Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
٧)
هـ
عناصر الموضوع
مفهوم الشجر
١٢٠
الشجر في الاستعمال القرآني
١٢١
الألفاظ ذات الصلة
١٢٢
الشجر دليل الوحدانية والقدرة
١٢٤
١٢٩
منافع الشجر
١٣٨
الشجر والعبادة
١٤١
الشجر والابتلاء
١٤٨
الشجر في المثل القرآني
١٥٣
الشجر في الآخرة
١٥٩
لمسات إعجازية في الشجر
المُجَلَدُ التَّاشِعْ عَشَرِ

حرف الشین
مفهوم الشجر
أولًا: المعنى اللغوي:
الشجر لغة: جمع شجرة، وهي في اللغة ما كان على ساق من نبات الأرض، قال ابن
فارس: ((الشين والجيم والراء أصلان متداخلان، يقرب بعضهما من بعض، ولا يخلو
معناهما من تداخل الشيء بعضه في بعض، ومن علوٍ في شيءٍ وارتفاع؛ فالشجر معروفٌ،
الواحدة شجرة، وهي لا تخلو من ارتفاع وتداخل أغصان، ووادٍ شجر: كثير الشجر، ويقال:
هذه الأرض أشجر من غيرها، أي: أكثر شجرًا. والشجر: كل نبتٍ له ساقٌ))(١).
وقيل أيضًا: ((كل ما كان على ساق من نبات الأرض فهو شجر، أو كل ما تنبت الأرض
فهو شجر، فعلى هذا الكلأ والعشب شجر، وقالوا في قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ
﴾[الرحمن: ٦]: إن النجم ما ینجم من الأرض مما ليس له ساق، والشجر ما له ساق، كما
هو المستفاد من العطف، نعم عطف الجنس على النوع وبالضد مشهور، وما يشعره الشجر
من الاختلاط حاصل في العشب والكلأ أيضا))(٢).
ويطلق اسم الشجر على كل ما تنبته الأرض من المرعى، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُ
شَجَرٌ فِيهِ شِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠].
أي: «ترعون مواشيكم السائمة في ذلك الشجر الذي هو المرعى، والعرب تقول: سامت
المواشي، إذا رعت في المرعى الذي ينبته الله بالمطر، وأسامها صاحبها: أي رعاها فيه))(٣).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
وأما تعريف الشجر في الاصطلاح فلا يخرج عن المعنى اللغوي في تعريفه.
ومما تقدم يمكن تعريف الشجر: بأنه كل ما ينبت على وجه الأرض من نبات له ساق
صلب يقوم عليه، وتجنى ثماره، ويتصل بالأرض مع بروز ارتفاعه عنها وعلوه على غيره
من النبات.
(١) مقاييس اللغة ٢٤٦/٣.
(٢) الكليات، الكفوي، ص٥٢٣.
(٣) انظر: الأساليب والإطلاقات العربية، محمود المنياوي، ص٥٠.
١٢٠
جوبيبو
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

الشجى
الشجر في الاستعمال القرآني
وردت مادة (شجر) في الاستعمال القرآني (٢٦) مرة (١).
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الاسم
٢٦
لَّقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ
الشَّجَرَوْ﴾[الفتح: ١٨]
وجاء الشجر في الاستعمال القرآني بمعناه اللغوي، وهو الشجر المعروف، وسمي بذلك
لأنه لا يخلو من ارتفاع وتداخل أغصان (٢).
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٣٧٥.
(٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص٢٥٥.
www. modoee.com
١٢١

حرف الشین
الألفاظ ذات الصلة
الزرع:
١
الزرع لغةً:
من الفعل زرع، بمعنى: طرح البذر في الأرض، يقال: يزرعه زرعًا وزراعةً: بذره، والاسم
الزرع، وجمعه زروع، والزرع: الإنبات، يقال: زرعه الله، أي: أنبته(١).
الزرع اصطلاحًا:
نفس المعنى اللغوي؛ إذ الزرع في الاصطلاح يعني الإنبات، قال الراغب: ((الزرع
الإنبات، وحقيقة ذلك تكون بالأمور الإلهية دون البشرية، قال عز وجل ﴿ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ وَ أَمْ
فَحْنُ الزَّرِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٤].
فنسب الحرث إليهم، ونفى عنهم الزرع، ونسبه إلى نفسه، وإذا نسب إلى العبد فلكونه
فاعلا للأسباب التي هي سبب الزرع، كما تقول : أنبت كذا إذا كنت من أسباب نباته، والزرع
في الأصل مصدر، وعبر به عن المزروع، ويقال: زرع الله ولدك، تشبيهًا، كما تقول: أنبته
الله)) (٢).
الصلة بين الزرع والشجر:
الزرع: ما ينبت على غير ساق، والشجر ما له ساق وأغصان، يبقى صيفا وشتاء(٣)، ويفرق
أيضًا: بأن الزرع موسمي فله مواسم يزرع فيها، وأخرى يحصد فيها.
النبات:
٢
النبات لغة:
نبت: النون والباء والتاء أصل واحد يدل على نماءٍ في مزروع، يقال : نبت، وأنبتت
الأرض، ونبت الشجر ، أي: غرسته، وكل ما أنبت الله في الأرض فهو نبتٌ والنبات فعله،
ويجري مجرى اسمه، يقال: أنبت الله النبات إنباتًا ونحو ذلك (٤).
النبات اصطلاحًا:
((الحي النامي لا يملك فراق منشئه ويعيش بجذور ممتدة في الأرض أو في الماء وما
(١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١٨٢٦/٣
(٢) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٢١٢.
(٣) الفروق اللغوية، العسكري ص ٢٦٦.
(٤) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٧٨/٥، لسان العرب، ابن منظور ٩٥/٢.
١٢٢
جَوْسُورَةُ الْنَفْسَنَّ
القرآن الكريم

الشجر
أخرجته الأرض من شجر ونحوه، وأنبتت الأرض، أي : أخرجت النبات، والبقل نشأ وربا،
ويقال: أنبت الله البقل، أخرجه من الأرض فهو منبوت، وأنبت الله الصبي نباتا حسنا))(١).
الصلة بين النبات والشجر:
النبات هو كل ما ينبت من الأرض بقدرة الله تعالى دون تدخل البشر، وبذلك يكون
النبات أعم من الزرع والغرس والشجر، لأن ما بعد الإنبات يشترك العباد فيه بالغرس
والسقي والحفظ وغيره.
النبات أعم من الشجر؛ إذ يشمل الزرع: وهو ما ينبت على غير ساق، والشجر ما له ساق
وأغصان.
الحرث:
٣
الحرث لغةً:
مصدر حرث، بمعنى عمل في الأرض، وشقها، وأثارها، وأعدها للزراعة (٢)، قال ابن
منظور: ((العمل في الأرض زرعًا كان أو غرسًا، وقد يكون الحرث نفس الزرع)) (٣).
الحرث اصطلاحًا:
لا يختلف عن المعنى اللغوي؛ إذ هو: ((إلقاء البذر في الأرض، وتهيؤها للزرع، ويسمى
المحروث حرثًا)) (٤).
الصلة بين الحرث والشجر:
من خلال ما سبق يتبين أن الحرث هو ما يقوم به الزارع في الأرض من عملٍ لإنبات
النبات والحبوب والأشجار، ويطلق على ما يخرج من تلك الأرض التي حرثت، فالحرث
عمل المزارع، أما الشجر فهو ما يحرثه المزارع من النبات مما له ساق وأغصان، والحرث
بذلك أخص من الشجر؛ إذ الشجر يشمل الحرث، ويشمل غيره مما ينبته الله عز وجل.
والشجر أخص من وجه؛ إذ الحرث يشمل النبات والحبوب والأشجار.
(١) المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٢/ ٨٩٢.
(٢) انظر: المصدر السابق ١ / ١٦٤.
(٣) لسان العرب، ابن منظور ٨١٩/٢.
(٤) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ١١٢.
www. modoee.com
١٢٣

