Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
الزكاة
عناصر الموضوع
مفهوم الزكاة
٣٨
الزكاة في الاستعمال القرآني
٣٩
الألفاظ ذات الصلة
٤٠
مشروعية الزكاة ومقاصدها
٤٢
أنواع الصدقة وفضلها
٥٩
مصارف الزكاة
٦٧
المُجَلَّدَ السَّابِعْ عَشَرِ

حرف الزاى
مفهوم الزكاة
أولًا: المعنى اللغوي:
الزكاة والزكاء في اللغة مصدران من الفعل الثلاثي المضعف بالتشديد (زكّى)، ومن
الثلاثي المخفف (زكا)، فأما الأول وهو (الزكاة) يقال: زكّى يزكّي تزكيةً إذا أدّى عن ماله
زكاته، ويقال أيضًا: زكّاه إذا أخذ زكاته، وتزكّى، أي: تصدّق، وأما الثاني وهو (الزّكاء) بالمد
فمعناه النّماء والرّيع، مأخوذ من قولهم: زكا يزكو زكاءً وزكوًّا، والزكاء أيضًا يطلق على ما
أخرجه الله تعالى من الثمر (١).
وللزكاة معان عدة مدارها على النمو، والبركة، وزيادة الخير، والطهارة، يقال: زكا الزرع
إذا نما وزكت النفقة إذا بورك فيها، وفلان زاكٍ ، أي : كثير الخير، وتطلق الزكاة أيضًا على
التطهير المعنوي للنفس والمال.
وأصل الزكاة النمو الحاصل عن بركة الله تعالى، ويعتبر ذلك بالأمور الدنيوية
والأخروية (٢).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
يختلف الفقهاء في تعريف الزكاة اختلافًا يسيرًا، مع اتفاقهم على المعاني العامة فيها.
فعند الحنفية هي: تمليك جزء مالٍ، عيّنه الشارع، من مسلمٍ فقيرٍ، غير هاشمي ولا مولاه،
مع قطع المنفعة عن الملك من كل وجه لله تعالى (٣).
وعند المالكية: جزء من المال، شرط وجوبه لمستحقه بلوغ المال نصابًا (٤).
وعند الشافعية: اسم لما يخرج عن مال أو بدن على وجه مخصوص (٥).
وعند الحنابلة: حق واجب في مال مخصوص، لطائفة مخصوصة، في وقت مخصوص(٦).
(١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٣٥٨/١٤.
(٢) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٢١٣.
(٣) انظر: الدر المختار، الحصكفي ٢٥٧/٢-٢٥٨، مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر، شيخي زاده
ص٢٨٤ - ٢٨٥.
(٤) شرح حدود ابن عرفة، الرصاع ص٥٣٩.
(٥) نهاية المحتاج، الرملي ٤٣/٣.
(٦) الإقناع في فقه الإمام أحمد، الحجاوي ١/ ٢٤٢.
٣٨
جَوَبُورَةُ التَّفيـ
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

الزكاة
الزكاة في الاستعمال القرآني
وردت مادة (زكا) في القرآن الكريم (٣٧) مرة (١).
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ, مَا زَّكَ مِنْكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًّا
١
[النور: ٢١]
وَأَقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْالزَّكَوَةَ وَأَرْكَعُواْ مَعَ الزَّكِينَ
مصدر
[البقرة: ٤٣]
اسم تفضيل
٤
﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزَكَى طَعَامًا ﴾ [الكهف: ١٩]
وجاءت (الزكاة) في القرآن على خمسة أوجه (٢):
الأول: النقاء والطهارة: ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ, مَا زَّكَ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ
)[النور: ٢١] يعني: ما طهر منكم من أحد.
أبدا
الثاني: الزكاة المفروضة: ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْالزَّكَوَةَ﴾﴾ [البقرة: ٤٣]
يعني: زكاة المال المفروضة.
الثالث: الحلال: ومنه قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزَكَى طَعَامًا﴾ [الكهف: ١٩] أي: أحل
طعامًا.
