١. جزاء الأشرار في الحياة البرزخية
(القبر).
القبر أول منازل الآخرة، فالقبر إما روضة
من رياض الجنة على الصالحين، وإما حفرة
من حفر النار على الأشرار الظالمين.
قال الله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا
غُدُوًّا وَعَشِيَّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُواْ ءَالَ
فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴾ [غافر: ٤٦].
جاءت هذه الآية بعد آية تصف ما نزل
(٢) انظر: الكشاف، الزمخشري ٣٦/٢.
٢٥٠
الشر
بفرعون وجماعته وهو أسوأ العذاب وهو
الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة ثم بينا
أن هذه النار یحرقون بها صباحًا ومساءًا،
قال المفسرون: المراد بالنار هنا نار القبر
وعذابهم في القبور ، بدليل قوله بعده:
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْ خِلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ
اٌلْعَذَابِ ﴾ أي: ويوم القيامة يقال للملائكة:
أدخلوا فرعون وقومه نار جهنم التي هي أشد
من عذاب الدنيا(١)
وجاء في الحديث الذي یرویه أنس بن
مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى
قبره، وتولى عنه أصحابه، وإنه ليسمع قرع
نعالهم، أتاه ملكان فيقعدانه، فيقولان: ما
كنت تقول في الرجل، لمحمد صلى الله
عليه وسلم ، فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه
عبد الله ورسوله، فيقال له : انظر إلى مقعدك
من النار ، قد أبدلك الله به مقعدًا من الجنة
فيراهما جميعًا ، وأما المنافق والكافر فيقال
له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا
أدري، كنت أقول ما يقول الناس، فيقال: لا
درینا، ولا تلین، فيضرب بمطارق من حديد
ضربة ، فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير
الثقلين)(٢).
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٣١٨/١٥.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز،
باب الميت يسمع خفق النعال، رقم ١٣٣٨،
٢. جزاء الأشرار يوم القيامة.
يحشر الأشرار يوم القيامة شر محشر،
فهؤلاء الكفار المكذبين بالقرآن يسحبون
ويجرون إلى النار على وجوههم ، وهم
أضل طريقًا، وشر منزلًا ونصيرًا(٣).
وفي الحديث الذي رواه أنس بن مالك:
(أن رجلا قال: يا رسول الله، كيف يحشر
الکافر علی وجهه يوم القيامة ؟ قال: أليس
الذي أمشاه على رجليه في الدنيا قادرًا على
أن يمشيه على وجهه يوم القيامة؟) (٤).
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُومِهِمْ
الله عليه وسلم قال: (إن العبد إذا وضع في إِلَى جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا
[الفرقان: ٣٤].
جاء في أوضح التفاسير: ((يجرون عليها؛
وفي هذا منتهى الإذلال والتعذيب)»(٥)، كما
توعد الله الأشرار بألوان من العذاب في نار
* هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ
جهنم في قوله:
فِ يَِّمَّ قَالَِّينَ كَفَرُواْ قُطِعَتْ لَهُمْ بِبَابٌ
مِن ثَّارِ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِمُ الْحَمِيمُ ﴾
[الحج: ١٩].
قال الزمخشري: ((كلما أرادوا أن
يخرجوا منها من غم فخرجوا أعيدوا فيها،
٢ / ٩٠.
(٣) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ٦٨/٢.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب التوبة،
باب يحشر الكافر على وجهه، رقم ٧١٨٩،
١٣٥/٨.
(٥) أوضح التفاسير، محمد بن الخطيب ١/ ٤٣٨.
www. modoee.com
٢٥١
حرف الشین
ومعنى الخروج: ما يروى عن الحسن أن
النار تضربهم بلهبها فترفعهم، حتى إذا
كانوا في أعلاها ضربوا بالمقامع ،فهووا
فيها سبعين خريفا وقيل لهم : ذوقوا عذاب
الحريق ، والحريق: الغليظ من النار المنتشر
العظيم الإهلاك» (١).
موضوعات ذات صلة:
الخير، الضر
(١) الكشاف ٣/ ١٥٠.
الموضوي
٢٥٢
جَوَسُو
القرآن الكريم