Indexed OCR Text

Pages 1-20

جَوْمُهُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
>
عناصر الموضوع
مفهوم الشر
٢٢٢
الشر في الاستعمال القرآني
٢٢٣
الألفاظ ذات الصلة
٢٢٤
٢٢٦
حقيقة الشر
٢٢٨
ميادين الشر
٢٣٧
أنواع الشر
٢٤٠
التحصن من الشر
٢٤٦
موقف الإنسان إذا مسه الشر
٢٤٩
جزاء الأشرار
المُجَلَ التَّاشِعْ عَشَرِ

حرف الشین
مفهوم الشر
أولًا: المعنى اللغوي:
قال ابن فارس: ((الشين والراء أصل واحد يدل على الانتشار والتطاير)»(١).
والشر خلاف الخير، وهو السوء والفساد، ومنه الشرر: وهو ما تطاير من النار ومفردها
شررة، وشواء شرشار، أي: يتقاطر دسمًا (٢)، ويقال: فلانٌ شَرَ فلانًا، أي: إذا عابه وشهره في
الناس (٣)، وشر الناس: بمعنى أكثرهم شرًا، وأصله أشر: على صيغة أفعل التفضيل ، حذفت
منه الهمزة لكثرة الاستعمال، وعند التأنيث يقال: فلانة شرى، أي: أكثرهن شرًا، ورجل
شرير، أي : كثير الشر، والجمع أشرار (٤).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
لا يختلف المعنى الاصطلاحي للشر عن المعنى اللغوي فقد عبر العلماء عن اصطلاح
الشر بقولهم: ((هو عدم ملائمة الشيء الطبع))(٥)، أي: أن الشر اسم جامع للرذائل والخطايا،
والسوء، والفساد، وكذلك المصائب والبلايا، كما جاء في معاجم اللغة.
(١) مقاييس اللغة، ٣/ ١٨٠.
(٢) انظر: مختار الصحاح، الرازي ص٣٥٤.
(٣) انظر: لسان العرب، ٤/ ٤٠٠.
(٤) انظر: القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص٥٣٢.
(٥) انظر: التعريفات، الجرجاني ص١٠٩، جامع العلوم في اصطلاحات الفنون، القاضي نكري ٢/ ١٥١.
عَبُ النَّسَيَّة
جوية
القرآن الكريمِ
٢٢٢

الشر
الشر في الاستعمال القرآني
وردت مادة (الشر) في القرآن الكريم (٣٠) مرة (١).
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
اسم (مفرد)
٢٩
﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُ كَانَ يُوسًا﴾ [الإسراء: ٨٣]
﴿وَقَالُواْ مَا لَنَا لَا نَرَىْ رِجَالًا كُنَّا نَعْدُّهُم مِّنَ الْأَشْرَارِ
٦٢
اسم (جمع)
١
[ص: ٦٢]
وجاءت كلمة الشر في القرآن الكريم بمعناها اللغوي، وهو السوء، أو ما ينفر منه كل
أحد (٢).
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص٣٧٨.
(٢) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٤٠٠/٤، عمدة الحفاظ، السمين الحلبي ٢٥٩/٢.
www. modoee.com
٢٢٣

حرف الشین
الألفاظ ذات الصلة
١
السوء:
السّوء لغةً:
الشر والفساد وكل آفة، قال الكفوي في معناها: السوء جرى مجرى الشر، ويحمل معنى
الشدّة والذنب والضر والفقر والزنا والشرك والهزيمة (١).
السوء اصطلاحًا:
كل ما يغم الإنسان من الأمور الدنيوية والأخروية ومن الأحوال النفسية والبدنية
والجارحة من فوات مالٍ وجاه وفقد حميم(٢).
الصلة بين الشر والسوء:
السوء والشر مترادفان إلى حد كبير؛ فالسوء تأتي بمعنى المنكرات والرذائل، وبمعنى
البؤس وبمعنى المصائب والشدائد، وكل ذلك شرٌّ بلا ريب. ولكن السوء أشد من الشر.
المصيبة:
٢
المصيبة لغةً:
تعني النائبة وكل أمر مكروه (٣)، وجاء في لسان العرب أنها تعني الشدة (٤).
المصيبة اصطلاحًا:
هي البلية وكل أمر مكروه(٥).
الصلة بين الشر والمصيبة:
الشر أعم وأشمل من المصيبة، فكل مصيبة شر، وليس كل شر مصيبة.
الضّر:
٣
الضّر لغة:
الشدة والضيق والنقصان يدخل في الشيء (٦).
(١) انظر: الكليات، الكفوي ص٥٠٣.
(٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص٣٣٣.
(٣) انظر: المصدر السابق ص ٣٧٧.
(٤) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١/ ٥٣٤.
(٥) انظر: المصدر السابق.
(٦) انظر: المصدر السابق ٤ / ٤٨٢.
جَوُور
القرآن الكريم
٢٢٤

الشر
الضر اصطلاحًا:
هي سوء الحال ، إما في النفس لقلة العلم والفضل والعفة ، وإما في البدن لعدم جارحة
ونقص، وإما في حالة ظاهرة من قلة مال وجاه (١). (من باب والشيء بالشيء يذكر. أرى من
الانسب هنا أن تتعرض للحديث بإيجاز عن الضر بفتح الضاد وما الفرق بينه وبين الضر بضم
الضاد ففيه نكات ظريفة).
الصلة بين الشر والضر:
إن الشر دائمًا فيه الأذى والضرر، بينما الضر قد سيكون فيه خيرًا أحيانًا ، فشرب الدواء
المر رجاء العافية ضرر يدخله الإنسان على نفسه وليس بشر.
الخير:
٤
الخير لغة:
الخير ضد الشر(٢).
الخير اصطلاحًا:
الخير ما يرغب فيه الكل، كالعقل والعدل والفضل والشيء النافع (٣).
الصلة بين الشر والخير:
مما سبق يتضح الفرق واضحٌ جليٌّ بين الشر والخير؛ فالشر ضد الخير من كل الوجوه.
(١) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص٣٨٢.
(٢) انظر: تاج العروس، الزبيدي ٢٣٨/١١.
(٣) روح البيان، إسماعيل حقي ٣٤٨/٧.
www. modoee.com
٢٢٥