الرابع: الصدقة: ومنه قوله تعالى: ﴿وَحَتَانًا مِّن لَّدُنَّاً وَزَّكَوَةٌ وَكَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٣]
أي: صدقة تصدّق بها على أبويه.
الخامس: الصلاح: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِ لَهُمَا رَتُهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَوَةٌ وَأَقْرَبَ رُخْمًا ﴾ [الكهف: ٨١]
أي: صلاحًا.
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص ٣٣١-٣٣٢.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني ص ٢٤٩، ٢٥١، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي ١٣٤/٣.
www. modoee.com
٣٩
٤٣
٣٢

حرف الزاى
الألفاظ ذات الصلة
الصدقة :
١
الصدقة لغة:
الصدقة (بالتحريك) مصدر الفعل الرباعي تصدّق يتصدق فهو متصدقٌ، والمراد بها ما
أعطيته في ذات الله تعالى للفقراء، أو: ما يخرجه الإنسان من ماله على وجه القربة، كالزكاة،
لكن الصدقة في الأصل تقال: للمتطوع به، والزكاة تقال للواجب. وقيل: يسمى الواجب
صدقة إذا تحرى صاحبه الصدق بفعله (١).
الصدقة اصطلاحًا:
قال الراغب الأصفهاني: ((الصدقة ما يخرجه الإنسان من ماله على وجه القربة، كالزكاة،
لكن الصدقة في الأصل تقال للمتطوّع به، والزكاة للواجب، وقد يسمّى الواجب صدقةً إذا
تحرّى صاحبها الصدق في فعله))(٢).
وقال التّهانويّ: (( الصّدقة: عطيّة يراد بها المثوبة لا التّكرمة؛ لأنّ بها يظهر الصّدق في
العبوديّة، وهي أعمّ من الزّكاة، وقد تطلق عليها أيضًا))(٣).
الصلة بين الصدقة والزكاة:
بينهما عموم وخصوص مطلق، أي : أن أحدهما أعم وأشمل من الآخر، وهذا الأعم هو
الصدقة والزكاة أخص منها، فكل زكاة صدقة وليس كل صدقة زكاة.
النفقة:
٢
النفقة لغة:
جاء في لسان العرب: نفق الزاد ينفق نفقًا ، أي : نفد، وقد أنفقت الدراهم من النّفقة،
ورجل منفاقٌ أي كثير النّفقة، والنّفقة ما أنفقت واستنفقت على العيال، ويطلق عليها (نفقة)
(وإنفاق) وهو صرف المال إلى الحاجة (٤).
النفقة اصطلاحًا:
(١) تاج العروس، الزبيدي ١/ ٦٤٢١.
(٢) المفردات، ص ٢٧٨.
(٣) كشاف اصطلاحات الفنون، ٤/ ٢٦٠.
(٤) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٣٧٥/١٠، التعريفات، الجرجاني ص ٥٧.
جَوَبُور
القرآن الكريم
٤٠

الزكاة
عند الشافعية: النفقة مأخوذة من الإنفاق وهو الإخراج، ولا يستعمل إلا في الخير(١).
وعند الحنابلة هي: كفاية من يمونه طعامًا وكسوة ومسكنًا وتوابعها(٢).
الصلة بين النفقة والزكاة:
الزكاة والنفقة تشتركان في وجوب إخراج الأموال، إلا أن النفقة واجبة على الشخص
لمن يلزمه الإنفاق عليهم من زوجة وأولاد وأقارب وغيرهم، وتكون في كل ما يحتاجه
المنفق علیه من طعام وشراب و کسوة وغير ذلك ولا تختص بجانب من ذلك معین، ولیس
لها قدر معين بل بقدر الكفاية.
العطية:
٣
العطية لغة:
بمعنى العطاء، والمراد بهما: اسمٌ لما يعطى، والجمع عطايا وأعطية، وجمع الجمع
(أعطياتٌ)، ويقال: رجلٌ معطاءٌ كثير العطاء، وامرأة معطاء كذلك ومفعالٌ يستوي فيه المذكّر
والمؤنّث (٣).
وفرّق بعض اللغويين بين العطية والصدقة بأن الصدقة هي ما يرجى به الثواب، بخلاف
العطية (٤).
