Indexed OCR Text
Pages 21-28
الزور سواء أكان ذلك قبل الحكم أم بعده. الثالث: أن تقوم عليه البينة أنه شاهد زور، ذهب إلی ذلك الإمام ابن فرحون من المالكية والشيرازي من الشافعية (١). ثالثًا: عقوبة شاهد الزور: اتفق الفقهاء على أن عقوبة شاهد الزور عقوبة تعزيرية، فمتى ثبت عند القاضي عن رجل أنه شهد بزور عمدًا عزره باتفاق الفقهاء؛ لأن الشريعة لم تقدر عقوبة محددة لشاهد الزور (٢)، لكن اختلف الفقهاء في تفصيلات هذه العقوبة التعزيرية على أقوال: القول الأول: قال الشافعية والحنابلة وبعض المالكية: ((تأديب شاهد الزور مفوض إلى رأي الحاكم، إن رأى تعزيره بالجلد جلده، وإن رأی أن یحبسه، أو کشف رأسه وإهانته وتوبيخه فعل ذلك ولا يزيد في جلده على عشر جلدات»، وقال الشافعي: ((لا يبلغ بالتعزير أربعين سوطًا))(٣). (١) انظر: تبصرة الحكام، ابن فرحون ٣٠٥/٢، المهذب في فقه الإمام الشافعي ، الشيرازي ٤٤٤/٣. (٢) انظر: بدائع الصنائع، الكاساني ٢٨٩/٦، مواهب الجليل، الخطاب ١٢٢/٦، نهاية المطلب، الجويني ٥٨٠/١٨، روضة الطالبين، النووي ١١/ ١٤٥، المغني، ابن قدامة ١٠/ ٢٣٢. (٣) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي ٧/ ١٥١، معالم التنزيل، البغوي ٤٥٩/٣، المحرر الوجيز، ابن عطية ٢ / ٢٥٥، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٣/ ٨٠، مواهب الجليل، القول الثاني: قال الإمام أبو يوسف، ومحمد بن الحسن وبعض المالكية: «إذا ثبت عند القاضي أو الحاكم عن رجل أنه شهد بالزور، عوقب بالسجن والضرب، ويطاف به في المجالس؛ لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه ضرب شاهد زور أربعين سوطًا وسخم وجهه، والتسخيم هو: التسوید، وسخم وجهه: سوده وطلاه بالسخام، وهو سواد القدر والفحم، ويكون ذلك في التعزير عقوبة شاهد الزور)) (٤). ولما روي عن عمر رضي الله عنه أيضًا أنه كتب إلى عماله بالشام: ((إذا أخذتم شاهد الزور فاجلدوه بضرب أربعين سوطًا وسخموا وجهه وطوفوا به حتى يعرفه الناس ويحلق رأسه ويطال حبسه؛ لأنه أتى كبيرة من الكبائر، يتعدى ضررها إلى العباد بإتلاف أنفسهم وأعراضهم وأموالهم)» (٥). قال الإمام ابن العربي: ((ومن الوسم الصحيح في الوجه ما رأى العلماء من تسويد وجه شاهد الزور علامة على قبح الخطاب ٦/ ١٢٢، روضة الطالبين، النووي ١٤٥/١١. (٤) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٢٨٣/١٢، تاج العروس، الزبيدي ٣٢/ ٣٥٥، معجم لغة الفقهاء، محمد رواس قلعجي وحامد صادق قنيبي ص ١٣٠ . (٥) انظر: بدائع الصنائع، الكاساني ٢٨٩/٦، البحر الرائق، ابن نجيم ١٢٧/٧، القوانين الفقهية، ابن جزي ص ٢٠٣، الشرح الكبير، الدردير وحاشية الدسوقي ٤ / ١٤١. www. modoee.com ١٧٥ حرفالناى المعصية، وتشديدًا لمن يتعاطاها لغيره ممن ذلك؛ نظرًا إلى هذا الوجه))(٣). يرجى تجنبه بما يرجى من عقوبة شاهد الزور وشهرته. وقد کان عزیزًا بقول الحق، وقد صار مهينًا بالمعصية؛ وأعظم الإهانة إهانة الوجه، وكذلك كانت الاستهانة به في طاعة الله سببًا لحياة الأبد، والتحريم له على النار؛ فإن الله قد حرم على النار أن تأكل من ابن آدم