Indexed OCR Text
Pages 41-48
السعادة أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (غدوةٌ في سبيل اللّه أو روحةٌ خيرٌ من الدّنيا وما فيها ، ولقاب قوس أحدکم أو موضع قدم من الجنّة خيرٌ من الدّنيا وما فيها)(١). وسنتحدث في النقاط الآتية عن السعادة الحقيقية الخالدة التي تصبو إليها النفوس وتتشوف إليها العقول والقلوب. أولًا: الزحزحة عن النار: قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسِ ذَآئِقَةُ أَلْوَّتِّ وَإِنَّمَا تُوَقَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْرِجَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازُ وَمَا اَلْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلََّ مَتَعُ الْغُرُورِ ﴾﴾﴾ [آل عمران: ١٨٥]. يخبر تعالى إخبارًا عامًا يعم جميع الخليقة بأن ﴿كُلُّمَنْ عَلَيْهَا فَانِ ) وَيَبْقَى وَجْهُ رَيِّكَ ذُوَ الْجَلِ وَالْإِكْرَامِ ﴾ [الرحمن: ٢٦-٢٧]. فالجمیع میت، الجن والإنس والملائكة وحملة العرش، فإذا شاء الله أقام القيامة، وجازى الخلائق بأعمالها ، جليلها وحقيرها، كبيرها وصغيرها، فلا يظلم أحدٌ مثقال ذرة ﴿فَمَنْ زُحْزِجَ عَنِ النَّارِ﴾ أي : من جنب النار ونجا منها وأدخل الجنة فقد فاز كل الفوز (٢). (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار، رقم ٦٥٦٨. (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن ٣٠٢/٤. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنّ موضع سوطٍ في الجنّة لخيرٌ من الدّنيا وما وَفَمَنْ زَحْرِحَ عَنِ فيها ، اقرءوا إن شئتم: النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَعُ الْغُرُورِ الأَخْقَفَاِ (٣). إن النجاة من النار في حكم الله وتقديره هي الفلاح العظيم والفوز الكبير والنجاة العظمى (٤)، والتي تبدو تباشيرها عند حضور ملك الموت(٥). عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلی الله عليه وسلم قال: (من أحبّ لقاء اللّه أحبّ اللّه لقاءه ومن كره لقاء اللّه كره الله لقاءه )، قالت عائشة أو بعض أزواجه: إنّا لنكره الموت، قال : ( ليس ذاك ولكنّ المؤمن إذا حضره الموت بشّر برضوان اللّه وكرامته، فليس شيءٌ أحبّ إليه ممّا أمامه فأحبّ لقاء اللّه وأحبّ اللّه لقاءه ، وإنّ الكافر إذا حضر بشّر بعذاب الله وعقوبته فليس شيءٌ أكره إليه ممّا أمامه كره (٣) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب تفسير القرآن، باب سورة آل عمران، رقم ٣٠١٣. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وحسنه الألباني في صحيح الجامع، ١١٢٧/٢، رقم ٦٦٣٥. (٤) انظر: الجنة والنار، عمر سليمان الأشقر، ص١١٣. (٥) انظر: البعث، أبو بكر بن أبي داود السجستاني، ص١٤ - ١٥. www. modoee.com ٨٣ حرف السين لقاء اللّه وكره الله لقاءه)(١). ثانيًا: نزع الغل من الصدور: قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَافِی صُدُورِهِم مِّنْ غِلِّ تَّرِى مِن تَحْنِمُ الْأَنْهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]. وقال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِ صُدُورِهِم ٤٧ مِّنْ عِلّ إِخْوَنَا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَيِلِينَ [الحجر: ٤٧]. أي: نزعنا ما في صدورهم من حقد وحسد وضغينة، فبعد أن يجتاز المؤمنون النار ويزحزحون عنها، يوقفون على قنطرة بين الجنة والنار ثم يهذبون وينقون وذلك بأن يقتص لبعضهم من بعض إذا كانت بينهم مظالم في الدنيا حتى إذا دخلوا الجنة كانوا أطهارًا أبرارًا. عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يخلص المؤمنون من النّار فيحبسون على قنطرةٍ بين الجنّة والنّار فيقصّ لبعضهم من بعضٍ مظالم كانت بينهم في الدّنيا حتّى إذا هذّبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنّة فوالّذي نفس محمّدٍ بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنّة منه بمنزله كان في الدّنيا)(٢) وقال ابن عباس: ((إن أهل الجنة إذا (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، رقم ٦٥٠٧١. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب القصاص يوم القيامة، رقم ٦٥٣٥. سيقوا إلى الجنة وجدوا عند بابها شجرة، في أصل ساقها عینان، فشربوا من إحداهما، فينزع ما في صدورهم من غل فهو الشراب الطهور، واغتسلوا من الأخرى فجرت عليهم نضرة النعيم فلم يشعثوا ولم يشحبوا بعدها أبدًا))(٣). أما الفخر الرازي فيقول في قوله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِ صُدُورِهِم مِّنْ عِلٍ﴾: ((اعلم أن نزع الشيء قلعه من مكانه، والغل: الحقد الذي يدخل بلطفه إلى صمیم القلب فیکون لهذه الآية تأويلان: الأول: أن يكون المراد أزلنا الأحقاد التي كانت لبعضهم على بعض في دار الدنيا فيكون المعنى: تصفية الطباع وإسقاط الوساوس ومنعها من أن ترد على القلوب، لأن الشيطان في العذاب فليس له سبيل لإلقاء الوساوس في القلوب. والقول الثاني: أن المراد أن درجات أهل الجنة متفاوتة بحسب الكمال والنقصان فالله تعالى أزال الحسد عن قلوبهم حتى أن أصحاب الدرجة النازلة لا يحسدون أصحاب الدرجة الكاملة)» (٤). (٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن ٧/ ٢٠٨، الجنة والنار، عمر سليمان الأشقر، ص١١٧. (٤) مفاتيح الغيب ١٤/ ٨٠. ٨٤ جوية لِلْعُرآن الكَرِيْمِ السعادة ثالثًا: تسليم الملائكة على أهل السعادة من يوم الاحتضار الذين تتوفاهم الملائكة والترحيب بهم: قال تعالى: ﴿حَثَّتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ ءَبَّبِهِمْ وَأَزْوَجِهِمْ وَذُرِّيَّتِهِمٌّ وَالْمَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِن كُلِّ بَابٍ ﴿٢ سَلَمُّ عَلَيْكُم بِمَا صَبْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبِىَ الدَّارِ ﴾ [الرعد:٢٣-٢٤]. وقال تعالى: ﴿اَلَِّنَ نَوَقَّهُمُ الْمَلَتِكَةُ طَيِبِنَّ يَقُولُونَ سَلَمُ عَلَيْكُمْ أَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [النحل: ٣٢]. وقال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ أَنَّقَوْا رَهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرَاً حَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَنُهَا سَلَمُّ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ ٧٣﴾ [الزمر: ٧٣]. فَأَدْخُلُوهَا خَلِدِينَ هذه الآيات الكريمة تعرض لمظهر عظيم من مظاهر سعادة أولئك السعداء، أولئك في مقامهم العالي لهم عقبى الدار: جنات عدن للإقامة والقرار، تشارك الملائكة فيه بالتأهيل والترحيب والتكريم في حركة رائحة غادية ﴿يَدْخُلُونَ عَتِهِم مِّن كُلِّ بَاٍ﴾، ويدعنا السياق نرى المشهد حاضرًا وكأنما نشهده، ونسمع الملائكة أطوافًا أَطوافًا ﴿سَلَمُ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْىَ الدَّارِ﴾ فهو مهرجان حافل باللقاء والسلام والحركة الدائبة والإكرام (١). هذا التسليم والتكريم لا يكون في الجنة فحسب؛ بل إنه يبدأ قبل ذلك بكثير، (١) انظر: في ظلال القرآن ٢٠٥٨/٤. طيبةً نفوسهم بلقاء الله، معافين من الكرب وعذاب الموت يقولون ﴿سَلَمُ عَلَيْكُمْ﴾ طمأنةً لقلوبهم وترحيبًا بقدومهم ﴿أَدْخُلُواْ اُلْجَنَّةَ﴾ تعجيلًا لهم بالبشرى وهم على أعتاب الآخرة(٢). أخبر