العطية اصطلاحًا:
ما يعطى بغير عوض، هبة كان، أو صدقة، أو هدية (٥).
الصلة بين العطية والزكاة:
العطية أعم من الصدقة، ومن الزكاة، فالعطية تشمل ما يراد به وجه الله وما يراد به التودد
إلى الخلق.
(١) انظر: مغني المحتاج، الشربيني ٤٢٥/٣.
(٢) انظر: كشاف القناع، البهوتي ١٣ /١١٣.
(٣) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٦٨/١٥، تاج العروس، الزبيدي ١٤٧/١٠.
(٤) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص١٠٧.
(٥) معجم لغة الفقهاء، محمد رواس قلعجي ص٣٧٨.
www. modoee.com
٤١

حرف الزاى
مشروعية الزكاة ومقاصدها
أولًا: مشروعية الزكاة:
ذكره؛ حيث ثبتت فرضيتها بالكتاب والسنة
وإجماع الأمة، وبناء على ذلك فإن هذه
المشروعية تشتمل على جوانب إعجاز
تشريعية قديمة وحديثة.
فالزكاة على جهة الإجمال فرض من
فرائض الإسلام، أو ركن من أركانه الخمسة
الواردة في حديث (بني الإسلام على
خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا
رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة)(١).
فيها من الأسرار ما فيها، ولها مكانة
عظمى في الإسلام، فهي عبادة من العبادات
الأربع، ومن هذا الوجه تقرن في القرآن
والحديث بالصلاة، وتأتي بعدها عادة في
كتب الفقه في قسم العبادات.
وهي مورد أساس من الموارد المالية
في الدولة الإسلامية، وهذا يخرجها عن
أن تكون عبادة محضة، فهي جزء من النظام
المالي والاقتصادي في الإسلام؛ ولهذا
عنيت بها كتب الفقه المالي في الإسلام(٢).
ونشير هنا إلى أبرز خصاص الزكاة، ثم أهم
جوانب حكمة تشريعها، واقترانها بالصلاة.
(١) سبق تخريجه.
(٢) فقه الزكاة، القرضاوي ٣/١.
المسألة الأولى: خصائص الزكاة.
من خلال تتبع مشروعية العبادات
الأربعة (الصلاة والزكاة والصيام والحج)
الزكاة مشروعة على نحو ما تقدم يستنتج أن الزكاة تتسم بالخصائص التالية:
١. الزكاة عبادة جمعت بين المالية
والزمانية.
المعروف أن العبادات تنقسم من حيث
البدن والمال إلى ثلاثة أقسام: عبادات بدنية
محضة، وهي الصلاة والصوم، وعبادات
مالية محضة، وهي الزكاة، وعبادات تجمع
بين المالية والبدنية وهي الحج.
وتنقسم من حيث الزمان والمكان إلى
قسمين: عبادات زمانية محضة وهى الصلاة
والصوم والزكاة، وعبادات تجمع بين
الزمانية والمكانية وهي الحج.
وبهذا ندرك قيمة الزكاة ومكانتها بين
أركان الإسلام، فمن حيث كونها مالية
محضة، نجد أن المرء لا يتعب بدنه في
إخراجها، ولا أثر للأعذار البدنية في
إسقاطها، فالعبرة بوجود المال بشروطه
المعروفة، ولا عبرة بكون المزكي مريضًا أو
ذا عاهة، أو لم يخرجها بنفسه، بل و گّل غيره
في إخراجها ... الخ.
ومن حيث الزمان فهي ترتبط بمرور
الحول في كل أنواع الزكاة عدا الزروع
والثمار والركاز والمعدن. ومن حيث
المكان لا تجد الشريعة الإسلامية تفرض
٤٢
جوب
القرآن الكريمِ

الزكاة
على المزکي موضعًا معينا لتوزيع الزكاة،
بل تركت هذا الباب مفتوحًا لآراء الفقهاء،
وحالة المزكي، ومستحقي الزكاة.
٢. الزكاة عبادة تقبل النيابة بخلاف الصلاة
والصيام.