أثر السجود، حسبما ثبت في الصحيح (١)»(٢). القول الثالث: قال أبو حنيفة: ((إذا أقر الشاهد أنه شهد زورًا: يشهر به في الأسواق إن کان سوقيًّا، أو بین قومه إن کان غیر سوقي، وذلك بعد صلاة العصر في مكان تجمع الناس، ويقول المرسل معه: إنا وجدنا هذا شاهد زور فاحذروه، وحذروه الناس، ولا يعزر بالضرب أو الحبس؛ لأن القاضي شریح کان یشهر شاهد الزور ولا يعزره، وكانت قضاياه لا تخفى عن أصحاب رسول اللهصلی الله علیه وسلم ولم ينقل أنه أنكر عليه منكر؛ ولأن المقصود هو التوصل إلى الانزجار؛ وهو يحصل بالتشهير بل ربما يكون أعظم عند الناس من الضرب، فيكتفى به، والضرب وإن كان مبالغة في الزجر لكنه يقع مانعًا عن الرجوع فوجب التخفيف في (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب الصراط جسر جهنم، رقم ٦٥٧٣، ١١٧/٨. (٢) انظر: أحكام القرآن، ابن العربي ٣٠٧/٤. جوبيه القرآن الكريمِ والذي يظهر أن عقوبة شاهد الزور عقوبة تعزيرية مفوضة إلى رأي الحاكم، فله أن يحبسه طويلًا بحسب ما يراه الحاكم ویضربه، ولا یسخم وجهه؛ لأنه مثلة، وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن المثلة (٤)، ولا يركبه مقلوبًا، ولا يكلف الشاهد أن ينادي على نفسه، وفي الجملة ليس في ذلك تقدیر شرعي فللحاكم أن يفعل ما يراه ما لم يخرج إلى مخالفة نص أو معنی نص(٥). ففي الآية وعيد على شهادة الزور، ولكن ليس في الآية ما يدل على تعزير شاهد الزور؛ لأنها اقتصرت على تحريم شهادة الزور. وإنما يعزر من قبيل المصلحة والسياسة الشرعية، التي للحاكم أن يسير على نهجها لحفظ الحقوق العامة، وردع أهل الفساد. وهذا رأي المالكية وأبي يوسف ومحمد (٦). رابعًا: تضمين شهود الزور: اتفق الفقهاء على تضمين شهود الزور، إن كان المحكوم به مالًا أو حقًّا لم يفت، (٣) انظر: أحكام القرآن، الجصاص ٧٧/٥، بدائع الصنائع، الكاساني ٢٨٩/٦. (٤) أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب قصة عكل وعرينة، ١٢٩/٥، رقم ٤١٩٢. (٥) انظر: تبيين الحقائق، الزيلعي ٢٤٢/٤، مواهب الجليل، الحطاب ٦/ ١٢٢، تبصرة الحكام، ابن فرحون ٢٩١/٢، المغني، ابن قدامة ١٠/ ٢٣٣. (٦) التفسير المنير، الزحيلي ٢١٢/١٧. ١٧٦ الروم وكذلك إن كان إتلافًا؛ لأن القاضي متى علم أن الشهود شهدوا بالزور: تبين أن الحکم کان باطلًا، ولزم نقضه وبطلان ما حکم به، ويضمن شهود الزور ما ترتب على شهادتهم، فإن كان المحكوم به مالًا أو حقًّا رده إلى صاحبه، وإن كان إتلافًا: فعلی الشهود ضمانه؛ لأنهم سبب إتلافه(١)، واختلفوا إن كان المحكوم به حدًّا أو قصاصًا على قولين هما: القول الأول: ذهب الشافعية والحنابلة: إلى وجوب القصاص على شهود الزور إذا شهدوا على رجل بما یوجب قتله، كأن شهدوا عليه بقتل عمد عدوان أو بردة أو بزنی وهو محصن، فقتل الرجل بشهادتهما، ثم رجعا وأقرا بتعمد قتله، وقالا: تعمدنا الشهادة عليه بالزور؛ ليقتل أو يقطع: فيجب القصاص عليهما؛ لتعمد القتل بتزوير الشهادة، لما روى الشعبي: ((أن رجلين شهدا عند علي رضي الله عنه على رجل بالسرقة فقطعه ثم عادا فقالا: أخطأنا، ليس هذا هو السارق، فقال علي: لو علمت أنكما تعمدتما لقطعتكما)»، ولا مخالف له في (١) انظر: تبيين الحقائق، الزيلعي ٢٤٥/٤، حاشية ابن عابدين رد المحتار على الدر المختار ٥٠٤/٥، البیان و التحصیل، ابن رشد ١٠/ ٧، القوانين الفقهية، ابن جزي ص٢٠٦، تحفة المحتاج، ابن حجر الهيتمي ١٠/ ٢٨١، شرح منتهى الإرادات، البهوتي ٣/ ٦٠٧. ذلك من الصحابة فيكون إجماعًا، وإنهما تسببا إلى قتله أو قطعه بما يفضي إليه غالبًا فلزمهما کالمکره(٢). وكذلك الحكم إذا شهدوا زورًا بما يوجب القطع قصاصًا، فقطع أو في سرقة لزمهما القطع وإذا سرى أثر القطع إلى النفس فعليهما القصاص في النفس (٣). القول الثاني: ذهب الحنفية والمالكية: إلى أن الواجب هو الدية لا القصاص؛ لأن القتل بشهادة الزور قتل بالسبب، والقتل تسببًا لا يساوي القتل مباشرة، ولذا قصر أثره، فوجبت به الدية لا القصاص عندهم(٤). خامسًا: توبة شاهد الزور: اختلف الفقهاء في قبول شهادة شاهد الزور بعد توبته على أقوال: القول الأول: ذهب الحنفية إلى أنه إذا تاب شاهد الزور، وأتت على ذلك مدة، قيل: سنة، وقيل: ستة أشهر، والصحيح أنها مفوضة لرأي القاضي. فإن كان فاسقًا تقبل شهادته؛ لأن الحامل له على الزور فسقه، وقد زال بالتوبة، وإن (٢) انظر: نهاية المطلب، الجويني ١٦٩/١٦، كشاف القناع، البهوتي ٦/ ٨٦. (٣) انظر: روضة الطالبين، النووي ٩٩/١١ كشاف القناع، البهوتي ٦/ ٤٤٣. (٤) انظر: بدائع الصنائع، الكاساني ٢٨٥/٦، البحر الرائق، ابن نجيم ١٢٨/٧ www. modoee.com ١٧٧ حرف الراى كان مستورًا لا يقبل أصلًا، وكذا إذا كان قال: (ألا وقول الزور). فما يزال يكررها حتى قلنا: ليته سكت (٢) (٣) عدلًا، على رواية بشر عن أبي يوسف، لأن الحامل له على ذلك غير معلوم، فكان الحال قبل التوبة وبعدها سواء، وروى أبو جعفر أنها تقبل، قالوا: وعليه الفتوى. القول الثاني: ذهب الشافعي وأحمد: تقبل شهادته إذا أتت على ذلك مدة تظهر فيها توبته، ويتبين فيها صدقه، وعدالته. القول الثالث: قال مالك: «لا تقبل شهادته أبدًا؛ لأنه لا يؤمن على قول الصدق))(١). سادسًا: حكم التزوير في الوثائق: ولأن التزوير أساسه الكذب، والكذب محرم في الإسلام، والتزوير في مدلوله يعني: تغییر الحقيقة أيّا كانت وسيلته، بالقول أم بالكتابة، فهو في جوهره کذب وفي مرماه اغتيال لعقيدة الغير؛ لأنه تحريف مفتعل للحقيقة في الواقع والبيانات التي يراد إثباتها بصك أو مخطوط يحتج بها، قد ينجم عنها ضرر مادي أو معنوي أو اجتماعي (٤). الأصل في التزوير أنه محرم شرعًا بكل صوره ومعانيه، سواء أكان في الشهادة؛ لإبطال حق أو إثبات باطل، أو في المستندات والوثائق التقليدية أو الإلكترونية، والدليل على حرمته: من الكتاب قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُواْ الرّْسَ مِنَ الْأَوْثَنِ وَأَجْتَنِبُواْ قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠]. ومن السنة النبوية قوله صلى الله عليه وسلم: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟) قالوا: بلى يا رسول الله. قال: (الإشراك بالله وعقوق الوالدين)، وجلس و کان متکًا، ثم (١) انظر: الجواهر الحسان، الثعالبي ١٢١/٤، أضواء البيان، الشنقيطي ٣٠١/٨، ١ البيان والتحصيل، ابن رشد ٢٢٤/١٠، تحفة المحتاج، ابن حجر الهيتمي ٢٤١/١٠. (٢) أخرجه البخاري، كتاب الشهادات، باب ما قيل في شهادة الزور، ١٧١/٣، رقم ٢٦٥٤. (٣) انظر: المغني، ابن قدامة ٢٣١/١٠. (٤) انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية ١٠/ ٢٠٣. جَوَسُوعَةُ التَّفْسِيرُ القرآن الكريم ١٧٨ الزور أثر انتشار الزور على الفرد والمجتمع إن لانتشار الزور بمفهومه العام آثارًا على الفرد والمجتمع، وهذه الآثار يمكن بيانها من خلال المحاور الرئيسة لمعنى الزور بمفهومه العام: أولًا: انتشار الزور الذي بمعنى الشرك: إن انتشار الزور الذي هو بمعنى الشرك بالله تعالی بکل صوره وأشكاله یؤدي إلى انتهاك حرمات الله تعالى، وأن ذلك يجعل الفرد مضطرب الفكر والعقل والجسم، وهذا ما يدل عليه قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبّةٍ وَأَحِلَتْ لَكُمُ الْأَنْعَمُ إِلَّ مَا يُثْلَى عَلَيْكُمْ فَأَجْتَنِبُواْ الرَّحْسَ مِنَ اُلْأَوْثَنِ وَأَجْتَنِبُواْ قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠]. وقوله تعالى: ﴿حُنَفَآءَ لِلَّهِ غَيْرٌ مُشْرِكِينَ ◌ِّ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِى بِهِ الرِّجُ فِ مَكَانٍ سَحِقٍ﴾ [الحج: ٣١]. والمعنى: أي: اجتنبوا أيها الناس عبادة الأوثان، وقول الشرك، مستقيمين لله على إخلاص التوحيد له، وإفراد الطاعة والعبادة له خالصًا دون الأوثان والأصنام، غير مشركين به شيئًا من دونه، فإنه من يشرك بالله شيئًا من دونه، فمثله في بعده من الهدى وإصابة الحق وهلاکه وذهابه عن ربه، مثل من خرّ من السماء فخطفته الطير فهلك، أو هوت به الريح في مكان سحيق، يعني: من بعيد(١). فقد ضرب للمشرك مثلًا في ضلاله وهلاكه وبعده عن الهدى، فقال تعالى: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِى بِ الْرِجُ فِ مَكَانٍ سَحِقٍ﴾، أي: سقط منها ﴿فَتَخْطَفُهُ اُلَيْرُ﴾ أي: تقطعه الطيور في الهواء . أَوْ تَهْوِى بِهِ الرِّيحُ فِ مَكَانٍ سَحِقٍ﴾ أي: بعيد مهلك لمن هوی فیه(٢). أي: إن المشرك يعيش في اضطراب عقدي ونفسي وجسمي، وهذا أثر بارز لانتشار الزور قال تعالى: ﴿وَمَن يُشْرِكَ بِاَللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلْ بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِّرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءٌ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدٍ أَفْتَرَىّ إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨]. ثانيًا: آثار انتشار الزور الذي بمعنى الكذب والافتراء على الله تعالى: قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَنَّابٌ﴾ [غافر: ٢٨]. والآية تدل على أن عدم الهداية للخير والصواب والدين الحق من ثمار انتشار (١) جامع البيان، الطبري ١٨ / ٦٢٠. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٦٩/٥. www. modoee.com ١٧٩ حرف الزاى الزور، أي: إن الله لا يوفق للحق من هو يصدق الكذاب وإن نطق بالصدق، ولا تقبل شهادته، ولا یوثق بمواعیده و عهوده، ويضعف ثقة الناس بعضهم ببعض، ويشيع فيهم أحاسيس التوجس والتناكر. متعد إلى فعل ما ليس له فعله، كذاب عليه يكذب، ويقول عليه الباطل وغير الحق، وقد اختلف أهل التأويل في معنى الإسراف الذي ذكره المؤمن في هذا الموضع، فقال بعضهم: عني به الشرك، وأراد: إن الله لا يهدي من هو مشرك به مفتر عليه (١). والكذب هو: مخالفة القول للواقع، وهو من أبشع العيوب والجرائم، ومصدر الآثام والمجتمع على حد سواء؛ منها ما يسبب والشرور، وداعية الفضيحة والسقوط، لذلك حرمته الشريعة الإسلامية، ونعت على المتصفين به، وتوعّدتهم في الكتاب والسنة: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَنَّكٍ أَثِيرٍ﴾ [الجاثية: ٧]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِى الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِثَايَتِ اللَّهِ وَأَوْلَئِكَ هُمُ اُلْكَذِبُونَ﴾ [النحل: ١٠٥]. والمعنى: إن الذين لا يؤمنون بحجج الله وأدلته، فيصدقون بما دلت عليه ﴿لَايَهْدِهِمُ اللَّهُ [النحل: ١٠٤]. أي: لا يوفقهم الله الإصابة الحق، ولا يهديهم لسبيل الرشد في الدنيا، ولهم في الآخرة وعند الله إذا وردوا عليه يوم القيامة عذاب مؤلم موجع (٢). والكذب باعث على سوء السمعة، وسقوط الكرامة، وانعدام الوثاقة، فلا (١) جامع البيان، الطبري ٣١٣/٢٠. (٢) المصدر السابق ٣٠٢/١٧. والكذب هو الذي يؤثر سلبا في بنية المجتمع الأخلاقية والإنسانية، ويؤدي إلى تفكك أواصر العلاقات السليمة، ويلحق الأضرار الجسيمة والبالغة بالأفراد إراقة وهدر الدماء ، وإزهاق النفوس، وهتك الأعراض ،وغمط الحقوق، وتدنيس الشرف، وانتهاك الحرمات، وأكل المال العام والخاص دون مبالاة أو اكتراث أو شعور بالمسئولية ،أو وخز الضمير بعد موته بالذنوب والآثام ، وأعظمها خطرًا الخلل والميلان بالميزان الاجتماعي واستقراره على قواعده الصحيحة. ثالثًا: الزور الذي هو بمعنى شهادة الزور: إن شهادة الزور جريمة خطيرة، وظلم سافر هدّام، تبعث على غمط الحقوق، واستلاب الأموال، وإشاعة الفوضى في المجتمع، بمساندة المجرمين على جرائم التدلیس والابتزاز. إن مقترف شهادة الزور، یسيء إلى نفسه إساءة كبرى بتعريضها إلى سخط الله تعالى، ١٨٠ مَسُو ◌َ الـ القرآن الكريمِ الزور وعقوباته التي صورتها النصوص السالفة، ويسيء كذلك إلى من سانده ومالأه، بالحلف كذبًا، وبالشهادة زورًا، حيث شجّعه على بخس حقوق الناس، وابتزاز أموالهم، وهدر كراماتهم. ويسيء كذلك إلى من اختلق عليه الشهادة المزورة، بخذلانه وإضاعة حقوقه، وإسقاط معنوياته، ويسيء إلى المجتمع عامة بإشاعة الفوضى والفساد فيه، وتحطيم قيمه الدينية والأخلاقية. ويسيء إلى الشريعة الاسلامية بتحدّيها، ومخالفة دستورها المقدس، الذي يجب أتباعه وتطبيقه على كل مسلم، وأضرار شهادة الزور على الفرد والمجتمع يمكن تلخيصها فيما يأتي: «أولًا: إن شهادة الزور من أكبر الكبائر وأعظم المصائب، حيث إن شاهد الزور يقف أمام القاضي بدون خجل ولا حياء، ویتھم بريئًا لم يقترف ذنبًا؛ لتوقع به العقوبة إثر شهادات مزيفة وأقوال مزورة. وهذا عمل يغضب