الله عن هؤلاء السعداء المتصفين بالصفات الحسنة بأن لهم جنات الإقامة يخلدون فيها مع أزواجهم وآبائهم وذریاتهم، والملائكة تدخل علیھم من ههنا وههنا للتهنئة بدخول الجنة، فعند دخولهم إياها تفد عليهم الملائكة مسلمین مهنئين لهم بما حصل لهم من الله من التقريب والإنعام، والإقامة في دار السلام في جوار الصديقين والأنبياء والرسل الكرام(٣). عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (هل تدرون أوّل من يدخل الجنّة من خلق اللّه؟) قالوا : الله ورسوله أعلم، قال: ( أوّل من يدخل الجنّة من خلق اللّه الفقراء والمهاجرون الّذين تسدّ بهم الثّغور، وبثّقى بهم المكاره ، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاءً فيقول اللّه عز وجل لمن يشاء من ملائكته : ائتوهم فحيّوهم : فتقول الملائكة : نحن سكّان (٢) انظر: المصدر السابق ٢١٦٩/٤. (٣) انظر: تفسير القرآن العظيم ٢/ ٩٨٢. www. modoee.com ٨٥ حرف السين سمائك وخيرتك من خلقك أفتأمرنا أن نأتي هؤلاء فنسلّم عليهم؟ قال: إنّهم كانوا عبادًا يعبدوني لا يشركون بي شيئًا وتسدّ بهم الّغور ويّقى بهم المكاره ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاءً . قال : فتأتيهم الملائكة عند ذلك فیدخلون عليهم من كلّ بابٍ ، سلامٌ عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدّار)(١). وهذا الترحيب بعد قطعهم جسر جهنم تغيير، آمنون من الفزع الأكبر ومن كل فزع وحبسهم على قنطرة للقصاص حتى إذا هذبوا وطيبوا قال لهم رضوان عليه السلام وأصحابه : سلام عليكم (٢). رابعًا: ذهاب الهموم والأحزان ونسيان البؤس والآلام: قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَمُواْ تَخَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَتِكَةُ أَلََّ تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِىِ كُمْ تُوعَدُونَ الـ # [فصلت: ٣٠]. ٣٠ وقال تعالى: ﴿أَدْخُلُواْ لَبْنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَآَ أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: ٤٩]. وقال تعالى: ﴿وَيُنَجِّى اللَّهُ الَّذِينَ أَتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوْءُ وَلَاَ هُمْ يَحْزَنُونَ [الزمر: ٦١]. (١) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ٦٥٧٠. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، رقم ٠١٣١/٣،٣١٨٣ (٢) انظر: فتح القدير ٣/ ٩٠. وقال تعالى: ﴿وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَّنِّ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورُ ﴾ [فاطر: ٣٤]. نعيم الجنة نعيم حقيقي مؤكد لا يشوبه كدر، تبشر به الملائكة عند الموت وفي القبر وعند البعث من القبور وعند دخول الجنة، تبشر به من سبقت له السعادة والفوز عند ربه، فلا همّ ولا غمٍّ ولا نقص ولا وخوف (٣). وقد حکی سبحانه وتعالى عن حال أهل الجنة إذا دخلوها قولهم: ﴿وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤]. قال السعدي: (( أسكنهم الدار التي تدوم فيها الإقامة والتي يرغب في المقام فيها لكثرة خيراتها وتوالي مسراتها، وزوال كدوراتها ﴿لَا يَمَسُّنَافِيَهَا نَصَبٌّ وَلَا يَمَسُّنَافِيهَا ◌ُغُوبٌ ﴾ [فاطر: ٣٥]. أي: لا تعب في الأبدان ولا في القلب والقوى ولا في كثرة التمتع، وهذا يدل على أن الله تعالى يجعل أبدانهم في نشأة كاملة، ويهيئ لهم من أسباب الراحة على الدوام، ما یکونون بھذہ الصفة بحيث لا يمسهم نصب ولا لغوب ولا هم يحزنون)» (٤). أراحهم مما کانوا یتخوفون ويحذرون من هموم الدنيا (٣) انظر: تفسير القرآن العظيم ١٦٢٤/٤. (٤) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٧٥٨. ٨٦ كَرُ النَّفِيـ جوبس القرآن الكريم السعادة والآخرة(١). وهذا المظهر العظيم من مظاهر سعادة المؤمن في الجنة عام في كل من دخل الجنة سواءً دخل النار قبلها، أو لم يدخل، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن غمسةً واحدةً في الجنة تنسي السعيد كل بؤس عاشه في الدنيا، فكيف بمن تكون الجنة مستقره وداره! ولا يبعد أن يشمل هذا البؤس الذي عاناه المسلم عندما كان في النار. عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يؤتى بأنعم أهل الدّنيا من أهل النّار يوم القيامة فیصبغ في النّار صبغةً ثمّ يقال : يا ابن آدم هل رأيت خيرًا قطّ؟ هل مرّبك نعيمٌ قطّ؟ فيقول: لا واللّه يا ربّ، ويؤتى بأشدّ النّاسِ بؤسًا في الدّنيا من أهل الجنّة فيصبغ صبغةً في الجثّة فيقال له : يا ابن آدم هل رأيت بؤسًا قطّ؟ هل مرّ بك شدّةٌ قطّ فيقول :لا والله يا ربّ ما مرّ بي بؤسٌ قطّ ولا رأيت شدّةً قطّ)(٢). فما أعظم هذا الفضل والمن! إنه من إله لا يستويان طبيعةً وحالًا، ولا طريقًا ولا رحیم کریم! خامسًا: الفوز بالجنة: قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِىّ أَصْحَبُ النَّارِ (١) انظر: تفسير القرآن العظيم ١٥٤٥/٣. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب صبغ أنعم أهل الدنيا في النار، ح٢٨٠٧. وَأَصْحَبُ الْجَنَّةِ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَآيِزُونَ ٥)﴾ [الحشر: ٢٠]. وقال تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُرْ ذُنُوبِّكُمْ وَيُدْيِلَكُمْ جَثَّتٍ تَجْرِى مِن تَِّهَا الْأَنْهَرُ وَمُسَكِنَ طَيِّبَةً فِ جَنَّتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الصف: ١٢]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَمِلُونَ ٦١ ٦٠ [الصافات: ٦٠-٦١]. عند الحديث عن السعادة الحقيقة في الدار الآخرة لا يمكن الاستغناء عن صيغة أفعل التفضيل !! فهل حقًا هناك أعظم وأحسن من الفوز .. وأي فوزا إنه الفوز بالجنة! هل هناك أدنى وجه للمقارنة بين من كان من أهل النار، في الحميم والغساق وشجر الزقوم، وبين من سكن الجنة التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، شتان .. شتان! يقول قطب عند تفسير قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِىّ أَصْحَبُ النَّارِ وَأَعْحَبُ الْجَنَّةِ﴾: سلوگًا، ولا وجهًا ولا مصیرًا، فهما على مفرق طريقين لا يلتقيان أبدًا في طريق ولا في سمة ولا في خطّة، ولا يلتقيان أبدًا في سياسة ولا يلتقيان أبدًا في صف واحد في دنيا ولا في آخرة (٣). قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلْ أَثْلُكُمْ عَلَى (٣) انظر: في ظلال القرآن ٣٥٣١/٦. www. modoee.com ٨٧ حرف السین ◌ِتَقْ نُجِيكُ مِنْ عَذَابٍ أَلِمِ ، تُؤْمِنُونَ بِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَهِدُونَ فِي سَبِ الَّهِأَقْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُ نَعْلَكُونَ ﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبِكُمْ وَيُّدِِّلْكُوْ جَنَّتِ تَّجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ وَمَسَلِكِنَ طَتِبَةً فِ جَنَّتِ عَدْنٍ ذَلِكَ ﴾ [الصف: ١٠- ١٢]. ١٢ الْفَوَّزُ الْعَظِيمُ وهذه الآيات تشير إلى تجارة رابحة وصفقة ناجحة مع رب العالمين، بل هي أربح تجارة أن يجاهد المؤمن في حياته القصيرة حتى حين يفقد هذه الحياة كلها، ثم يعوض عنها تلك الجنات وهذه المساكن في نعيم مقيم وحقًّا ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١). ويحسن