أيضًامن حكمة تشريع الزكاة أنه يجوز
فيها النيابة أو الوكالة، فلا يشترط أن يخرجها
المزكي بنفسه، بل يوكل من يخرجها عنه
لسبب أو بدون سبب، أو يوكل الحاكم من
يجمع الزكاة من أربابها (العاملين عليها)
وهم صنف من أصناف الزكاة كما سبق ذكره
في آية المصارف.
وهذا فيه من مظاهر التيسير ورفع الحرج
ما فیه، حیث لو کلّف کل إنسان أن يخرج
زكاة ماله بنفسه ويعطيها للمستحق لوجد
الناس في ذلك حرجًا ومشقة كبيرين.
ولذلك نجد حكمة جليلة في تنوع
الخطاب القرآني الخاص بالزكاة، على نحو
ما سبق في آیات الزكاة، فأكثر آیات وجوب
الزكاة وردت بلفظ الإيتاء بمشتقاته، والإيتاء
لا يقتضي الدفع بالنفس، بل یمکن أن تدفعها
بنفسك أو توگّل من يدفعها عنك.
ونجد آيات أخرى يخاطب بها الحاكم
﴿خُذِّ مِنْ أَمْوَلِمْ صَدَقَّةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَلْهِم ◌ِهَا
وَصَلّ عَلَيْهِمَّ إِنَّ صَلَوَتَكَ سَكَنُ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعُ
عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٣].
أعوانه للزكاة من أربابها.
ونجد في آية مصارف الزكاة ﴿وَالْعَمِلِينَ
عَلَيْهَا﴾ وذلك إشارة إلى وجود طرف ثالث
في الزكاة يأخذ من المزكي، ويجمع ليعطي
للفقير.
٣. الأسس العامة للزكاة لا تخضع
للاجتهاد البشري، بل هي مقدرة من
الشرع.
وبيان ذلك أن الله تعالى قد جعل الزكاة
دین متعبّد به ، ووضع إلهي مستقر لا يتغير
ولا يتبدل، غير خاضع للأهواء البشرية،
تنتقل آثاره إلى الحياة الآخرة.
قال تعالى: ﴿فَمَّا مَنْ أَعْطَى وَأَنَّقَى (٥) وَصَدَّقَ
بِاَ لْصُْفَى
وَأَمَّا مَنْ يَجْلَ
فستَيَسِّرَهُ, لِليَسْرَى
وَأَسْتَغْفَى { وَكَذَّبَ بِالْمُنْنَى ، فَسَتْيَسِرُ لِلْمُسْرَى
ث وَمَا يُغْنِ عَنْهُ مَا لَهُ وَ إِذَا تَرَدََّ﴾﴾ [الليل: ٥-١١].
ووضع الإسلام في الزكاة أسسًا عامة
، وأحكامًا فرعية ، أو بالأحرى ثوابت
ومتغيرات، فجعل الأسس أو الثوابت
خاضعة لنصوص الشرع لا تقبل التغيير
ولا الاجتهاد، فحدد المصارف والأنصبة
والمقادير.
وترك باب الاجتهاد مفتوحًا في أمور
مثل: كيفيات التوزيع من حيث الطريقة
والمكان، وتقديم الزكاة أو تأخيرها حسب
الحاجة والحالة، واستحداث مصارف
وهذا إشارة إلى عملية قبض الحاكم أو جديدة تدور في إطار المصارف الأصلية
www. modoee.com
٤٣

حرف الزاى
الواردة في القرآن الكريم، وإيجاب الزكاة محلته، بل هو مكلّف بالسعي خارج محلته
حتى يجد مستحق الزكاة، ولا تخلو محلة أو
یخلو بلد صغیرًا کان أو کبیرًا من مصرف أو
أكثر من مصارفها.
في أصناف معينة من الأموال والزروع
والثمار والحيوان ، أو عدم إيجابها حسبما
يترجح لدى الفقهاء في كل رأي، ودفع
القيمة في بعض أنواع الزكوات، واستيعاب
كل المصارف الواردة في الآية أو الاكتفاء
ببعضها. وغير ذلك من المسائل الخلافية.
المسألة الثانية: حكمة تشريع
الزكاة.
