Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ السََّاب عناصر الموضوع مفهوم السحاب ٢٨٨ السّحاب في الاستعمال القرآني ٢٨٩ الألفاظ ذات الصلة ٢٩٠ السحاب من دلائل القدرة الإلهية ٢٩٢ ٢٩٤ أوصاف السحاب في القرآن ٢٩٧ السحاب والرياح ٣٠٠ السحاب والماء ٣٠٢ السحاب بين الرحمة والعذاب ٣٠٥ السحاب في المثل القرآني ٣٠٦ لمسات إعجازية في السحاب المُجَلَّدَ السَّابِعْ عَشَرِ حرف السين مفهوم السحاب أولًا: المعنى اللغوي: ((السين والحاء والباء أصل صحيح يدل على جر شيء مبسوط ومده، تقول: سحبت ذيلي بالأرض سحبًا، وسمي السحاب سحابًا؛ تشبيهًا له بذلك، كأنه ينسحب في الهواء انسحابًا))(١). والسحاب: جمع سحابة، والسحابة: الغيم، سميت بذلك؛ لانسحابها في جو السماء، أو لجرها الماء، أو لانجرارها في ممرّه، أو لجرّ الرياح لها؛ لأن السّحب الجرّ(٢). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: لا يختلف معناه الاصطلاحي عن معناه اللغوي، وقد عرفه المناوي بأنه: «المتراكم من جهة العلو من جوهر بين الماء والهواء)»(٣). (١) مقاييس اللغة، ابن فارس ص٥٠٩. (٢) انظر: القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص٩٦، مختار الصحاح، الرازي ص ١٦٥، المصباح المنير، الفيومي ص ١٦٢. (٣) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص١٩١. ٢٨٨ جَنُور القرآن الكريمِ السحاب السّحاب في الاستعمال القرآني وردت مادة (سحب) في القرآن الكريم (١١) مرة، يخصّ موضوع البحث منها (٩) مرات(١). والصيغ التي وردت، هي: الصيغة عدد المرات المثال ٩ اسم جمع ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَجِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَآءِ وَالْأَرْضِ لَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٠)﴾﴾ [البقرة: ١٦٤] وجاء السّحاب في الاستعمال القرآني بمعناه اللغوي الذي هو الغيم المعروف(٢). قال تعالى: ﴿هُوَ اَلَّذِى يُرِيِكُمُ الْبَّفَ خَوْنًا وَطَمَعًا وَيُنشِئُ السَّحَابَ النِّقَالَ [الرعد: ١٢] أي: الغيم. (١) انظر: المعجم المفهرس الشامل لألفاظ القرآن الكريم، عبد الله جلغوم، ص ٥٩٣. (٢) انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي ١٩٥/٣-١٩٦. www. modoee.com ٢٨٩ حرف السين الألفاظ ذات الصلة الغمام: ١ الغمام لغةً: جمع غمامة، وهي السحابة، وقد أغمت السماء أي تغيّمت(١). الغمام اصطلاحًا: («هو أقوى من السحاب ظلمة، فإنه أول ما ينشأ هو النشر، فإذا انسحب في الهواء فهو السحاب، فإذا تغيرت له السماء فهو الغمام)) (٢). الصلة بين الغمام والسحاب: الغمام في الاصطلاح خاص بما فيه ظلمة أكثر من السحاب. المزن: ٢ المزن لغةً: جمع مزنة وهي السحابة البيضاء(٣). المزن اصطلاحًا: السحاب المضىء شديد البياض (٤) الصلة بين المزن والسحاب: المزن ما كان أبيض من السحاب فإنه يكون مضيئًا. العارض: ٣ العارض لغةً: السحابة التي ترى ناحية السماء(٥). العارض اصطلاحًا: الذي يكون محمولًا على السحاب خارجًا عنه (٦). (١) انظر: مختار الصحاح، الرازي ص ٢٣٠، لسان العرب، ابن منظور ١٢ /٤٤٤. (٢) الكليات، الكفوي ص ٦٧١. (٣) انظر: الصحاح، الجوهري ٢٢٠٣/٦، مقاييس اللغة، ابن فارس ٣١٨/٥. (٤) انظر: التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص٣٠٤. (٥) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ١/ ٢٩٧، مقاييس اللغة، ابن فارس ٢٧٨/٤. (٦) انظر: التعريفات، الجرجاني ص ١٤٥، التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص٢٣٣. ٢٩٠ جوبيه القرآن الكريم السحاب الصلة بين العارض والسحاب: العارض خاص بما يعرض من السحاب دون غيره. الغيوم: ٤ الغيوم لغةً: السحاب، وأغيم القوم أصابهم غيمٌ، وغيّم الليل جاء كالغيم(١). الغيوم اصطلاحًا: شيء يكسو السحاب سوادًا ساعة نزول المطر. الصلة بين الغيوم والسحاب: السحاب أعمّ وأشمل من الغيوم؛ إذ الغيوم تختص بالسحابة السوداء ساعة نزول الغيث. المعصرات : ٥ المعصرات لغةً: ((السّحاب فيها المطر، وقيل: السّحائب تعتصر بالمطر))(٢). المعصرات اصطلاحًا: كل سحاب ملئت بالماء الذي يعتصر فيصبح مطرًا. الصلة بين المعصرات والسحاب: المعصرات أخص من السحاب؛ فهي كل سحابة تمتلئ ماءً يعتصر. المطر: ٦ المطر لغةً: ((الماء المنسكب من السحاب، والمطر: ماء السحاب))(٣). المطر اصطلاحًا: كل ماء ينزل من السحاب، بقدر الله تعالى، سواء أكان للرحمة أو العذاب. الصلة بين المطر والسحاب: المطر هو الماء المنسكب من السحاب، ومن ثم فهو أثر من آثار السحاب في ظواهرها الجوية المصاحبة لها. (١) انظر: القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص ١١٤٤. (٢) لسان العرب، ابن منظور ٤ / ٥٧٧. (٣) المصدر السابق ١٧٨/٥. www. modoee.com ٢٩١ حرف السين السحاب من دلائل القدرة الإلهية إن المتأمل في آيات القرآن الكريم التي تحدثت عن السحاب، يظهر له جليًّا عظمة الله تعالى، وعظمة قدرته؛ فقد بيّنت تلك الآيات القرآنية عناوين عظيمة لقدرة الله تعالی، ومنها: ١. بيان القدرة على إحياء الخلق