Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
السَّمَاخُبه
عناصر الموضوع
مفهوم السماحة
٣٣٢
الألفاظ ذات الصلة
٣٣٣
السماحة في الدين
٣٣٥
السماحة مع المخالفين للدين
٣٥٥
سماحة الإسلام في العلاقات الاجتماعية
٣٥٩
٣٦٥
السماحة في الخصومات
٣٦٨
جزاء أهل السماحة في الدنيا والآخرة
المُجَلَّدَ الثَّامِنْ عَشِّر

حرف السين
مفهوم السماحة
أولًا: المعنى اللغوي:
أصل مادة (س مح) تدل على ((سلاسة وسهولة. يقال: سمح له بالشيء. ورجل سمح،
أي: جواد، وقوم سمحاء ومساميح. ويقال: سمح في سيره، إذا أسرع))(١).
فالسَماحُ والسَماحَةُ: الجود. وسَمَحَ به: أي جاء به. وسَمَحَ لي: أعطاني(٢).
ومعنى الحَنِيفِيَّة السّمْحَةُ: ليس فيها ضيق ولا شدّة (٣).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
عرفها الجرجاني بقوله: ((السماحة هي بذل ما لا يجب تفضّلًا)) (٤).
وعرفها الشيخ فالح الصغير بقوله: ((تطبيق الأحكام الشرعية بصورة معتدلة، كما جاءت
في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، من غير تشدّد يحرّم الحلال، ولا تميّع يحلّل
الحرام)» (٥).
وهو تعريف جميل، ويحمل معاني قوية حاسمة لمدلول هذا المصطلح؛ لكنه - وإن
كان عامًّا- إلا أن القارئ يستشعر من هذا التعريف أنه يختص بالأحكام الشرعية، وبجوانب
تتعلق بالعبادات والمعاملات، غير أن البحث الذي نحن بصدده يتعلق بالسماحة كخلق
تهذيبي للنفس، وبالتالي فإن هذا التعريف لم يظهر هذا الجانب بوضوح وجلاء.
ويمكن أن يقال في تعريف السماحة في الاصطلاح: التطبيق العملي لمنهج الإسلام،
بما يضمن بيان مقاصد الدعوة إلى الله تعالى، التي تحث على الاعتدال من غير تشدّد يحرّم
الحلال، ولا تميّع يحلل الحرام في شتى مناحي الدين الإسلامي.
(١) مقاييس اللغة، ابن فارس ٩٩/٣.
(٢) الصحاح، الجوهري ١/ ٣٧٦.
(٣) تهذيب اللغة، الأزهري ٢٠١/٤.
(٤) انظر: التعريفات، الجرجاني ص ١٢١.
(٥) اليسر والسماحة في الإسلام ص٧.
٣٣٢
جوبيبو
القرآن الكريمِ

الساحة
الألفاظ ذات الصلة
اليسر:
١
اليسر لغة:
تدل كلمة اليسر في اللغة على السهولة واللين والانقياد(١).
اليسر اصطلاحًا:
لا يخرج عن معناه اللغوي، قيل: عمل فيه لين وسهولة وانقياد ، أو هو رفع المشقة
والحرج عن المكلف بأمر من الأمور لا يجهد النفس ولا يثقل الجسم (٢)، وقيل: ((التخفيف
في الأحكام الشرعية، في أصلها أو بسبب ما طرأ عليها)).
الصلة بين اليسر والسماحة:
يشتركان في معنى السهولة والسلاسة ورفع الحرج والضيق والمشقة، وربما يكون اليسر
من السماحة.
العفو:
٢
العفو لغة:
العفو مصدر عفا يعفو عفوًا، والعفو يطلق على معنيين أصليين: أحدهما: ترك الشيء،
والآخر: طلبه (٣).
العفو اصطلاحًا:
هو التجافى عن الذنب، ومن ذلك قولهم في الدعاء: أسألك العفو والعافية . أي: أسألك
ترك العقوبة، وأسألك السلامة (٤).
وقيل: كفّ الضّرر مع القدرة عليه، وكلّ من استحقّ عقوبة فتركها، فقد عفا (٥).
الصلة بين العفو والسماحة:
قيل: العفو هو إسقاط العقوبة بدون إسقاط الذنب. والمسامحة: هو إسقاط المؤاخذة
واللوم بغض النظر عن إسقاط العقوبة عن المذنب؛ وذلك أن أصل المسامحة هو السماح،
(١) انظر: الصحاح، الجوهري ٢/ ٤٢٢، القاموس المحيط، الفيروز آبادي ص ٤٩٩.
(٢) تاج العروس، الزبيدي ٦/ ٤٨٤.
(٣) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤ /٥٦، جمهرة اللغة، ابن دريد ٢/ ٩٣٨.
(٤) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص٣٣٩.
(٥) انظر: الكليات، الكفوي ص ٥٩٨،٥٣.
www. modoee.com
٣٣٣

حرف السين
أي: الجود، فالمسامح قد جاد على المذنب بأن ترك المؤاخذة.
الصفح:
٣
الصفح لغة:
يعني ثلاثة معانٍ، وهي: الجانب، والإعراض والترك، والعفو (١).
الصفح اصطلاحًا:
هو التجاوز عن المذنب تماماً بترك مؤاخذته وعقابه.
وقيل: ((هو ترك التأنيب)) (٢).
الصلة بين الصفح والسماحة:
أصل الصفح هو إبداء صفحة جميلة من الوجه ومنه قلب الصفحة أيضًا؛ لذا قيل: ((الذي
يصفح كأنه يولي بصفحة العنق))، إعراضًا عن الإساءة، فالصفح أعلى من العفو والمسامحة.
(١) انظر: تاج العروس، الزبيدي ٥٣٩/٦.
(٢) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ٤٥٧.
٣٣٤
فَضْو
لِلْقُرآن الكَرِيمِ

الساحة
السماحة في الدين
أولًا: السماحة في الاعتقاد:
عرض القرآن الكريم مفهوم السماحة
في الاعتقاد، عبر أروع جوانبها، وذلك على
النحو الآتي:
١. ذكرٌ أمين لأقوال الكفار.
بما فيه مؤامرات مبيّتة على الرسول
صلی الله عليه وسلم ودعوته، ومن ثم الرد
المطوّق لكافة ادعاءاتهم، و کلّ هذا بأسلوب
الرد الدعويّ، الذي ينير الطريق، ولا يقف
عند الأحقاد.
ومثال هذا قوله تعالى: ﴿وَقَالَت ◌َطَائِفَةٌ
مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مَامِنُواْ بِلَّذِىّ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَأَكْفُرُواْ ءَاخِرَهُ، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
(٦) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّالْهُدَى
هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْنَ أَحَدٌ مِثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ أَوْ بُمَالُوكُ.
عِنْدَ رَبَّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن
يَشَآَّةُ وَاللّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ ) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ، مَن
يَشَآءُ وَاَللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ ﴾ وَمِنْ
أَهْلِ الْكِتَبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنَطَارٍ يُؤَدِّهِهِ إِلَيْكَ
وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنَّهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا
دُمْتَ عَلَيْهِ قَابِمَا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِى
اْأُمْنَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ
يَعْلَمُونَ ﴿ بَ مَنْ أَوْقَ بِعَهْدِهِ، وَأَتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ
يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ٧٢-٧٦].
فإن هذه الآيات ذكرت مدلولات عظيمةً
للسماحة في الاعتقاد، وذلك أن الآية الثانية
والسبعين تذكر أن اليهود قال بعضهم
لبعض: أظهروا الإيمان بمحمد صلى الله
عليه وسلم أول النهار، واكفروا به آخره؛
ليتم التشكيك بدعوة الإسلام.
ومن ثمّ -حسب أمانيّ اليهود- يرجع
هؤلاء الموحدون عن إيمانهم، ونصرة
الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم يمارس
أولئك اليهود أحقادهم الخفية، وذلك
بأمرهم لأتباعهم ألّا يتأثروا بدعوة النبي
محمد صلی الله عليه وسلم، وإنما يكون
الإيمان لمن تبع دينكم، فيأتي الرد الربانيّ
بأن الهدى الحقيقي هو هدى الله تعالى
ونحن علیه.
(«فالمعنى أن علماء اليهود قالت لهم: لا
تصدقوا بأن یؤتی أحد مثل ما أوتيتم، أي لا
إيمان لهم ولا حجة، فعطف على المعنى
من العلم والحكمة والكتاب والحجة والمن
والسلوى وفلق البحر وغيرها من الفضائل
والکرامات، أي : أنها لا تكون إلا فیکم فلا
تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا من تبع
دينكم)) (١) حتى تكون لهم حجة عند الله
تعالى.
فيكون الرد أن سيدنا محمدًا صلى الله
عليه وسلم مأمور من الله تعالى أن يقول
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١١٣/٤.
www. modoee.com
٣٣٥