حرف الشين
الشجر دليل الوحدانية والقدرة
وردت في القرآن الكريم آيات كثيرة تقرر
وحدانية الله تعالى وتنزع عن المسلم كل
الشبهات التي قد تطرأ على الأذهان ويثيرها
بعض أعداء الإسلام بكل وسيلة لغرض
تشكيك المسلم بعقيدته السليمة والتشويش
عليه، وتثبت وجود الخالق الواحد الذي
خلق الكون، ومن هذه الآيات آیات ذکر فیها
الشجر، وهي رد علی کل من يدعي شريكًا
للباري تعالى دون برهان أو دليل، وتثبت
أيضًا قدرة الله تعالى على البعث والإعادة
والنشور، وسيتبين ذلك من خلال النقاط
الآتية:
أولًا: دليل الوحدانية:
من الآيات التي جاءت تقرر وحدانية
الله تعالى في النفوس آيات الشجر، كما في
قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ
وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَكْوِمَاءُ فَأَنْجَتْنَا بِهِ، حَدَابِقَ
ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُنْ أَنْ تُنِسِتُواْ
شَجَرَهَاْ أَوِلَةٌ مَعَ الَلَهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ﴾
[النمل: ٦٠].
وقوله تعالى: ﴿مَاكَانَ لَكُمْأَنْ تُفْسِتُواْ
شَجَرَهَا﴾ أي: ما تقدرون أنتم أن تنبتوا
شجرها، فمن هو دونكم أشد وأبعد، فكيف
أشركتم في العبادة وتسمية الإلهية من هو
دونكم في كل شيء؟!، وقوله تعالى: ﴿أَوِلَهُ
مَعَ اللَّهِ﴾ أي: لا إله مع الله(١).
والاستفهام في الآية الكريمة بمعنى
الإنكار(٢) أي: لا إله مع الله، وهذا يدل على
عدم وجود المساواة بين الله تعالى وغيره
في الإلوهية والوحدانية.
أي: لم تكونوا تقدرون على إنبات
شجرها، وإنما يقدر على ذلك الخالق
الرازق، المستقل بذلك المتفرد به، دون ما
سواه من الأصنام والأنداد، كما يعترف به
هؤلاء المشركون، كما قال تعالى في الآية
الأخرى: ﴿وَلَيْن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ
اَللَّهُ ﴾ [الزخرف: ٨٧].
وقوله تعالى: ﴿وَلَيْنِ سَأَلْتَّهُم مَّن نَزَّلَ
مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ
مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦٣].
أي: هم معترفون بأنه الفاعل لجميع
ذلك وحده لا شريك له، ثم هم یعبدون معه
غيره مما يعترفون أنه لا يخلق ولا يرزق،
وإنما يستحق أن يفرد بالعبادة من هو المتفرد
بالخلق والرزق؛ ولهذا قال: ﴿أَءِلَهُ مَّعَ اللَّهِ﴾،
أي: أإله مع الله یعبد، وقد تبين لكم ولکل
ذي لب مما يعترفون به أيضا أنه الخالق
الرازق (٣).
يقول الإمام الرازي في تفسير هذه الآية
(١) تأويلات أهل السنة، الماتريدي، ١٢٧/٨.
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ١٦/٢٠.
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير،
٢٠٢/٦.
١٢٤
القرآن الكريمِ

الشجر
الكريمة: ((معناه : ما كنتم لتنبتوا، لأنه تعالى
لم يحرم عليهم أن ينبتوا الشجر، إنما نفى
عنهم أن یمکنهم إنباتها، فإنه تعالى هو
القادر على إنبات الشجر))(١).
وإسناد الإنبات إليه سبحانه، لكيلا يظن
أحد أن ذلك الإنبات من الأخذ بالأسباب
والمسببات، وأنه فعل طبائع الأشياء،
وبين الله تعالى أن ذلك الإنبات منه،
وهو فوق الأسباب والمسببات، سبحانه
بديع السماوات والأرض، والخالق لكل
شيء(٢).
وتأتي (كان) للمضي وللتوكيد ،وبمعنى
القدرة، كقوله: ﴿مَّاكَانَ لَكُوْأَنْ تُنُّبِتُواْ
شَجَرَهَآ﴾، أي ما قدرتم(٣).
أما بالنسبة لإنبات الحدائق في الآية
الكريمة ففيه إشارتان بيانيتان:
الأولى: أنه عبر بالإنبات للأشجار مع
أنه في آيات أخريات كان يضيف الإنبات
إلى الزرع ويعبر عن خلق الأشجار، بقوله
تعالى: ﴿فَالِقُ اٌلَْبِّ وَالنَّوَى﴾ [الأنعام: ٩٥].
وذكر الإنبات هنا بالنسبة للحدائق ذات
الأشجار الوارفة الظلال؛ لبيان عظيم قدرته
في أنه ينبت هذه الدوحات والأشجار
العظام، ويتعهد من حال النبات، حتی یصیر
فيحاء ذات بهجة وزينة، ويسر الناظرين
(١) مفاتيح الغيب، الرازي، ١٠/ ١٧٥.
(٢) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة، ١٠/ ٥٤٧١.
(٣) البرهان في علوم القرآن، الزركشي، ٣١١/٤.
مرآها وثمرها اليانع، وقطوفها الدانية.
الثانية: هي قوله تعالى: ﴿مَاكَانَ لَكُمْ
أَنْ تُنُبِتُواْ شَجَرَهَا﴾، كان هنا: كان الناقصة،
ونفيها معناها نفي الکینونة، أي: ليس في
وجود ولا کیان، أن لکم، أي : في قدرتهم،
أن تنبتوا شجرها، إنما ينبتها العزيز الرحيم،
والخلاق العظيم(٤).
وهذا يعني عجز الإنسان التام وعدم
قدرته أن ينبت الأشجار مهما بلغ من العلم
والمعرفة في فنون الزراعة وحرفتها، فعلي
الرغم من قدرته على أن ينبت النبات بوضع
البذر في الأرض مع العناية والمداراة إلا أن
الإنبات لا يقدر عليه أحد سوى الله تعالى؛
إذ هو القادر على ذلك.
وفي هذه الآية الكريمة أيضًا رد على
شبهات بعض المشككين منها:
أولًا: في الرد على عبدة الأوثان، وأنه
سبحانه وتعالى هو الخالق لأصول النعم
وفروعها، فكيف تحسن عبادة ما لا منفعة
منه البتة.
ثم إنه سبحانه وتعالى نبه على أن هذا
الإنبات في الحدائق لا يقدر عليه إلا الله
تعالى، لأن أحدنا لو قدر عليه لما احتاج إلى
غرس ومصابرة على ظهور الثمرة وإذا كان
تعالى هو المختص بهذا الإنعام وجب أن
(٤) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ٥٤٧١/١٠.
www. modoee.com
١٢٥