حرف الشين
حقيقة الشر
كما أن لكل شيء حقيقة، فإن للشر
حقيقة أيضًا من حيث علم الله بها، ومن
حیث کونها حقيقة أو مظنونة، وفيما يلي
بيان ذلك.
أولًا: علم الله بحقيقة الشر:
إن الله سبحانه وتعالى هو الذي يعلم
وحده كل شيء علمًا مطلقًا شاملًا ، وهذه
حقيقة من شأنها أن تحدث في النفس رجة
وهزة ، كما أنه يسكب في القلب الاستسلام
لمن يعرف ظاهر كل شيء وخافيه.
وفي قوله تعالى في آية الكرسي: ﴿يَعْلَمُ
مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ
عِلْمِهِ إِلَّا بِمَاشَآءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
إثباتٌ لإحاطة علمه سبحانه وشموله
للزمان والمكان للأشياء، وبيان لعجز
المخلوقات ونقص علمهم إلا ما شاء الله
أن يعلمه.
وإيمان المسلم بهذه الصفة لله عز وجل،
واستحضارها في قلبه يجعله مراقبًا لربه
دائمًا، مراعيًا لحدوده، سريع التوبة إليه إن
أساء، وإدراكه لحقيقة نفسه ونعمة الله عليه
فيما يعلمه إياه من الحقائق يجعله دائمًا
شديد الشكر لله وبعيدًا عن الكبر والبطر (١).
والله تعالى وحده العالم بحقيقة الخير
(١) انظر: الإيمان، محمد یاسین ص٢٧.
وَعَسَى أَن تَكَرَهُوا
والشر ، قال عز وجل:
شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمّ وَعَسَقٌ أَنْ تُحِبُّواْ شَيْئًا
وَهُوَ شَرٌّلَّكُمُّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
[البقرة: ٢١٦].
فكل إنسان -في تجاربه الخاصة -
يستطيع حين يتأمل أن يجد في حياته
مكروهات كثيرة كان من ورائها الخير
العميم، ولذات كثيرة كان من ورائها الشر
العظيم، وكم من مطلوب كاد الإنسان
يذهب نفسه حسرات على فوته، ثم تبين
له بعد فترة أنه كان إنقاذًا من الله أن فوت
عليه هذا المطلوب في حينه، وكم من
محنة تجرعها الإنسان تكاد تتقطع لفظاعتها
أوصاله ، ثم ينظر بعد فترة فإذا هي تنشئ
له في حياته من الخير ما لم ينشئه الرخاء
الطويل، إن الإنسان لا يعلم والله وحده
يعلم، فماذا على الإنسان لو يستسلم؟ إن
هذا هو المنهج التربوي الذي يأخذ القرآن
به النفس البشرية لتؤمن وتسلم وتستسلم في
أمر الغيب المخبوء بعد أن تعمل ما تستطيع
في محيط السعي المكشوف(٢).
ثانيًا: نسبية الشر:
١. درجته ظنيته.
المقصود بنسبية الشر، ذلك أن الشر
الموجود في هذا العالم ليس شرًا مطلقًا،
(٢) انظر: في ظلال القرآن، قطب ٢١٩/١.
٢٢٦
مَوَسُولَة المَ
القرآن الكريمِ

الشر
الشر المطلق ليس موجود إنما یوجد شر
نسبي، أي : شر موظف للخير المطلق، يوجد
فقر، آلام، هموم، أحزان، موت أقارب، هذه
الشرور نسبية موظفة للخير المطلق، قال الله
تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَ
دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
[السجدة: ٢١].
أي: لعلهم يتوبون إلى الله توبة صادقة
فیسعدون بقربه ورحمته.
قال الله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ يِلشَّيْرٍ وَالْخَيْرِ
فِتْنَةٌ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥].
وقد فصل الله تعالى هذا الشر في قوله:
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَىْءٍ مِّنَ اٌلَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَّقْصٍ
مِّنَ الْأَمْوَلِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَتِّ وَبَشِّرِ الصَّبِينَ
ـ) الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّ إِلَيْهِ
١٥٥
رَجِعُونَ (٦)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٦].
إذن يبتلینا الله بألوان الشرور ليختبرنا
أنصبر أم نكفر، أنرضى أم نسخط، فمن
رضي فله الرضى ، ومن سخط فعليه
السخط.
إذن هذا أمرٌ أساسي في العقيدة، يجب
أن نعتقد اعتقادًا جازمًا أن الشر المطلق لا
وجود له إطلاقًا، لكن هناك شرٌ نسبي، أي :
بالنسبة للبشر، ولكنه في ذات الوقت موظف
للخير المطلق.
٢. نماذج من القرآن الكريم من
الشر المظنون.
خروج المسلمين الذين خرجوا يوم بدر
يطلبون عير قريش وتجارتها، ويرجون
أن تكون الفئة التي وعدهم الله إياها
هي فئة العير والتجارة، لا الفئة الحامية
المقاتلة من قريش، ولكن الله جعل
القافلة تفلت، ولقيهم المقاتلة من
قريش، فكان النصر الذي دوى في
الجزيرة العربية، ورفع راية الإسلام،
فأين تكون القافلة من هذا الخير
الضخم الذي أراده الله للمسلمين، أو
أين يكون اختيار المسلمين لأنفسهم
من اختیار الله لهم، والله يعلم ، والناس
لا يعلمون حقيقة الشر (١)؛ قال تعالى:
وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّيِفَنَيْنِ أَنَّهَا
لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ
تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧].
في قصة سيدنا موسى مع الخضر في
سورة الكهف نری کیف یمکن لأشياء
هي شر في الظاهر أن تؤدي إلى خير
كبير، حين قام الخضر بخرق السفينة
وقتل الغلام، وإنشاء جدار بلا أجر،
هذا كله شر في الظاهر ولكن في حقيقة
الأمر ينطوي على خير عميم؛ قال
الزحيلي: ((إن الأحداث الثلاثة التي
فعلها الخضر كانت من قبيل اختيار
أهون الشرين، وأخف الضررين،
(١) انظر: في ظلال القرآن، قطب ٢١٧/١.
www. modoee.com
٢٢٧