حرف السين
لهم بأن الفضل والتكرم بيد الله تعالى، لا الدين(٣).
بيد غيره، والله واسع عليم، فله اختصاص
الفضل العظيم، ویشعر بذلك من يهتدي إلى
الحق (١).
وتأمّلنا في تلك الألفاظ يجعلنا نعيش
مع جمال أسلوب الدعوة مع المتآمرين،
ثم يبين الله تعالى لنا منهجية الإنصاف في
الحكم عليهم، فإن من أهل الكتاب، من
يؤمّن في المال ولو بقنطار وما دونه؛ فهو
يؤدّيه إلى صاحبه دون مماطلة، ومنهم
-وهم الأكثرون- من إن أمّنته بدينار من
المال؛ فإنه يبقى مماطلًا إلا إذا طالبت
ولازمت، وألححت لاستخلاص حقك،
وإن الذي جعلهم يجحدون الحقوق أنهم
ظنّوا - كذبًا- أنّه لا حرج عليهم أن يفعلوا
ذلك مع الأمیین، -وهم العرب-، مدّعین
أن الله أحلها لهم، فهم يعلمون علم اليقين
بأنهم كذّابون في ادعائهم (٢).
ثم تستطرد هذه الآيات مبينةً سماحة
الإسلام العظیم، وذلك ببيان أنه ليس الأمر
کما قالوا، ولفظة (بلی) لمجرد نفي ما قبلها،
وعلى هذا فإن من أوفى بعهده والتزاماته،
فإن الله تعالى يحب المتقين، وهي صفة
إيمانية تقرّب قلوب الحيارى منهم إلى
(١) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ٢٣/٢.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٦٠.
لا يجبر الإنسان على الإيمان شرط
الرحمة لمن يشاء من عباده، والله ذو ألّا يكون محاربًا، ومثل هذا قوله تعالى:
﴿لَّ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِّ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيّ
فَمَن يَكْفُرْ بِالَّاغُوتِ وَيُؤْمِنُ بِاللَّهِ فَقَدٍ
أَسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا أَنفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعُ
﴾ [البقرة: ٢٥٦].
فإن هذه الآية الكريمة قد اختلف في
تفسيرها (٤).
وذکر ابن کثیر بأنّ المعنی: «لا تکرهوا
أحدًا على الدخول في دين الإسلام، فإنه
بینٌ واضحٌ جليٍّ دلائله وبراهینه، لا يحتاج
إلى أن يكره أحدٌ على الدخول فيه، بل
من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونور
بصيرته دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله
قلبه و ختم علی سمعه وبصره فإنه لا يفيده
الدخول في الدین مکرها مقسورًا» (٥).
وقد ذكرت كتب التفسير عددًا من
الأحداث التي كانت سببًا لنزول هذه الآية،
وكلها سليمة الدراية، لكننا سنذكر حدثًا
واحدًا ذكره الواحدي، فعن ابن عباس
رضي الله عنهما قال: كانت المرأة من نساء
الأنصار تكون عندها مشكلة في الإنجاب،
فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن
(٣) انظر: لباب التأويل، الخازن ١/ ٢٦١.
(٤) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود
٩٧/٢، فتح القدير، الشوكاني ٣١٥/١.
(٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١ / ٦٨٢.
٣٣٦
جَوَسُولَة التَّقَد
القرآن الكريمِ

الساحة
تهوده، فلما أجليت النضير، كان فيهم من
أبناء الأنصار، فقالوا: لا ندع أبناءنا، فأنزل
الله تعالى هذه الآية (١).
الرخصة لمن أكره على الكفر شرط ألا
ينشرح الصدر به، ومثل هذا قوله تعالى:
﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدٍ إِيمَنِهِ إِلَّا مَنْ
أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَيِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِن مَّن
شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ
﴾ [النحل: ١٠٦].
وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾
حيث إنه لمّا بيّنت الآية السابقة الذين
لا يؤمنون مطلقًا، بل إن من صفاتهم أنهم
عريقون في الكذب ظاهرًا وباطنًا؛ تذكر
هذه الآية الكريمة صنفًا من هؤلاء الكاذبين
الكفار، فهم أشد خطرًا، سواء أكانوا مؤمنين
بالفعل ثم كفروا، أو أنهم أقيمت الحجة
عليهم عبر الأدلة الكثيرة الموجبة للإيمان،
ولكن هذا الكافر جحد بالله تعالى،
واستكبر على آياته الكونية والمتلوة، لكن
سماحة الإسلام تتضح هنا، وذلك من خلال
أن الذي كفر من لسانه خوفًا على حياته،
فإنه معفوٌّ عنه، مع أولوية الأخذ بالعزيمة،
إن كان في ذلك إغاظة لأعداء الله تعالى،
ويشترط لمن أكره على الكفر ألّا يكون
صدره منشرحًا بذلك، فإن من كان كذلك،
فهو الكاذب، وعليه غضب من الله تعالى،
(١) انظر: أسباب النزول، الواحدي ص٨٣.
ولهم عذاب عظيم(٢).
((قال ابن عباس: نزلت في عمار بن
ياسر، وذلك أن المشركين أخذوه وأباه
یاسرًا، وأمه سمية، وصهيبًا، وبلالًا وخبابًا،
وسالمًا؛ فعذّبوهم، فأما سمية فإنها ربطت
بين بعيرين، وجيء قُبُلَها بحربة، وقيل لها:
إنك أسلمت من أجل الرجال فقتلت، وقتل
زوجها ياسر، وهما أول قتيلين قتلا في
الإسلام، وأما عمار فإنه أعطاهم ما أرادوا
بلسانه مكرهًا، فأخبر النبي صلى الله عليه
وسلم، بأن عمارًا كفر، فقال: (كلا، إن
عمارًا ملئ إيمانًا من قرنه إلى قدمه، واختلط
الإيمان بلحمه ودمه)، فأتى عمار رسول الله
صلى الله عليه وسلم وهو يبكي، فجعل
رسول الله عليه الصلاة والسلام يمسح
عينيه، وقال: (إن عادوا لك فعد لهم بما
قلت)(٣)، فأنزل الله تعالى هذه الآية)» (٤).
٢. الدين يؤاخي بين المؤمنين.
ومثل هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ
إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيَكُمْ وَأَتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ
ترحمون ﴾
﴾ [الحجرات: ١٠].
(٢) انظر: نظم الدرر، البقاعي ٢٥٨/١١.
(٣) ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله أن هذا
الحديث مرسل، ورجاله ثقات.
انظر: فتح الباري، ابن حجر ٣١٢/١٢.
وورد موصولا في المستدرك للحاكم عن
محمد بن عمار عن أبيه رقم ٣٣٦٢ قال
الذهبي: على شرط البخاري ومسلم.
(٤) أسباب النزول، الواحدي ص ٢٨١.
www. modoee.com
٣٣٧