من أبرز حكم تشريع الزكاة ما يلي:
١. خطاب الأمر بالزكاة فيه حثّ للغني،
وإعزاز للفقير، ورفع للحرج عنه.
وبيان ذلك أننا حين نتدبر أوامر القرآن
والسنة المتعلقة بالزكاة نجد أن الخطاب
فيها موجّةٌ إلى الغني بالدفع والإيتاء، ولم
يوجّه فيها للفقير بالطلب والاستعطاء،
فالشرع لم يكلّف الفقير بالسعي لطلب
الزكاة، بل كلّف الغني بالسعي للبحث عن
مستحق للزكاة لیعطیه إياها.
فقال تعالى: ﴿وَءَاُواْالزَّكَوةَ﴾، وقال عليه
الصلاة والسلام: (أغنوهم عن طواف هذا
اليوم) (١).
ولهذا لا تبرأ ذمة الغني أو تسقط عنه
الزكاة إذا عدم مستحق الزكاة ببلده أو
(١) أخرجه الدار قطني في سننه، كتاب زكاة الفطر،
١٥٢/٢، رقم ٦٧.
وضعفه الألباني في الإرواء، ٣٣٢/٣، رقم
٨٤٤.
يقول أبو حامد الغزالي رحمه الله مبيّنًا
تقسيم مصارف الزكاة على البلاد ومدى
توافر بعضها وانقراض الآخر: ((وقد عدم من
الثمانية صنفان في أكثر البلاد، وهم المؤلّفة
قلوبهم، والعاملون عليها، ويوجد في جميع
البلاد أربعة أصناف: الفقراء ، والمساکین،
والغارمون، والمسافرون -أعني أبناء
السبيل-، وصنفان يوجدان في بعض البلاد
دون بعض، وهم الغزاة والمكاتبون))(٢).
٢. الزكاة تحقق التنمية الاقتصادية الفردية
والجماعية.
تعدّ الزكاة عاملًا مهمًّا في تنمية المجتمع
المسلم على المستوى الفردي والجماعي،
بما تقدّمه من حلول، وما تسهم به من
موارد، وما تعالجه من مشكلات اجتماعية،
والتي يقع على رأسها معالجة مشكلة الفقر،
التي سعى الإسلام للقضاء عليها بشتى
الوسائل من خلال الكفّارات، والزكوات،
والصدقات؛ وذلك لأنّ محاربة الفقر، أو
القضاء علیه تنقذ المجتمع من براثنه، وتهيئ
للإنسان حياة كريمة، ومستوىّ من المعيشة
(٢) أسرار الزكاة، الغزالي ص ٦١.
٤٤
جَوَسُو
القرآن الكريمِ

الزكاة
يليق بكرامته (١).
والناظر إلى دور الزكاة في تنمية المجتمع
المسلم من الناحية الاقتصادية يجد هذه
الملامح:
أنّ تخصيص جزء من حصيلة الزكاة
للفقراء والمساكين جعل منها أداة
لتحقيق مجتمع إسلامي متضامن
ومتعاون.
أنّ إيجاب الزكاة في الذهب والفضة،
وهما المالان الأساسان لعملية التنمية-
حتى ولو كانا غير موضوعين بطريق
الاستثمار - يعدّ نوعًا من أنواع التنمية
الاقتصادية؛ حيث إن من حكمة الزكاة
مهاجمة الأموال المكتنزة، وبعثها من
مرقدها؛ لتسهم في عملية التنمية (٢).
أنّ الزكاة من حيث أسعارها (مقدار
الزكاة) ومن حيث وعائها (الأموال
التي تجب فيها الزكاة) فريضة مالية
تشمل الثروات النامية جميعها من
ناحية، ومن ناحية أخرى تمثّل نسبةً
فعّالةً ومجدیةً،؛ فهي تصل في بعض
الثروات إلى ٢٠٪ أي الخمس (مثل
زكاة الركاز والمعدن)، و٢,٥ ٪ في
الثروة النقدية وعروض التجارة، وهذا
(١) انظر: الإسلام والاقتصاد، عبد الهادي النجار
ص ١٣٤ - ١٣٥.