الرب ويستحق صاحبه أن یعجل الله له العقوبة، فضلا عن كونه عملًا منقصًا لإيمان عامله. ثانيًا: إن شهادة الزور تتسبب في ضياع حقوق الناس زورًا و کذبًا، فالشاهد للزور أضاعٍ حق المشهود عليه، وأثبت للمشهود له حقًا ليس له بسبب شهادته الكاذبة. ثالثًا: ما ينشأ عن شهادة الزور وقوله من فقدان العدالة؛ إذ سيترتب على ذلك ضياع الحقوق، وهنا ستطمس معالم العدالة، فكيف تكون هناك عدالة والحقوق مضيعة ومعطاة لغير أهلها. رابعًا: قلب الحياة بشهادة الزور إلى شقاء ويلاء؛ إذ لا سعادة وهناء في مجتمع تضاع فيه الحقوق وينصر الظالم ويخذل المظلوم. خامسًا: ما يترتب على شهادة الزور أو قوله أو فعله من جرائم لا تطاق ومظالم لا تحتمل كالقتل، والقطع، والجلد، وأخذ المال بالباطل. سادسًا: تضليل القضاة والحكام والمسئولين، فيحكمون بخلاف الحق بسبب الشهادة الباطلة أو التزوير المكذوب. سابعًا: ولو لم يكن في شهادة الزور إلا ما فيها من قلب للحقائق والموازين لكفى. والتزوير والزور ليس مقصورًا على شهادة يدلي بها شاهد أمام قاض ونحوه فقط، بل هي أشمل وأعم؛ إذ يدخل فيها كل ما حمل معناها، فالتزوير في الأوراق والمعاملات الرسمية محرم، وهو من أعظم المصائب. وذلك كتزوير الأختام الرسمية لإحدى المصالح الحكومية أو المؤسسات أو الأفراد،و کالتزوير الذي يرتكبه موظف أو غيره في المحاضر أو الوثائق أو السجلات www. modoee.com ١٨١ حرف الزاى أو السندات أو الأوراق الرسمية، سواء ، أن هذا لا يكون مؤكدًا من غير المسلم في أكان ذلك بوضع توقيعات وأختام مزورة أو حق المسلم (٢). بتغيير المحررات أو الأختام أو التوقيعات أو بزيادة كلمات أو بوضع أسماء أشخاص آخرين كل هذه الأمور من المعاصي المحرمة شرعًا))(١). كما أن في شهادة الزور تعاونًا على الإثم والعدوان؛ لأنه تعاون على الباطل، والباطل في معاني الزور كما قال تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَآ إِلَّ إِفْكَ افْتَرَهُ وَأَعَنَهُ عَلَيْهِ قَوْمُ ءَآخَرُونٌَ فَقَدْ جَآءُ وظُلْمًا وَزُورًا﴾ [الفرقان: ٤]. ومن ذلك الإعانة على إقامة المنكر وما هو باطل أو التهيئة له، ومنه تکثیر سواد أهل الباطل، فقد مدح الله عباد الرحمن فقال: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُواْ بِاللَّغْوِ مَنُ واكِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢]. فالمفروض أن المؤمن يعرف خطورة إثم الزور قولًا وفعلًا وشهادةً، وضرر إشاعة الفاحشة بين المسلمين، ويعرف أن مصلحة المجتمع الإسلامي هي مصلحته، فلا يقدم على شهادة من هذا النوع في حق أخيه المسلم إلّا إذا كان على يقين منها، بحيث يعتقد أنه مؤاخذ عند الله إذا كتمها، في حين (١) انظر: مقال: التزوير مضاره وآثاره السيئة، د.عقيل بن عبدالرحمن العقيل، منشور في: جريدة الرياض الإلكترونية العدد ١٣٨٣٦ بتاريخ الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٢٧ هـ-١٢ مايو ٢٠٠٦م. (٢) انظر: التفسير الحديث، محمد عزت دروزة ٨/ ٥٣. ١٨٢ مَوَسُولَةُ النَّفِيَة القرآن الكريم موضوعات ذات صلة: الافتراء، الشهادة، الصدق، الكذب، الميسر