حرفالسین
((أي: إنما المؤمنون إخوة في الدين؛ صلى الله عليه وسلم قال: (المسلمون تتكافأ
دماؤهم، وهم يدٌّ على من سواهم، يسعى
بذمتهم أدناهم، ويردّ على أقصاهم)(٣).
فأصلحوا بينهم إذا اقتتلوا؛ بأن تحملهم على
حکم کتاب الله عز وجل»(١)، وإن الأسلوب
هنا أسلوب حصريٌّ، يحصر ضابط أخوة
الدين على المؤمنين، وإن المؤمنين بعضهم
أولياء بعض؛ لأنهم يتعاونون على جامع
الخير، وينتهون عن جامع الشر، كما قال
تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ
بَعْضِ يَأْمُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ
الْمُنكَرِّ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ
وَيُطِيعُونَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ، أَوْلَئِكَ سَيَرْحُهُمُ اللَّهُ
إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٧١].
٣. وجوب إجارة المستجير.
قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ
أُسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَمَ اُللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ
مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٦].
فقد ذكرت الآية الكريمة أنه إذا استجار
أيُّ من المشركين الذين أمر النبي محمد
صلى الله عليه وسلم بقتالهم، فإنه يؤمر
بتأمينه، حتى يسمع كلام الله، ويقرأ عليه
النبي صلى الله عليه وسلم القرآن، ويذكر له
شيئًا من جوانب الدين وسماحته، ثم يبقى
حتى يبلغ المكان الآمن، فهم لا يعلمون
شيئًا عن الدين(٢)، عن ابن عبّاسٍ، عن النّبيّ
(١) الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب
٧٠٠١/١١.
(٢) انظر: التفسير الحديث، محمد عزت دروزة
٣٥٨/٩.
٤. وجوب استقامة العهد مع الذين
عوهدوا من قبل المسلمين.
﴿كَيْفَ يَكُونُ
قال تعالى:
لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدُ عِندَ اللَّهِ وَعِندَ رَسُولِ»
إِلَّا الَّذِينَ عَهَدْتُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَاءِ فَمَا
أُسْتَقَمُواْ لَكُمْ فَأَسْتَقِيمُواْ لَهُمَّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٧].
حيث تبين هذه الآية الكريمة أن من بقي
ملتزمًا بعهده، -رغم نقض الآخرين كبني
كنانة، وبنى ضمرة يوم الحديبية-؛ فإن الدين
يلزمنا أن نستقیم بالعهد مع من كان مستقيمًا
بالعهد من المشركين، فإن الله تعالى يحب
المتقين (٤).
٥. شرح آيات القرآن الكريم أصول
الاعتقاد.
حتى يبقى المنهج الإسلامي واضحًا لا
يعتريه أيّ نقص أو اختلاف، فهو من عند
(٣) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الجهاد، باب
في السرية ترد على أهل العسكر، ٣/ ٨٠، رقم
٢٧٥١، وابن ماجه في سننه، كتاب الديات،
باب المسلمون تتكافأ دماؤهم، ٨٩٥/٢،
رقم ٢٦٨٣.
وحسنه الألباني في صحيح الجامع،
١١٣٧/٢، رقم ٦٧١٢.
(٤) انظر: التفسير الميسر، مجمع الملك فهد
ص١٨٨.
٣٣٨
موسوعة النقد
جوبيبو
القرآن الكريم

الساحة
عليم حكيم، ولذلك فقد تم الخلوص إلى ما لا يطيقون (١).
نتيجة، وهي أن جوهر الاعتقاد سماحة،
وصدق الله تعالى، حيث يقول: ﴿ُسُلًا
مُّبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَّلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ
حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِّ وَكَانَ اَللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾
[النساء: ١٦٥].
ثانيًا: السماحة في التشريع:
إن الشريعة المقصودة، هي تلك
الممارسة الإيمانية الصادقة للاعتقاد
الرباني، وقد توسّع الخطاب القرآني في
بيان سماحة الإسلام في كل تشريع من
التشريعات الإسلامية، وهذه بعضها:
١. عدم تحميل النفس ما لا تطيق.
قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا
وُسْعَهَاْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا
تُؤَاخِذْنَآ إِن نَِّينَآ أَوْ أَخْطَأَنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ
عَلَيْنَاْ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ, عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَاْ
رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ»ٌ وَأَعْفُ عَنَّا
وَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَاْ أَنْتَ مَوْلَئِنَا فَأَنْصُرْنَا عَلَى
اَلْقَوْمِ الْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦].
حيث تبدأ هذه الآية بجملة استئنافية على
الأرجح؛ لتقرر أن الله تعالى هو الذي يقول:
بأنه لا يكلف الله تعالى نفسًا بما لا تطيق،
فإن ثمرة التزام الصحابة بما لا يستطيعون أن
الله تعالى صرف عنهم الحرج، ورفع عنهم
٢. آيات كثيرة تتحدث عن الرخص.
منها قوله تعالى: ﴿قُل لََّ أَجِدُ فِ مَآ أُوْحِىَ
إِلَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّ أَنْ يَكُونَ
مَيْنَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِزِيرٍ فَإِنَّهُ
رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَ لِغَيْرِ اللَّهِ بِنَّ فَمَنِ اضْطُرَّ
غَيْرَ بَاغِ وَلَا عَادٍ فَإنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
[الأنعام: ١٤٥].
حيث ذكر الإمام السيوطي نقلًا عن الإمام
الشافعي أن هذه الآية لا تعني أن الحرام من
المطعومات فقط في هذه الآية، وإنما تعني
أن الكفار كانوا على المحادة والمضادة،
كأن تقول لواحد: لا تأكل اليوم حلاوة،
فيقول لك: لا آكل اليوم إلا حلاوة، وفي
ذلك يقول إمام الحرمين: ولولا سبق الإمام
الشافعي لما استطعنا أن نستجيز مخالفة
الإمام مالك في جواز أكل الكلاب(٢).
وإن هذه الآية - كما آيات الرّخص-
تذكر بوضوح عظمة السماحة التي تميّزت
بها الشريعة السمحة، وذلك أن الشريعة لم
تأت لتحريم كل شيء، وإنما لضبط المنفعة
في الدنيا والآخرة، بما يكفل سعادة حقيقية
دائمة للفرد والمجتمع.
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٣٤/٣،
الموسوعة القرآنية، إبراهيم الأبياري
٢٠٤/٩.
(٢) انظر: الاتقان، السيوطي ١١٠/١.
www. modoee.com
٣٣٩