مجلة مجمع الفقه الإسلامي ٢ / ٦٥.
من شأنه أن يجعل جميع أموال الزكاة
وسائل للتنمية، كل بحسب مكانته (٣)
* يكفل الإسلام عن طريق الزكاة حدّ
الكفاية، أو حدّ الغنی لکل فرد، بمعنی
أنه إذا عجز فردٌ ما عن توفير المستوى
المناسب للمعيشة لسببٍ خارج عن
إرادته، فإن نفقته تكون واجبة في بیت
مال المسلمين (٤)، ولا شك أن الزكاة
تحقّق له ذلك.
أنّ نتيجة إخراج الأموال المكنوزة
ودفع الزكاة عنها يمثّل استثمارًا
وتشغيلًا في صورة دخول أموالٍ نقدية
جديدة وعديدة إلى مجالات التشغيل
والتوظيف، بعد أن كانت هذه الأموال
والثروات عاطلة ومكتنزة (٥).
● أنّ الزكاة تعمل على سرعة دوران
رأس المال؛ إذ أنها تشجّع صاحب
المال بطريق غير مباشر على استثمار
أمواله؛ حتى يتحقق فائض يؤدي منه
الزكاة، ومن ثمّ فقد استفاد صاحب
المال من استثماره بالربح، وأفاد
المجتمع بأداء حق المستحقين بالزكاة،
(٣) الآثار الاقتصادية للزكاة، محمد سميران،
وراکان الدغمي ص ٥.
(٤) انظر: الإسلام والاقتصاد، عبدالهادي النجار
ص١٣٩.
(٢) مناقشة بحوث زكاة الديون، دمصطفى الزرقاء (٥) الآثار الاقتصادية للزكاة، سميران والدغمي
ص١٣.
www. modoee.com
٤٥

حرف الزاى
وهذا ما يؤدي إلى دوران رأس المال وَاَلْمِسْكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِّ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ
يُرِيدُونَ وَجْهَ اَللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
وتحریکه، فالزكاة دافع للأموال نحو
الاستثمار (١).
[الروم: ٣٨].
٣. الزكاة تحقّق الأخوة الإيمانية وتكافل
المجتمع.
من حكمة تشريع الزكاة إسهامها الواضح
في تحقيق الأخوة الإيمانية بين المسلمين،
ونشر التكافل الاجتماعي بينهم؛ وذلك
لأن الشارع الحكيم أراد أن يكون مجتمع
المسلمين مجتمعًا متكافلًا متآزرًا متعاونًا،
يأمن فيه العاجز والضعيف والقاصر،
ویشعرون أنهم يعيشون بين قلوب ووجوه
ونفوس، لا بين أظفار ومخالب ونیوب.
ولن تتحقق هذه الصورة البهية لمجتمع
المسلمين لو ترك الناس لضمائرهم
ومشاعرهم وقلوبهم، فأوجب الإيتاء
وندب إلى الإعطاء؛ فقال تعالى موجبًا
التعاون المطلق في كل ما هو بر وتقوى:
﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِ وَالنَّقْوَىَّ وَلَا نَعَاوَنُواْ عَلَى
اُلْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ﴾ [المائدة: ٢].
وقال تعالى منبّها إلى حق المحرومين
والطالبين لحاجة: ﴿وَفِّ أَقْوَلِهِمْ حَقٌّ ◌ِلِسَّآيَلِ
وَاْحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩].
وقال تعالى حاضًا على حق المساكين
﴿فَاتِ ذَا الْقُرْبَ حَقَّهُ.
:
والمحتاجين
(١) انظر: الاقتصاد الإسلامي، منذر قحف
ص١١٩.
وقال تعالى آمرًا بالدفع لأهل الحاجة
حتى لو كانوا أرقاء: ﴿َحَصُّنَا لِتَنَغُواْ عَرَضَ الْحَيَوَةِ
الدُّنْيَا﴾ [النور: ٣٣].
وقال تعالى مرغّبًا للعطاء وتقدیم ید
العون لدفع الحاجة والعوز، ورفع المسكنة
المالية والعيلة في أفراد المسلمين : ﴿ وَلَا
يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوّا أُوْلِي
اٌلْقُرْبَ وَالْمَسَكِينَ وَاَلْمُهَجِرِينَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾
[النور: ٢٢].
