Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ عناصر الموضوع مفهوم الزينة ١٨٤ الزينة في الاستعمال القرآني ١٨٥ الألفاظ ذات الصلة ١٨٦ أنواع الزينة ١٨٧ مظهر الاغترار بالزينة وآثاره ١٩٧ ٢٠١ أحكام الزينة ومواطنها ٢٠٧ صور التزيين المُجَلَّدَ السَّابِعْ عَشَرِ حرف الزاى مفهوم الزينة أولًا: المعنى اللغوي: قال ابن فارس: ((الزاء والياء والنون: أصل صحيح يدل على حسن الشيء وتحسينه))(١)، و((الزينة بالكسر: ما يتزين به))(٢)، وفي التهذيب: ((اسم جامع لكل شيء يتزين به))(٣)، و((الزّين: خلاف الشّين، وجمعه أزيانٌ))(٤). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: أما في الاصطلاح فقال ابن الجوزي: ((الزينة: ما يحصل به التحسين الشّيء حتّى تتوق النّفس إليه بالشهوة))(٥). ويقال: ((الزينة: تحسين الشيء بغيره؛ من لبسة أو حلية أو هيئة)) (٦). ويقول ابن عاشور: ((الزينة: تحسين الذات أو المكان بما يجعل وقعه عند ناظره مسًا له، وفي طباع الناس الرغبة في أن تكون مناظرهم حسنة في عين ناظريهم، وذلك في طباع النساء أشد»(٧). (١) مقاييس اللغة. ابن فارس ٤١/٣. (٢) مختار الصحاح، الرازي ص ١٣٩. (٣) تهذيب اللغة، الأزهري ١٣/ ١٧٥. (٤) لسان العرب، ابن منظور ٢٠١/١٣. (٥) نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص ٣٣٩. (٦) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ١٨٨. (٧) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤٠٢/٢٧. جَوَسُولَةُ النَّفِيَّة القرآن الكريم ١٨٤ الزينة الزينة في الاستعمال القرآني وردت مادة (زين) في القرآن الكريم (٤٦) مرة (١). والصيغ التي وردت، هي: الصيغة عدد المرات المثال الفعل الماضي ٢٦ ﴿وَزَيَّنَا السَّمَآءَ الدُّنْيَا بِمَصَبِيحَ﴾ [فصلت: ١٢] الفعل المضارع ١ ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْنَنِى لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِ اْأَرْضِ [الحجر: ٣٩] اسم المصدر ١٩ ﴿اَلْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦] وجاءت الزينة في القرآن على وجهين (٢): الأول: ما يتزيّن به، ويشمل الملابس والحلي وغيرها: ومنه قوله تعالى: ﴿يَبَقِىَ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكٌ عِندَكُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]. الثاني: التحسين والتجميل: ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَا السَّمَّةَ الدُّنْيَا بِمَصَِيحَ﴾ [الملك: ٥]. (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٣٣٥-٣٣٦، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم ص٦٠٧. (٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص٢٥١- ٢٥٢، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي، ص٢٣٩، بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي، ١٥٥/٣- ١٦٠، عمدة الحفاظ، السمين الحلبي، ١٥٨/٢-١٥٩. www. modoee.com ١٨٥ حرف الزاى الألفاظ ذات الصلة ١ الريش: الريش لغة: كسوة الطائر الواحدة ريشة واللباس الفاخر والحالة الجميلة، والجمع أرياش ورياش. الريش والرياش: ما ظهر من اللباس (١). الريش اصطلاحًا: قال ابن عاشور: ((والريش: لباس الزينة الزائد على ما يستر العورة، وهو مستعار من ريش الطير لأنه زینته، ويقال للباس الزينة رياش»(٢). العلاقة بين الريش والزينة: الريش جزء من الزينة التي يتزين بها، فالزينة: اسمٌ جامع لكل شيء يتزين به. الزخرف: ٢ الزخرف لغة: الزينة، فكل زينة زخرف، يقال: زخرف البيت زخرفة، أي: زينه وأکمله. و کل ما زین، فقد زخرف (٣) ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوَّاشَيَاطِينَ الْإِنِسِ وَالْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضِ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢]. قال الزجاج: ((الزخرف: الزينة، والمعنى أن بعضهم يزيّن لبعض الأعمال القبيحة)) (٤). الزخرف اصطلاحًا: لا يخرج عن معناه اللغوي، الذي هو الزينة وكمال حسن الشيء (٥). العلاقة بين الزخرف والزينة: زخرف هو حالة اكتمال الزينة وتمامها، وأما الزينة فهي أعم من ذلك. (١) انظر: لسان العرب ٣٠٨/٦ - ٣٠٩. (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٨-ب/ ٧٥. (٣) انظر: لسان العرب ٩/ ١٣٢. (٤) المصدر السابق ٢٨٤/٢ بتصرف. (٥) انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٣٩١/١. ١٨٦ القرآن الكريمِ الزينة أنواع الزينة ((من بديع حكمة الله في خلقه: أنه ألبس مطالب الحياة أثواب مطالب الشهوات، لتكون هذه الشهوات بمثابة المحرّض الذاتي على تناول حاجات الجسد، التي تمدّه بالبقاء إلى أمده المقدّر له، أو على ممارسة الغرائز التي تمد النوع بالتكاثر والبقاء، إلى الأمد المقدّر لبقاء النوع، أو لبقاء الحياة على هذه الأرض، أو على السعي لتحقيق حاجاتٍ نفسيّة ترتبط بها مصلحةٌ من المصالح الإنسانية الفردية أو الجماعية. ولقد أبدع القرآن أيما إبداع؛ إذ اختار لفظة ((الزينة)) للتعبير عن الخصائص التي أودعها الله في الأشياء، ليكون فيها ملاءمةٌ وجذب للغرائز والطبائع التي فطر الله الأنفس عليها، وتلك نعمةٌ كريمة من نعم الله في الحياة، ولو أن حاجات الحياة مرتبطة بأشياء لا زينة فيها، فلا ملاءمة بينها وبين شهوات الأنفس وغرائزها وطبائعها؛ لكان السعي لاستمرار الحياة مشكلةٌ قد تستعصي على الحل!))