حرف السين
٣. التدرج في التشريع.
وقد حفل القرآن الكريم بشواهد
كثيرة للتدرج، بما يعزز مفهوم السماحة،
ومدلولها من الناحية العملية، ومثال هذا
آيات الخمر، حيث ذكرت الآيات الأربعة،
وتوضيح ذلك:
أن الآية الأولى نزلت في مكة، وهي
قوله تعالى: ﴿وَمِن ثَمَرَتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَبِ
تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنَاْ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَةً
لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل: ٦٧].
حيث بيّنت هذه الآية المكية أنّ السكر
مبغضٌ إلى أهل الإيمان، ولكن الله تعالى
أشار إلى ذلك؛ تركًا للزمان، فهو في هذه
الأزمان كان محل عفو (١).
وقد جاءت الآية الثانية في المدينة في
أول الهجرة؛ وهي قوله تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ
عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ
وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَّاً
وَيَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوُّ كَذَلِكَ
يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيْتِ لَعَلَّكُمْ تَنَفَكَّرُونَ﴾
[البقرة: ٢١٩].
حيث ذكرت هذه الآية المفاسد وتركت
للخلق الحكم عليها؛ إذ كانت الخمر جزءًا
لا يتجزأ من عاداتهم التي ألفوها (٢).
ثم جاءت الآية الثالثة؛ لتضع تطبيقًا
(١) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ٨/ ٤٢١٢.
(٢) انظر: تفسير الشعراوي ٢/ ٩٣٨.
عمليًّا تدريجيًّا لمنع الخمر، -إذ إن هذا
بإلف عادتهم-، فقامت بحصر الأوقات،
وتضييقها؛ لمنع الخمر وتعاطيها(٣).
وذلك في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَىْ حَقَّى
تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّى
تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُنُم مَرْضَ أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْجَآءَ
أَحَدٌ مِّنْكُم مِّنَ الْغَايِطِ أَوْ لَمَسْنُمُ النِّسَآءُ فَلَمْ
تَجِدُواْ مَآءٌ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَأَمْسَحُواْ
بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾
[النساء: ٤٣].
وما إن تهيّأت النفوس، حتى جاء
الخطاب القرآني الحاسم بمنع الخمر،
وتحريم تعاطيها، بل ومعاقبة من يفعل ذلك
في الدنيا قبل الآخرة، فنزل قوله تعالى:
﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا اٌلْخَتَّرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ
وَالْأَزْلَمُ بِجْسُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَأَجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْتَكُمُ
الْعَدَوَةَ وَالْبَغْضَآءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِ وَيَصُدُّكُمْ عَن ذِكْرِ
اللّهِ وَعَنِ الصَّلَوةَ فَهَلْ أَنْتُم مُّنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠ -
٩١].
عندها ما كان من المسلمين إلا أن
تخلّصوا من الخمر التي في بيوتهم؛ فأضحت
شوارع المدينة وديانًا من الخمر (٤).
وهذا التدرج، وكل أمثلته مما لم نذكره
(٣) انظر: المصدر السابق ٢٢٥٧/٤.
(٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٣/٧.
٣٤٠
لِلْقُرآن الكَرِيمِ

الساحة
دالٌّ على سماحة الإسلام في تشريعاته.
٤. رفع الحرج في التشريعات.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوَأْ
إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ
وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَأَمْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ
وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِّ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا
فَأَطَّهَرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَآءَ
أَحَدٌ مِّنكُم مِنَ الْغَايِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَآءَ فَلَمْ
◌َجِدُواْ مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَأَمْسَحُواْ
بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ
لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ حَرَجٌ وَلَكِن يُرِيدُ
لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَّهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ
تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦].
ذكر الشيخ العلامة عبد الرحمن السعدي
رحمه الله تعالى خمسين حكمًا فقهيًّا
مستنبطًا من هذه الآية، جلّها يبين عظمة
السماحة القرآنية (١).
وقد سبقت الإشارة أنّ السماحة تكون
في كل تشريع من التشريعات؛ حتى في
القتال، فهو وإن بدا في ظاهره أنه قتال؛ إلا
أنه لأجل الرحمة بالعموم، وهي مدلولٌ
عظيمٌ لسماحة الإسلام.
ثالثًا: السماحة في الدعوة إلى الله:
١. الرحمة واللين في الدعوة.
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص٢٢٢.
إن سماحة الإسلام تقتضي أن يكون
توجيه طاقات المسلمين إلى الدعوة إلى
الله تعالى؛ حتى لا يبقى شقيٌّ ولا محروم
من الدعوة في هذه الأرض، وبالتالي فإن
الرحمة واللين في الدعوة يجب أن یکونا
سمة الداعية، وقد حفل الكثير من الآيات
القرآنية ببيان السماحة في الدعوة إلى الله
تعالى، من خلال بيان الرحمة واللين في
الدعوة إلى الله تعالى، وهذه أمثلة من ذلك:
أولًا: رحمة القلب الداعي إلى الله تعالى
بالخلق جمیعًا.
وقد شهد القرآن الكريم مواقف عظيمة
للقلب الرحيم، المتمثل في النبي محمد
صلى الله عليه وسلم، ومنها:
تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ
قوله
رَسُوكُ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا
عَنِتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ
رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].
حيث تبدأ الآية بلام موطئة للقسم،
وبـ(قد) التي تفيد التحقيق، وكل هذا
لخطاب المؤمنين، بأنه جاءكم رسول من
العرب، تعرفون نسبه وحسبه، فليس في
قبيلة من قبائل العرب إلا وللرسول فيها
نسب، والله تعالى شديد عليه إذا شقّ
علیکم، ولکن حاشاه أن یکون کذلك، فهو
حريص على هدايتكم من الضلال، وهو
www. modoee.com
٣٤١

حرف السين
بالمؤمنين كلهم رءوف رحيم (١)، ونلاحظ
أن هذه الآية الكريمة بينت بشكل واضح
جوانب عديدة من السماحة التي ملأت قلب
النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ومنها أنه
لا يملك إلا أن یکون شفوقًا علیکم، ومنها
أن الله تعالى منحه اسمین، ملیئين بالسماحة
الدالة على كل خير.
بينت آیات عديدة أن النبي محمدًا صلى
الله علیه وسلم یحترق قلبه خوفًا على الناس
جميعًا من غضب الله تعالى، ومنها قوله
تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَجِعُ نَّفْسَكَ عَلَى ءَاتَرِهِمْ إِن
لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا ﴾ [الكهف: ٦].
حيث تبين هذه الآية الكريمة مدى
استعداد النبي محمد صلى الله عليه وسلم
للتضحية لأجل الدعوة إلى الله تعالى،
لدرجة أنه قارب على هلاك نفسه، وقتلها
على أثر عدم إيمان هؤلاء الكفار بهذا القرآن؛
حزنًا وغضبًا على كفرهم، وهذا الحزن أتى
بعد وصول الكفار إلى أبشع أنواع التبجح
بالكفر، والتكذيب للرسالة، وقد جاء في
القرآن الكريم مثل هذا المدلول، كقوله
تعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ [النحل: ١٢٧].
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُواْ
مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣].
وقوله تعالى: ﴿أَفَنَ زُيِّنَ لَهُ سُوَّهُ عَمَلِهِ،
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٤ / ٥٨٤، تفسير
السمر قندي ٢/ ١٠٠، تفسير القرآن العظيم،
ابن أبي حاتم ٦/ ١٩١٧.
فَرَاهُ حَسَنَّاً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى مَن
يَشَاءُ فَلَا نَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَّتَّ إِنَّ اللَّهَ
عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر: ٨](٢)، وهذا يبين
عظیم سماحته صلی الله عليه وسلم، فهو
لا یبحث عن نفسه، إنما یبحث عن إنقاذ کل
كافر من إنس وجان، والأخذ بأيديهم إلى
رحمة الله تعالى.
أمر الله تعالى لنبيه محمد صلى الله
عليه وسلم أن يحبس نفسه، ويقضي جل
أوقاته الدعوية مع الداعين إلى الله تعالى
بغض النظر عن أوضاعهم الاجتماعية،
وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ
الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِ يُرِيدُونَ
وَجْهَةٌ، وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوِ
الدُّنْيَّا وَلَا نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ، عَن ذِكْرِنَا وَأَتَّبَعَ
هَوَنُهُ وَكَانَ أَمْرُهُ, فُرْطًا﴾ [الكهف: ٢٨].
وقد جاء في سبب نزول هذه الآية والتي
قبلها، عن سلمان الفارسي رضي الله عنه
قال: جاء المؤلفة قلوبهم إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم، ومنهم عيينة بن
حصن، والأقرع بن حابس، وأهاليهم،
فقالوا: يا رسول الله، إنك لو جلست في
صدر المجلس، ونحّيت عنا هؤلاء وأرواح
جبابهم - يعنون سلمان وأبا ذر وفقراء
المسلمين، وكانت عليهم جباب الصوف لم
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
١٠/ ٣٥٣، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير
١٣٧/٥.
مَوَسُولَة النفسية
جوببيو
القرآن الكريم
٣٤٢