حرف الشین
وتحمل الضرر الأدنى لدفع الضرر
الأعلى، وهو معنى قوله تعالى: ﴿
مِّن رَّيِّكَ﴾، فهي وإن كانت مستنكرة
في الظاهر، وحق لموسى عليه السلام
إنكارها والاعتراض عليها، فهي خير
في الحقيقة والواقع))(١).
ميادين الشر
إن للشر ميادين، من ولغ فيها ومضى في
طريقها هلك إن لم يعاجل بالتوبة الصادقة،
وفيما يلي سنلقي الضوء على بعضها للحذر
من الوقوع في مسالكها.
أولًا: الكفر:
١. الكافرون أكثر المخلوقات شرًا.
من أخطر ميادين الشر : الكفر، حيث
یعد الكفر أساس کل شر، وقد وصف الله
تعالى الكافرين بأنهم أكثر الناس شرًا بسبب
کفرهم، وقد حذر الله تعالى عباده المؤمنين
أن يسلكوا مسلكهم في قوله تعالى:
يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَا
تَوَلَّوْاْ عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ ﴿ وَلَا تَكُونُواْ
٥
٢١
كَالَّذِينَ قَالُواْ سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ
إِنَّ شَرَّ الذَّوَابِ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُّكْمُ الَّذِينَ لَا
يَعْقِلُونَ (١ ) وَلَوْ عَلِمَ اَللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًّا لَّأَسْمَعَهُمّ
وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُعْرِضُونَ
٢٣
[الأنفال: ٢٠ - ٢٣].
جاءت هذه الآيات بعد الحديث عن
النصر المبين في غزوة بدر ليطلب الله عز
وجل من المؤمنين مرشدًا إياهم للمداومة
على طاعة الله وطاعة رسوله ؛ لیدوم له العز
الذي حصل لهم ببدر ، ويحذرهم وينهاهم
أن يكونوا كالكفار الذين سمعوا بآذانهم
(١) التفسير المنير ١٦ / ١٢.
مَشْوَةُ التَّسيد
القرآن الكريم
٢٢٨

الشر
دون قلوبهم ؛ لأن الغرض من السماع التدبر
والاتعاظ، وإن شر الخلق وأسوأ الدواب
التي تدب على وجه الأرض هم الصم البكم
الذين لا يسمعون الحق ولا ينطقون به ،
وهم الذين فقدوا العقل الذي يميز به المرء
بين الخير والشر (١).
لطائف ودلالات من الآية:
منتهى الإعجاز وقمة البلاغة في تشبيه
الكفار بالبهائم، بل جعلهم الله شرًا
منها، إذ إن الكافر لا يسمع الحق
والبهائم لا تسمع، ولا ينطق به والبهائم
لا تنطق، ويأكل والبهائم تأكل، بقي أنه
یضر والبهائم لا تضر ، فكيف لا يكون
شرًا منها؟ !.
جاء بأسلوب التوكيد ﴿إِنَّ شَرَّ
الدَّوَآتٍ﴾ للجملة الاسمية لتؤكد أن
أخطر ميادين الشر هو الكفر والبعد عن
الإيمان بالله تعالى.
جاء تحذير المؤمنين من سلوك مسلك
الكافرين في الإعراض عن كلام الله
تعالى في آيات مدنية رغم أن الإيمان
قد تغلغل في قلوبهم لم یکن ليدلل إلا
على أن دوام هذا الإيمان في قلوبهم
لا يكون إلا بلزوم طاعة الله ورسوله
والتزام الأوامر واجتناب النواهي.
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٣ /٤٤٤.
٢. التحذير من شر الكافرين على
الإسلام والمسلمين.
لم يقتصر شر الكافرين على أنفسهم
بكونهم غارقين في الضلال بعيدين عن
الهدى ونور الحق والإيمان، ولكنهم حين
يكيدون للإسلام والمسلمين ويتآمرون
على القضاء عليهم يشكلون خطرًا عظيمًا،
لذلك أمرنا الله بإعداد جميع وسائل القوة
لدفع خطرهم والمحافظة على هيبة الإسلام
والمسلمين من شرورهم.
قال تعالى: ﴿﴿ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِ عِندَ اللَّهِ
[الأنفال:
اُلُّمُ الْبُّكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (
٢٢].
قال الطبري: إن شر ما دب علی الأرض
من خلق الله عند الله، الذين يصمون عن
الحق لئلا يستمعوه، فيعتبروا به ويتعظوا
به، وينكصون عنه إن نطقوا به : الذين لا
يعقلون عن الله أمره ونهيه، فیستعملوا بهما
أبدانهم»(٢).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَآتٍ عِندَ
اَللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ
عَهَدَثَّ مِنْهُمْ ثُمَّيَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِ كُلِّ مَرَّقِ
وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ ﴾ فَإِمَّا تَتْقَفَنَّهُمْ فِ الْحَرْبِ
فَشَرِّدْ بِهِمِ مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ
وَإِمَّا تَخَافَنَ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَأَنْبِذٌ إِلَيْهِمْ
عَلَى سَوَاءُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْغَايِنِينَ وَلَا يَحْسَبَنَّ
(٢) جامع البيان ١٣/ ٤٥٩.
www. modoee.com
٢٢٩

حرف الشین
الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُوَاْ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ * وَأَعِدُّواْ
لَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم ◌ِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ
تُرْهِبُونَ بِهِ، عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ
مِن دُونِهِمْ لَا نَعَلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمَّ وَمَا تُنفِقُواْ
مِن شَىْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا
نُظْلَمُونَ ﴾ [الأنفال: ٥٥-٦٠].
قال المفسرون في سبب نزول الآيات:
قال ابن عباس نزلت في بني قريظة من
الیهود حیث کان رسول الله صلى الله عليه
وسلم قد عاهد يهود بني قريظة ألا يحاربوه
ولا يعاونوا عليه المشركين فنقضوا العهد
ومالؤوا الكفار يوم الخندق(١).
ونستدل من الآيات السابقة:
١. الاستعداد بما في الإمكان فريضة
تصاحب فريضة الجهاد
٢. لا بد للسلام من قوة ينطلق بها في
الأرض لتحرير الإنسان وتكمن أهمية
هذه القوة في:
أن تؤمن الذين يختارون هذه العقيدة
على حريتهم في اختيارها ، فلا يصدوا
عنها ولا يفتنوا كذلك بعد اعتناقها.
أن ترهب أعداء هذا الدین فلا يفكروا
في الاعتداء على ((دار الإسلام)) التي
تحميها تلك القوة.
أن يبلغ الرعب بهؤلاء الأعداء أن
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير
٠١٦٢/١٥
لا یفکروا في الوقوف في وجه المد
الإسلامي.
أن تحطم هذه القوة كل قوة في الأرض
تتخذ لنفسها صفة الألوهية ، فتحكم
الناس بشرائعها هي وسلطانها، ولا
تعترف بأن الألوهية لله وحده ومن ثم
فالحاكمية لله وحده سبحانه(٢).
إذا المسلمون مكلفون أن يكونوا أقوياء،
وأن يحشدوا ما لا يستطيعون من أسباب
القوة ، لتكون كلمة الله هي العليا ، ویکون
الدین کله لله.
ثانيًا: ترك الزكاة:
قال عز وجل: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ
بِمَآ ءَاتَنَّهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ- هُوَ خَيْرُلَمُّ بَلْ هُوَ شَرِّ
◌َهُّ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل
عمران: ١٨٠].
لما بالغ الله تعالى في التحريض على
بذل النفس في الجهاد في الآيات السابقة
لهذه الآية، شرع هنا في التحريض على بذل
المال في سبيل الله ، وذكر الوعيد الشديد
لمن بخل بماله (٣).
كما جاء في صحيح البخاري: (من آتاه
الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة
شجاعًا أُقرع - أي: ثعبانًا عظيمًا - له زبيبتان
فیأخذ بلهزمتيه -يعني : شدقیہ - ثم يقول له:
(٢) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ١٥٤٣/٣.
(٣) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ١٢٩/٣.
٢٣٠
جُوبُوا حَرَ النَّفْسِيَةْ
القرآن الكريم

الشر
(أنا مالك، أنا كنزك) ثم تلا صلى الله عليه فلم يروا فيها شجرًا ولا ثمرًا ، فظنوا أنهم
وسلم الآية) (١).
(أخطأوا) الطريق، ثم تبين لهم أنها بستأنهم
نموذج من القصص القرآني عن ترك وحديقتهم ، وعرفوا أن الله تعالى عاقبهم
الزكاة:
ما جاء في سورة القلم عن قصة أصحاب
الجنة ، أي : البستان المشتمل على أنواع
الثمار والفواكه ، حين منعوا الفقراء حقهم
في الزكاة من ثمار بستانهم.
قال تعالى: ﴿إِنَّابَلَوْنَهُمْ كُمَا بَلَوْنَا أَصْحَبَ لَلْجَنَّةِ
إِذْ أَقْتَمُوْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ(١٧) وَلَا يَسْتَقْنُونَ (٧) فَطَافَ
عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّيِكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ { فَأَصْبَحَتْ كَالصَِّم
[القلم: ١٧ - ٢٠].
٢٠
قال المفسرون: كان لرجل مسلم بقرب
صنعاء بستان فيه من أنواع النخيل والزروع
والثمار ، وكان إذا حان وقت الحصاد دعا
الفقراء فأعطاهم نصيبًا وافرًا منه وأكرمهم
غاية الإكرام ، فلما مات الأب ورثه أبناءه
الثلاثة ، فقالوا : عيالنا كثير والمال قليل ،
ولا يمكننا أن نعطي المساکین كما كان يفعل
أبونا، فتشاوروا فيما بينهم وعزموا على ألا
يعطوا أحدًا من الفقراء شيئًا، وأن يجنوا
ثمرها وقت الصباح الباكر خفيةً عنهم،
وحلفوا على ذلك، فأرسل الله تعالى نارًا
على الحديقة ليلًا أحرقت الأشجار وأتلفت
الثمار، فلما أصبحوا ذهبوا إلى حديقتهم
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة،
باب إثم مانع الزكاة، رقم ١٠٦/٢،١٤٠٣.
فيها بنیتهم السيئة، فندموا وتابوا بعد أن فات
الأوان (٢).
وقد ساق الله تعالى هذه القصة ليعلمنا
أن مصير البخيل ومانع الزكاة إلى التلف ،
لأنه يبخل ببعض ماله عن دفع الزكاة في
سبيل الله ، فيهلك كل ماله مصحوبًا بغضب
الله، هذا عقاب في الدنيا، وعقاب الآخرة
أشد وأخزى ﴿ كَذَلِكَ الْعَذَابُّ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبٌ لَوْ
كَانُوا يَعْلَمُونَ (٣)﴾ [القلم: ٣٣].
وفي ذلك تقرير لسنة الله تعالى في
خلقه ، وهي أن يبتليهم بالنعماء كما يبتليهم
بالبأساء.
ثالثًا: ترك الجهاد:
من المؤكد أنه لا عزة ولا كرامة للأمة
الإسلامية بلا جهاد في سبيل الله تعالى،
وإذا تركت الجهاد غرقت في الذل والهوان.
قال الله عز وجل: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ
اَلْقِتَالُ وَهُوَكُرَّهُ لَّكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَ هُو أَشَيْئًا وَهُوَّ
خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٌ أَنْ تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمُّ
[البقرة :
وَاَللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١)
٢١٦].
هذا إيجاب من الله تعالى للجهاد على
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٣٠/ ٨٧.
www. modoee.com
٢٣١

حرف الشین
المسلمين أن يكفوا شر الأعداء عن حوزة الإنفاق على من ذكر ، فهو جهاد النفس
الإسلام.
وإنما كان الجهاد كرهًا لأن فيه إخراج
المال ومفارقة الأهل والوطن والتعرض
لذهاب النفس(١).
فعسى أن تكرهوا ما في الجهاد من ودلالات تتصل بعلم الله تعالى بحقيقة
المشقة ، وهو خير لكم في أنكم تغلبون
وتظفرون وتغنمون وتؤجرون ، ومن مات
مات شهيدًا، وعسى أن تحبوا الدعة وترك
القتال وهو شر لكم في أنکم تغلبون وتذلون
ويذهب أمركم (٢).
والله يعلم الخير والشر ، وأنتم لا
تعلمونهما لأن الله يعلم الأشياء على ما هي
عليه، والناس يشتبه عليهم العلم ، فيظنون
الملائم نافعًا، والمنافر ضارًا (٣).
وردت الآية مع جملة تشريعات منظمة
في السورة مثل: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِيَامُ﴾
[البقرة: ١٨٣].
وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ﴾
[البقرة: ١٧٨].
فعلاقة هذه الآية مع ما قبلها من الآيات
هو أنه لما ذكر ما مس من تقدم من أتباع
الرسل من البلايا، وأن دخول الجنة معروف
بالصبر علی ما یبتلی به المكلف، ثم ذكر
(١) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٢٨٨/١.
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٣٩/٣.
(٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٠٦/٢.
بالمال ، انتقل إلى ما هو أعلى منه ، وهو
الجهاد الذي یستقیم به الدین ، وفيه الصبر
على المال والنفس (٤).
استخلص من هذه الآية هدايات
الشر:
١. الآية خطاب للمسلمين بتكليفهم
بالجهاد في سبيل الله ، والكلام
فيه تلطف من الله تعالى لرسوله
والمؤمنين في قوله: ﴿وَهُوَكُزْهُ لَّكُمْ﴾
فالله تعالى غنيٌ عن البيان والتعليل،
لأنه يأمر فيطاع، ولكن في بيان الحكمة
تخفيف من مشقة التكليف، وفيه تعوید
للمسلمين بتلقي الشريعة معللة مذللة.
٢. هناك إشارة إلى أن حكمة التكليف
تعتمد المصالح ودرء المفاسد، ولا
تعتمد ملائمة الطبع ومنافرته، إذ يكره
الطبع شیئا وفيه نفعه ، وقد یحب شيئًا
وفيه هلاكه، وذلك باعتبار العواقب
والغايات.
٣. قال الماوردي في كونه (كرهًا)
تأويلان:
٤. أحدهما: وهو كره لكم
قبل التعبد وأما بعده فلا.
٥.
وهو كره لكم
الثاني:
(٤) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٣٧٩/٢.
جَوَسُوعَةُ الْبَشِدَة
القرآن الكريم
٢٣٢