بعد مماتهم. قال تعالى: ﴿وَاللّهُ الَّذِى أَرْسَلَ الْرَّبَحَ فَتُنِيُ سَحَابًا فَسُقْتَهُ إِلَى بَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النَّشُورُ﴾ [فاطر: ٩]. حيث إن هذه الآية تبين أنّ الله تعالى قدّر إرسال الرياح، فترفع السحاب وتهيّجه للحياة، ومن ثم الغيث؛ فيساق بأمر الله تعالى إلى بلدٍ مجدب الأهل، محل الأرض، دائر لا نبت فيه ولا زرع، فبعد ذلك أخصب الله تعالى بغيث ذلك السحاب الأرض التي سیق الغیث إليها بعد ما كانت جدباء، ونبت فيها الزرع بعد المحل، وتأتي الفاصلة القرآنية في هذه الآية الكريمة؛ لتبين أنه كما أحيا الله تعالى الأرض الجدباء بعد مماتها فهو قادرٌ على أن ينشر الموتى بعد فنائهم في قبورهم؛ فيحييهم من بعد ممات (١)، فما أعظم قدرة الله تعالى !!! وما أحكم آياته !!!. (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٠/ ٤٤٢، تفسير السمر قندي ١٠١/٣. ٢. بيان رحمة الله تعالى بخلقه. قال تعالى: ﴿أَرْ تَّرَ أَنَّ اللّهَ يُزْجِ سَابًا ثُمّ يُؤَلُّ بَيْنَهُ, ثُمَّ يَجْعَلُهُ زَكَامًا فَتَرَى الْوَدْفَ يَخْرُجُ مِنْ ◌ِخِلَلِهِ، وَيُعَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالِ فِيَا مِنْ بَرَدِ فَيُصِيبُ بِ مَن يَشَآَهُ وَيَصْرِفُّهُ عَن مَّن يَشَآءُ يَكَادُ سَنَا بَرُوِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَرِ﴾ [النور: ٤٣]. فالله تعالى برحمته وتفضّله على خلقه یسوق السحاب، ثم یضم بعضه إلى بعض، فيجعل القطع المتفرقة قطعةً واحدة، ثم يجعل بعض السحاب فوق بعض، فيرى ذلك المخلوق المطر شديده وهيّه يخرج من خلاله، وينزل الله تعالى من السماء من الجبال التي في السماء المخلوقة من البرد؛ فيصيب الله تعالى بعدله من يشاء فيضرّه في زرعه وثمره، ویصرفه عمّن يشاء من عباده برحمته وفضله؛ حيث إن هذا السحاب يكاد ضوء برقه يذهب بالأبصار فيعميها (٢). وفي هذه الآية الكريمة تتجلى رحمة الله تعالى مع قدرته؛ فإن من كمال الرحمة أن يصاب المخلوق بها مع علمه بأن الله تعالی قادرٌ على عقابه و حسابه. ٣. القدرة على بسط السحاب كيف یشاء الله تعالى. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى يُرِيِكُمُ الْبَرَّقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنشِئُ السَّحَابَ النِّقَالَ﴾ (٢) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٣٠١/٣. ٢٩٢ مَ نُوالَةُ الْتَّخِيَة جوسين القرآن الكريمِ السحاب [الرعد: ١٢]. حيث تبين هذه الآية الكريمة أن الله تعالی يري الناس جميعًا ذلك البرق الذي هو عبارةٌ عن مخاريق بأيدي الملائكة من نارٍ يسوقون بها السحاب إلى حيث يشاء الله تعالی؛ فالبرق له دلالتان: الأولی أنه نذير خوف من صاعقةٍ أو مطرٍ في غير موعده النفعي أو غير ذلك من أنواع الخوف، والأخرى أنه بشير طمعٍ في نفع المطر، ثم ينشئ الله تعالى السحاب الثقال من حمل المياه(١)، ومما لا شك فيه أن ذلك آية دالة على القدرة الإلهية. ٤. مراحل تكوين السحاب. حيث يكون السحاب عبارة عن قزع، قطعة هنا وقطعة هناك، فيأتي هواء خفيف فیدفع هذه السحب شيئًا فشيئًا، وهو معنى قوله تعالى: ﴿يُزْجِ سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ [النور: ٤٣]. ويتكون السحاب الركامي حين تجتمع سحابتان، أو تنمو سحابة سريعة، عندها یتکون تيار هوائي تلقائي في داخلها، وهذا التيار الهوائي الذي بداخلها يصعد إلى أعلى، وحين يصعد إلى أعلى يعمل مثل الشفاطة التي تشفط الهواء من الجنب، وتقوم بسحب السحب بالشفط، بعدما تكونت على هذا النحو وأصبح لها قوة (١) انظر: تفسير القرآن، السمعاني ٨٣/٣. سحب وجذب للسحب المجاورة وهذا هو التأليف، فإذا تباعدت السحب الأخرى يتوقف الشفط، ويحدث شيء قوي جدًّا، وهو نموٌّ رأسيٌّ إلى أعلى، وبهذا النمو الرأسي إلى أعلى يركم السحاب بعضه فوق بعض، فيصير ركامًا ؛ ولذلك قال تعالى: ﴿ُمَّ يَجْعَلُهُ زَكَامًا﴾، وتعلو السحابة فوق، وتعلو بعضها فوق بعض، فترى المطر عندها يتوقف الركم ويضعف، فإذا ضعف فإن المطر ينزل على ذلك الأثر، ولذلك قال تعالى: ﴿فَرَى الْوَدْفَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَلِهِ ﴾ [النور: ٤٣]. www. modoee.com ٢٩٣ حرف السين أوصاف السحاب في القرآن ورد السحاب في الاستعمال القرآني بأوصاف عديدة ظاهرة، ومنها: ١. التسخير. قال تعالى: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَيَتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤]. حیث إن الآية السابقة دعت إلى توحید الله تعالى في ألوهيته، وبيّنت صفتين من صفات المولی الکریم جل جلاله، وهما الرحمن الرحيم، وبذلك يتضح أن المقام هو الحديث عن أمورٍ غيبية في التوحيد المطلق لله تعالى، ولما كان هذا المقام لا يصح إلا بتمام العلم وكمال القدرة نصب الأدلة على ذلك في هذه الآية(١). حيث إن هذه الآية الكريمة تحثّ على التفكّر فیما خلق الله تعالی بدءًا من خلق السماوات والأرض وعظيم ما فيهما من شواهد دالة على قدرته تعالى، ومرورًا باختلاف الليل والنهار