الساحة
یکن عليهم غيرها- جلسنا إليك وحادثناك
وأخذنا عنك، فأنزل الله تعالى هذه الآية،
والتي قبلها، والتي بعدها(١)، وعلى هذا
فإن الآية تأمر رسولنا محمدًا صلى الله عليه
وسلم، بأن يحبس نفسه مع هؤلاء الفقراء
الداعين إلى الله تعالى حبس ملازمة لهم،
فهم الذين لا ينفكون عن الدعاء إلى الله
تعالی ليلا ونهارًا، يبتغون وجه الله تعالى،
ولا تعد عيناك عنهم، أي: لا تعرض عنهم،
ولو بأن تنتبه إلى غيرهم تريد زينة زائفة من
هؤلاء المستكبرين الكفار (٢)،
يقول ابن عاشور: ((وهذا الكلام تعريض
بحماقة سادة المشرکین الذین جعلوا همهم
وعنايتهم بالأمور الظاهرة، وأهملوا الاعتبار
بالحقائق والمكارم النفسیة؛ فاستکبروا عن
مجالسة أهل الفضل والعقول الراجحة
والقلوب النيرة، وجعلوا همهم الصور
الظاهرة)»(٣).
ثم یذکر القرآن الكريم في آية قرآنية أخرى
ما يحصّن هؤلاء المستضعفين، وبقائهم في
الرعاية الشرعية، وذلك بأسلوب النهي عن
طردهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُرِ
الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِّ يُرِيدُونَ
وَجْهَةٌ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ وَمَا مِنْ
(١) انظر: أسباب النزول، الواحدي ص٢٩٧،
لباب النقول، السيوطي ص ١٣٠.
(٢) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٢٦٣/٣.
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٠٥/١٥.
حِسَائِكَ عَلَيْهِم مِّن شَىْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ
الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٢].
حيث تنهى هذه الآية الكريمة نبينا محمدًا
صلى الله عليه وسلم، أن يطرد الفقراء
المسلمين الداعين إلى الله تعالى صباح
مساء مبتغین وجه الله تعالى عن مجالسته،
فکلّ له حسابه عند الله تعالى، ولست من
يحاسبهم، أو يحاسب عنهم، فإن طردتهم؛
فإنك ساعتها تكون من الظالمين (٤).
ولا شكّ أن هذه الألفاظ قاسية على
النبي محمدٍ صلى الله عليه وسلم لمجرد
أن نفسه حدّثته بمجاملة سادة قريش طمعًا
في الإسلام، فإن السماحة يجب أن تقتضي
الرحمة بأولئك الضعفاء المساكين، الذين
لا يدّخرون جهدًا في نصرة هذا الدين،
وبالتالي فإن ضابط الرحمة في الدعوة كونه
ليس مرتبطًا بردة فعل، وإنما تكون السماحة
والرحمة سجية عند الداعية المسلم، سيما
وأنها علامة على رحمة الإسلام، وبالتالي
فإن الدعاة ليسوا محاسبين على النتيجة،
شرط ألّا يدّخروا أي جهد قلبًّا كان أو قوليًا
أو عمليًّا في ميدان الدعوة.
وعلى هذا فإن الالتزام بما يأمر الله تعالى
من رحمة، ولين في القول أولى بكثير من
الا جتهاد فیما لا يجوز الا جتهاد فیه، وصدق
(٤) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص٢٥٧.
www. modoee.com
٣٤٣

حرف السین
الله تعالى حيث يقول: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا
نُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ اَللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَنَّقُواْاللَّهَ إِنَّاللَّهَ سَمِيُعُ
﴾ [الحجرات: ١].
عَلِيمٌ﴾
حرص الرسول صلى الله عليه وسلم
على أن يكون كل الناس على اختلاف
أجناسهم وألوانهم مؤمنين، وهذا يوضحه
قوله تعالى: ﴿وَمَّا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ
حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣].
حيث تذكر هذه الآية في معرض الرحمة
بالرسول صلی الله عليه وسلم الرحیم،
الذي يحرص على هداية كل مخلوق من
إنس وجان، فإنه صلى الله عليه وسلم لو
حرص وتهالكت نفسه لهداية الخلق؛ فإنه لا
يكون مؤمنًا إلا القليل(١).
وهذا الجانب دالّ على معنىّ عظيم
من السماحة والرحمة في الدعوة إلى الله
بل إن من المؤمنين خلقًا لا يفعلون ما
يرضي الله تعالى، ومع ذلك فإن الله سبحانه
وتعالى لا يؤاخذهم بما كسبوا، بل يؤخرهم
إلى أجل معلوم، قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ
اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَى
ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى
أَجَلٍ مُسَمٌَّ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ
بِعِبَادِهِ، بَصِيرًا﴾ [فاطر: ٤٥].
(١) انظر: الموسوعة القرآنية، إبراهيم الأبياري
١٠ / ١٤٧.
حیث إن هذه الآية تبین للناس -عمومًا-
شيئًا من عظيم رحمة الله تعالى وفضله، فهي
دعوة إلى أولئك الذين اغتروا بتأخير حساب
الله تعالى، حتى حسبوه عجزًا، أو رضًا من
الله تعالى بما هم فيه، وفحوى مقتضى
الدعوة أن يرجعوا إلى الله تعالى، فإن الله
تعالى يمنحكم أيها الطغاة كل فرصة في
هذه الدنيا (٢) -حتى العذاب الأدنى دون
العذاب الأكبر-؛ لعل الطغاة يرجعون،
كما قال تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم مِنَ الْعَذَابِ
اٌلْأَدْنَ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾
[السجدة: ٢١].
من رحمة الله تعالى أنه أنزل أمانين
لهذه الأمة، وهما ما جاء في القرآن الكريم،
حينما قال الكفار: ﴿وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن
كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا
تعالى، فإن السواد الأعظم من الناس كفار، حِجَارَةً مِّنَ السَّمَآِ أَوِ أَقْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾
[الأنفال: ٣٢].
عندها نزل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ
اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ
وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣].
وقد أخرج الشيخان ((عن أنس بن مالك
رضي الله عنه قال: قال أبو جهل: اللّهمّ إن
كان هذا هو الحقّ من عندك فأمطر علينا
حجارةً من السّماء أو ائتنا بعذاب أليم.
فنزلت: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتُ
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٣٩/٢٢.
جَوَسُو ◌َرَ النَّفْسِيْ
القرآن الكريمِ
٣٤٤