الشر
في الطباع قبل الفرض وبعده، وإنما الأرض ومن نفخة الله فيه من روحه)) مزود
يحتمل بالتعبد(١).
٦. الشر المقصود في الآية أن العدو
إذا علم ميلكم إلى الدعة والسكون أخذ
بلادکم وحاول قتلکم ، فإما أن يأخذکم
ويستبيح دماءكم وأموالكم، وإما أن
تحتاجوا إلى قتالهم من غير إعداد آلة
وسلاح، وهذا كله شر لكم (٢).
٧. أن القتال في سبيل الله فريضة
شاقة، ولكنها فريضة واجبة الأداء،
وذلك لأن فيها خيرًا كثيرًا للفرد
المسلم، وللجماعة المسلمة جمعاء
لتحقيق الحق والخير والصلاح.
رابعًا: اقتراف الكبائر:
إن الشر الذي يصيب العبد لا يخلو من
قسمين:
شر واقع به من غيره.
ذنوب وقعت منه يعاقب عليها، فیکون
وقوع ذلك بفعله وقصده وسعيه،
ويكون هذا الشر هو الذنوب ، ومنها
الكبائر، وهو أعظم الشرين وأدومهما.
إن نظرة الإسلام إلى الإنسان بكل
معالمها تتمثل في أن هذا الكائن مخلوق
مزدوج الطبيعة، مزدوج الاستعداد والاتجاه،
ونعني بذلك أنه بطبيعة تكوينه ((من طين
(١) انظر: النكت والعيون ٢٧٣/١.
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٦/ ٣٨٥.
باستعدادات متساوية للخير والشر، والهدى
والضلال، فهو قادر على التمييز بين ما هو
خير وما هو شر، كما أنه قادر على توجيه
نفسه إلى الخير وإلى الشر سواء، وأن هذه
القدرة كامنة في كيانه، يعبر عنها القرآن
بالإلهام تارة ، كما في قوله تعالى: ﴿وَنَّفْسٍ
وَمَا سَوَّنَهَا ◌ِ فَأَْمَهَا تُرَهَا وَتَقْوَنِهَا ل ◌َقَدْ
أَفْلَحَ مَنْ زَّكَّنَهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسََّا ﴾
[الشمس: ٧-١٠].
ويعبر عنها بالهداية تارة أخرى ، كما في
قوله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَهُ النَّجْدینِ ﴾﴾ [البلد:
١٠].
أي: إلى طريقي الخير والشر، فهي كامنة
في صميمه في صورة استعداد، والرسالات
والتوجيهات والعوامل الخارجية إنما توقظ
هذه الاستعدادات وتشحذها وتوجهها هنا
أو هناك. بالإضافة إلى هذه الاستعدادات
الفطرية الكامنة، هناك قوة واعية مدركة
موجهة في ذات الإنسان، هي التي تتعلق
وتناط بها التبعة ﴿كُلْ نَفْسِ بِمَاكَسَبَتْ رَحِينَةُ ))
[المدثر: ٣٨].
فمن استخدم هذه القوة في تزكية نفسه
وتطهيرها من الموبقات وتنمية استعداد
الخیر فیها، وتغليبه على استعداد الشر فيها
فقد أفلح، أما من أظلم هذه القوة وأضعفها
فقد خاب، ولو تساءلنا عن ماهية هذه القوة
www. modoee.com
٢٣٣

حرف الشین
الواعية فهي تلك الإرادة المحدودة وحرية ٢) وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ﴾ [الفلق:
١-٥].
الاختيار والتي سقفها وإطارها العام هو
المشيئة والإرادة الإلهية اللامحدودة. ومن
رحمة الله تعالى بالإنسان أنه لم يتركه
لاستعداد فطرته الإلهامي ولا لإرادته
المحدودة، بل أعانه بالرسالات التي تكشف
له عن موحیات ودلائل الهدى في نفسه وفي
الآفاق من حوله، وتجلو عنه غواشي الهوى،
فيبصر الحق في صورته الصحيحة، ويتضح
له الطريق، فتتصرف قوته وإرادته الواعية
حينئذ عن بصيرة وإدراك لحقيقة الاتجاه
الذي تختاره وتسیر فیه(١).
قال الله تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَابِرَ
مَا كُنْهَوَّنَ عَنْهُ تُكَفِّرْ عَنكُمْ سَمِئَاتِكُمْ
وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا ﴾
[ النساء:
٣١].
خامسًا: السحر:
يعد السحر من أكبر الكبائر ، وهو من
الشرور التي تقع للإنسان من ظلم الغير له،
لذا فإن التحصن من شر السحر يكون بحسن
الالتجاء إلى الله تعالى، كما جاء في سورة
الفلق.
قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ
مِن شَرِّمَا خَلَقَ ﴿ وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا
٠
وَقَبَ ﴿ وَمِن شَرِّ النَّفَّشَتِ فِى الْعُقَدِ
(١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٦/ ٣٩١٧.
فلا أحد يدفع الشرور عن النفوس إلا
الله تبارك وتعالى، ومن مقاصد هذه السورة
تعميق وتعزيز التوحيد في النفوس، وقد
جاء في الحديث الصحيح عن سعد بن أبي
وقاص، أن رسول الله صلی الله علیه وسلم
قال: (من اصطبح سبع تمرات عجوة، لم
يضره ذلك اليوم سم، ولا سحر)(٢).
لطائف ودلالات في الآيات:
اقترن الحاسد والساحر فى السورة
لأن مقصدهما الشر للناس ، كما أن
الاستعاذة من هذين تعم كل شر يأتي
من شياطين الإنس والجن، فالحسد
من شياطين الإنس والجن، والسحر
من النوعين أيضًا ؛ إذ إن الشيطان
يقارن الحاسد والساحر ويصاحبهما
ويحادثهما، ولكن الحاسد تعينه
الشیاطین بلا استدعاء منه للشيطان، أما
الساحر فهو يطلب من الشيطان أن يعينه
ويستعينه.
تنكير غاسق وحاسد وتعريف
النفاثات؛ لأن كل نفاثة شريرة، فكل
غاسق لا يكون فيه الشر، إنما يكون في
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأطعمة،
باب العجوة، ٧/ ٨٠، رقم ٥٤٤٥، ومسلم
في صحيحه، كتاب الأشربة، باب فضل تمر
المدينة، ١٦١٨/٢، رقم ٢٠٤٧.
٢٣٤
القرآن الكريمِ