حرف الشین
يخص بالعبادة (١).
وبالتأكيد أنه لا يخفى على عبدة الأوثان
التي يصنعونها بأيدهم، أن هذه الأوثان
عاجزة عن فعل أي شيء فكيف بإنبات
الشجر.
ثانيًا: الرد على شبهة أن منبت الشجرة
هو الإنسان.
«فإن الإنسان يقول: أنا الذي ألقي البذر
في الأرض الحرة وأسقيها الماء وأسعى في
تشميسها، وفاعل السبب فاعل للمسبب،
فإذن أنا المنبت للشجرة، فلما كان هذا
الاحتمال قائما، لا جرم أزال هذا الاحتمال
فرجع من لفظ الغيبة إلى قوله: فأنبتنا، وقال:
ما كان لكم أن تنبتوا شجرها؛ لأن الإنسان
قد يأتي بالبذر والسقي والكرب والتشميس
ثم لا يأتي على وفق مراده، والذي يقع على
وفق مراده فإنه يكون جاهلا بطبعه ومقداره
وكيفيته، فكيف يكون فاعلا لها)) (٢).
وبهذا الكلام يتبين عجز الإنسان بل
وانعدام قدرته على أن ينبت النبات مهما هيأ
له من ظروف ملائمة من ماء وهواء وضوء
وتربة صالحة للزراعة ، فيبقى الأمر متعلقًا
بقدرة الله تعالى ، فهو القادر عليه وحده،
ويؤكد ذلك قوله تعالى: ﴿أَفَهَ يْتُم مَّا تَّخُونَ
٦٤
٢)،َأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ: أَمْ فَحْنُ الزَّرِعُونَ
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ٢٤ / ٥٦٣.
(٢) المصدر السابق.
[الواقعة: ٦٣-٦٤].
ويتضح مما مضى أن الله تعالى هو
المختص بالقدرة على خلق الأرض التي
فيها هذا الشجر وغيره، واختصاص فعل
الإنبات بذاته تعالى، فإنبات الشجر بأنواعه
المختلفة والحدائق والبساتين المختلفة
الأصناف والألوان، والثمار والروائح، كل
ذلك لا يقدر عليه إلا قادر خالق ، وهو الله
وحده، لذلك وجب أن يكون هو المختص
بالإلوهية والوحدانية.
ثانيًا: دليل القدرة على البعث:
أنكر البعض البعث واستبعد إحياء
الموتى وإخراجهم من قبورهم ، وهؤلاء
عرض القرآن الكريم لأقوالهم ورد عليها
بشكل قاطع يؤكد أن البعث والنشور من
وقائع اليوم الآخر بکل یقین.
ولا شك أن التكذيب بالبعث كان من
أكثر شبهات الكافرين وما زالت موجودة
إلى وقتنا الحاضر حيث ما زال إلى الآن
یوجد من لا يؤمنون ببعث أو نشور أو
حساب، ولهذا فقد أطال القرآن الكريم
في الرد على تلك الشبهات وإثبات مسألة
البعث وترسيخها في النفوس بأساليب كثيرة
ومتنوعة لإقامة الحجة على المخالفين، وفي
هذا البحث لسنا بصدد بيان كل ما جاء به
القرآن الكريم من دلائل تثبت وجود البعث
١٢٦
القرآن الكريم

الشجر
وترد على شبهات الكافرين، بل سنقتصر
على بيان الدلائل المتعلقة بآيات الشجر
التي ارتبط بعضها بقضية البعث والتي ساقها
القرآن الكريم لبيان وحسم هذه القضية من
الناحية العقلية.
وقد أعطى الله تعالى لنا شواهد ودلائل
متنوعة و کثيرة في الدنیا تؤكد إمکان حصول
البعث يوم القيامة ، ومن ذلك ما جاء
متعلقًا بالنبات عامة من حيث إنباته وإحيائه
وإظهاره للوجود، والشجر بصورة خاصة
في آياته التي جاءت ترسخ مفهوم البعث في
النفوس ، كما في الأدلة الآتية:
أولًا: إخراج النار المتوقدة من الشجر والإعادة، وأن القول بالبعث والمعاد
وحصول الحشر والنشر غير مستبعد في
العقول.
الأخضر.
قال تعالى: ﴿ الَّذِى جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ
الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ
[يس: ٨٠].
أي: ((الذي بدأ خلق هذا الشجر من
ماء حتى صار خضرًا نضرًا ذا ثمر وینع، ثم
أعاده إلى أن صار حطبًا يابسًا، توقد به النار،
کذلك هو فعال لما یشاء قادر على ما یرید ،
لا يمنعه شيء)»(١).
ولا شك أن إخراج النار من الشجر
الأخضر فيه دليل على الإعادة والبعث.
قال الزركشي: ((فعلم سبحانه كيفية
الاستدلال برد النشأة الأخرى إلى الأولى
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٦/ ٥٩٥.
والجمع بينهما بعلة الحدوث ، ثم زاد في
الحجاج بقوله: ﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ
اُلْأَخْضَرِنَارًا﴾، وهذا في غاية البيان في رد
الشيء إلى نظيره والجمع بينهما من حيث
تبديل الأعراض عليهما))(٢).
فنبه سبحانه على وحدانيته ودلل على
قدرته على إحياء الموات بما يشاهد من
إخراج النار من العود الندي الرطب.
ويتضح مما تقدم أن الشجر شاهدٌ
من شواهد قدرة الله تعالى، وخلق النار
وإيقادها من الشجر الأخضر فيه دليل واضح
على البعث وقدرة الله تعالى على الإنشاء
وقال تعالى: ﴿أَفْرَهُ مْتُمُ النَّارَ أَلَّتِى تُوُرُونَ
ءَأَنتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ تَحْنُ الْمُنْشِقُونَ
٧١
• [الواقعة: ٧١-٧٢].
وجه الاستدلال: ((أن النار صاعدة
والشجرة هابطة، وأيضا النار لطيفة والشجرة
كثيفة، وأيضا النار نورانية والشجرة ظلمانية،
والنار حارة يابسة والشجرة باردة رطبة، فإذا
أمسك الله تعالى في داخل تلك الشجرة
الأجزاء النورانية النارية فقد جمع بقدرته
بين هذه الأشياء المتنافرة، فإذا لم يعجز عن
ذلك ، فكيف يعجز عن تركيب الحيوانات
(٢) البرهان في علوم القرآن، ٢/ ٢٧.
www. modoee.com
١٢٧