الساحة
فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
﴿ وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُونَ
عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءَهُ؟.
إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا
يَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣ -٣٤]))(١).
وعلى هذا فإن الله تعالى أنزل أمانين
لهذه الأمة، فالأمان الأول: هو وجود
الرسول صلى الله عليه وسلم فيهم حيًّا،
والأمان الآخر: هو الاستغفار.
من صفات الداعية الحق سيما الرسول
صلى الله عليه وسلم أنه سمحٌ في رحمته
ولين في قوله، سيما مع من أساء الأسلوب.
وفي ذلك يقول تعالى: ﴿فَِّمَا رَحْمَةٍ مِّنَ
اَللَّهِ لِنْتَ لَهُمَّ وَلَوْكُنْتَ فَظّا غَلِظَ الْقَلْبِ لَأَنَفَضُّواْ
مِنْ حَوْلِكٌ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ
فيِ آلْأَمِّ فَإِذَا عَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهَّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
اُلْمُتَوَكِلِينَ ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
أي: فبرحمة من الله تعالى وفضله،
كان اللين في القول منك لهم، رغم عدم
الطاعة منهم، فلو كان الرسول صلى الله
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير
القرآن، باب قوله: (وإذا قالوا اللهم إن كان
هذا هو الحق من عندك)، ٦/ ٦٢، رقم
٤٦٤٨، ومسلم في صحيحه، كتاب صفة
القيامة والجنة والنار، باب قوله: (وما كان
الله ليعذبهم وأنت فيهم)، ٤/ ٢١٥٤، رقم
٢٧٩٦.
وانظر: المحرر في أسباب نزول القرآن، خالد
المزيني ١ / ٥٦٣.
عليه وسلم فظًّاً في القول غليظًا في القلب؛
لتركوه وحده، وما جاء إليه الناس، وبالتالي
فإن الله تعالی یأمر نبيه صلى الله عليه وسلم
أن یعفو عنهم، وأن یستغفر لهم الله تعالى،
ثم أن يشاورهم في الأمور التي تحتاج إلى
مشاورة؛ فإن ذلك أطيب لأنفس القوم، وإذا
وصلت إلى قرار بعد المشاورة؛ فامض به،
وتوگّل على الله تعالى، فإن الله تعالى يحب
المتوكلين عليه حق التوكل (٢).
ثانيًا: القول اللين من الدعاة حتى مع
رءوس الكفر.
فقد حفل القرآن الكريم بذكر هذا
الجانب، عبر الحديث عن الأنبياء وخطابهم
لقومهم، وتوضيح ذلك فيما يأتي:
ورد أمر رباني لسيدنا موسى وهارون
عليهما السلام بالقول اللين مع فرعون
لعله يتذكر أو يخشى، كما في قوله تعالى:
﴿أَذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوَكَ بِتَايَتِي وَلَاَنِيَا فِ ذِكْرِى )
اذْهَبَآَ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ، فَقُولَا لَهُ، قَوْلاً لَِّنًا
لَعَلَّهُ يَتَذَّكَّرُ أَوْيَخْشَى﴾ [طه: ٤٢-٤٤].
حيث إنه بعد أن بينت الآية السابقة أن
الله تعالى اصطنع سيدنا موسى عليه السلام
لرسالته، تبين هذه الآيات المذكورة، أن
الله تعالى أمر سيدنا موسى وأخاه هارون
عليهما السلام بألّا يفترا أو يضعفا في حمل
(٢) انظر: تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين
٣٣٠/١.
www. modoee.com
٣٤٥

حرف السين
كلّ الحدود، فقولا له قولا لطيفًا رقيقًا؛ لعله
يرجع إلى الصواب والحق، أو يخشى من
عقاب الله تعالى (١).
ورد في آيات كثيرة قول بعض الأنبياء
لأقوامهم يا قوم إني أخاف عليكم، كما في
قوله تعالى في حديثه عن قصة سيدنا نوح
عليه السلام: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ.
فَقَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنَّ
أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف:
٥٩].
ثم الرد من قبل سيدنا نوح عليه السلام
على اتهاماتهم اللاذعة بمزيد من الحكمة،
ولين الجانب، كما في قوله تعالى: ﴿قَالَ
٦٠
الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَغَرَكَ فِ ضَلَلٍ مُبِينٍ
قَالَ يَقَوْمِ لَيْسَ بِى ضَلَلَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ
مِن رَّبِّ الْعَلَّمِينَ آ أَبَلِغُكُمْ رِسَلَتِ رَبِّى
وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا نَعْلَمُونَ
أَوَ عَبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَ
رَجُلٍ مِّنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِنَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُوْ تُرْهُونَ(٣)
فَكَّذَّبُوهُ فَأَ نَجَيْنَهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِ الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا
الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَئِنَّأَ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا
عَمِينَ﴾ [الأعراف: ٦٠ -٦٤].
حیث إن سيدنا نوحًا عليه السلام يرد
على تلك الاتهامات الموجهة بأنه ليس
(١) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٤٠٤/٣،
تفسير القرآن، السمعاني ٣٣١/٣.
الرسالة، أن يذهبا إلى فرعون، فقد تجاوز به ضلالة (والضلالة أخص من الضلال)،
ویبین بأسالیب التوکید أنه رسول من رب
العالمين، يبلغ شريعة الله تعالى السمحة،
وهو لقومه ناصح لا يدخر جهدًا، ولا
وسيلة في هدایتهم، ویرکز على ما يدور في
خلجات صدورهم بقوله: هل تعجبتم أن
تأتي رسالة الله تعالى على يد رجل منكم؛
لیحذرکم ویخوفکم من عقاب الله تعالی،
حتى تكون المحصلة رحمةً كبيرةً من الله
تعالى(٢).
وإن قصة سيدنا نوح عليه السلام وحالة
السماحة والرحمة الدعوية في الخطاب،
ومن ثم لين الجانب، هي نموذج قرآني من
مخزون نماذجه -سيما في الحديث عن
الأنبياء-، سيما سيدنا صالح عليه السلام،
وسيدنا هود عليه السلام، وكل أنبياء الله
عليهم جميعًا أفضل الصلاة وأتم التسليم.
كما أن منبر السماحة الدعوية في الرحمة
ولين الجانب مما ذكر في القرآن الكريم
لم يقتصر فقط على الأنبياء، وإنما تعدّى
إلى ذكر الدعاة الغيورين، ومثل ذلك قصة
الرجل الصالح، الذي خّد القرآن الكريم
ذكر مسيرته الدعوية الغيورة على الدين في
سورة يس، حيث جاء من أقصى المدينة
يسعى في الخير شفقة منه على هؤلاء
(٢) انظر: التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي
٢٩٢/١، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٢٣٢/٧.
٣٤٦
القرآن الكريمِ