الشر
بعض دون بعض، وكذلك كل حاسد لا لك ولا هي منتقلة إليك، فمحبة زوالها عن
يضر، ورب حسد محمود، وهو الحسد صاحبها لا تكون إلا من الخبث ، أما الغبطة
وهي أن تريد أن يكون لك مثل تيك النعمة
والدولة والجاه، ولا تكره ذلك على صاحبه،
فلا یکون حسدا بل غبطة ومنافسة»(٤).
في الخيرات(١)، كما قال النبي -صلى
الله عليه وسلم: (لا حسد إلا في اثنتين:
رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته
في الخير، ورجل آتاه الله الحكمة فهو
يقضي بها بين الناس)(٢).
سادسًا: الحسد:
الحسد أول ذنب عصي الله به في
السماء، وأول ذنب عصي به في الأرض،
فحسد إبلیس آدم، وحسد قابیل هابیل.
والحسد غير الغبطة؛ قال الزمخشري:
((الغابط: هو الذي يتمنى مثل نعمة صاحبه
من غير أن تزول عنه. والحاسد: هو الذي
یتمنى أن تكون نعمة صاحبه له دونه ، فمن
الغبطة قوله تعالى: ﴿يَلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوِي
قَدِرُونُ إِنَّهُ لَذُوحَظٍ عَظِيمٍ﴾ [القصص: ٧٩].
ومن الحسد: قوله: ﴿وَلَا تَنَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ
اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٢]))(٣).
وقال الخوارزمي: ((وحقيقة الحسد أن
يكون لواحد نعمة ، فيحب زوال نعمته -
وهذا حرام -؛ لأنه كراهية الله سبحانه ،
وهذا دلیل خبث الباطن ؛ لأن نعمته لا تكون
(١) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٣٩٧/٨.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة،
باب لا حسد إلا في اثنتين، رقم ١٨٤٨،
٢٠١/٢.
(٣) الكشاف ٣/ ٤٣٢.
يكون الحسد شرًا حين يتمنى الحاسد
زوال النعمة عن غيره، ولا يرضى بما
قسمه الله له، ومن خطورة الحسد أنه یأکل
حسنات الحاسد كما تأكل النار الحطب.
وقد جاءت الاستعاذة من شر الحاسد
في الآية الخامسة من سورة الفلق ﴿وَمِن
شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾، وعند تأمل الآية
نجد تقيده سبحانه شر الحاسد بقوله ﴿إِذَا
حَسَدَ﴾ لأن الرجل قد يكون عنده حسد،
ولکن یخفیه ولا یرتب علیه أذى بوجه ما
لا بقلبه، ولا بلسانه، بل يجد في نفسه شيئًا
من ذلك، ولكنه لا یعاجل أخاه إلا بما يحبه
الله، فهذا لا يكاد يخلو منه أحد إلا من
عصمه الله، ولکنه یجاهد نفسه على دفع
ذلك الشعور حياءً من الله وطاعة لله تعالى،
بل ويلزم نفسه بالدعاء للمحسود ويتمنى
زيادة الخير له، وهذا بخلاف ما إذا حقق
ذلك وحسد وترتب على حسده مقتضاه من
الأذى بالقلب واللسان والجوارح، وهذا
كله شر حسد تمني زوال النعمة عن الغير،
(٤) مفيد العلوم ومبيد الهموم ص٢٣١.
www. modoee.com
٢٣٥

حرف الشین
فالمؤمن يغبط والمنافق يحسد (١).
المحسود، فإنها تتضمن التوكل على الله،
وصدق الالتجاء إليه، والاستعاذة به من شر
حاسد النعمة ، فهو يستعيذ بولي النعم كأنه
يقول: يا من أولاني نعمته وأسداها إليه ، أنا
عائذ بك من شر من يريد أن يستلبها مني
ويزيلها عني ، فهو جل وعلا حسب من
توكل عليه وكافي من لجأ إليه.
سابعًا: نشر الأخبار الكاذبة:
من صور الشر أيضًا في المجتمع فيكون
له ما له من تأثير سلبي ، ومثاله حادثة الإفك
في القرآن الكريم، وسبب الإفك أن عائشة
رضي الله عنها كانت مع رسول الله صلى
الله عليه وسلم في غزوة بني المصطلق سنة
ست من الهجرة حين ضاع عقد لها، وقد
توجهت لحاجتها فعادت في طلبه، ودخل
رسول الله صلى الله عليه وسلم من منزله
فرفع هودجها ، ولم يشعر بها أنها ليست
فیه لخفتها وعادت فلم تر في المنزل أحدًا،
فأدركها صفوان بن المعطل ، فحملها على
راحلته وألحقها برسول الله صلى الله عليه
وسلم ، فتكلم فيها وفي صفوان من تكلم
حيث أثار هذا الإفك ، رأس المنافقين
عبد الله بن أبي بن سلول، وقدمت المدينة
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٢٥٨/٢٠.
وانتشر الإفك وهي لا تعلم به ثم علمت،
تعتبر سورة الفلق من أكبر أدوية فأخذها من ذلك شيءٌ عظيم من الهم
والحزن إلى أن أنزل الله براءتها بعد سبعة
وثلاثين يومًا من قدوم المدينة (٢)، في عشر
آيات من سورة النور من قوله عز وجل:
﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُو بِآلْإِنْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُوْلَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا
لَكُمْ بَّ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِ أَمْرِيٍ مِّنْهُم مَّا أَكْتَبَ
مِنَ الْإِثْمِّ وَالَِّ تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ
) [النور: ١١] حتى قوله تعالى: ﴿وَلَوْلًا
فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ، وَأَنَّ اللَّهَ رَهُونٌ
رَحِيمٌ ﴾ [النور: ٢٠].
هدايات قوله تعالى: ﴿لَا تَّحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ
بْهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾:
الخیر حقيقته: ما زاد نفعه علی ضره،
والشر: ما زاد ضره على نفعه. وإن
خیرًا لا شر فيه هو الجنة، وشرًا لا خير
فيه هو جهنم. فأما البلاء النازل على
الأولياء فهو خير ؛ لأن ضرره من الألم
قليل في الدنیا وخيره هو الثواب الکثیر
في الآخرة، فالخطاب في الآية لعائشة
وأهلها وصفوان رضي الله عنهم،
لينبههم الله تعالى على أن الخير في
هذه الحادثة أكبر من شرها (٣).
أتى بالإضراب (بل) لإبطال أن يحسبوه
شرًا، وإثبات أنه خير لهم؛ لأن فيه منافع
(٢) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٤ / ٧٩.
(٣) انظر: التفسير المنير، وهبة الزحيلي
١٦٩/١٨.
٢٣٦
جوبيين
القرآن الكريم