حرف الشین
وتأليفها؟! والله تعالى ذكر هذه الدلالة وعذابه إذا رأى النار الموقدة، وتذكرة بصحة
البعث، لأن من قدر على إيداع النار في
الشجر الأخضر لا يعجز عن إيداع الحرارة
الغريزية في بدن الميت(٤).
في سورة يس فقال: ﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمْ مِنَ
الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ
﴾ [يس: ٨٠]))(١).
٨٠
وقيل أيضًا: ((ووجه دلالة النار على
البعث أن النار تكمن في الشجر والحجر،
ثم تظهر بالقدح، وتشب بالنفخ، فالحجر
والشجر كالقبر، والقدح والنفخ كالنفخة في
الصور))(٢).
ويبدو أن الكلام الأخير هو الأقرب
في تشبيه خروج النار من الشجر الأخضر
بالبعث والنشور، ويذكر الإمام الرازي في
تفسيره لشجرة النار وجوهًا:
أحدها: أنها الشجرة التي توري النار منها
بالزند، والزندة كالمرخ.
وثانيها: الشجرة التي تصلح لإيقاد النار
کالحطب ، فإنھا لو لم تكن لم يسهل إيقاد
النار؛ لأن النار لا تتعلق بكل شيء كما تتعلق
بالحطب.
وثالثها: أصول شعلها ووقود شجرتها
ولولا كونها ذات شعل لما صلحت لإنضاج
الأشياء والباقي ظاهر(٣).
وفي هذه الآية الكريمة تذكرة لنار القيامة
فيجب على العاقل أن يخشى الله تعالى
(١) مفاتيح الغيب، الرازي، ٣٥٥/٢.
(٢) انظر: استخراج الجدال من القرآن الكريم،
ابن الحنبلي، ١ / ٩٦.
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي، ٢٩/ ٤٢٣.
ومما تقدم يتضح بيان قدرة الله تعالى
على إيجاد المسببات من غير سبب ظاهر،
كخلق النار من الشجر الأخضر الرطب ،
کما تقدم في الآيتين السابقتين، وإيجاد النار
مختص بالله تعالى وحده، وتشبيه إيجاد
النار المستخرجة بإيجاد الإنسان، كما خلق
آدم عليه السلام من غير أب ولا أم، وتشبيهها
أيضا بالبعث والنشور، وكلها راجعة إلى
قدرة الله تعالى وعظمته في إخراج الوجود
من العدم، وقد ارتبطت الآيتان الكريمتان
بدليل استخراج النار من الشجر الأخضر
والاستدلال بها على البعث بعد الموت،
فإن الله تعالى ألهم الناس استخراج النار
من الشجر الأخضر على رغم التنافر بين
خاصتیهما کما مضی سابقا.
ثانيًا: ومن أدلة البعث أيضا إحياء النبات.
وکون إنبات النبات بعد عدمه من براهین
البعث ورد في آيات كثيرة، منها:
قوله تعالى: ﴿أَفَرََّ يْتُم مَّا تَخُرُونَ ()وَأَنْتُمْ
تَزْرَ عُونَهُ أَمْ تَحْنُ الزَّرِعُونَ ﴾ [الواقعة: ٦٣ -
٦٤].
ومعنى الآية الكريمة: أي أفرأيتم البذر
(٤) المصدر السابق.
١٢٨
جَوَسُور
القرآن الكريم

الشجر
الذي تجعلونه في الأرض بعد حرثها، أي
: تحريكها وتسويتها آأنتم تزرعونه أي:
تجعلونه زرعا، ثم تنمونه إلى أن يصير
مدركا صالحا للأكل أم نحن الزارعون له،
ولا شك أن الجواب الذي لا جواب غيره
هو أن يقال: أنت يا ربنا الزارع المنبت،
ونحن لا قدرة لنا على ذلك، فيقال لهم: كل
عاقل يعلم أن من أنبت هذا السنبل من هذا
البذر الذي تعفن في باطن الأرض قادر على
أُن یبعثکم بعد موتکم(١).
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَئِهِ) أَنَّكَ تَرَى
اٌلْأَرْضَ خَشِعَةٌ فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيَّهَا الْمَآءَ أَهْتَزَّتْ وَرَبَتَّ
إِنَّ الَّذِىّ أَحْيَاهَا لَمُحِى الْمَوْقَ إِنَّهُ, عَلَىكُلِّ شَىءٍ قَدِيرُ
(٥)﴾ [فصلت: ٣٩].
ومن خلال هاتین الآیتین یستدل أنه من
قدر على إخراج النار من الشجر الأخضر،
والشجرة الباسقة من بذرة صغيرة لا يعجزه
عن جمع الأجزاء وتركيب الأعضاء بعد
تفرقها وتفتتها، ولا أحد يقدر على فعل ذلك
سوى الله تعالى عز وجل.
(١) أضواء البيان، الشنقيطي، ٧/ ٥٣١.
منافع الشجر
خلق الله تعالى المخلوقات كلها لحكم
ومنافع كثيرة ، ومنها الشجر ، فهو يكون
غذاءً للإنسان والحيوان على السواء، أو
دواءً ومن أغصانه نارًا وظلًا، ومن أخشابه
سکنا ومنافع كثيرة ، کالكتابة وغير ذلك،
كما سيتبين من خلال النقاط الآتية:
أولًا: الثمرة:
جاء في القرآن الکریم ذکر لعدد کبیر من
الأشجار وثمارها أمثال: ((النخيل، والتین،
والزيتون، والأعناب، والرطب، والرمان،
والموز (الطلح)، والعدس، والبصل،
والقثاء)) وغيرها، بناءً على أن الشجر قد
يطلق على ما له ساق وعلى ما ليس له ساق،
كما مضى في التعريف اللغوي للشجر،
وكلها لها منافع وفوائد ووظائف، حيث
إن أبرز منافع الثمار كونها مصدرًا أساسيًا
للغذاء ورزقًا مستمرًا يسد حاجات الإنسان
والحيوان، وتعد بذلك قيمة غذائية أساسية
من مقومات الحياة شأنها شأن الماء والهواء.
فالثمار لغة: جمع ثمر، والثمر: حمل
الشجر، وثمر الشجر، وأثمر: صار فيه الثمر،
والثامر: ما خرج ثمره، والمثمر: ما بلغ أن
(٢)
یجنی(٢).
(٢) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١٠٦/٤،
القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص٣٥٩.
www. modoee.com
١٢٩