الساحة
المكذبين بالرسل، فاستخدم أجمل الألفاظ وعملًا باتباع كل ما جاء به المرسلون،
فهؤلاء لا يطلبون منكم أيّ مالٍ، أو شهرةٍ،
أو جاهٍ، ومع ذلك فهم مهتدون إلى الحق.
وأطيبها، حرصًا منه على أن يعافوا من
العقاب الرباني جزاء تكذيبهم.
وفي ذلك يقول تعالى: ﴿وَجَآءَ مِنْ
أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَنَقَوْمِ أَتَّبِعُواْ
اَلْمُرْسَلِينَ ﴿ أَنَّبِعُواْ مَنْ لَّا يَسْتَلُكُمْ
أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ ﴿ وَمَا لَِ لَآَ أَعْبُدُ أَلَّذِى
ءَأَتَّخِذُ مِن دُونِ»
فَطَرَبِىِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أَ
ءَالِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍ لَّا تُغْنِ عَنِّى
إِنّ إِذْا
٢٣
شَفَعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنقِذُونِ
لَّفِى ضَلَالٍ مُّبِينٍ ﴿ إِنَّ ءَامَنْتُ بِرَبِّكُمْ
فَأَسْمَعُونِ ) قِيلَ أَدْخُلِ اَلْجَنَّةٌ قَالَ يَلَيْتَ
قَوْمِ يَعْلَمُونَ ) بِمَا غَفَرَلِ رَبِّ وَجَعَلَنِ مِنَ
اُلْمُكْرَمِينَ﴾ [يس: ٢٠-٢٧].
وهذه الآيات الكريمة تبين لنا نموذجًا
عظيمًا لداعية إلى الله تعالى، هو حبيب
النجار الذي آمن برسول الله محمد صلى
الله عليه وسلم، وبينهما ستمائة سنة - ومثله
في الإيمان تبّع الأكبر، وورقة بن نوفل -.
فلقد سمع هذا الداعية الغيور نبأ تكذيب
القوم لرسلهم، فما كان منه إلا أن جهر
بدعوته، بعد قطع مسافة من أقصى المدينة
إلى حيث يسكن القوم، فقال محاكيًا لطريقة
الرسل في تبليغهم: يا أهلي، ویا ربعي، إني
أرشدکم إلى ما ينفعكم في دنیاکم وآخرتکم،
فالأمر سهل ومليء بالسعادة التي لا تنتهي،
وهو لا يعدو عن کونکم تلتزمون قلبًا وقولًا
ثم يتساءل هذا الداعية الغيور سؤالًا
تحریضًّا على حسن الاتباع، بقوله: ولم لا
أعبد الذي خلقني منذ الولادة على فطرة
التوحيد، والمرجع والمصير كله إلى الله
تعالى، فماذا سأردّ على سؤاله تعالى لي؟!
وهو أسلوب بالغ في الحكمة الدعوية؛
إذ إنه پتكلم عن نفسه، ثم يوجّه الإشارة إليه
في العاقبة التي يمكن أن تحل عليهم، دونما
فقد لسيطرته عليهم، عبر استفزاز كرامتهم،
بالسباب والشتم وما إلى ذلك، فهو مجتهد
بعد خلوص نيته، في أنجع الطرق التي
تردهم إلی دین الله تعالی.
وتلك هى السماحة والرحمة ولين القول
في الدعوة إلى الله تعالى، ثم يستطرد هذا
الداعية دعوته إليهم بسؤالٍ آخر افتراضيٍّ،
وذلك بقوله: أأتخذ من دون الله تعالى آلهةً
لا تضر ولا تنفع أعبدها، فإني أعلمكم أن
الله جل جلاله إذا أراد بي ضرًّا؛ فلا تنفعني
شفاعة هذه الآلهة شيئًا، ولا يستطيعون أن
ينصروني، ولا حتى إنقاذي، وعندها فإني
أكون من الضالين عن طريق الخير، وما
ينفعني في الدنيا والآخرة.
ثم يجهر بالتمسك بالدين، وذلك پاعلان
إيمانه بالله تعالى، حيث قال تلطفًا بهم
www. modoee.com
٣٤٧

حرف السين
(بربكم)، وقال بعد ذلك فاسمعوا مقالتي
الإيمانية هذه واستجيبوا لنداء الحق، وفي
هذا تحدٍّ ضمنيّ بأنه متصلّب في دعوته،
فماذا سيفعلون إلا ما كتب الله تعالی له، فما
کان من القوم إلا أن قتلوه، فقيل له من قبل
الله تعالى إكرامًا له : ادخل الجنة، فإذا بهذا
الداعية الشفوق الرحيم الحنون يقول حال
كونه خائفًا على قومه من العذاب: (يا ليت
قومي يعلمون، بما غفر لي ربي وجعلني من
المكرمين)(١).
وهناك موقف آخر لرحمة داعية ولينه في
القول، وهي تلك القصة الرائعة لمؤمن آل
فرعون، حيث جاء في سورة غافر- وتسمّی
أيضًا سورة المؤمن نسبةً له-، حيث إنه غار
على رسول الله موسی علیه السلام، عندما
رأى ذلك التآمر الكبير من فرعون وقومه
على قتل سيدنا موسى عليه السلام.
ففي تلك اللحظات الحرجة كان لا بدّ
لهذا الداعية أن يتحرّك، فما عاد كتم الإيمان
ينفع، وتوجّب عليه رحمه الله تعالى أن
یصدع بالحق، فسلك أسلوبًا دعويًّا رائعًا
مليئًا باللين والرحمة بهم، مع عدم المجاملة
والخديعة لهم، وذلك كما يلى:
رغم أنه من آل فرعون، إلا أن مواجهته
لأهله وقومه كانت في بداية الأمر بإعطائهم
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٠٤/٢٠،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٧/١٥،
إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٧/ ١٦٤.
السبب الذي من أجله آمن هذا الداعية، وهو
أن سیدنا موسی صلی الله علیه وسلم كان
یقول ربي الله، وأنه صلی الله عليه وسلم قد
جاء بكل الدلائل والبينات المادية والمعنوية
الدالة على إثبات أحقية ما يقول، ومن عظيم
إخلاص هذا الرجل أن الله تعالى علّمه فقه
المناظرة.
وذلك أنه يخبر أن سیدنا موسی صلى
الله علیه وسلم إن کان کاذبًا فلستم مؤاخذین
على كذبه، وإن كان صادقًا فمن المؤكّد أنه
سیصییکم ببعض ما وعدکم، ثم ردّهم إلى
الله تعالى، بقوله إن الله عز وجل لا يهدي
ولا یوفّق المسرف الكذاب، وها نحن نرى
أمره سديدًا، ومنهجه مستقيمًا، وبالتالي هي
إشارة - بعد الحجة والبيان- إلى تصديقه(٢).
وفي ذلك يقول تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ
مُؤْمِنٌ مِّنْ عَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَنَهُ:
أَنَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبَِّ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ
بِلْبَيِّنَتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَذِبًا فَعَلَيْهِ
كَذِبُهُ، وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِى
يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾
[غافر: ٢٨].
ثم يستطرد بذكر النصائح تلو النصائح،
ومنها: استخدام لفظة (يا قوم)، وبيان قوتهم
الحالية، وأنهم يوم أن يأذن الله تعالى لا
حول لهم ولا قوة، ورغم إجرام فرعون
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧/ ١٤١.
مَوَسُوبَةُ النَّفِي
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
٣٤٨