(١). سنحاول في النقاط الآتية التأمل في أنواع الزينة في القرآن الكريم بشيء من التفصيل بعون الله تعالی. (١) أجنحة المكر الثلاثة، عبد الرحمن حبنكة ص ٥٠٥. أولًا: زينة الكون: إن الله سبحانه هو أحسن الخالقين، خلق هذا الكون فأبدع خلقه، وزينه وأتقن صنعه، وجعله كالبيت الواحد؛ فالسماء سقفه المحفوظ، والأرض فرشه الممهود، والجبال جدرانه الراسيات، وخلق فيه كل ما تحتاجه المخلوقات في ذلك البيت: من الماء والنبات وأنواع المشروبات والمطعومات، والأعظم من هذا والأجل: أن الله سبحانه خلق كل ذلك في أحسن صورة، وأجمل منظر، وأبدع شكل، فيه من الزخرف والزينة ما عجزت فصاحة البشر أن تفصح عنه، وبلاغتهم أن تبلغ وصفه! إِنَّا قال الله سبحانه ممتنًا على عباده: جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةٌ﴾ [الكهف: ٧]. (( قال الزمخشري في معنى هذه الآية الكريمة: ((ما عليها)) يعني ما على الأرض مما يصلح أن يكون زينة لها ولأهلها، من زخارف الدنيا وما يستحسن منها))(٢). وقال بعض العلماء: كل ما على الأرض زينة لها من غير تخصيص، وعلى هذا القول فكل الحيات وغيرها مما يؤذي زينة للأرض؛ لأنه يدل على وجود خالقه، واتصافه بصفات الكمال والجلال، ووجود ما يحصل به هذا العلم في شيء زينة له. فمن أنواع البيان المذكورة في القرآن (٢) الكشاف، الزمخشري ٧٠٤/٢. www. modoee.com ١٨٧ حرفالنای الكريم: أن يذكر لفظ عام ثم يصرح في بعض المواضع بدخول بعض أفراد ذلك العام فيه، كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِمْ شَعَبِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَ الْقُلُوبِ ﴾ [الحج: ٣٢]. مع تصريحه بأن البدن داخلة في هذا العموم بقوله: ﴿وَاَلْبُدْنَ جَعَلْنَهَا لَكُرِّن شَعَكَبِرِ اللّهِ﴾ [الحج: ٣٦] الآية. وإذا علمت ذلك فاعلم أن قوله في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَهُ ﴾ قد صرح في مواضع أخر ببعض الأفراد الداخلة فيه، كقوله تعالى: ﴿اَلْمَالُ وَأَلْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦]. ﴿وَاَلْخَيَّلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ وقوله: لِتَرَكَبُوهَا وَزِينَةٌ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [النحل:٨]. إلى غير ذلك من الآيات)»(١). وطوّف الله تعالى بنا في آيات بديعات لنتأمل زينة هذا الكون، وبدیع إتقان الله له، فقال في معرض ردّه على المكذبين بنبوة محمدٍ صلى الله عليه وسلم: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوَا إِلَى السَّمَاِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَهَا وَزَيَّنَهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجِ ) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَهَا وَأَلْقَيْنَا فِيَهَا تَبْصِرَةٌ رَوَسَِ وَأَبْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجَ بَهِيج وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُِّيبٍ ، وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاِ (١) أضواء البيان، الشنقيطي ٢٠٣/٣ بتصرف يسير. مَآءُ مُّبَرَّكَا فَأَنْبَتْنَا بِهِ، جَنَّتٍ وَحَبَّ الْمَصِيدِ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ مَّا طَلْعٌ نَّضِيدٌ ) لِّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ، بَلْدَةً مَّيْنًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ [ق: ٦- ١١]. ١١ ((إن هذه السماء صفحة من كتاب الكون تنطق بالحق الذي فارقوه، أفلم ينظروا إلى ما فيها من تشامخ وثبات واستقرار؟ وإلى ما فيها بعد ذلك من زينة وجمال وبراءة من الخلل والاضطراب! إن الثبات والكمال والجمال هي صفة السماء التي تتناسق مع السیاق هنا، مع الحق وما فيه من ثبات وكمال وجمال، ومن ثم تجيء صفة البناء وصفة الزينة وصفة الخلو من الثقوب والفروج»(٢). وعن بديع لون السماء يقول الرازي رحمه الله: «تفكّر في لون السماء وما فيه من صواب التدبير؛ فإن هذا اللون أشد الألوان موافقة للبصر وتقوية له، حتى أن الأطباء يأمرون من أصابه وجع العين بالنظر إلى الزرقة، فانظر كيف جعل الله تعالى أديم السماء ملونًا بهذا اللون الأزرق، لتنتفع به الأبصار الناظرة إليها، فهو سبحانه وتعالى جعل لونها أنفع الألوان، وهو المستنير ، وشكلها أفضل الأشكال، وهو المستدير)»(٣). (٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٣٥٩/٦. (٣) مفاتيح الغيب، الرازي ٣٤٠/٢. ١٨٨ جَوَسُوع الْقُرآن الكَرِيمِ الزينة وَأَلْقَيْنَا فِيَهَا رَوَسِىَ وَأَنْبَتْنَا فِيَهَا مِن كُلِّ زَوْجَ بَهِيجِ﴾ ((وكذلك الأرض صفحةٌ من كتاب الكون القائم على الحق المستقر الأساس، الجميل البهيج، فالامتداد في الأرض، والرواسي الثابتات، والبهجة في النبات؛ تمثّل كذلك صفة الاستقرار والثبات والجمال، التي وجّه النظر إليها في السماء. وعلى مشهد السماء المبنية المتطاولة الجميلة، والأرض الممدودة الراسية البهيجة؛ يلمس قلوب أولئك المكذبين، ویوجهها إلى جانبٍ من حكمة الخلق، ومن عرض صفحات الكون: ﴿تَبْصِرَةً وَِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُِّيبٍ﴾ تبصرة تكشف الحجب، وتنير البصيرة، وتفتح القلوب، وتصل الأرواح بهذا الكون العجيب، وما وراءه من إبداع و حكمة وترتيب .. تبصرة ينتفع بها كل عبد منیب، يرجع إلى ربه من قريب ... إن هذا الكون هو كتاب الحق المفتوح، الذي يقرأ بكل لغة، ويدرك بكل وسيلة، ويستطيع أن يطالعه الساذج ساكن الخيمة والكوخ، والمتحضر ساكن العمائر والقصور، كل يطالعه بقدر إدراكه واستعداده، فيجد فيه زادًا من الحق، حين يطالعه بشعور التطلع إلى الحق))(١). إن إخبار الله تعالى بمنته على خلقه بهذا الكيفيات في تناولها، وتعارض الشهوات في (١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٣٥٩/٦. ولا تكون الأشياء زينة إلا وهي مبثوثةٌ فيها الحياة التي بها نماؤها وازدهارها، وهذه الزينة مستمرة على وجه الأرض منذ رآها الإنسان، واستمرارها باستمرار أنواعها، وإن كان الزوال يعرض لأشخاصها فتخلفها أشخاصٌ أخرى من نوعها، فيتضمن هذا امتنانًا بيث الحياة في الموجودات الأرضية. ومن لوازم هذه الزينة: أنها توقظ العقول إلى النظر في وجود منشئها، وتسبر غور النفوس في مقدار الشكر لخالقها وجاعلها لهم، فمن موفٍ بحق الشکر، ومقصّر فیه، وجاحدٍ كافٍ بنعمة هذا المنعم؛ ناسبٍ إياها إلى غير موجدها! ومن لوازمها أيضًا: أنها تثير الشهوات لاقتطافها وتناولها، فتستثار من ذلك مختلف الاستيثار بها، مما يفضي إلى تغالب الناس www. modoee.com ١٨٩ ثم قال الحق تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدّتَهَا الكون المزيّن البديع ((يجمع الامتنان على الناس والتذكير ببديع صنع الله؛ إذ وضع هذا العالم على أتقن مثال ملائم لما تحبه النفوس من الزينة والزخرف، والامتنان بمثل هذا كثير، مثل قوله: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَاجَمَالُ حِينَ تُرِبِحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ﴾ [النحل: ٦]. وقال: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ اُلْنِسَآءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَطِيرِ الْمُقَنطَّرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْغَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَاَلْأَنَْمِ وَاَلْحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤]. حرف الناى بعضهم بعضًا، واعتداء بعضهم على بعض، بدلیل: أن الإنسان لا یتمنى أن تكون صورته على خلاف ما يرى من سائر الصور، ومن حسن صورته أنه خلق منتصبا غیر منكب، كما قال عز وجل: ﴿فيَّ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين : ٤]. وذلك الذي أوجد حاجتهم إلى الشرائع لتضبط لهم أحوال معاملاتهم، ولذلك علل جعل ما على الأرض زينة بقوله: ﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧]))(١)، ((وتحقيق معنى كونها ابتلاء: أن الله تعالى يختبر بها: طالبها ما يقصد منها؟ وواجدها أيشكر المنعم عليه بها إذا استعملها، ويقف عند الحد المشروع فيها، وماذا يقصد وينوي بترك ما يتركه منها؟ وفاقدها أیصبر على فقدها، أم یکون ساخطًا على ربه، وحاسدًا لأهلها؟))(٢). ولو أردنا استقصاء كلّ زينةٍ لله سبحانه وتعالى في هذا الكون لتطلب منا ذلك کتبًا مستقلة! وهي موجودة ولله الحمد لمن أراد مزید علم في هذا الباب، لکنا اقتصرنا هنا علی ما یناسب هذا البحث؛ فذكرنا أمثلة تدل على ما وراءها. ثانيًا: زينة بني آدم: لقد خلق الله سبحانه وتعالى هذا الإنسان ﴿فِّ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]. ـه سبحانه فقال: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤]. فـ((جعلهم أحسن الحيوان كلّه وأبهاه، (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٥٧/١٥. (٢) المنار، محمد رشيد رضا ٣٢٠/٨. فإن قلت: فكم من دميم مشوّه الصورة! قلت: الحسن كغيره من المعاني؛ على طبقات ومراتب، فلانحطاط بعض الصور عن مراتب ما فوقها انحطاطًا بيّنًا وإضافتها إلى الموفى عليها؛ لا تستملح، وإلا فهي داخلة في حيز الحسن غير خارجة عن حدّه، ألا ترى أنك قد تعجب بصورة وتستملحها، ولا ترى الدنيا بها، ثم ترى أملح وأعلی في مراتب الحسن منها، فينبو - ينصرف- عن الأولى طرفك، وتستثقل النظر إليها بعد افتتانك بها، وتهالكك عليها! وقالت الحكماء: شيئان لا غاية لهما: الجمال، والبيان)»(٣) . ((وإن شئت فتأمل عضوًا واحدًا من أعضاء الإنسان، وهو العين: فخلق الحدقة سوداء، ثم أحاط بذلك السواد بياض العين، ثم أحاط بذلك البياض سواد الأشفار، ثم أحاط بذلك السواد بياض الأجفان، ثم خلق فوق بیاض الجفن سواد الحاجبین، ثم خلق فوق ذلك السواد بياض (٣) الكشاف، الزمخشري ٤ / ٥٤٦-٥٤٧ بتصرف يسير. ١٩٠ جوبي القرآن الكريم الزينة الجبهة، ثم خلق فوق بياض الجبهة سواد التقوى، كلاهما لباس، هذا يستر عورات القلب ويزينه، وذاك يستر عورات الجسم الشعر! وليكن هذا المثال الواحد أنموذجًا لك في هذا الباب)»(١). ويزينه ... والله يذكر بني آدم بنعمته عليهم في تشريع اللباس والستر، صيانة لإنسانيتهم من أن تتدهور إلى عرف البهائم! وفي تمكينهم منه بما يسّر لهم من الوسائل: ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾))(٤). ثم كمّل الله هذا الإنسان بزينة خارجة عن ذاته، ويهمّنا هنا أن ندرس ما ذكره القرآن الكريم من تلك الزينة، وعند البحث في القرآن ، نجد أنه ذكر أنواعًا من الزينة لبني آدم، منها: ١. زينة اللباس. قال الله تعالى: ﴿يَبَّنِيّ ءَادَمَ قَدْ أَلْنَا عَلَيْكُمْ لِيَاسًا يُؤَرِى سَوْءَاتِكُمْ وَرِيِشَاً وَلِيَاسُ النَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ ءَايَتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَكَّرُونَ [الأعراف: ٢٦] ((فالزينة (الإنسانية) هي زينة الستر، بينما الزينة (الحيوانية) هي زينة العري، ولكن (الآدميين) في هذا الزمان يرتدّون إلى رجعية جاهلية! تردهم إلى عالم البهيمة، فلا يتذكرون نعمة الله بحفظ إنسانيتهم وصيانتها!»(٢). قال عبد الرحمن بن أسلم: ((يتقي الله فيواري عورته، فذاك لباس التقوى))(٣). ٠ فجمعت هذه الآية بين الزينتين: الحسية ﴿لَاسًا يُؤَرِى سَوْءَ تِكُمْ وَرِيِشًا﴾، والمعنوية: ﴿وَلِبَاسُ النَّقْوَى﴾، ((فهناك تلازم بين شرع الله اللباس لستر العورات والزينة، وبين (١) مفاتيح الغيب، الرازي ٢١/ ٣٧٣. (٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ١٢٧٨/٣. (٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم ١٤٥٨/٥. ((والمراد بإنزال ما ذكر: أن الله تعالى خلق لبني آدم مادّته من القطن والصوف والوبر وریش الطير والحرير وغيرها، كما قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ يُوتِكُمْ سَكَنَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ آلْأَنْعَمِ بُونًا تَسْتَخِقُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَئًا وَمَتَعًا إِلَى حِينٍ (٢) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّمَّا خَلَقَ ظِلَلًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَنَّا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَبِيلَ تَقِيَكُمُ الْحَرَّ وَسَرَبِيلَ تَقِيكُمْ بَأَسَكُمْ كَذَلِكَ يُنِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ﴾ [النحل: ٨٠-٨١]. وعلّمهم بما خلق لهم من الغرائز والقوى والأعضاء وسائل صنع اللباس منها كالزراعة والغزل والنسج والخياطة، كما قال جل وعلا: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرِ وَكُنَّا فَعِلِينَ ، وَعَلَّمْنَهُ صَنْعَةَ لَبُوُسِ لَّكُمْ لِنُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمّ فَهَلْ أَنْتُمْ شَكِّرُونَ ﴾ [الأنبياء: ٧٩ -٨٠]. (٤) في ظلال القرآن، سيد قطب ١٢٧٨/٣. www. modoee.com ١٩١ حرفالناى وإن منته تعالى بهذه الصناعات على أهل ومشاعرها وسكون الزوج إليها، قال الحق سبحانه: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ ... ﴾ [آل عمران: ١٤]. هذا العصر أضعاف مننه على المتقدمين من شعوب بني آدم؛ فیجب أن یکون شكرهم له أعظم»(١). ثم قال رشید رضا: «فقد بلغ من إتقان صناعات اللباس: أن عاهل ألمانية الأخير (قيصرها) دخل مرة أحد معامل الثياب ليشاهد ما وصلت إليه من الإتقان؛ فجزّوا أمامه عند دخوله صوف بعض أكباش الغنم، ولما انتهى من التجوال في المعمل ومشاهدة أنواع العمل فيه وأراد الخروج؛ قدّموا له معطفًا ليلبسه تذكارًا لهذه الزيارة، وأخبروه أنه صنع من الصوف الذي جزوه أمامه عند دخوله! فهم قد نظفوه في الآلات المنظفة فغزلوه بآلات الغزل، فنسجوه بآلات النسج، ففصلوه فخاطوه في تلك الفترة القصيرة، فانتقل في ساعة أو ساعتين من ظهر الخروف إلى ظهر الإمبراطور»!