وما ينتج عن ذلك من ظواهر كونية عظيمة، وكذلك السفينة المدوّرة التي تمخر في عباب البحر بما تقدّمه من منافع للناس من رکوبة أو صيد أو غير ذلك، وما أنزل الله تعالى من السماء من غيث يحيي الأرض وینبت الزرع، وبثّ فيها (١) انظر: نظم الدرر، البقاعي ٢٨٧/٢. من کل دابة، وتصريف الله تعالى الرياح، ومما يستحق التعقّل والاعتبار هو ذلك السحاب المسخّر المذلّل المقهور على فعل ما يريده الله تعالى، ومن المعلوم أن صفة التسخير المصاحبة للسحاب أبلغ من أية صفة في مقام التدبّر بآيات الله تعالى الكونية؛ لأن التسخير يعني حمل تلك السحاب على القيام بوظائفها عمومًا دون إرادةٍ منها (٢). ومما يدلل على تسخير السحاب صلاة الاستسقاء التي شرعت في طلب المطر عند القحط أو عند الجفاف، وما يتبعه من هلاك الحياة، واستجابة الله الفورية، وإنزال المطر، وكان صلى الله عليه وسلم إذا رأى الغیم والریح، عرف ذلك في وجهه، فأقبل وأدبر، فإذا أمطر سري عنه، وذهب عنه ذلك، وكان يخشى أن يكون فيه العذاب(٣). ويلاحظ في هذه الآية أن الله تعالى قد بيّن أن السحاب المسخّر هو ما وقع بين السماء والأرض، ويترتب على ذلك حقائق، أهمها: # السحاب عمومًا موصوف بأنه مسخّر مقهور على فعل ما يريده الله تعالى، فالتسخير صفة ذاتية لا تنفكّ عن أي نوع من أنواع السحاب، وقد ورد أن (٢) انظر: تفسير الراغب الأصفهاني ٣٥٩/١. (٣) انظر: السحاب في القرآن، حسني حمدان الدسوقي حمامة، موقع الألوكة الثقافية. ٢٩٤ القرآن الكريم السحاب الله تعالى يسخّر ماءً بعينه في سحابةٍ بعينها لأمر یریده جل جلاله (١)، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: (بينا رجلٌ بفلاةٍ من الأرض، فسمع صوتًا في سحابةٍ: اسق حديقة فلانٍ، فتنحّی ذلك السّحاب، فأفرغ ماءه في حرّةٍ، فإذا شرجةٌ من تلك الشّراج قد استوعبت ذلك الماء كلّه، فتتبّع الماء، فإذا رجلٌ قائمٌ في حديقته يحوّل الماء بمسحاته، فقال له: يا عبد الله ما اسمك؟ قال: فلانٌ - للاسم الّذي سمع في السّحابة - فقال له: يا عبد الله لم تسألني عن اسمي؟ فقال: إنّي سمعت صوتًا في الشّحاب الّذي هذا ماؤه يقول: اسق حديقة فلانٍ، لاسمك، فما تصنع فيها؟ قال: أمّا إذ قلت هذا، فإنّي أنظر إلى ما يخرج منها، فأتصدّق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثًا، وأردّ فيها ثلثه)(٢)، وهذا الحديث دالٌّ على أن هذا السحاب مسخّرٌ بمشيئة الله تعالى وإرادته. ٤ السماء في عمومها هي كل ما علا على سفل الأرض، وتشمل بذلك السحاب وغيرها؛ لكن المقام في هذه الآية هو (١) انظر: المصدر السابق. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزهد والرقائق، باب الصدقة في المساكين ٢٢٨٨/٤، رقم ٢٩٨٤. أن السماء ما كان أعلى من السحاب من جهة، وأن السحاب موكّلٌ بوظائف مقدّرة من الله تعالى؛ فهي بذلك مسخّرة على فعلها، ومن ذلك : الغيث وإنزال العقاب وغير ذلك. ٢. الثقل. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى يُرِيكُمُ الْبَرَّفَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنشِئُ اُلسَّحَابَ النِّقَالَ﴾ [الرعد: ١٢]. فعندما خوّف الله تعالى عباده بإنزال ما لا مردّ له من العذاب أتبع هذه الآية وما بعدها، وهي تشتمل على أمور ثلاثة، وهي: أنها تدل على قدرة الله تعالى وحكمته. وأنها تشبه النّعم والإحسان من بعض وجوهٍ. وأنها تشبه العذاب والقهر من بعض وجوهِ. وعلى هذا فإن الله تعالى بيّن أن من دلائل قدرته جل جلاله وحكمته رؤية البرق خوفًا من العذاب وطمعًا في الرحمة؛ فحدوث البرق دليلٌ عجيبٌ على قدرة الله تعالى، وبيانه : أنّ السّحاب لا شكّ أنّه جسمٌ مركب في أجزاءٍ رطبةٍ مائيّةٍ، ومن أجزاءٍ هوائيّةٍ وناريّةٍ، ولا شكّ أنّ الغالب عليه الأجزاء المائيّة والماء جسم بارد رطب، والنار جسم حار يابسٍ، وظهور الضّدّ من الضّدّ التّامّ على خلاف العقل؛ فلا بدّ من صانعٍ مختارٍ يظهر www. modoee.com ٢٩٥ حرف السين الضّدّ من الضّدّ(١). وإن ظهور النار الضعيفة بلونها في ظل عملية الركم الناتجة عن عملية الرفع عقبها أجزاء السحاب الثقال من كثرة ما تحمل من ماء خالص لهو دليلٌ عملي على قدرة الله تعالی وحكمته، وأنه یخوّف عباده بالعذاب، ويجعلهم يطمعون في رحمته(٢). وإنشاء السحاب إبداؤه(٣)، وفي ذلك ظهور عظمة قدرة الرب سبحانه وتعالى بجعل السحاب مثقلة بالمياه في جو السماء، ثم سوقها وإزجاؤها حيث يشاء رحمة منه بعباده. ٣. التراكم. قال تعالى: ﴿وَإِن يَرَوَا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُواْ سَحَابٌ مَّرَّكُومٌ﴾ [الطور: ٤٤]. والمركوم هو: المجتمع الكثيف، فالله یزجي السحاب، فیسوقه، ثم يجمعه، ثم يجعله مجتمعًا كثيفًا (٤). وقال تعالى: ﴿أَلَرْ تَّرَأَنَّ اللَّهَ يُزْجِ سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلُّ بَيْنَهُ, ثُمَّ يَجْعَلُهُ زَكَامًا ﴾ [النور: ٤٣]. ففي جعل الله تعالى السماء ركامًا دلیلٌ عظيمٌ على صدق رسول الله صلى (١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٩/ ٢٠. (٢) انظر: المصدر السابق ١٩/ ٢١. (٣) انظر: لباب التأويل، الخازن ٩/٣. (٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٣٥/١٣، الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب ٢٨٢١/٤، التفسير البسيط، الواحدي ٣٢٠/١٦، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٨٨/١٢. الله عليه وسلم؛ لأن العلماء لم يعرفوا بأن نزول المطر مباشرة إلا عن طريق الدراسة باستخدام الأجهزة العلمية المتطورة التي لم تکن على عهد النبي صلی الله علیه وسلم، فانظر كيف قال سبحانه: ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ زَكَامًا فَرَى الْوَدْفَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَلِهِ ﴾، أي: ينزل المطر بعد الركم مباشرة كما كشف العلم الحديث، فسبحان الله العظيم(٥). (٥) انظر: الإعجاز العلمي في القرآن، جامعة المدينة العالمية ص٣١٤. ٢٩٦ القرآن الكريم السحاب السحاب والرياح وردت كلمة الرياح في القرآن الكريم عشر مرات، وفي كل مواضع ورودها كانت مرتبطةً بالسحاب سواء من خلال بيان لفظتها، أو من خلال إظهار آثارها، وتوضيح ذلك فيما يأتي: ١. ارتباط السحاب بتصريف الأعلى والأسفل، ومطلع الليل والنهار من الرياح. وردت كلمة السحاب مرتبطة بتصريف الرياح في آيتين، إحداهما مكية، وهي قوله تعالى: ﴿وَأَخِْلَفِ أَلَيْلِ وَالنَّارِ وَمَّا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَلِ مِنِ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الْرِّيَجِ ءَايَتُ لِّقَوْمِيَعْقِلُونَ﴾ [الجاثية: ٥]. والأخرى مدنية، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ اَلَيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْقُلْكِ أَلَّتِى ◌َّخْرِى فِى الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن فَآءِ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الْرِّيَجِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَيَتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤]. والتصريف : هو صرف الشيء من وجه إلى وجه آخر (١)، قال الطبري رحمه الله تعالى: ((وتصريف الله إياها أن يرسلها مرة (١) انظر: تفسير الراغب الأصفهاني ٣٦٠/١، إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٣٨٩/١. لواقح، ومرة يجعلها عقیمًا، ويبعثها عذابًا تدمر كل شيء بأمر ربها))(٢)، وقال أيضًا: ((وفي تصريفه الرياح لكم شمالًا مرة، وجنوبًا أخرى، وصبًّا أحيانًا، وزبورًا أخرى لمنافعكم، وقد قيل: عنى بتصريفها بالرحمة مرة، وبالعذاب أخرى (٣). قال أبو الحسن الحرالي: «لما ذكر تعالى الجانبين وإنزال الماء إهواءً ذکر ما يملأ ما بين ذلك من الربح والسحاب الذي هو ما بين حركة هوائية إلى استنارة مائية، إلى ما يلزم ذلك من بوادي نيرانه ، من نحو صواعقه وجملة أحداثه، فكان في هذا الخطاب اكتفاءً بأصول من مبادئ الاعتبار، فذكر السماء والأرض والآفاق وما بينهما من الرياح والسحب والماء المنزل الذي جملته قوام الخلق في عاجل دنیاهم؛ ليجعل ذلك آية على علو أمر من وراءه، ويكون كل وجه منه آية على أمر من أمر الله فيكون آيات)) (٤). ويلاحظ أن الآيتين المكية والمدنية قد جاءت فاصلتهما بقوله: ﴿لَآَيَتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، ﴿مَايَتُ لِقَوْمِ يَعْقِلُونَ﴾، وهذا يعني ضرورة إعمال العقل في التفكر والتأمل في آيات الله تعالى الكونية الدالة على عظيم قدرته جل جلاله، وهذا يشمل العهدين: (٢) جامع البيان، الطبري ٢٧٥/٣. (٣) المصدر السابق ٢١ / ٧٤. (٤) تراث الحرالي ٣٠٣/١. www. modoee.com ٢٩٧ حرف السين المكي والمدني، إلا أن الآية المدنية ذكرت فيها من بعد ممات(١)، ومثل معنى هذه الآية ورد في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِىّ أَرْسَلَ اُلْرِيَحَ بُشْرَأَ بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ، وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ طَهُورًا ﴾ [الفرقان: ٤٨]. السحاب باعتباره مذلّلًا من الله تعالى لهذه الوظيفة، أما الآية المكية فقد ذكرت السماء التي هي أعم من السحاب؛ لأن المقام في مكة هو توجيههم للتوحيد والتخلص من الشرك، وليس إظهار دقائق الأمور، وهذه العبرة ينبغي أن يتعلمها الدعاة في مخاطبة الناس؛ فالأصل هو إيصال الناس إلى الهدف الأسمى ، وهو: إخراجهم من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، وبذلك لا يشتغلوا بتفاصيل الدعوة إلا بعد تغلغل الأصول في قلوب المدعوّین إلى الله تعالى. ويلاحظ أيضًا أن تصريف الرياح من وجهة إلى أخرى للسحاب المكلف بإنزال الماء عذابًا أو رحمة؛ للدلالة على قدرة الله تعالى في إمهال الناس دون الغفلة عنهم، أو عن عقابهم جزاء أفعالهم. ٢. إرسال الرياح للسحاب بشرى ورحمة من الله عز وجل. قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُرْسِلُ الْبَحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهٌِ حَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالَا سُقْنَهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَزَلْنَا بِهِ الْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا ◌ِهِ، مِن كُلِّ الثَّمَزَتِّ كَذَلِكَ تُخْرِجُ الْمَوْقَ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٧]. وإرسال الرياح هنا، أي: بسطها بين يدي المطر، وهذا لأجل الرحمة بالعباد والبشرى لهم بالغیث الذي يحيي الأرض التي لا نبات قال السدي في تفسيرها: ((إن الله عز وجل يرسل الرياح ، فتأتي بالسّحاب من بين الخافقين طرفا السّماء والأرض ، حيث يلتقيان فيخرجه من ثمّ، ثمّ ينشره فيبسطه في السّماء كيف يشاء ، ثمّ يفتح أبواب السّماء ليسيل الماء على السّحاب، ثمّ تمطر السّحاب بعد ذلك»(٢). ومن مظاهر رحمة الله تعالى وبشراه لخلقه أن الرياح لواقح للنباتات، فإذا نزل الغيث وانسكب الماء عليه بالسقاية كانت الرحمة بالعباد بإخراج ما لذّ وطاب ونفع من الثمرات، قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الْرَِّحَ لَوَقِّحَ فَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءَ فَأَسْقَيْنَكُمُوهُ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ مِخَزِنِينَ﴾ [الحجر: ٢٢]. وقد اختلف المفسرون في لواقح الرياح، والذي يظهر من كلام ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم، أن الله تعالى يبعث الرياح؛ «لتلقح السّحاب ، فتحمل الماء وتمجّه في السّحاب، ثمّ إنّه يعصر السّحاب ويدرّه كما تدرّ اللّقحة ، فهذا هو تفسير إلقاحها (١) انظر: تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين ٢/ ١٢٧. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم ٢٧٠٤/٨. ٢٩٨ لِلْقُرآن الكَرِيمِ السحاب للّحاب))(١)، والرياح إذا ذكرت في القرآن قول لبعض الحكماء في بيان الحكمة من تمثيل الدنيا بالماء، وذلك أنهم قالوا: ((إنما الكريم في اليابسة تكون رحمة، وإذا ذكرت في البحر فهي للعذاب، وإذا ذكرت الربح في البحر تكون رحمة، وإذا ذكرت في اليابسة تكون للعذاب. شبه تعالى الدنيا بالماء؛ لأن الماء لا يستقر في موضع، كذلك الدنيا لا تبقي على واحد، ولأن الماء لا يستقيم على حالة واحدة كذلك الدنيا، ولأن الماء لا يبقى ويذهب ٣. تفريق الرياح للسحاب المحمل بالماء؛ لبيان العظة المستفادة. كذلك الدنيا تفنى، ولأن الماء لا يقدر أحد أن يدخله ولا يبتل ، كذلك الدنيا لا يسلم أحد دخلها من فتنتها وآفتها، ولأن الماء إذا کان بقدر کان نافعًا منبتًا، وإذا جاوز المقدار كان ضارًا مهلكًا، وكذلك الدنيا الكفاف منها ينفع وفضولها يضر))(٣). ومن ذلك ما ورد في قوله تعالى: ﴿ وَأَضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا نَذْرُوهُ الرَّحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُقْتَدِرًا} [الكهف: ٤٥]. حيث مثّل القرآن الكريم هذه الحياة الدنيا بالماء الذي أنزله الله تعالى من السماء فاختلط نبات الأرض بهذا الماء حتى استوی وأینعت ثماره، فإذا به یصبح متکسرًا متفتتًا تفرّقه الرياح وتطيّره، وتأتي الفاصلة القرآنية؛ لبيان أن الله تعالى مقتدر علی کل شيء(٢)، والسحاب منه الموجب والسالب، وعندما یزجي بین السحاب يحدث تجاذب بین نوعيه فيحدث تفريغ هوائي ينتج عنه البرق والرعد (الصوت) ، وفي ذلك دلالة على الوحي والنبوة. وما أجمل ما نقله القرطبي رحمه الله عن (١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٠ / ٤١٢. (٢) مفاتيح الغيب الرازي ١٩/ ١٣٤. ٤. إرسال الرياح مع البشرى للخلق؛ لأجل دعوتهم إلى التوحيد الخالص لله تعالى. قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِظُلُمَتِ اَلْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الْرِّبَحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ،" أَِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَلَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٦٣]. فالله تعالى هو الهادي للعباد فى ظلمات البر والبحر عند سفرهم وترحالهم، وهو الذي يرسل الرياح في مقدمة الغيث؛ ليبشر الناس بالرحمات المترتبة على ذلك الغيث الذي حمله السحاب (٤)، ثم تأتي الفاصلة القرآنية، وذلك بصيغة الاستفهام التعجبية (٣) المصدر السابق. (٤) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٥١١/٣. www. modoee.com ٢٩٩ حرف السين الإنكارية لأفعالهم؛ إذ كيف يعبدون إلهًا غير الله تعالى، أو يتوجهون إلى مخلوق مهما علت مرتبته ومناقبه، فالله تعالى وتنزّه عن كل صفات النقص التي تنسب إليه ظلمًا وبهتانًا من أولئك الذين تغمرهم نعم الله تعالى. السحاب والماء إن الآيات القرآنية التي أوردت السحاب قد بيّنت في أكثر من موضع أنّ منه ما هو مثقلٌ بما يحمله من ماء تصرفه الرياح حيث يشاء الله تعالى؛ لمنافع عديدة، منها: ١. إخراج النبات والحبوب الزراعية، وإزهار الجنات والحدائق الملتفّة بالأغصان والزروع، وسقاية الخلق جميعًا. قال تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُ، وَمَا نُنَزِّلُهُ: إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ) وَأَرْسَلْنَا