الساحة
وفي ذلك يقول تعالى: ﴿يَقَوْمِلَكُمُ
اَلْمُلَكُ اَلْيَوْمَ ظَهِرِينَ فِ الْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا
مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِن جَآءَنَأَ قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ إِلَّا
مَآ أَرَبِى وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِلَ الرَّشَادِ ﴿ وَقَالَ
الَّذِىّ ءَامَنَ يَقَوْمِ إِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ
اُلْأَحْزَابِ ، مِثْلَ دَأَبٍ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ
وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ
ء
وَيَقَوْمِ إِنّ ◌َأَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ النَّنَادِ يَوْمَ تُولُونَ
مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اَللَّهِ مِنْ عَاصٍِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا
لَهُمِنْ هَادٍ﴾ [غافر: ٢٩-٣٣].
ثم التذكير بما جاء به سيدنا يوسف عليه
السلام من البينات، وبمجرد أن مات عليه
السلام إذ أنتم تقولون لن يبعث الله من بعده
رسولًا، ثم يبين العاقبة تلو العاقبة في الدنيا
والآخرة على من لم يتبع الحق والهدى،
ورغم أن فرعون ماضٍ في علوّه وتكبره
الذي بلغ كل وصف، واستعلاؤه الذي
لا يماثله استعلاء؛ إلا أن مؤمن آل فرعون
يحثهم على اتباع الحق والإيمان، شفقة منه
ورحمة عليهم.
وفي ذلك يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَآءَ كُمْ
(١) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٤ /٣٦.
وتجبّره إلا أنه يستمر في تذكيرهم بمن كان يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَتِ فَا زِلْتُمْ فِ شَكِ مِّمًّا
جَآءَ كُم بِّ حَقَّ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَنَ
قبلهم من الأقوام الغابرة، وما حلّ بهم؛
لعلهم يرجعون عن الباطل، ثم تذكيرهم
بيوم القيامة، واستخدام الألفاظ التي تجعل
القلوب القاسية رحيمة (١).
اَللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ، رَسُولاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ
الَّذِينَ يُحَدِلُونَ
هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابُ
فِىّ ءَايَتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَنْهُمْ كَبُرَ مَقْنًا
عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ
عَلَى كُلِّ قَلْبٍ مُتَكَبِرٍ جَبَّارٍ ﴿ وَقَالَ فِرْعُونُ
يَهَمَنُ أَبْنِ لِ صَرْحًا لَّعَلِى أَبْلُغُ الأَسْبَبَ
أَسْبَابَ السَّمَوَتِ فَأَطَّلِعَ إِلَ إِلَهِ مُوسَى وَإِ
لَأَظُنُّهُ كَذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ
عَمَلِهِ، وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَاكَيْدُفِرْعَوْنَ
إِلَّا فِى تَبَابٍ ﴿ وَقَالَ الَّذِى ءَامَنَ يَقَوْمِ
أَتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر:
٣٤-٣٨].
ثم يذكّر قومه بأن الدنيا زائلة، وأن
الآخرة هي الباقية، وإن من رحمة الله تعالى
وفضله، أنه لا يجزي بالسيئة إلا مثلها،
ويجزي بالحسنة أضعاف الأضعاف، قال
تعالى: ﴿يَقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا
مَتَعٌ وَإِنَّ الْآَخِرَةَ هِىَ دَارُ الْقَرَارِ ( مَنْ
عَمِلَ سَيِّئَةٌ فَلاَ يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ
صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ
فَأُوْلَكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُّونَ فِيهَا بِغَيْرِ
﴾ [غافر: ٣٩ -٤٠].
حِسَاب ــ
ثم يتحرك قلبه خوفًا عليهم وشفقة بهم،
بتذکیره لهم قبل فوات الأوان، بأنه يدعوهم
إلى النجاة من غضب الله، ويكون ردّهم
www. modoee.com
٣٤٩

حرف السين
بانهم يدعونه إلى النار، ويكون هذا بدعوتهم
له للكفر بالله تعالی، والإشراك به إلها آخر،
رغم أن دعوته لهم إنما هي لله الذي من
صفاته العزة والمغفرة، ولا شك أن دعوتهم
إلى الشرك ليس فيها دعوة مستجابة، ولكن
مردّنا جميعًا إلى الله، وإن من أسرف
من خلال شرکه بالله تعالی فهو صاحب
النار(١)، وفي ذلك يقول تعالى: ﴿وَيَقَوْمِ مَا
لِيِّ أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَوَةِ وَتَدْعُونَفِىّ إِلَى النَّارِ
تَدْعُونَنِى لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا
لَيْسَ لِى بِهِ، عِلَّمٌ وَأَنَأْ أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْفَفَِّ
لَا جَرَوَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِىّ إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ, دَعْوَةٌ فِى
الدُّنْيَا وَلَا فِى الْآَخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ
اٌلْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر: ٤١-
٤٣].
ثم یتوعّدهم وعیدا يحمل في طياتهنصحًا
من مشفق عليهم، وذلك بقوله: ستذكرون
قولي عند حلول العذاب، ثم فوّض أمره إلى
الله تعالى بعد القيام بكل واجباته، معتقدًا
هذا الداعية المجاهد اعتقادًا جازمًا بأن الله
بصير بالعباد، وكانت النتيجة الحتمية أن الله
تعالی حماه من مکرهم و کیدهم، وهم الذين
ذاقوا الويلات جزاء کفرهم وتكذيبهم(٢).
وفي ذلك يقول تعالى: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ
(١) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ٥٩/٥،
التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ٢٣١/٢.
(٢) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٤ / ٥٦٢،
مدارك التنزيل، النسفي ٢١٤/٣.
مَآ أَقُولُ لَكُمَّ وَأُفَوِّضُ أَمْرِىَ إِلَى الَّهِ إِنَّ اللَّهَ
بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ) فَوَقَتُهُ اللّهُ سَيْئَاتِ مَا
مَكَرُواْ وَحَاقَ بِثَالِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾
[غافر: ٤٤ -٤٥].
وبعد، فقد خلص البحث مما تقدّم أن
باب السماحة في الدعوة كله يحمل في
طياته رحمة، وإن أعظم الواعظين بالرحمة
في دعوتهم هم الأنبياء المرسلون، ثم
الصالحون، فلا تحكمهم في دعوتهم ردة
فعل، وإنما تبلغ رحمتهم حدًّا لا يوصف،
سيما مع من يخالفهم أو يعلن الحرب
عليهم، فلا يفقدون لين القول، ولا شفقة
القلب مهما بلغ الخصم من حد السفه،
والفساد، والطغيان، وصدق الله تعالى حيث
يقول في كتابه العزيز: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّا
رَحْمَةٌ لِلْعَلَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
٢. الصبر على الأذى.
لا شكّ أن الصبر على الأذى بنوعيه
القولي والفعلي سمة الداعية الحق الذي
يعيش مع الإسلام وسماحته في الدعوة،
وبالتالي سيقف البحث عند بعض النماذج
التي تدلل على روعة السماحة في صبر
الداعية على أذى المعاندين لدعوة الحق،
وهي كما يأتي:
أولًا: الصبر على الأذى القولي.
ويمكن تلخيص ذلك من خلال النقاط
التالية:
٣٥٠
جَوْسُو ◌َرَ النَّفْسَيْ
القرآن الكريمِ