حرف الشین
واصطلاحًا: اسم لكل ما يستطعم من حسنا(٢).
أحمال الشجر (١).
ولا فرق بين المعنى اللغوي
والاصطلاحي للثمار، والمعنى القريب لها
هو كل ما خرج من الأشجار من أحمالها
سواء أکان یؤکل أم لا يؤكل، وهي جزء
منها، وديمومة بقائها، ويجمع على ثمار
وأثمار وثمرات وثمر.
ويأتي لفظ الثمار في القرآن الكريم في
آيات كثيرة ومتنوعة، في أربعة وعشرين
موضعًا، ومعلوم أن هذه الثمار ترتبط مع
الشجر ؛ لأنها حملها وسبب بقائها، ومن
هذه الآيات التي ورد ذكرها ما يأتي:
جاء ذكر الثمار بلفظ المفرد في آية واحدة
وذلك في قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَعَمِلُوا الصَّالِحَتِ أَنَّلَهُمْ جَنَّتٍ تَّجْرِى مِن تَحْتِهَا
الْأَنْهَرْ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَ ةَرِّزْقًا قَالُواْ
هَذَا الَّذِىِ رُزِقْنَا مِن قَبْلٌ وَأَنُواْ بِهِ، مُتَشَبِهًا﴾
[البقرة: ٢٥].
وجاء ذكر الثمار بلفظ (ثمرات) غير
المعرفة في أربعة مواضع منها ما يأتي:
قوله تعالى: ﴿وَمِن ثَمَرَتِ النَّخِيلِ وَالْأَغْنَبِ
تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنَّا إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآيَةً
لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ [النحل: ٦٧].
أي: وجعل لكم من ثمرات النخيل
والأعناب ما تتخذون منه سكرا ورزقا
(١) الكليات، الكفوي ص٣٢٣.
وفي الآية دلالة على امتنان الله تعالى
على عباده بثمار هاتين الشجرتين المباركتين
التمر والزبيب كونهما رزقا حسنا.
وقوله تعالى: ﴿يُحْىَ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَىْءٍ
رِزْقًا مِّن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
[القصص: ٥٧].
قال الزمخشري: ((النعمة في أن يرزقوا
أنواع الثمرات حاضرة في وادٍ يبابٍ(٣) ليس
فیه نجم ولا شجر ولا ماء، لا جرم أن الله عز
وجل أجاب دعوة إبراهیم، فجعله حرما آمنا
﴿يُحْىَّ إِلَيْهِ ثَمَرَتُ كُلِّ شَىْءٍ رِزْقًا مِن لَُّنَا﴾، ثم
فضله في وجود أصناف الثمار فيه على كل
ریف، وعلى أخصب البلاد وأكثرها ثمارا،
وفي أي بلد من بلاد الشرق والغرب ترى
الأعجوبة التي یریکها الله بوادٍ غير ذي زرع،
وهي اجتماع البواكير والفواكه المختلفة
الأزمان من الربيعية والصيفية والخريفية في
یوم واحد» (٤).
وجاء ذكر الثمار بلفظ (الثمرات)
معرفة في اثني عشر موضعا حسب ترتيب
المصحف منها ما يأتي:
قال تعالى: ﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ
(٢) تفسیر یحیی بن سلام، ١/ ٧٢.
(٣) أي: خراب.
انظر: القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص
١٤٥.
(٤) الكشاف، الزمخشري، ٢/ ٥٦٠.
١٣٠
فَضْو
جَوَسُولَةُ النَّقِينَ
القرآن الكريم

الشجر
فِرَاشَا وَالسَّمَاءَ بِنَآءَ وَأَنْزَلَ مِنَالسَّمَاءِ مَآءَ فَأَخْرَجَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ
بِهِ، مِنَ الثَّمَرَتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلَا تَجْعَلُواْ لِلَّهِ
١٤١].
﴾ [البقرة: ٢٢].
أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ لَ
[الأنعام:
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِعُ رَبٍّ أَجْعَلٌ
هَذَا بَلَدًا ءَمِنًا وَأَرْزُقْ أَهْلَهُ، مِنَ الثَّمَرَتِ مَنْ ءَامَنَ
مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِّ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَّتِّعُهُ، قَلِيلًا
ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِدُ:
١٢٦)
[البقرة: ١٢٦].
لقد ذكرت الثمرات في هذه الآيات
معرفة، وإن كان في آيات أخرى قد جاء لفظ
الثمرات غير معرف ، كما ذكرناها في سورة
النحل والقصص وفاطر وفصلت، وکونها
غير معرفة، لكونه يفيد التبعيض.
وجاء كذلك بلفظ الجمع بصيغة (ثمره)
في أربعة مواضع منها ما يأتي:
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اُلَّذِىّ أَنزَلَ مِنَ
السَّمَلِ مَآَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَىْءٍ فَأَخْرَجْنَا
مِنْهُ خَضِرًا تُخْرِجُ مِنْهُ حَبَّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ
اُلَّخْلِ مِنْ طَلْمِهَا قِنْوَانٌ دَائِبَةٌ وَجَنَّتٍ مِنْ أَعْنَاپٍ
وَاُلَّيْتُونَ وَالرُّقَانَ مُشْتَّبِهَا وَغَيْرَ مُتَشَِةٍ أَنْظُرُوّا
إِلَى تَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْجِهِ: إِنَّ فِ ذَلِكُمْ لَيَتٍ
[الأنعام: ٩٩].
لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١)
ويتضح من الآيات السابقة أن لفظ
الثمار جاء في القرآن الكريم في مواضع
متعددة ومتنوعة ، وهي تدل على معنى
واحد كونها تمثل أحمال الأشجار، وتعد
الأشجار وثمارها أصل الحياة، فهي مستمرة
ومتجددة، ومنافعها كثيرة ومتعددة ، فهي
نعمة من الله تعالى على عباده حیث سخر
كل الأشجار وثمارها لخدمة الإنسان من
الغذاء والدواء وغيرها من المنافع، وزينة
تتمتع بها الأبصار من حيث تنوع أشكالها
وألوانها وروائحها في الدنيا والآخرة،
إضافة إلى المنافع الأخرى التي سوف يأتي
ذكرها لاحقًا، والثمار هي حصيلة الزرع،
ولا يمكن أن يستمر الزرع في الحياة دون
وجود الثمار، وتعد قيمة مادية ومعنوية
لجهد الإنسان وعمله في الحياة، لذا ينبغي
للمؤمن أن يراعي حق الله تعالی فيها بما
أوجبه عليه من فرض الزكاة، كما قال
تعالى: ﴿كُلُواْ مِنْ ثَمَرِهِ: إِذَا أَثْمَرَ وَءَاتُواْ
حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ، وَلَا تُشْرِفُواْ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ
الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١].
وقوله تعالى: ﴿﴿ وَهُوَ الَّذِى أَنشَأَ
ويجدر بنا هنا أن نعطي مثالًا من القرآن
الكريم في بيان منافع الشجر ، وذلك في
قوله تعالى: ﴿وَشَجَرَةَّ تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيِنَآءُ
جَنَّتٍ مَّعْرُوشَتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَتٍ وَالنَّخْلَ
وَالزَّعَ مُخْتَلِمَا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ
مُتَشَِهَا وَغَيْرَ مُتَشَِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ: إِذَا
أَثْمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِهُ وَلَا تُشَرِفُوَاْ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْعْ لِلَكِلِينَ ﴾ [المؤمنون:
www. modoee.com
١٣١