الشر
کثیرة، إذ تمیز به المؤمنون الخلص من
المنافقين، وتشرع لهم بسببه أحكام
تردع أهل الفسق عن فسقهم، وتتبين
منه براءة فضلائهم، ويزداد المنافقون
غيظًا، ويصبحون محقرين مذمومين،
ولا يفرحون بظنهم حزن المسلمين،
فإنهم لما اختلقوا هذا الخبر ما أرادوا
إلا أذى المسلمين. وقد عطف الخير
على الشر بحرف (بل) في الآية فكان
ما بعد(بل) جملة اسمية للدلالة على
الثبات والدوام (١).
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٨٣٨/١٨.
أنواع الشر
الشر حقيقة ما زاد ضره على نفعه، كما
أن الخير ما زاد نفعه على ضره، وإن خیرًا
لا شر فيه هو الجنة، وإن شرًا لا خير فيه
هو جهنم، الشر نوعان: شر دنيوي، وشرٌ
أخروي، وبيان ذلك فيما يأتي:
أولًا: الشر الدنيوي:
إن الشر الدنيوي المتمثل في الأمراض
والابتلاءات له فائدة عظيمة وحكم جليلة،
يمن بها الله على من أحب من عباده،
ومن هذه الحكم: تكفير السيئات ورفع
الدرجات، والتمحيص والتنقية والتهيؤ
لحمل أعباء الدعوة.
فقد ينزل الشر على العباد رفعًا
للدرجات، أو وضعًا للآصار وتكفيرًا
للخطايا والسيئات؛ فمما يكون لرفع
درجات العباد، ويراد لهم الخير به : ما رواه
البخاري في صحيحه أن أبا هريرة رضي
الله عنه قال: قال رسول الله: (من يرد الله
به خيرًا يصب منه)(٢)، أي: يبتليه بالمصائب
والمحن ليرفع درجاته ويزيد في حسناته
على ما يكون من صبره واحتسابه.
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَقَلَّهُ لِلْجَبِينِ
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
المرضى، باب ما جاء في المرض رقم
٠١١٥/٧،٥٦٤٥
www. modoee.com
٢٣٧

حرف الشین
١٠٤) أَقَدْ صَدَّقْتَ
وَتَدَيْنَهُ أَنْ يَكَإِبَهِيمُ
(١٠٣
الرُِّّيَّ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ (١) إِنَّ
﴾ وَفَدَيْنَهُ بِذِبِحٍ عَظِيمٍ
هَذَا لَهُوَ الْبَلَوَّأْ الْمُبِينُ
* [الصافات: ١٠٣ - ١٠٧].
(١٠٧)
قال ابن القيم: ((ليس المراد أن يعذب،
ولكن يبتلى ليهذب ، ليس العجب من أمر
الخليل بذبح الولد، إنما العجب من مباشرة
الذبح بيده، ولولا الاستغراق في حب الأمر
لما هان مثل هذا المأمور، فلذلك جعلت
آثارها مثابة للقلوب تحن إليها أعظم من
حنين الطيور إلى أوكارها))(١).
وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ
الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اَللَّهُ الَّذِينَ جَهَدُ واْمِنكُمْ وَيَعْلَمَ
الصَّبِينَ ﴾ [آل عمران: ١٤٢].
قال الرازي: ((أم حسبتم أن تدخلوا
الجنة بمجرد تصديقكم الرسول قبل أن
یبتلیکم الله بالجهاد وتشدید المحنة ، والله
أعلم»(٢).
ومما يكون لتكفير السيئات ما جاء في
الحديث المتفق على صحته عند الشيخين
أن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول
الله: (ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر
الله بها عنه، حتى الشوكة يشاكها)(٣).
(١) فيض القدير، المناوي ٤ / ٤٦٨.
(٢) مفاتيح الغيب ٩/ ٣٧٦.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المرض،
باب كفارة المرض، رقم ٥٦٤٠، ١١٤/٧،
ومسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة، رقم
قال الإمام المناوي شارحًا هذا الحديث
في فيض القدير: (ما من مصيبة) أي: نازلة،
وأصلها الرمي بالسهم ، ثم استعيرت لما
ذكر (إلا كفر الله بها عنه) ذنوبه، أي : محي
خطيئاته بمقابلتها (٤).
وقال الإمام الغزالي: قال عيسى عليه
السلام: لا یکون عالمًا من لم یفرح بدخول
المصائب والأمراض عليه لما يرجوه من
ذلك من كفارة خطاياه(٥).
قال تعالى: ﴿وَمَآ أَضَبَكُمْ مِّن
مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَن كَثِيرٍ
﴾ [الشورى: ٣٠].
قال الزحيلي: ((والقصد من الابتلاء
رفع الدرجات ؛ لأن الأنبياء معصومون عن
الذنوب والآثام، ويكون حصول المصيبة
من باب الامتحان في التكليف، لا من باب
العقوبة»(٦).
ثانيًا: الشر الأخروي:
١. الجزاء من جنس العمل.
إن الله تعالى عدل لا يظلم مثقال ذرة،
جعل الجزاء من جنس العمل، ﴿فَمَنْ
يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا بَرَهُ ن وَمَن
يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّقِ شَرَّا يَرَؤُ
١٩٩٢/٤،٢٥٧٢.
(٤) انظر: فيض القدير ٥٠١/٥.
(٥) انظر: المصدر السابق ٤ /٤٦٨.
(٦) التفسير المنير ٧٦/٢٥.
مَوَسُولَة الفنية
القرآن الكريم
٢٣٨