الْرِيَحَ لَوَقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَلِ مَآءُ فَأَسْقَيْنَكُمُوهُ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ, يَخَزِنِينَ ﴾ [الحجر: ٢١- ٢٢]. حيث إنه لما بيّن الله تعالى في الآية السابقة أنه أنبت في الأرض من كل شيءٍ موزون، وجعل فيها معايش أتبعه بذكر السبب، وهو أن كلّ المخلوقات عند الله تعالى خزائنهم ومتطلباتهم؛ لكن لا ينزل إلا بقدرٍ معلوم؛ فالماء مثلًا يرسل بتقدير الله تعالى وعلمه بعد تلقيح النبات؛ فقد يأتي مباشرةً على كل النباتات، وقد يصرف إلى نباتات دون الأخرى، وقد ينزل على البحر معظم كميته؛ فالقدر عند الله تعالى معلوم، إلا أن تقسيمه هو شأن الذات الإلهية(١). (١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٩/ ١٣٣. ٣٠٠ قَضوري جوبيع القرآن الكريم السحاب وقد وضحت آيات سورة النبأ سبب إنزال الماء الثجّاج، وذلك بقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَتِ مَآءَ تَجَّابَ لِتُخْرِجَ بِهِ حَّاً وَبَتَانُ وَجَنَّتِ أَلْغَافًا ﴾ [النبأ: ١٤ -١٦]. حيث وردت هذه الآيات في سياق الحديث الرباني عن بعض نعمه، ومنها: إنزال الماء السيّال المجتمع المنصبّ الكبير من السحاب التي تعصر بذلك الماء، وهذا لأجل إخراج الحبوب الكثيرة للناس، والنبات للدواب من العشب والكلأ، وأيضًايخرج بسبب إنزال الماء بعد تقدير الله تعالى الجنات والحدائق الملتف بعضها في بعض(١). ومن المعلوم أن الماء حينما ينزل فإن الخلق جمیعًا یشربونه؛ کسبب رئيس للحياة. ٢. التطهير وإذهاب النجس بأنواعه. قال تعالى: ﴿ إِذْ يُغَشِيَكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ، وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَنِ وَلِيَّرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِتَ بِهِ الْأَقْدَامَ ﴾ [الأنفال: ١١]. حيث إن هذه الآية تبین بعضًا من مظاهر امتنان الله تعالى على عباده المؤمنين مع رسول الخلق وحبيب الحق أنه أراهم آيات البشرى بالانتصار والتأييد قبل غزوة بدر الکبری، ومن هذه البشریات : أنه أنزل عليهم ماءً مباركًا؛ ليطهرهم من الحدثين (١) انظر: تفسير السمر قندي ٣/ ٥٣٧. الأكبر والأصغر، ويذهب عنهم نجاسات الشيطان القلبية وما يترتب عليها، وليزيل رعب القلوب؛ حتى تثبت أقدامهم في المعركة الفاصلة بين الحق والباطل (٢). ٣. إقامة الحجة على الناس؛ حتى یوحدوا الله تعالى. قال تعالى: ﴿أَفَرََّيْتُمُ اَلْمَآءَ الَّذِى تَشْرَبُونَ (٥) وَأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ الَوَ نَشَاءُ جَعَلْتَهُ أُجَاجًا فَلَوْلًا تَشْكُرُونَ (٥)﴾[الواقعة: ٦٨ - ٧٠]. حيث وردت هذه الآيات في سياق مخاطبة الله تعالى للضالين المكذبين؛ فبعد أن عرضت تلك الآيات كثيرًا من الحجج الدالة على وحدانية الله تعالى، تستأنف هذه الآيات ذكر حجج أخرى، ومنها الماء الصالح للشرب الذي يراه الناس جميعًا، فهل أنزل هؤلاء المكذبون الضالون ذلك الماء من السحاب إلى قرار الأرض؟ أم إن الله تعالی هو الذي أنزله بتقدیره وعلمه؟! ثم إنّ الله تعالى قادرٌ - إن شاء- أن يجعل الماء مرّا مالحًا لا يستطيع أن يتجرّعه أحدٌ، أو أن ينتفع به في الزروع والكروم، وتأتي الفاصلة القرآنية في الآية السبعين بأسلوب التحريض لغرض الشكر لله تعالى على إنعامه على الخلق من نعم موجبةٍ لذلك (٢) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٣٣٢/٢. www. modoee.com ٣٠١ حرف السين الثناء(١). ٤. بيان حال الكافرين وضياعهم. قال تعالى: ﴿أَوْ كُظُلُمَتٍ فِى بَعْرٍ لُچِيٍ يَغْشَنُهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ، مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ خُلُّمَتُ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ بَدَهُ، لَوْ يَكَدْبَرَهَاُ وَمَن لَّ يَجْعَلِ اللّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾. [النور: ٤٠]. السحاب بين الرحمة والعذاب إن الله تعالى قد جعل من آياته الكونية عظيم امتنان على عباده؛ إذ لو شاء لجعل من كل رحمة عذابًا، أو من كل عذاب رحمة؟ فكلّ ما خلق الله تعالى هو مسيّرٌ لأمره وتقديره و علمه. وإن هذا المبحث يركز على إحصاء آيات السحاب التي تأتي للرحمة، وآيات السحاب التي تأتي للعذاب، ومن ثم التعرف على عظيم حب الله تعالى لخلقه، والله الموفق والمستعان. أولًا: سحاب الرحمة: إن آيات السحاب هي في معظمها تدل على الرحمة الكبيرة من الله تعالى، وتدعو بأسلوب التفضل النعم كلّ الناس أن يشكروا ربهم جل جلاله، ويمكن تلخيص دلالات الرحمة في السحاب في القرآن الكريم من خلال ما يأتي: ١. إرسال الرياح؛ للقح السحاب، وإحلال الخير. قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِى يُرْسِلُ الرِّيَحَ فَيُثِيرُ سَحَبًا فَيَبْسُطُهُ فِىِ السَّمَآءِ كَيْفَ يَشَآءُ وَبَجْعَلُهُ، كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَلِهِ﴾ [الروم: ٤٨]. فقوله (الرياح) قد قرأها ابن كثير وحمزة (١) انظر: الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب ١١/ ٧٢٨٦. ٣٠٢ جوببو القرآن الكريم السحاب والكسائي على الإفراد، وقرأها الباقون على الجمع، وقد اشتهر عند المفسرين أن الرياح إذا كانت جمعًا فهي رحمة، وإذا كانت مفردة فهي عذاب(١). وبعد المتابعة لوحظ أن كلامهم ينسحب على السياق القرآني في قراءات معينة، وليس كل القراءات المتواترة؛ فمثلًا: هذه الآية قرئت جمعًا وقرئت مفردةً، والسياق في ظاهره يعني الرحمة والفرح والاستبشار؛ فبتحريك الريح أو الرياح -على اختلاف القراءات- للسحاب وبسطه في السماء، ثم جعله في طبقات فوق بعضها البعض ينزل المطر المحمّل بالاستبشار والبهجة والسرور. والسنة النبوية ملئت بالأحاديث التي تدلُّ على أن الريح منها ما هو رحمة ومنها ما يكون عذابًا، إلا أنه إذا أطلقت كلمة الرياح فإنها لا تعني إلا الرحمة، ومنها حديث أبي هریرة، حیث قال :(سمعت رسول الله صلی الله عليه وسلم يقول: (الربح من روح الله) قال سلمة: ((فروح الله تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب؛ فإذا رأيتموها فلا تسبوها، وسلوا الله خيرها، واستعيذوا بالله من شرها))(٢). (١) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٢٦٥/٤. (٢) أخرجه أحمد في مسنده، ٦٩/١٣، رقم ٧٦٣١، وأبو داود في سننه، كتاب، باب ما يقول إذا هاجت الريح، ٣٢٦/٤، رقم ٥٠٩٧. وأما الحديث المشهور (اللهم اجعلها رياحًا لا ريحًا)، فهو حديث ضعيف جدًا موقوف على ابن عباس رضي الله عنهما (٣). ٢. من الرياح ما يكون مبشّرًا باقتراب نزول الغيث من السحاب. وما يترتب عليه من: إحياء الأرض وإنبات الزرع بعد أن كانت الأرض كلها ميتة. قال تعالى: ﴿وَهُوَ اُلَّذِى يُرْسِلُ الْرِبَحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ، حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالَا سُقْنَهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَنْزَلْنَا بِهِ الْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ، مِنْ كُلِّ الثَّمَرَتِ﴾ [الأعراف: ٥٧]. وقد قرأ عاصم بالباء الموحّدة وضمها وإسكان الشين (بشرًا)؛ فيكون إرسال الرياح مبشّرًا بنزول المطر بعد بسط السحاب المحمّل بالماء في السماء، وقرأ ابن عامر بالنون وضمها وإسكان الشين (نشرًا)؛ فيكون إرسال الرياح من نشر السحاب في السماء؛ تهيئةً لنزول المطر ، فهي بشارةٌ كبيرة لكل الخلق، وقرأ حمزة والكسائي وخلف بالنون وفتحها (نشرًا)؛ فيكون إرسال الرياح التي تهبّ من كل جهة؛ لجمع السحاب الممطرة، وقرأ الباقون بالنون وضمها وضم الشين (نشرًا)؛ فيكون وصححه الألباني في صحيح الجامع، / ٦٦٦، رقم ٣٥٦٤. (٣) انظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة، الألباني ٢٢٨/٩، رقم ٤٢١٧. www. modoee.com ٣٠٣ حرف السين إرسال الرياح تهيئة لنزول المطر تمامًا كلغة (نشرًا) السابق ذكرها (١). ٣. إذاقة الرحمة للبشر جميعًا. قال تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَلِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَحَ مُبَشِرَتٍ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحْمَتِهِ،﴾ [الروم: ٤٦]. حيث تبين هذه الآية أن من رحمة الله تعالی في إرسال الرياح للسحاب وتسييرها بأن السبب إذاقة الخلق ((بها الغيث والخصب، أو نعمته من المياه العذبة، والأشجار الرطبة ، وصحة الأبدان، وما يتبع ذلك من أمور لا يحصيها إلا الله)»(٢)، حيث كانت الرحمة الناتجة عن إرسال الرياح مبشرات عبارة عن ثوب يكسي أبدان أهل القرية فيشعر جميعهم بطعم هذه الرحمة الناتجة عن الغيث المنبت للزرع والمحي للأرض. ثانيًا: سحاب العذاب: سبقت الإشارة إلى أن آيات السحاب معظمها للرحمة؛ لكن منها ما يتوعّد الله تعالى بها خلقه من المشركين، ويمكن تلخيص دلالات الرحمة في السحاب في القرآن الكريم من خلال ما يأتي: (١) انظر: النشر في القراءات العشر، ابن الجزري ٢٦٩/٢، ٢٧٠، المبسوط في القراءات العشر، ابن مهران ص٢٠٩، معاني القراءات، الأزهري ٤٠٩/١، الحجة في القراءات السبع، ابن خالويه ص١٥٧. (٢) فتح البيان، القنوجي ٢٦٠/١٠. ١. تهديد للذين يأمنون عقاب الله تعالى. قال تعالى: ﴿أَمْ أَمِنْتُم مَّن فِ السَّمَلِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرٍ﴾ [الملك:١٧]. فهل أمنتم من في السماء عذابه وعقابه وهو الله تعالى، أن يرسل عليكم سحابًا محمّلة بالحجارة؛ لتنالوا العقاب، فستعلمون حينها كيف نذير الله تعالى بالعقاب والوعيد (٣). ٢. إنزال بعض المؤشرات المنذرة بالعقاب من السماء. قال تعالى: ﴿وَإِن يَرَوَّا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًاً يَقُولُواْ سَحَابٌ مَّرَّكُومٌ﴾ [الطور: ٤٤]. حيث تبين هذه الآية الكريمة أن الكفار بلغ من فرط عنادهم وشدة كفرهم أنهم طلبوا كسفًا من السماء؛ ليتبين لهم صدق دعوى النبي صلى الله عليه وسلم، فنزل الكسف، وهو قطعة من السماء منذرة بالعذاب، فلما رأوا تلك الكسف استمروا في كذبهم، وقالوا هذا سحاب متراكم بعضه فوق بعض (٤). ٣. إصابة السحاب لأجل العذاب والعقاب. (٣) انظر: فتح البيان القنوجي ٢٤١/١٤. (٤) انظر: تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين ٣٠٣/٤. ٣٠٤ القرآن الكريم السحاب قال تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيَهَا مِنْ بَدٍ فَيُصِيبُ بِ مَن يَشَدُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَآءُ يَكَادُ سَنَا بَرَّقِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَرِ﴾ [النور: ٤٣]. فإن هذه الآية تبين أن الله تعالى ينزل من السماء من خلال السحاب بردًا ومطرًا وصقيعًا، وقد يكون هذا رحمةً وهو الغالب، وقد يكون نقمةً؛ لأجل العذاب والانتقام، كما يحدث بين الفترة والأخرى في بعض بلاد العالم، فإن من یصاب بهذا من الناس فهو بتقدیر الله تعالی، ومن یصرف عنه فهو برحمته وعلمه وقدرته؛ فإن من السحاب ما يحمل نارًا حارقة يرى في البرق شدة لمعانها وكذلك الصواعق، وغيرها(١). (١) انظر: نظم الدرر، البقاعي ٢٩٢/١٣. السحاب في المثل القرآني ضرب الله تعالى مثلًا لظلمة قلب الكافر، فقال تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَتٍ فِي ◌َخْرٍ لَّحِيِّ بِغْشَنُهُ مَوْجُ مِّن فَوْقِهِ، مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ. سَحَابٌ خُلُّمَتُ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ بَدَهُ. ◌َمْ يَكَدْ بَرَهَا وَمَن ◌َّْ يَجْعَلِاللهُ لَهُنُورًا فَمَا لَهُمِنْ ذُرٍ﴾. [النور: ٤٠]. فقد شبّهت الآية الكريمة الظلمات الكثيفة على قلب الكافر بظلمات في بحرٍ لجّيٍّ، أي: عميق كثير الماء، ولجة البحر: معظمه، يغشاه أي: يعلوه موج من فوق، موج، أي: متراكم من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض، وذلك أن البحر اللجي يكون قعره مظلماً جدًّا بسبب غمورة الماء، فإذا ترادفت الأمواج ازدادت الظلمة فإذا كانت فوق الأمواج سحاب بلغت الظلمة غايتها(٢). وقد صور القرآن الكريم في هذا المثل ظلمات قلب الكافر، وهي معنوية في صورة حسية، هي: ظلمات الموج المتراكم، ومن فوق السحاب؛ وذلك لتوضيح المعنى وتقريبه إلى الأذهان، والله أعلم. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٩٨/١٩، الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب ٥١٢٤/٨، النكت والعيون، الماوردي ١١١/٤، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٨٥/١٢. www. modoee.com ٣٠٥ حرف السین لمسات إعجازية في السحاب إن الوجه المعجز الوحيد في القرآن الكريم هو الوجه البياني المتضمن للفظ والمعنى والنظم. يقول الله تبارك وتعالى: وألْ تَرَأنَ الله يُزْجِ سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلّفُ بَيْنَهُ, ثُمَّ يَجْعَلُهُ رَكَامًا فَتَرَى الْوَدْفَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَلِهِ، وَيَُّزِّلُ مِنَ السَّمَآءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَ فَيُصِيبُ بِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَّن يَشَآءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَرِ ﴾ [النور : ٤٣]. وعند تأمل هذه الآية نجد أنها أشارت إلى بعض الجوانب العلمية التي اكتشفت في العصر الحديث، ومنها (١): ١. وصف الله تعالى السحاب بأنه يزجي، وهذا يعني أن الرياح تسوقه برفق إلى حیث قدّر الله تعالى في نزول المطر، وقد اكتشف العلماء أن السحاب الركامي تسوقه الرياح قطعًا من السحب الصغيرة إلى مناطق التجمّع، فتزداد كمية بخار الماء، وخاصةً أول التجمع. ٢. يؤلّف بين السحاب بعد الإزجاء، وهذا يعني الجمع بين قطعه المتفرقة مع التنظيم والترتيب، ثم تتألّف السحب (١) انظر: أنواع السحب رؤية قرآنية، عادل الصعدي، موقع جامعة الإيمان اليمنية الالكتروني. المتعددة؛ لتكون سحابًا واحدًا، ومن المؤكّد علميًّا أن هذه العملية تستغرق وقتًا طويلًا؛ ولذا جاء السياق القرآني (ثمّ) الذي يفيد التراخي (٢). ٣. جعل السحاب ركاما بعد التأليف، وهذا يعني أن السحاب بعد أن أصبح قطعةً مترابطة واحدةً، تجتمع بعضها فوق بعض، وإن العلماء قالوا: إن عامل رکم السحاب الذي یکون بالنمو الرأسي لنفس السحابة، هو العامل الرئيسي في هذه المرحلة، وإن الانتقال إليه من المرحلة السابقة يحتاج كذلك إلى زمن ، لذلك كان استعمال حرف العطف الدال على الترتيب مع التراخي في الزمن. وهو حرف العطف (ثم). ٤. وصف الآية نزول المطر من فتوق السحاب ومخارجه، وهذا هو ما قرّره علماء الأرصاد. ٥. وصف قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَآءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَبِ﴾[النور: ٤٣]. ومعنى هذه الآية هو ما فهمه المختصون بأنه لا بد أن يكون السحاب في شكل جبلي يسمح بتکوین الثلج في المناطق العليا منه، ويسمح بتكوين الماء الشديد (٢) انظر: إعجاز القرآن الكريم في وصف أنواع الرياح والسحاب والمطر، من بحوث المؤتمر العلمي الأول للإعجاز العلمي في القرآن والسنة، مجموعة من الباحثين. مَؤُوالَهُ النَّقِيَّة جوسين لِلْقُرآن الكَرِيمِ ٣٠٦