حرف الشین
٢٠].
فالشجرة المذكورة في الاية هي شجرة
الزيتون بإجماع المفسرين(١).
ومعنى الآية الكريمة: وأنشأنا لكم شجرة
الزيتون التي تنبت في هذا الجبل بتلك البقعة
المباركة، وتثمر زيتونًا تصنع منه الزيوت
التي يدهن بها، وتتخذ إداما للآکلین (٢).
أي: «تنبت بنباتٍ وثمر فیه الدهن ، وهو
الزيت، فجاء في هذه الآية إطلاق الدهن
مرادًا به النبات والثمر الذي يوجد في داخله
الدهن، وهذا من إطلاق الحال في الشيء
وإرادة محله، إذ الذي ينبت هي الفروع
والورق والثمرات التي يوجد فيها الدهن،
وفائدة هذا المجاز الإيجاز، وتوجيه نظر
المخاطبين لما في شجرة الزيتون من دهن
عظیم النفع للناس، کي یولوا زيت الزيتون
اهتمامًا خاصًا، ويشكروا نعمة الله عليهم
به))(٣).
وقد أكدت السنة النبوية فوائد شجرة
الزيتون بأحاديث كثيرة ، منها ما جاء في
(١) انظر: جامع البيان، الطبري، ٢١/١٩، النكت
والعيون، الماوردي، ٤/ ٥٠، الجامع لأحكام
القرآن، القرطبي، ١١٤/١٢، مدارك التنزيل،
النسفي، ٢/ ٤٦٣، تفسير القرآن العظيم، ابن
كثير، ١٨/٧، أوضح التفاسير، ٤١٣/١،
أضواء البيان، ٣٣٠/٥.
(٢) تفسير المراغي، ١٥/١٨.
(٣) البلاغة العربية، عبد الرحمن بن حسن حبنكة،
٢٧٩/٢.
الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
بين نعمة الزيتون حين قال عليه الصلاة
والسلام: (كلوا الزيت وادهنوا به، فإنه من
شجرة مباركة) (٤).
أي: إجعلوه إدامًا لخبزكم ولطعامكم،
وادهنوا به أجسامکم.
ولا شك أن النبي صلی الله عليه وسلم
قد علم ما بهذه الشجرة من فوائد جمة
جعلت منها شجرة مباركة ، لذلك أشاد بها
وحث الناس عليها لما فيها من بركة في
الغذاء والدواء.
وأما فوائد الزيتون من الناحية العلمية
والطبية فسيأتي ذكرها لاحقًا إن شاء الله
تعالى في المبحث الثامن في لمسات
إعجازية في الشجر.
ثانيًا : إيقاد النار:
ذكرنا فيما مضى أن خلق النار وإيقادها
من الشجر الأخضر فيه دليل الوحدانية
والبعث، وفي هذا المطلب سنتطرق إلى
ما يخص إحدى منافع الشجر كونه مصدرًا
أساسيًا للحصول على النار التي لا تستغني
(٤) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ١٦٠٥٥،
٤٥١/٢٥، والترمذي في سننه، أبواب
الأطعمة، باب ما جاء في أكل الزيت،
٤/ ٢٨٥، رقم ١٨٥١.
قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٨٢٩/٢، رقم ٤٤٩٨.
١٣٢
جوبيه
القرآن الكريمِ

الشجر
عنها البشرية إطلاقا، حيث ترتبط فائدتها في
أغراض متعددة ، منها الحصول على الطاقة،
والدفء، والاستضاءة، والطهي، وما إلى
ذلك، فكله يعتمد على النار التي مصدرها
الشجر الأخضر.
وبذلك تعد نعمة وجود النار وإيقادها
من الشجر من أبرز النعم التي من الله تعالی
بها على عباده حين خلق لهم النار المتقدة
من الشجر الأخضر الرطب ، وذلك في قوله
تعالى: ﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ
﴾ [يس: ٨٠].
نَارًا فَإِذَا أَنْتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ
ومعنى ذلك أن القرآن الکریم قد ربط بین
النار والشجر الأخضر وجعل منها إعجازًا
علميًا قائمًا إلى يوم القيامة ، ودعا البشرية
إلى التفكر بخلق النار وإيقادها من الشجر
الأخضر بقوله ﴿فَإِذَا أَنْتُم مِّنْهُ تُوقِّدُونَ ﴾
[يس: ٨٠].
يقول صاحب الظلال في تفسيره لهذه
الآية: ((والمشاهدة الأولية الساذجة تقنع
بصدق هذه العجيبة التي يمرون عليها
غافلين، عجيبة أن هذا الشجر الأخضر
الريان بالماء، يحتك بعضه ببعض ، فيولد
نارا ثم يصير هو وقود النار بعد الاخضرار،
والمعرفة العلمية العميقة لطبيعة الحرارة
التي يختزنها الشجر الأخضر من الطاقة
الشمسية التي يمتصها، ويحتفظ بها ، وهو
ريان بالماء ناضر بالخضرة التي تولد النار
عند الاحتكاك، كما تولد النار عند الاحتراق،
هذه المعرفة العلمية تزيد العجيبة بروزا في
الحس ووضوحا، والخالق هو الذي أودع
الشجر خصائصه هذه، والذي أعطى كل
شيء خلقه ثم هدی، غير أننا لا نرى الأشياء
بهذه العين المفتوحة ولا نتدبرها بذلك
الحس الواعي، فلا تكشف لنا عن أسرارها
المعجبة، ولا تدلنا على مبدع الوجود، ولو
فتحنا لها قلوبنا لباحت لنا بأسرارها، ولعشنا
معها في عبادة دائمة وتسبيح(١).
ويتضح مما مضى بيان عظمة الخالق في
استخدام الشجر الأخضر للنار على الرغم
من أن الشجر الأخضر يحوي على الماء
الذي يطفئ النار، وهذا يعني أن الشجر
بصفته نبات هو أصل النار والوقود ، سواء
أكان بصورة خشب أم زيت أم غاز إلى غير
ذلك، وأن من أبرز منافع الشجر المتعددة
الحصول على النار المتوقدة التي يستعملها
الإنسان في الإنارة والطهي والتدفئة ونحو
ذلك، فالنار عنصر أساسي في حياة الإنسان
لا يستطيع الاستغناء عنها ، فتشبه الماء
والهواء من حيث حاجة الإنسان إليها.
ثالثًا: بناء السكن:
إن الشجر بصورة عامة له قيمة كبرى في
حياة الإنسان منذ القدم وإلى وقتنا الحاضر،
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب، ٢٩٧٧/٥.
www. modoee.com
١٣٣

حرف الشین
فلم يستغن الإنسان عن الأشجار الكبيرة يكون بينها خلل))(٢).
والصغيرة، وجذوعها وأخشابها في بناء
المساكن على مر الزمان.
ونقتصر في هذا المطلب على ما جاء
ذكره في القرآن الكريم حين ضرب الله
تعالى لنا مثلًا في اتخاذ النحل من الشجر
بيوتًا على سبيل الإلهام في قوله تعالى:
﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنْ أَتَّخِذِى مِنَ لِْبَالِ بُيُوتًا
وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِنَّا يَعْرِشُونَ ﴾ [النحل: ٦٨].
ومعنى ذلك أن الله تعالى ألهم هذه
المخلوقات القدرة العجيبة في دقة النظام
والبناء ما يعجز عن فعله البشر، وفي ذلك
حکم عظيمة في بیان ضعف الإنسان وعجزه
أمام قدرة الله تعالى بإلهام تلك الحشرة
الصغيرة التي ليس لها عقل بناء تلك البيوت
المتناسقة والمتساویة الأضلاع دون كلل أو
تعب خلافًا للإنسان.
قال الزمخشري: ((الإيحاء إلى النحل:
إلهامها والقذف في قلوبها وتعليمها على
و جه هو أعلم به، لا سبيل لأحد إلى الوقوف
عليه))(١).
وقال ابن كثير: ((المراد بالوحي هاهنا:
تتخذ من الجبال بيوتا تأوي إليها، ومن
الشجر ومما يعرشون، ثم هي محكمة في
غاية الإتقان في تسدیسها ورصها، بحيث لا
(١) الكشاف، الزمخشري، ٦١٨/٢.
ثم فسر سبحانه ما أوحى به إليها بقوله:
﴿أَنْ أَّخِذِى مِنَ لْبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا
يَعْرِشُونَ﴾، أي: اجعلي لك بيوتا فى الجبال
تأوين إليها، أو في الشجر أو فيما يعرش
الناس ويبنون من البيوت والسقف والكروم
ونحوها(٣).
أي: تأخذ من فروع الأشجار بيوتا تصنع
فيها ما يصنعه صاحب البيت فيه.
ويؤكد العلم الحديث أن بعض العلماء
الذين كرسوا جهودهم لدراسة حياة
الحشرات وقفوا على حقائق عجيبة وألفوا
مئات الكتب التي أثبتت صحة ما جاء في
القرآن من أن هناك فصائل برية من النحل
تسكن الجبال ، وتتخذ من مغاراتها مأوى
لها، وأن منه سلالات تتخذ من الأشجار
سكنا بأن تلجأ إلى الثقوب الموجودة في
جذوع الأشجار ، وتتخذ منها بيوتا تأوى
إليها، ولما أراد الإنسان أن ينتفع بعسل
النحل استأنسها وصنع لها خلايا من الطين
أو الخشب يعيش فيها وهكذا تبين الآية
الكريمة كيف كانت هذه الحشرات بإلهام
القدم إلى يومنا هذا (٤).
الإلهام والهداية والإرشاد إلى النحل أن من الله تأوى إلى مساكنها المختلفة منذ
ويتضح مما مضى ومن خلال الآية
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٥٨١/٤.
(٣) انظر: تفسير المراغي، ١٤/ ١٠٤.
(٤) انظر: القرآن وإعجازه العلمي، ١٥١/١.
١٣٤
القرآن الكريمِ