الإشارة هنا إلى أن الفوز بنعيم الجنة لا يستلزم ترك متاع الدنيا كما يظن الرهبان وكثير من العباد، الذين يشقون على أنفسهم، ويعذبون أجسادهم، ويعزفون عن العمل والزواج، وهذه فكرة خاطئة إذ من عظمة هذا الدين أن يجمع للمسلم خير الدنيا إلى الآخرة. قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَِّىّ أَخْرَجَ ◌ِعِبَادِهِ، وَالَّيِّبَتِ مِنَ الرِّزْقِّ قُلْ هِىَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا خَالِصَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ٣٢]. سادسًا: الاشتغال بالملذات والتمتع بالمسرات: قال تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَبَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِی (١) انظر: المصدر السابق، ٣٥٥٩/٦. شُغُلٍ فَكِهُونَ ﴿ هُمْ وَأَزْوَجُهُمْ فِ ظِلَلٍ عَلَىَ اُلْأَرَآئِكِ مُتَّكِفُونَ ﴾ [يس: ٥٥ - ٥٦]. قال ابن مسعود وابن عباس: (( شغلهم اقتضاض العذارى))، وقال أبو قلابة: ((بينما الرجل من أهل الجنة مع أهله إذ قيل له: تحوّل إلى أهلك فيقول: أنا مع أهلي مشغول، فيقال : تحول أيضًا إلى أهلك))، وقيل: أصحاب الجنة في شغل بما هم فيه من اللذات والنعيم عن الاهتمام بأهل المعاصي ومصيرهم وما هم فيه من أليم العذاب؛ وإن كان فيهم أقرباؤهم وأهلوهم. وقالوا ﴿فِ شُغُلٍ﴾ أي: في زيارة بعضهم بعضًا وقيل: في ضيافة الله تعالى، أو في نعيم معجبون به، ﴿فَكُونَ﴾ أي : فرحون بسماع الأوتار مسرورون(٢). وقال ابن عباس: ((إن الرجل من أهل الجنة ليعانق الحوراء سبعين سنة لا يملها ولا تمله، كلما أتاها وجدها بكرًا)) (٣). يقول قطب: ((إنهم مشغولون بما هم فيه من النعيم، ملتذون متفكهون وإنهم لفي ظلال مستطابة يستروحون نسيمها .. وعلى أرائك متكئين في راحة ونعيم هم وأزواجهم ولهم فوق اللذائذ التأهيل والتكريم ﴿سَلَمْ﴾ يتلقونه من ربهم الكريم)» (٤). (٢) حادي الأرواح، ابن القيم، ص١٦٥. (٣) انظر: جامع أحكام القرآن ٤٤/١٥-٤٥، حادي الأرواح، ابن القيم، ص١٦٥ . (٤) في ظلال القرآن ٥/ ٢٩٧٢. ٨٨ ـرَالبَشِيَة جوبيه لِلْقُرْآن الكَرِيمِ السعادة لماذا يأكل أهل الجنة ويشربون ويمتشطون إذن؟ هل يجوعون؟ هل يعطشون؟. إذا كان أهل الجنة فيها خالدون، وكانت خاليةً من الآلام والأوجاع والأمراض لا جوع فيها ولا عطش ولا قاذورات ولا أوساخ، فلماذا يأكلون؟ (١). أجاب القرطبي في التذكرة عن هذا السؤال قائلًا: («نعيم أهل الجنة وكسوتهم لیس عن دفع الم اعتراهم، فلیس أکلهم عن جوع، ولا شربهم عن ظمأ، ولا تطيبهم عن نتن، وإنما هي لذات متوالية ونعم متتابعة ألا ترى قوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَُّعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١٠) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُاْ فِيهَا وَلَا تَضْحَى ١٩﴾ [طه: ١١٨- ١١٩]. وحكمة ذلك أن الله تعالى عرفهم في الجنة بنوع ما كانوا يتنعمون به في الدنیا، وزادهم على ذلك ما لا يعلمه إلا الله عز وجل» (٢). سابعًا: رؤية الله تعالى: قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَؤْمَيِذٍ نَاضِرَةً إِلَى رَتِهَا نَاظِرَةٌ ﴾ [القيامة: ٢٢-٢٣]. وقال تعالى: ﴿﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الُْسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَّرٌ وَلاَ زِلَّهُ (١) انظر: الجنة والنار، عمر سليمان الأشقر، ص٢٢٥. (٢) انظر: التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة، ص ٤١٦. ٢٦ أُوْلَكَ أَصْحَبُ اَلْجَنَّةِ هُمْ فِيَهَا خَلِدُونَ [يونس: ٢٦]. قال المفسرون في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْمُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾: «فأما الذين أحسنوا الاعتقاد، وأحسنوا العمل، وأحسنوا معرفة الصراط المستقيم، وإدراك القانون الكوني المؤدي إلى دار الإسلام، فأما هؤلاء فلهم الحسنى جزاء ما أحسنوا، وعليها زيادة من فضل الله غير محدودة)»(٣). عن صهيبٍ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دخل أهل الجنّة الجنّة قال يقول الله تبارك وتعالى: تریدون شیئا أزیدکم ؟ فيقولون : ألم تبيّض وجوهنا ؟ ألم تدخلنا الجنّة وتنجّنا من النّار ؟ قال فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئًا أحبّ إليهم من النّظر إلى ربّهم عز وجل)، وفي رواية ثمّ تلا هذه الآية: ﴿لَلَِّينَ أَحْسَنُواْ اَلُْسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (٤). وقيل: الحسنى البشرى، والزيادة النظر إلى وجه الله الكريم، قال تعالى: ﴿وُجُوهُ يَوْمَيِ نَّاضِرَةُ إِلَى ◌َّهَا نَاظِرَةٌ ﴾: ﴿نَاضِرَةٌ﴾ من النضارة أي : حسنة بهية مشرقة مسرورة، و ﴿ناظرة﴾ أي : تراه عیانًا، وقد ثبتت رؤية المؤمنين لله عز وجل في الدار الآخرة، في (٣) في ظلال القرآن ١٧٧٩/٣. (٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم، رقم ١٨١. www. modoee.com ٨٩ حرف السين الأحاديث الصحاح من طرق متواترة عند أئمة الحديث لا یمکن دفعها ولا منعها(١). يقول قطب: هذه الوجوه الناضرة، نضّرها أنها إلى ربها ناظرة؟! فأي مستوى من الرفعة هذا؟ أي مستوى من السعادة؟ عن جرير بن عبد الله، قال: کنّا عند النّبيّ صلی الله عليه وسلم، فنظر إلى القمر ليلةً۔ إن روح الإنسان لتستمتع أحيانًا بلمحة من يعني البدر-فقال: (إنكم سترون ربّكم كما جمال الإبداع الإلهي في الكون والنفس، ترون هذا القمر لا تضامّون في رؤيته فإن تراها في الليلة القمراء أو الليل الساجي استطعتم أن لا تغلبوا على صلاةٍ قبل طلوع الشّمس وقبل غروبها فافعلوا)(٢). وعن أبي بكر بن عبد الله بن قيس، عن أبیه، أنّ رسول الله صلی الله عليه وسلم قال: (جنّتان من فضّةٍ آنيتهما وما فيهما، وجنّتان من ذهب آنیتهما وما فيهما ، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربّهم إلاّ رداء الكبر على وجهه في جنّة عدنٍ)(٣). وفي هذا رد على كل من أنكر رؤية المؤمنين لله يوم القيامة مثل المعتزلة والجهمية والفرعونية، والرافضة والقرامطة والباطنية والصابئة والمجوس واليونان الذين قالوا بكفر من اعتقد ذلك وأنه من أهل التشبيه والتجسيم، وتابعهم على ذلك كل عدو للسنة وأهلها، والله تعالى ناصر كتابه وسنة رسوله ولو كره الكافرون (٤). (١) انظر: تفسير القرآن العظيم ٤ / ١٩٧١. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب مواقيت الصلاة، باب فضل الفجر، رقم ٥٧٣. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب وجوه يومئذ ناضرة، رقم ٧٤٤٤. (٤) انظر: حادي الأرواح، ص٢١١. أو الفجر الوليد، إلى آخر مطالع الجمال في هذا الوجود فتغمرها النشوة وتفيض بالسعادة، وترف بأجنحة من نور في عوالم مجنحة طليقة وتتوارى عنها أشواك الحياة. فكيف بها وهي تنظر - لا إلى جمال صنع الله - ولكن إلى جمال ذات الله؟ ألا إنه مقام یحتاج أولًا إلی مد من الله، ويحتاج ثانيًا إلى تثبيت من الله، ليملك الإنسان نفسه، فیثبت ويستمتع بالسعادة التي لا يحيط بها ـرو وصف، ولا يتصور حقيقتها إدراك؟ وَجَوه يَوْمَِّدٍ نَاضِرَةٌ﴾، وما لها لا تنضر وهي إلى جمال ربها ناظرة؟ (٥). موضوعات ذات صلة: البكاء، الجنة، الحزن، الغم، الفرح، اليأس (٥) في ظلال القرآن ٦/ ٣٧٧٠ بتصرف. جَوَسُورَة النفسية القرآن الكريمِ ٩٠