الشر
[الزلزلة: ٧-٨].
فمن يفعل مقدار ذرة من التراب خیرًا
يجده في صحيفته يوم القيامة ويلق جزاءه،
ومن يفعل من الشر مقدار ذرة من التراب
يجده كذلك ويلق جزاءه عليه.
وقوله: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلَّخِينَ لَشَرَّ مَشَابٍ
جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَأْسَ اَلْمِهَادُ (١)﴾ [ص: ٥٥-
٥٦].
إن للكافرين الذين كذبوا الرسل لشر
منقلب یصیرون إليه في الآخرة، ثم فسر هذا
يذوقونها ويصلون
المصير بقوله
سعيرها، قال الطبري: في الآية تقديم
وتأخير ، أي : هذا حميم وغساق فليذوقوه،
والحميم هو الذي أغلی حتی انتھی حره،
والغساق ما يسيل من جلودهم من الصديد
والدم، وعذاب آخر من مثل هذا العذاب
المذكور كالزمهرير، والسموم وأكل الزقوم
لهم منه أنواع وأصناف(١).
٢. شر أهوال يوم القيامة.
قال تعالى: ﴿يُوقُونَ بِالنَّذْرِ وَيَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُ.
مُسْتَطِيرًا ﴾ [الإنسان: ٧].
قال القرطبي: ((استطار والله شر ذلك
اليوم حتى ملأ السموات والأرض)) (٢).
وقال ابن عباس: ((يعبس الكافر يومئذ
حتی یسیل منه عرق کالقطران یومًا تعبس فيه
(١) انظر: جامع البيان ١١٣/٢٣.
(٢) الجامع لأحكام القرآن ١٢٨/١٩.
الوجوه من هوله وشدته، الیوم القمطرير أي
: الشديد الصعب أو أشد ما يكون من الأيام
وأطوله في البلاء))(٣).
وقوله تعالى: ﴿فَوَقَُّهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ اَلْيَؤْمِ
وَلَقَّهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا ﴾ [الإنسان: ١١].
دفع عنهم شره بسبب خوفهم منه
وإطعامهم لوجهه أعطاهم بدل العبوس
في الكفار نضرة في الوجوه وسرورًا في
القلوب، والنضرة البياض والنقاء في
وجوههم والحسن والبهاء (٤).
خوفهم اليوم مجاز عقلي جرى في تعليق
اليوم بالخوف، لأنهم إنما يخافون ما يجري
في ذلك اليوم من الحساب والجزاء على
الأعمال السيئة بالعقاب.
على المفعول به
وانتصب
ل﴿وَخَافُونَ﴾ ولا يصح نصبه على الظرفية؛
لأن المراد بالخوف خوف في الدنيا من
ذنوب تجر إليهم العقاب في ذلك اليوم،
وليس المراد أنهم يخافون في ذلك اليوم
فإنهم في ذلك اليوم آمنون، إنهم يخافون
شر ذلك اليوم فيتجنبون ما يفضي بهم إلى
شره من الأعمال المتوعد عليها بالعقاب،
وصيغة ﴿وَخَافُونَ﴾ الفعل دالة على تجدد
خوفهم شر ذلك اليوم(٥).
يخافون عذاب يوم هو يوم القيامة كانت
(٣) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ١٠/ ٣٦٢.
(٤) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٧/ ٣٧٧.
(٥) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٥٥/٢٩.
www. modoee.com
٢٣٩

حرف الشین
شدائده وأهواله فاشية منتشرة في كل جهة
وعامة على كل الناس إلا ما رحم الله،
وإنما سميت الأهوال شرًا لكونها مضرة
بمن تنزل عليه ولكونها صعبة عليه ، كما
تسمى الأمراض وسائر الأمور المكروهة
شرورًا(١).
كان شر ذلك اليوم فاشيًا في السماوات،
فانشقت وتناثرت الكواكب، وكورت
الشمس والقمر وفزعت الملائكة وفي
الأرض، فنسفت الجبال وغارت المياه ،
وتكسر كل شيء على الأرض من جبل
وبناء(٢).
التحصن من الشر
لقد بين الله لنا في كتابه العزيز وسنته
المطهرة حقيقة الشر، كما بين لنا أسبابه
ومسبباته، والتي أهمهما شياطين الإنس
والجن بأشكالهم المختلفة، مصداقًا لقوله
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِّ عَدُوًّا
تعالی:
شَيَطِینَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِی بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ
زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورَاً وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوَّةٌ فَذَرْهُمْ
وَمَا يَفْتَرُونَ )
[الأنعام: ١١٢].
فلقد ناصبت تلك الشياطين العداء
للأنبياء، فضلًا عن أتباعهم ومن رحمة
الله بنا؛ فقد بين لنا كيفية التحصن منهم ،
ألا وهي الإيمان، والذكر والدعاء، وأخيرًا
الصحبة الصالحة، وفيما يلي تفصيلًا لذلك:
أولًا: الإيمان:
إن الإيمان مصدر لاطمئنان القلب؛ فمن
کان قلبه عامرًا بالإیمان فقد حصن نفسه من
شر شياطين الإنس والجن.
قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ.
مُظْمَيْنٌّ بِاْإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِصَدْرًا
فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ
﴾ [النحل: ١٠٦].
عَظِيمٌ
فقد اقترنت الطمأنينة في القلب
بالإيمان، حتى عند نزول البلاء والعذاب
علی عمار رضي الله عنه، فقد كان يعذب
كي ينطق كلمة الكفر، وقد نطقها تحت
(١) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٢٨٩/٢٩.
(٢) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٨/ ٦٥.
٢٤٠
البيـ
جوية
القرآن الكريمِ