الشجى
الكريمة فائدة الشجر من حيث اتخاذه سكنا
للنحل بإلهام من الله تعالى ، فلا يرى للنحل
بيتًا في غير الجبال والأشجار ومما يعرش
الناس لها ويبنون، واتخاذها لهذا السكن
هو أمر من الله تعالى لها أن تسكن في هذه
البيوت المتنوعة فكان انقيادها على وجه
الخضوع والطاعة والامتثال.
رابعًا: الظل:
تحدث القرآن الكريم عن ((الظل
والظلال)) في العديد من الآيات القرآنية
في سور مختلفة بدلالات متنوعة جاءت
بحسب موضوعاتها، ولسنا بصدد ذكر كل
أنواع الظلال التي وردت في القرآن الكريم،
بل سنحاول في هذا المحور أن نقتصر على
توضيح منافع الشجر المرتبطة بالظل من
خلال الآيات القرآنية المتعلقة بها.
ذكر الله تعالى في القرآن الكريم منافع
الشجر من حيث استعماله كظل يقي الناس
من الحر في أحد عشر موضعًا تشمل الدنيا
والآخرة، منها:
قوله تعالى: ﴿وَاُلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ سَنُدْ خِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْيِهَا
اُلْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا أَبَدٌ لَهُمْ فِيهَا أَزْوَجٌ مُطَهَّرَةٌ
وَتُدْخِلُهُمْ ظِلَّ ظَلِيلًا ﴾ [النساء: ٥٧].
وفي قوله: ﴿ظِلَّا ظَلِيلًا﴾ قال الضحاك:
يعني : ظلال أشجار الجنة(١).
ووصف بالظليل وصفا مشتقًا من اسم
الموصوف للدلالة على بلوغه الغاية في
جنسه(٢).
وقوله تعالى: ﴿﴿ مَثَلُ الْجَنَّةِ اَلَّتِى
وُعِدَ الْمُتَّقُونَّ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرِّ أُكُلُهَا
دَابِدٌ وَظِلُّهَأْ تِلْكَ عُقْقَ الَّذِينَ أَتَّقَواْ وَعُقْىَ
• [الرعد: ٣٥].
٣٥
الْكَفِرِينَ النَّارُ ®
وقوله تعالى: ﴿هُمْ وَأَزْوَجُهُمْ فِ ظِلَلٍ عَلَى
الْأَرَآيِكِ مُتَّكِّقُونَ ﴾ [يس: ٥٦].
أي: في ظلال الأشجار(٣).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّالْمُتَّقِينَ فِي ظِلَلِ وَعُونٍ
[المرسلات: ٤١].
والمراد بالظلال: ظلال الشجر (٤).
وقيل: أي : تكاثف أشجار ؛ إذ لا شمس
يظل من حرها (٥).
وقوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّمَّا
خَلَقَ ظِلَلًا﴾ [النحل: ٨١].
أي: ومن نعمة الله علیکم أيها الناس أن
جعل لكم مما خلق من الأشجار وغيرها
ظلالا تستظلون بها من شدة الحر، وهي
جمع ظل (٦).
(١) تفسير السمر قندي، ١/ ٣١١.
(٢) التحرير والتنوير، ٩٠/٥.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٦/ ٥٨٣.
(٤) زاد المسير، ابن الجوزي ٣٨٦/٤، الجامع
لأحكام القرآن، القرطبي، ١٦٧/١٩.
(٥) انظر: تفسير الجلالين، ص٧٨٦.
(٦) جامع البيان، الطبري، ٢٦٩/١٧.
www. modoee.com
١٣٥

حرف الشین
وقوله تعالى: ﴿جَعَلَ﴾ بمعنى صير، بأن وذات الشمال)»(٢).
وقوله تعالى: ﴿وَدَانَّةٌ عَلَيْهِمْ ظِلَلُهَا وَذُلِلَتْ
قُطُوفُهَا نَذْلِيلًا®
[الإنسان: ١٤].
خلق لنا أشجارًا تظل الناس في الحرور،
وفي الصحاري تجد الأشجار المظلة،
، ولم
فَلَقَ
وقال سبحانه وتعالى:
یذکر شیئا بعينه؛ لأن أنواع ما خلق و کان منه
الظلال كثيرة، فالجنات تتفيأ ظلالها بالغدو
والآصال ، والبيوت فيها ظلال، لمن يكون
بجوارها، والغمام يكف وهج الشمس
وحرارتها، وإن هذه الظلال نعمة من الله
تعالى في أرض صحراوية جدباء لا ماء
يرطب جوها، ولا نسيم عليل يطفئ حرها؛
ولذلك كانت من نعم الله التي أنعم بها على
سكانها الذین آتاهم الله تعالى مع ذلك جلدًا
وقوة احتمال، فکانت هذه نعمًا أنعم الله بها
عليهم ليستطيعوا أن يعيشوا وأن ينعموا في
خيراتها (١).
وقوله تعالى: ﴿أَوْلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اَللَّهُمِن
شَىْءٍ يَنَفَيَّوْاْ ظِلَلُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَابِلِ سُجَّدًا
لِلّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ ﴾ [النحل: ٤٨].
والمعنى: ((انظروا وفكروا فيما خلق
من أشياء تتفيأ ظلاله، أي: لها فيء، ولهذا
الفيء ظل، وتتداخل ظلاله، فالجبال لها
فيء والأشجار لها فيء، وكل فيء له ظل،
فتتفیؤ هذه الأفیاء، ویکون ظلالًا، کما تری
الشجر المتداخل تتفيأ الظلال ذات اليمين
(١) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ٨/ ٤٢٣٦.
فيتضح من الآيات السابقة أن الظل هو
نعمة من نعم الله تعالى منحها للعباد راحة
لهم في الدنيا ونعيم في الآخرة.
وقد صح من رواية الشيخين عن أبي
هريرة رضي الله عنه، يبلغ به أنه صلى
الله عليه وسلم قال: (إن في الجنة شجرة،
يسير الراكب في ظلها مائة عام، لا يقطعها،
فاقرءوا إن شئتم: ﴿وَظلّ تَمْدُورٍ﴾ [الواقعة:
٣٠](٣) .
ومعنى الحديث: قال ابن الجوزي رحمه
الله: ((يقال: إنها طوبى، وقال الحافظ ابن
حجر العسقلاني: وشاهد ذلك عند أحمد
والطبراني وابن حبان، (يسير الراكب في
ظلها) أي: في ناحيتها، وإلا فالظل في عرف
أهل الدنيا ما يقي من حر الشمس وأذاها،
وقد قال تعالى: ﴿لَا يَرَوَّنَ فِيَهَا شَمْسَا وَلَا زَمْهَرِرًا﴾
[الإنسان: ١٣].
وقد يقال: المراد بالظل هنا ما يقابل
شعاع الشمس، ومنه ما بين ظهور الصبح
إلى طلوع الشمس؛ ولذا قال تعالى: ﴿وَظِلٍ
تَمْدُورِ﴾ [الواقعة: ٣٠] ويمكن أن يكون
(٢) المصدر السابق ٤١٨٩/٨.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير
القرآن، باب قوله:" ﴿وَظِلٍ مَمْدُودٌ﴾، رقم
٠١٤٦/٦،٤٨٨١
١٣٦
القرآن الكريمِ