فجاء تشريع الزكاة دالًا على بهاء المظهر
والجوهر لشرعة الإسلام، ودعوتها لإقامة
المتكافلين، وجماعة المتعاونين،
مجتمع
ممارسةً للتضامن والتناصر، وإقامةً للعدل
الاجتماعي، وسبيل ذلك مدّ يد المعونة
للمحتاج، وإغاثة الملهوف، وتفريج
الكروب، وتأمين الخائف، وإشباع الجائع،
قصدًا إلى ترسيخ معاني التعاطف والتراحم
والولاء بين المسلمين.
٤. الزكاة تقضي على البطالة.
البطالة مشكلة كبيرة تواجه جميع
الدول، ويترتب عليها عواقب وخيمة،
وأضرار جسيمة على المجتمع كله، مثل:
الانحراف الأخلاقي، والديني، وانتشار
الجريمة، وتعاطي المخدرات، وانتشار
٤٦
جُوَب وكمـ
القرآن الكريم

الزكاة
السرقة والغصب، ونحوها، ويلاحظ دور يعطون للعامل الفقير من الزكاة مرتين،
الزكاة الواضح في القضاء على البطالة من مرة لكونه فقيرًا، ومرة لكونه عاملًا، كما
خلال أمرین بارزين هما:
الأمر الأول: وجود مصرف (العاملين
عليها) ضمن مصارف الزكاة المنصوص
عليها في الآية، وهذا المصرف قد يظن
البعض للوهلة الأولى أنّه مجرد وظيفة
واحدة، وهي جباية الزكاة أو جمعها، ولكنّه
في الحقيقة عدة وظائف، أو بالأحرى مسمى
وظيفي عام يشمل عدة أشخاص، كما يفهم
من تفسير الفقهاء له.
فالعاملون على الزكاة يشمل: الجباة
وهم جامعو الزكاة (الذين يعيّنهم الحاكم
لأخذ الزكاة بأنواعها من أربابها)، ويشمل
الموزّعين لها على المستحقين، وهؤلاء
تجد فيهم الكاتب، والحاشر، والمعاون،
والموزّع، والقائم بالكيل أو الوزن،
وتجد فيهم القائمين بتجهيز وحصر
أسماء المستحقين، والباحثين في بيانات
المستحقين، والقائمين بالحراسة، ونحو
ذلك.
وعليه فإن عمل هؤلاء جميعًا في
مؤسسات الزكاة يعدّ نوعًا من التخلص من
البطالة بشكل شرعي، وهو وإن كان يأخذ
من الزكاة كمصرف من مصارفها، إلا أن
أخذه حينئذٍ یعدّ أجرًا في مقابل عمل.
ومن ثمّ فلا غرو أن تجد كثيرًا من الفقهاء
قال الشيخ أحمد الدردير في شرحه على
مختصر خليل: (((وأخذ) العامل (الفقير
بوصفيه) أي : وصف الفقر والعمل إن لم
يغنه حظ العمل)) (١)
الأمر الثاني: إيجاد فرص عمل عن طريق
إنشاء مؤسسات خيرية تقوم على أموال
الزكاة، كما يحدث في الكثير من البلاد
الإسلامية، حيث ينشأ مشروع خيري يتم
فيه جلب الفقراء والمساكين للعمل فيه،
فيكتسبوا من الزكاة بطريقين: مرة بكونهم
فقراء أو مساكين، وهذا كسب مباشر مسماه
الزكاة، ومرة أخرى باعتباره صانعًا أو حرفيًا
أو مهنيًا في مؤسسةٍ تابعة لأموال الزكاة،
فيكون الأول نصيبه في الزكاة، ويكون الثاني
أجرة في نظير عمل.
ولهذا نظائر كثيرة في الدول الإسلامية،
حيث تستقدم الفتيات اليتيمات، والأرامل
للعمل في مشروعات إنتاجية، تنتج ملابس
وأطعمة ونحوها تابعة لمؤسسات الزكاة،
ويتقاضين رواتب ثابتة، أو رواتب بنسب
معینة حسب ما يقمن بإنتاجه من صناعات.