(٢). ٢. زينة النساء. ولعلهن من أعظم زينة بني آدم، فهي إن كانت أمَّا فهي زينة بحنانها وعطفها ورحمتها، وإن كانت بنتًا فهي زينة كونها نعمة يسعى لها كل والدين، وزينة بدلالها لوالديها وتحبيها لهما، والتهائهما بها، وإن كانت زوجة فهي زينة بجمالها وحبها (١) المنار، محمد رشيد رضا ٣١٩/٨. (٢) المصدر السابق ٣٢٠/٨. قال ابن عاشور: ((وتعليق التزيين بالحب جرى على خلاف مقتضى الظاهر؛ لأن المزين للناس هو الشهوات، أي المشتهيات نفسها، لا حبها، فإِذا زینت لهم أحبوها، فإن الحب ينشأ عن الاستحسان، وليس الحب بمزين، وهذا إيجاز يغني عن أن يقال: زينت للناس الشهوات فأحبوها ... ))(٣). وقال ابن عطية: ((وإذا قيل: زيّن الله، فمعناه: بالإيجاد والتهيئة لانتفاع وإنشاء الجبلّة عن الميل إلى هذه الأشياء، وإذا قيل: زين الشيطان، فمعناه: بالوسوسة والخديعة، وتحسين أخذها من غير وجوهها، والآية تحتمل هذين النوعين من التزيين» (٤). ((وأخّر ذكر الذهب والفضة عن النساء والبنين، لأنهما أقوى في الشهوة الجبلية من المال، فإن الطبع يحث على بذل المال فيحصل النكاح، والنساء أقعد من الأولاد في الشهوة الجبلية، والبنون أقعد من الأموال، والذهب أقعد من الفضة، والفضة أقعد من الأنعام، إذ هي وسيلة إلى تحصيل النعم، فلما صدّرت الآية بذکر الحب، وكان المحبوب مختلف المراتب، اقتضت حكمة (٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٧٩/٣. (٤) المحرر الوجيز، ابن عطية ٤٠٨/١. ١٩٢ جَوَنُور القرآن الكريم الزينة الترتيب أن يقدّم ما هو الأهم فالأهم في رتبة وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًا﴾ [الشورى: ٤٩-٥٠]. المحبوبات)» (١). ٣. زينة البنين. قال الله تعالى: ﴿اَلْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ اُلْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦]. وأنه من زينة بني آدم قال سبحانه: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ الْنِسَلَِّ وَأَلْبَنِينَ وَأُوْلَئِكَ وَأُوْلَئِكَ وَأُوْلَكَ ﴾ [آل عمران: ١٤]. ((وكل ما كان من زينة الدنيا فهو سريع الانقضاء والانقراض، وما كان كذلك فإنه يقيم له في نظره وزنًا))(٢). الناس في تزيّنهم بهم، وسماهم فتنة في قوله: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ [الأنفال: ٢٨] اعتبارًا بما ينال فِتْنَةٌ﴾ الإنسان من الاختبار بهم، وسمّاهم عدوًّا في قوله: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَجِكُمْ وَأَوْلَدِكُمْ عَدُوَالَّكُمْ﴾ [التغابن: ١٤] اعتبارًا بما يتولّد منهم)) (٣). فالبنون زينة يهبها الله تعالى لمن يشاء من عباده، ﴿يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَثًا وَبَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذُّكُرَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَنَا (١) البرهان في علوم القرآن، الزركشي ٢٤٨/٣. (٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٢١ / ٤٦٧ بتصرف. (٣) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٦٢٤ بتصرف. فمنهم من يرزقه الله إناثًا فقط، ومنهم من يرزقه ذكورًا فقط، ومنهم من يرزقه الزوجين؛ إناثًا وذكورًا، ومنهم من يجعله الله عقیمًا، فالبنون هبة من الله تعالی یزین بهم حياة من شاء من عباده، فواجب المسلم مع هذه المنّة والهبة الإلهية أن يحوطها بالحفظ والرعاية والتربية الحسنة، فهم رعية سيسأل عنهم يوم القيامة. ٤. زينة المال. قال الله تعالى: ﴿اَلْمَالُ وَأَلْبَنُونَ زِينَةُ يقبح بالعاقل أن يفتخر به، أو يفرح بسببه، أو اُلْحَيَوْةِ الدُّنْيَا﴾﴾ [الكهف: ٤٦]. (وإنما كان المال والبنون زينة الحياة وقد جعلهم الله هنا زينة ((اعتبارًا بأحوال الدنيا ، لأن في المال جمالًا ونفعًا، وفي البنين قوة ودفعًا؛ فصارا زينة الحياة الدنيا)»(٤). وهنا تساؤل: لماذا قدّم في سورتي آل عمران والتوبة البنون على الأموال؟ قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَطِيرِ الْمُقَنْطَّرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَمِ وَالْحَرْثُ ذَلِكَ مَتَعُ الْحَيَوَةِ [آل الدُّنْيَّا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْبُ الْمَشَابِ عمران: ١٤]. وقال سبحانه: ﴿قُلٌ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَتُكُمْ وَأَزْوَجَّكُمْ وَعَشِيرَتَّكُ (٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤١٣/١٠. www. modoee.com ١٩٣ حرف الراى وَأَمْوَلُّ أَقْتَرَفْتُمُوهَا وَتَجَرَةٌ تَّخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَالْقَنَطِيرِ الْمُقَنَطَّرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَمِ وَالْحَرْثِّ ذَلِكَ مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيًّا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَعَابِ [آل عمران: ١٤]؛ فإنه ذكر هنا حبّ الشهوات، فقدّم فيه النساء والبنين على ذكر الأموال))(١). وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ، فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِى اللَّهُ بِأَمْيِهُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى أَلْقَوْمَ الْفَسِقِينَ ﴾ [التوبة: ٢٤]. الجواب: لمّا يذكر سبحانه الحبّ الفطري يؤخّر الأموال، لأن الأموال تترك للأبناء؛ يعمل ويكد ويعلم أنه ميت ويترك الأموال للأبناء. أما في مواطن الإلهاء قدّم الأموال على الأولاد مع أن حبّ الأولاد أكثر! لكن الالتهاء بالمال يكون أكثر، لذا قدّم الأموال على الأولاد للتحذير. قال أبو حيان رحمه الله: ((ولما كان المال في باب المدافعة والتقرب والفتنة أبلغ من الأولاد؛ قدّم في هذه الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَنْ تُغْفِىَ عَنْهُمْ أَمْوَلُهُمْ وَلاَ أَوْلَدُهُم ◌ِنَ اَللَّهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٠]. وفي قوله: ﴿ وَمَآ أَمْوَلُكُمْ وَلَا أَوْلَدُكُمْ بِالَّتِى تُقَرِّيَّكُمْ عِندَ نَازُلْفَى﴾ [سبأ: ٣٧]. وفي قوله: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمَّوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٨]. وفي قوله: ﴿وَتَكَاثُرُ فِ اَلْأَمْوَلِ وَالْأَوْلَدِ﴾ [الحديد: ٢٠]. وفي قوله: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ٨٨ [الشعراء:٨٨]، بخلاف قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ قال حكيم بن حزام رضي الله عنه: (سألت النبي صلى الله عليه وسلم فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال: (يا حكيم! إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بطيب نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم یبارك له فیه، و کان کالذي یأکل ولا یشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى)(٢). فيجب على المسلم أن يحذر من فتنة المال وزينته وزخرفه، بل يتق الله تعالى في أخذه وفي إنفاقه؛ فهو مسؤل عن ذلك يوم القيامة. ٥. زينة الحلي. والحلي: اسم لكل ما يتزين به من مصاغ الذهب والفضة، والجمع حليٍّ بضم الحاء (١) البحر المحيط، أبو حيان ٣٤/٣. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: (هذا المال خضرة حلوة)، رقم ٦٤٤١، ومسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى، وأن اليد العليا هي المنفقة وأن السفلى هي الآخذة، رقم ١٠٣٥. مَوَسُولَة النفسية القرآن الكريمِ ١٩٤ الزينة وكسرها، كالخلخال، والسّوار، والقرط، ومتاعها وغرورها وحقيقتها، كقوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلََّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ والقلادة، والطّوق، ونحو ذلك(١). [الأنعام: ٣٢]. قال الله تعالى عن قوم موسى أنهم: قَالُواْ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًاً مِّنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْتَهَا﴾ [طه: ٨٧]. وقال سبحانه: ﴿أَوَمَن يُنَشَّوَا فِى الْحِلْيَةِ ﴾ [الزخرف: ١٨]. ١٨ وَهُوَ فِي لِلْخِصَاِ غَيْرُ سُبِينٍ لا ((﴿فِي الْحِلْيَةِ﴾ وهو الحلي الذي لا يليق إلا بالإناث دون الفحول، لتزينهن بذلك لأزواجهن ... وفي ذلك إشارة إلى أن الرجل لا يناسب له التزين كالمرأة، وأن يكون مخشوشنًا)»(٢). ولا يعني هذا أن الرجل لا يتزين بأي زینة لا مرأته! بل لقد ؤ قال ابن عباس رضي الله عنه: (( إني أحب أن أتزين للمرأة، كما أحب أن تتزين لي؛ لأن الله تعالى ذكره ﴿وَكُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيِنَّ بِالْمُرُوفِ﴾ يقول: [البقرة: ٢٢٨]))(٣)، إنما المحرم تشبه الرجل بالمرأة في زينتها، کالتحلي بالذهب ولبس الحرير ... الخ. ثالثًا: زينة الحياة الدنيا: كثيرة هي الآيات التي تحدثت عن هذه الحياة الدنيا وزينتها وزهرتها وزخرفها (١) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير ٤٣٥/١، أضواء البيان، الشنقيطي ٣٥٢/٢. (٢) البحر المحيط، أبو حيان ٩/ ٣٦٣. (٣) جامع البيان، الطبري ٤ / ٥٣٢. وقوله سبحانه: ﴿يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ أَنِفِرُوا فِىِ سَبِيلِ اللَّهِ أَنَّا قَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضَِّ أَرَضِيتُم بِالْحَيَوْةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَعُ الْحَيَزَةِ الدُّنْيَا فِ الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلُ )) [التوبة: ٣٨]. وضرب لنا فيها الأمثال فقال: ﴿وَأَضْرِبْ لَهُمُ مَّثَلَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَهُ مِنَ السَّمَآءِ فَأَخْتَلَطَ بِهِ، نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا نَذْرُؤُهُ الرَّحُ وَكَانَ اللّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُّقْتَدِرًّا ) [الكهف: ٤٥]. وكان من الآيات الجامعة في هذا الباب هي قوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَعُ [آل عمران: ١٨٥] ((يعني منفعة الْغُرُورِ ومتعة، كالفأس والقدر والقصعة، ثم تزول ولا تبقى، وقال الحسن: كخضرة النبات ولعب البنات؛ لا حاصل له)) (٤). وأجمع منها قوله تعالى: ﴿أَعْلَمُوَا أَنَّمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَوْ وَزِينَةٌ وَتَفَاخٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِ اَلْأَمَوَلِ وَالْأَوْلَدِ كَعَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ اَلْكُفَّارَ نَبَانُهُ، ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَنَهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَمَّاً وَفِ اْأَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللّهِ وَرِضْوَنُ وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّ مَتَعُ الْغُرُورِ (٤) معالم التنزيل، البغوي ١٤٥/٢. www. modoee.com ١٩٥ حرف الناى [الحديد: ٢٠]. قال ابن عاشور: ((واللعب يكثر في أحوال الناس في الدنيا، فهو جزء عظيم من أحوالها، وحسبك أنه يعمر معظم أحوال الصبا. واللهو: يغلب على أحوال الشباب، فطور الشباب طوره. والزينة: تحسين الذات أو المكان بما یجعل وقعه عند ناظره مسرًّا له ... ویکثر التزين في طور الفتوة، لأن الرجل يشعر بابتداء زوال محاسن شبابه، والمرأة التي كانت غانية تحب أن تكون حالية. والتفاخر: الكلام الذي يفخر به، والفخر: حديث المرء عن محامده والصفات المحمودة منها فيه بالحق أو الباطل ... وأغلب التفاخر في طور الكهولة واكتمال الأشد؛ لأنه زمن الإقبال على الأفعال التي يقصد منها الفخر))(١). وأوضح لنا القرآن الكريم أن زينة الحياة الدنيا ليس شيئًا واحدًا؛ بل: ﴿الْمَالُ وَأَلْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦]. ومجالسة الأغنياء والأشراف زينة الحياة الدنيا(٢). قال تعالى: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْمَشِّ يُرِيدُونَ (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤٠٢/٢٧ - ٤٠٣ بتصرف. (٢) معالم التنزيل، البغوي ١٦٦/٥. وَجْهَةٌ، وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٢٨]. ((أي لا تكن إرادة الزينة سبب الإعراض عنهم، وهذا الكلام تعريض بحماقة سادة المشركين، الذين جعلوا همّهم وعنايتهم بالأمور الظاهرة، وأهملوا الاعتبار بالحقائق والمكارم النفسية؛ فاستكبروا عن مجالسة أهل الفضل والعقول الراجحة والقلوب النيرة، وجعلوا همّهم الصور الظاهرة)»(٣). وعند التأمل في أمثال هذه الآيات؛ نجد أن الله تعالى يتبع الحديث عن زينة الدنيا وزخرفها ومتاعها الزائل بثواب الآخرة الدائم الثابت الجليل، فمثلًا: بعد قوله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنَْمِ وَالْحَرْثِ﴾ قال: ﴿ذَلِكَ مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيًّا وَاللَّهُ عِندَهُ، حُسْنُ الْمَعَابِ ٢ ﴿ قُلْ أَوْنِيِّئُكُم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ أَتَّقَوْاْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّتٌ تَجْرِى مِن تَّحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَجٌ مُّظَهَّرَةٌ وَرِضْوَبٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴾[آل عمران: ١٤ - ١٥ ] وبعد قوله تعالى: ﴿اَلْمَالُ وَأَلْبَنُونَ زِينَةُ اُلْحَيَوْةِ الدُّنْيَا﴾ قال: ﴿وَالْبَقِيَتُ الصَّالِحَتُ (٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٠٥/١٥ بتصرف يسير. جَوَسُولَةُ النفسية القرآن الكريم ١٩٦ الزينة خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ تَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا ﴾ [الكهف: ٤٦](١). وبعد قوله: ﴿أَعْلَمُواْ أَنَّمَا الْحَيَّوَةُ الدُّنْيَا لَعِبُ وَلَوْ وَزِينَةٌ وَتَفَاخٌُ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِىِ الْأَمْوَلِ وَالْأَوْلَدِ﴾ [الحديد: ٢٠] قال: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّيَّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَآءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ ﴾ [الحديد: ٢١]. وغيرها من الآيات الدالة على ذلك. ولعل من أبرز حكم ذلك: ليعلمنا الله تعالى ((أن خيرات الدنيا منقرضة منقضية، وخيرات الآخرة دائمة باقية، والدائم الباقي خير من المنقرض المنقضي، وهذا معلوم بالضرورة، لا سيما إذا ثبت أن خيرات الدنيا خسيسة حقيرة، وأن خيرات الآخرة عالية رفيعة»(٢). (١) فتح القدير، الشوكاني ٣٤٤/٣. (٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٢١/ ٤٦٨. مظهر الاغترار بالزينة وآثاره حذّر الله تعالى المؤمنين في كتابه الكريم من أن يغتروا بهذه الحياة الدنيا أو بشيء من زينتها ، فقال سبحانه: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَتَّقُواْ رَبَّكُمْ وَأَخْشَوْاْ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدَّعَنْ وَلَدِهِ، وَلَا مَوْلُودُ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾ [لقمان: ٣٣]. وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُلْهِكُمْ أَوَّلُكُمْ وَلَآَ أَوْلَئِدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأَوْلَكَ هُمُ الْخَسِرُونَ ) [المنافقون: ٩]. لكن: ما هي مظاهر الاغترار بالدنيا وزينتها؟ وما عواقب ذلك؟ في هذا المبحث نريد أن نتعرف على ذلك من خلال آیات القرآن الكريم. أولًا: مظاهر الاغترار بالزينة: من مظاهر وصور الاغترار بالزينة ما یآتي: ١. الشرك. أَضْرِبْ کما في قول الحق سبحانه: لَم مَّثَلاَ تَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّنَيْنِ مِنْ أَعْنَبٍ وَحَفَقْتَهَا بِنَخْلِ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (٢) [الكهف: ٣٢]. فلما أهلك الله ملکه، وأخذ ما كان معه www. modoee.com ١٩٧ حرف الناى من زينة هذه الحياة الدنيا، وصف الله حاله فقال: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ، فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيَهَا وَهِىَ خَاوِيَّةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَلَيْنَنِ لَمْ أُشْرِكْ بِرَقِ أَحَدًا ﴾ [الكهف: ٤٢]! فاعترف أخيرًا بالذنب والخطيئة التي أخذ الله ملكه بسببها ، وهي: الشرك، بسبب اغتراره بما أعطاه الله من نعم وزينة وصفها الله بقوله: ﴿جَنَّنَيْنِ مِنْ أَعْنَبٍ وَحَفَقْنَهَا بِتَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا ، كِلْنَا الْجَنَيْنِ ءَانَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمِ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنَا خِلَلَهُمَا نَهْرًا ( [الكهف: ٣٢-٣٣]. وفي هذا المثل المضروب ((زجر للكفرة من قريش أو غيرهم؛ لئلا تجيء لهم حالٌ يؤمنون فيها بعد نقم تحل بهم))(١). ١. الضلال والإضلال. قال الله تعالى عن نبيه موسى عليه السلام: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَاْ إِنَّكَ ءَاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَّهُ زِينَةً وَأَمْوَلَا فِىِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا أْمِسْ عَ أَمْوَلِهِمْ وَأَشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوْ حَتَّى يَرَوَأْ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴾ [يونس: ٨٨]. ((فالزينة تلهيهم عن اتباع المواعظ، وتعظّم شأنهم في أنظار قومهم، والأموال يسخّرون بها الرعية لطاعتهم، وقد كان للفراعنة من سعة الرزق ورفاهية العيش ما سار ذكره في الآفاق، وظهرت مثلٌ منه في (١) المحرر الوجيز، ابن عطية ٥١٩/٣. أهرامهم ونواويسهم» (٢). ٣. كفر النعمة. يبين ذلك هذا المثل الذي ضربه الله تعالى في كتابه: ﴿وَضَرَبَ اَللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةٌ مُّطْمَيِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اَللَّهِ فَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ (١)﴾ [النحل: ١١٢]. قال الرازي: ((قوله: ﴿وَامِنَةٌ﴾ إشارة إلى الأمن، وقوله: ﴿قُطْمَيِنَّةً﴾ إشارة إلى الصحة، لأن هواء ذلك البلد لما كان ملائماً لأمز جتهم اطمأنوا إليه واستقروا فيه، وقوله: ﴿يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ إشارة إلى الكفاية، قال المفسرون: وقوله: ﴿مِّنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ السبب فيه: إجابة دعوة إبراهيم عليه السلام(٣) وهو قوله: ﴿فَأَجّعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِىٌ إِلَيْهِمْ وَأَرْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَتِ﴾ [إبراهيم: ٣٧]»(٤)، ((﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ أي: جحدت آلاء الله عليها، وأعظم ذلك بعثة محمد صلى الله عليه وسلم إليهم»(٥). ٤. نسيان ما ذكروا به من مواعظ. قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا فَسُواْ مَا ذُكِرُوا (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٦٩/١١. (٣) على القول بأن هذه القرية هي مكة، كما رجح ذلك الطبري في تفسيره ٣٠٩/١٧. (٤) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٧٩/٢٠. (٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦٠٨/٤. ١٩٨ فَضْو جوبيبو القرآن الكريم الزينة ◌ِهِ، فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ حَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ تُبْلِسُونَ [الأنعام: ٤٤]. ((أي: تركوا الاتعاظ بما ذكروا به من البأساء والضراء، ولم ينزجروا، ﴿حَّ إِذَا فَرِحُواْ﴾ أي: أعجبوا بما أوتوا من النعم، ولم يزيدوا على البطر والاشتغال بالنعم عن المنعم والقيام بحقه، ﴿أَخَذْنَهُمْ يَغْتَةٌ فَإِذَا هُم ◌ُبْلِسُونَ﴾))(١)، ((قال أهل المعاني: ((وإنما أخذوا في حال الرخاء والراحة، ليكون أشد لتحسرهم على ما فاتهم من حال السلامة والعافية، وقوله: ﴿فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ﴾ أي آيسون من كل خير)) (٢). ٥. الفرح المذموم. قال الله سبحانه محذرًا من هذا النوع من الفرح: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْاْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُواْ بِمَآ ءَاتَنكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾ [الحديد: ٢٣]. ((قال المبرد: ((ليس نفي الأسى والفرح على الإطلاق، بل معناه: لا تحزنوا حزنًا يخرجكم إلى أن تهلكوا أنفسكم، ولا تعتدوا بثواب علی فوات ما سلب منکم، ولا تفرحوا فرحًا شديدًا يطغيكم حتى تأشروا فیه وتبطروا))(٣). (١) البحر المديد، الفاسي ١١٨/٢. (٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٥٣٥/١٢. (٣) المصدر السابق ٢٩/ ٤٦٨. ٦. البغي والكبر. كما في قوله تعالى عن قارون الذي اغتر بما آتاه الله من زينة الحياة الدنيا: ﴿إِنَّ قَرُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص: ٧٦]. ((فتجاوز حدّه في الكبر والتجبّر عليهم)) (٤)، والبغي هو الاعتداء (٥). وقد ((بغى على قومه بأنواع من البغي ، من ذلك: كفره بموسی، واستخفافه به، ومنعه حقوق الفقراء من زكاة ماله، إلى غير ذلك مما يصدر عمن فسد اعتقاده))(٦). ثانيًا: آثار الاغترار بالزينة: لا شك أن الاغترار بالزينة، وعدم شكر الله تعالى عليها، وإيثارها على محبة الله تعالى وطاعته والقيام بحقوقه؛ أنه يجلب على صاحبه آثارًا وخيمة في الدنيا والآخرة، ومن خلال آيات القرآن الكريم سنحاول التعرف على بعض تلك الآثار على الفرد والمجتمع: ١. زوال النعم. قال الله تعالى عن الرجل الذي دخل بستانه وهو ظالم لنفسه وهو يقول في كبر وغرور: ﴿مَا أَعُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِهِ أَبَدًا وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَآيِمَةً وَلَيْن زُّدِدتُ (٤) جامع البيان، الطبري ١٩ / ٦١٦. (٥) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٧٦/٢٠. (٦) المحرر الوجيز، ابن عطية ٤ /٢٩٨ بتصرف. www. modoee.com ١٩٩ حرف الناى إِلَى رَبِ لَأَجِدَنَ خَيْرًا مِّنْهَا مُنْقَلَبًا [الكهف: ٣٥-٣٦]. فقال الله عن خاتمته کما سبق ذكرها: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ، فَأَصْبَحَ يُقَلِبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيَهَا وَهِىَ خَاوِيَّةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَيْنَِى لَمْ أُشْرِ بِرَبِ أَحَدًا ﴾ [الكهف: ٤٢]. وقال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَتِ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَِلْكَ مَسَكِّنُهُمْ لَوْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِ هِمْإِلَّا قَلِيلًاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَرِنَ ﴾ [القصص: ٥٨]. ٢. الخسف. قال سبحانه عن قارون بعد أن اغتر بما أعطاه الله من زينة الحياة الدنيا، وبعد أن قال له قومه: ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ٦ وَبَعِ فِيمَآ ءَاتَنْكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الذُّنْيَّاً وَأَحْسِنْ كَمَّاً أَحْسَنَ اللّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ اَلْفَسَادَ فِ الْأَرْضِّ إِنَّاللّهَ ٧٧) [القصص: ٧٦ -٧٧]. لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ فقال في كبر وغرور: ﴿إِنَّمَا أُوِيِّتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِيّ﴾ [القصص: ٧٨]! فكانت العاقبة الإلهية: بِهِ، فَسَفْنَا. وَيِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ. مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ ﴾ [القصص: ٨١]. «لما ذکر تعالی اختیال قارون في زينته، وفخره على قومه وبغيه عليهم؛ عقّب ذلك بأنه خسف به وبداره الأرض))(١)، ((والخسف: انقلاب بعض ظاهر الأرض إلى باطنها، وعكسه، يقال: خسفت الأرض، وخسف الله الأرض فانخسفت، فھو یستعمل قاصرًا ومتعديًا، وإنما يكون الخسف بقوة الزلزال، وأما قولهم: (خسفت الشمس) فذلك على التشبيه)»(٢). ٣. الخسران. قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا نُلْهِكُنْ أَمْوَلُكُمْ وَلَا أَوْلَئِدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ [المنافقون: ٩]. ((لا تشغلكم ﴿أَقَوَّلُكُمْ﴾ والتصرف فيها، والسعي في تدبير أمرها، والتهالك على طلب النماء فيها بالتجارة والاغتلال، وابتغاء النتاج والتلذذ بها، والاستمتاع بمنافعها، ﴿وَلَاَ أَوْلَدُكُمْ﴾ وسروركم بهم، وشفقتكم عليهم، والقيام بمؤنهم، وتسوية ما يصلحهم من معايشهم في حياتكم وبعد مماتكم، وقد عرفتم قدر منفعة الأموال والأولاد، وأنه أهون شيء وأدونه في جنب ما عند الله ﴿عَنذِكْرِ اُللَّهِ﴾ وإيثاره عليها، ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يريد الشغل بالدنيا عن الدين ﴿فَأَوْلَكَ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾ في تجارتهم؛ حيث باعوا (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٥٦/٦. (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٨٥/٢٠. ٢٠٠ جوبي القرآن الكريم الزينة العظيم الباقي بالحقير الفاني!))