الشجر
للشجرة من النور الباهر ما يكون لما تحته الأرض من شجرة قلم إشارة إلى التكثير،
يعني : ولو أن بعدد كل شجرة أقلاما(٢).
كالحجاب الساتر)»(١).
إلى غير هذا من الأحاديث في هذا المعنى
تبين فوائد الشجر من حيث الاستظلال به
في الدنيا والآخرة.
خامسًا: الكتابة:
امتن الله تعالى على الإنسان حين علمه
الكتابة وجعل من الشجر وسيلة من وسائل
الكتابة حيث قال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّمَافِى الْأَرْضِ
مِن شَجَرَةٍ أَقْلَهٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ, مِنْ بَعْدِهِ،
سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَتُ اللَّهِ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ
حَكِيمٌ ﴾ [لقمان: ٢٧].
أي: لو أن سائر شجر الأرض؛ تحولت
فروعه وأغصانه إلى أقلام يكتب بها،
﴿وَالْبَحْرُ﴾ الذي لا يحد حده، ولا يبلغ
أمده، ﴿حَمُدُّهُ، مِنْ بَعْدِهِ، سَبْعَةُ أَنْجُرٍ﴾
تماثله في العمق والسعة والعظم وصارت
مياه هذه البحار مجتمعة مدادًا تستمد منه
هذه الأقلام وتكتب كلمات الله تعالى:
لنفدت هذه الأبحر، ونضب ماؤها؛ و ﴿مَّا
نَفِدَتْ كَلِمَتُ اللَّهِ﴾.
وفي هذا يقول الإمام الرازي: ((﴿مِن
شَجَرَةٍ أَقْلَهٌ﴾، وحد الشجرة، وجمع
الأقلام، ولم يقل : ولو أن ما في الأرض
من الأشجار أقلام، ولا قال: ولو أن ما في
(١) مرقاة المفاتيح، الملا علي القاري،
٠٣٥٧٧/٩
وفضلا عما تقدم فدلالة الآية الكريمة
أن الله تعالى ذكر الشجر في هذا الموضع
بوصفه الأقلام التي وظيفتها الكتابة ، ومداده
الماء هو تشبيه مجازي لكلمات الله تعالى
التي لا تنفد.
وأما معنى الأقلام: فالقلم الذي یکتب
به، والجمع أقلام وقلام (٣)، وعادة ما يكون
القلم مصنوع من خشب الأشجار وكذلك
الألواح.
والألواح: جمع لوح كل صفيحة عريضة
من صفائح الخشب؛ قال الأزهري: اللوح
صفيحة من صفائح الخشب (٤).
وقد ذكر الله تعالى لفظ الألواح في
القرآن الكريم على اختلاف مدلولاتها في
مواضع من سورة الأعراف منها:
قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِى الْأَلْوَاحِ
مِن كُلِّ شَىْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْضِيلًا لِكُلِّ شَىْءٍ
فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأَمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَيِهَاً
﴾ [الأعراف: ١٤٥].
١٤٥
سَأُوْرِيكُوْدَارَ الْفَسِقِينَ (٥
وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى
قَوْمِهِ، غَضْبَنَ أَسِفًا قَالَ بِنْسَمَا خَلَفْتُونِي مِنْ بَعْدِىّ
أَعَجِلْتُمْ أَمَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ ﴾ [الأعراف:
١٥٠].
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي، ١٢٨/٢٥.
(٣) لسان العرب، ابن منظور ١٢/ ٤٩٠.
(٤) المصدر السابق، ٥٨٤/٢.
www. modoee.com
١٣٧

حرف الشین
وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُوسَى
الْغَضَبُّ أَخَذَ اَلْأَلْوَاحِّ وَفِ نُتَخَّتِهَا هُدَّى
وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (٢٥)﴾ [الأعراف:
١٥٤].
٤- وقوله تعالى: ﴿وَحَلْنَهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَح
﴾ [القمر: ١٣].
وَدُمُرٍ)
والغرض من ذكر هذه الآيات الكريمة
هو ارتباطها بمنافع الشجر الذي تعمل منه
الأقلام والألواح التي لا يستغنى عنها في
الكتابة وكذلك صناعة السفن ، فتعد بذلك
نعمة من نعم الله تعالى التي امتن بها على
عباده.
الشجر والعبادة
ذكر القرآن الكريم الشجر بأنه خلق من
مخلوقات الله تعالى تعبده وتعظمه على
وجه الانقياد والخضوع والطاعة، وتتمثل
هذه العبادة بالسجود والتسبيح كبقية
المخلوقات وهذا ما سوف نبینه من خلال
النقاط الآتية:
أولًا: السجود والانقياد:
السجود: يطلق على وضع الوجه على
الأرض بقصد التعظيم، ويطلق على الوقوع
على الأرض مجازًا مرسلًا بعلاقة الإطلاق،
أو استعارة ، ومنه قولهم: ((نخلة ساجدة)»
إذا أمالها حملها، وسجود الشجر تطأطؤه
بهبوب الرياح ودنو أغصانه للجانين لثماره
والخابطين لورقه(١).
وقد ذكر سجود الشجر لله تعالى
والانقياد له في موضعين في القرآن الكريم
هما:
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ, مَنْ
فِي السَّمَوَتِ وَمَنْ فِى الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ
وَالنُّجُومُ وَلْبَالُ وَالشَّجُرُ وَالدَّوَابُ وَكَثِيرٌ
مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنِ يُّهِنِ اَللَّهُ
فَمَا لَهُ، مِن مُكَّرِمَّ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ﴾ ﴾
[الحج: ١٨].
فيخبر تعالى أنه المستحق للعبادة وحده
(١) انظر: التحرير والتنوير، ٢٣٦/٢٧.
١٣٨
◌َالنَّسَبـ
قَضوري
جوي
القرآن الكريمِ