(١). فبما أن الأموال والأولاد من زينة الحياة الدنيا؛ فحذّر الله تعالى عباده المؤمنين أن تسوقهم تلك الزينة إلى الخسار في الدنيا والآخرة؛ بعدم استغلال تلك الزينة فيما أمر الله تعالى، أو باستخدامها فيما يغضب الله تعالی، أو الالتهاء بها عن ذكر الله سبحانه. ٤. النار والعذاب. كما قال الحق سبحانه: ﴿ وَنَادَى أَصْحَبُ النَّارِ أَصْحَبَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيَّنَا مِنَ الْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَفِينَِ ٥ الَّذِينَ أَتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْوَّا وَلَعِبَّا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَأَ فَلْيَوْمَ نَنسَهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُواْ بِعَايَئِنَا يَجْحَدُونَ ﴾ [الأعراف: ٥٠ - ٥١]. (﴿اَلَّذِينَ أَتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْوَا وَلَعِبًا﴾ أي: مما زيّنه لهم الشيطان، واللهو: كل ما صدّ عن الحق، واللعب: كل أمر باطل، أي: ليس دينهم في الحقيقة إلا ذلك، إذ هو دأبهم وديدنهم ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَزُ الدُّنْيَا﴾ بزخارفها العاجلة، فلم يعملوا))(٢). فانظر كيف ساقتهم زينة الحياة وزخرفها إلی نسیان دين الله تعالى، فاغتروا بها؛ حتى کانت لهم تلك العاقبة المؤلمة في نار جهنم! (١) الكشاف، الزمخشري ٤ / ٥٤٤. (٢) محاسن التأويل، القاسمي ٦٤/٥-٦٥. أحكام الزينة ومواطنها أولًا: حكم الزينة: بعد تتبع آيات الزينة في القرآن الكريم؛ وجدنا أنه یقسّم حکمها إلى قسمين: ١. زينة مباحة. والزينة هنا يدخل فيها جميع أنواع الزينة؛ كتنظيف البدن، وزينة المركوب، والطّيب، والسواك، والثياب الحسنة غير الحرير للرجال، والنعل الحسنة، وتسريح شعر اللحية، وقص الشارب، وكل ما وجد استحسانه في الشريعة و لم يقصد به مستعمله الخيلاء، ولا تعدى به إلى الإسراف (٣). قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةً اَللَّهِ الَّتِىَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَالَّيِّبَتِ مِنَ الرِّزْقِّ قُلّ هِىَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا خَالِصَةٌ يَوْمَ الْقِيَمَةُ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ٣٢ [الأعراف: ٣٢]. ((فدل هذا النص القرآني أن تمتع المؤمنين بالزينة والطيبات من الرزق في الحياة الدنيا لم يمنعهم من اختصاصهم بالتنعم بذلك يوم القيامة ... ولا ينافي هذا أن من كان يعاني شدة الفقر في الدنيا - کأصحاب الصّفّة۔ یکون لهم أجر زائد على ذلك؛ لأن المؤمنين يؤجرون بما يصيبهم في الدنيا من (٣) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٩٢/٢، مفاتيح الغيب، الرازي ١٤ / ٢٣٠. www. modoee.com ٢٠١ حرف الرأى المصائب والشدائد، كما هو معلوم)) قال ابن بطال: ((﴿قُلٌ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ فدخل فيه كل زينة مباحة))(٢). ومن الزينة المباحة التي ذكرها القرآن الكريم: زينة الأنعام، كما في قوله تعالى: وَالْخَيَّلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَّكَبُوهَا وَزِينَةٌ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٥)﴾ [النحل: ٨]. ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّا حُمِلْنَا أَوْزَارًا [طه: ٨٧] وهي: مِّنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَهَا﴾ الحلي. ٢. زينة واجبة. كما في قوله تعالى: ﴿يَبَقِيَّ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَكُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]. فهذا أمر، والأمر في الشريعة للوجوب، والزينة هنا هي: ستر العورة، يرجح ذلك أمران: الأول: أن سبب نزول الآية كما سبق طواف المشركين بالبيت عراة، فنزلت هذه الآية التي توجب على المسلم ستر عورته عند العبادة. الثاني: نقل بعض العلماء الإجماع أن مقصود الآية هنا هو: ستر العورة، قال ابن حزم رحمه الله عند هذه الآية: ((فاتفق على أنه ستر العورة)» (٣). (١) أضواء البيان، الشنقيطي ٧/ ٢٣٠، وانظر: الموسوعة الفقهية الكويتية ٣٢١/٢. (٢) شرح صحيح البخاري، ابن بطال ٣٩/٢. (٣) المحلى بالآثار، ابن حزم ٢/ ٢٤٠. وتبويب البخاري رحمه الله في صحيحه يشير لذلك، حيث قال: ((باب وجوب الصلاة في الثياب، وقول اللّه تعالى: ﴿خُذُوا زِيَتَكُمْ عِندَكُلِّ مَسْجِدٍ﴾)»(٤). قال ابن عبد البر عن القول بالوجوب: ((والقول الأول أصح في النظر، وأصح أيضًامن جهة الأثر، وعليه الجمهور))(٥). ثانيًا: مواطن الزينة: ورد في القرآن الكريم ذكر المواطن التي يباح أو يجب على المسلم أن يبدي فيها زینته، وهي كما يلي: ١. التزين عند ارتياد المساجد. كما في قول الله سبحانه: ﴿رَبِى ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَكُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]. قال ابن عطية: ((عند كل موضع سجود ... ويدخل مع الصلاة : مواطن الخير كلها، ومع ستر العورة ما ذكرناه من الطيب للجمعة وغير ذلك» (٦). قال ابن كثير: «ولهذه الآية وما ورد في معناها من السنة: يستحب التجمل عند الصلاة، ولا سيما يوم الجمعة ويوم العيد، والطيب لأنه من الزينة، والسواك لأنه من تمام ذلك، ومن أفضل الثياب: البياض)»(٧). (٤) انظر: صحيح البخاري، كتاب الصلاة ١/ ٧٩. (٥) الاستذكار، ابن عبدالبر ١٩٧/٢. (٦) المحرر الوجيز، ابن عطية ٢/ ٣٩٢. (٧) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٠٦/٣. ٢٠٢ مَوَسُو ◌َرَ النَفسِير العضو القرآن الكريم (١)