وما سبق ذكره مجرد أمثلة من جوانب
تشريع الزكاة، وإلا ففيها من الحكم
والأسرار، وجوانب الإعجاز ما فيها مما
(١) الشرح الكبير، الدردير ٤٥٩/١.
www. modoee.com
٤٧

حرف الزاى
يعجز عنه الوصف، ولا تكفيه الصفحات،
وحسبنا أنها فريضة من فرائض الإسلام
وعمود من أعمدته، شرعت لتكون عبادة،
ووسيلة لحل العديد من المشاكل والأزمات
الاقتصادية التي تعتري الأمة عبر العصور.
المسألة الثالثة: اقتران الزكاة
بالصلاة في القرآن.
بتتبع آيات القرآن الكريم نجد أن لفظة
((الزكاة)) المعرفة فقط هي التي اقترنت
بالصلاة، وذلك في أربعة وعشرين موضعًا
في القرآن الكريم، أما بقية المشتقات فلم
تقترن بالصلاة إلا في موطن واحد وهو ﴿قَدْ
أَفْلَحَ مَنْ تَزَّكَّى وَذَكَرَ أَسْمَ رَبِّهِ، فَصَلَّى﴾ [الأعلى:
١٤- ١٥].
وتقدم الكلام عليه.
وقد ورد في فعل الصحابة ما يشير
صراحةً إلى أن التفريق بين الصلاة والزكاة
أمر لا يرضاه الشرع، ففي واقعة منع الزكاة
بعد لحوق النبي صلى الله عليه وسلم
بالرفيق الأعلى كان موقف سيدنا أبي بكر
واضحًا حيث قال: (واللّه لأقاتلنّ من فرّق
بين الصّلاة والزّكاة؛ فإنّ الزّكاة حقّ المال،
والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدّونه إلى
رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم
على منعه) (١).
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة،
باب وجوب الزكاة، رقم ١٣٣٥، ومسلم في
وإذا أراد المرء تتبع حكمة ودلالة اقتران
الزکاء بالصلاة لما استطاع إلى ذلك سبيلاً،
ولکن حسبه أن يتلمس طرفًا من ذلك مما
ذكره العلماء أو يستنبطه على هذا النحو:
أن في الصلاة إصلاح حال الفرد، وفي
الزكاة إصلاح حال المجتمع، فالمال
شقیق الروح، فمن جاد به ابتغاء مرضاة
اللّه سهل عليه بذل نفسه في سبيل اللّه؛
تأييدًا لدينه وإعلاء لكلمته، فإقامة
الصلاة وإيتاء الزكاة سبب من أسباب
(٢)
النصر والتمكين (٢).
أن الصلاة هى التي تصلح النفوس
وتنقّيها من أدران الرذائل، وتحلّيها
بأنواع الفضائل، وروحها هو الإخلاص
لله والخشوع لعظمته وسلطانه، فإن
فقدته كانت صورًا ورسومًا لا تغني
فتيلًا، أما الزكاة ففيها إصلاح لشئون
المجتمع (٣).
أن الحكمة هي بسبب كون الصلاة
زكاة أيضًا، فهي تزكي النفس عن الكبر
والعجب وتجنب الإنسان الغفلة،
وتذكّره بواجبه تجاه ربه؛ ولذلك
اقترنت بزكاة الأموال، والتي هي بذل
نفسي في الأساس يجعل الإنسان
صحيحه، كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال
الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، رقم ١٣٣.
(٢) انظر: تفسير المراغي ١/ ١٩١-١٩٢.
(٣) انظر: المصدر السابق ١٥٩/١.
٤٨
القرآن الكريم

الزكاة
يمد يد العون لأخيه الإنسان ويشعر
بمعاناته، فكلاهما زکاة، وكلاهما بذل
في سبيل الله.
أن الله تعالى لم يشأ أن يذكر حقه
على الناس بواجب الطاعة المتمثلة
بالصلاة، بل قرنها بحاجة الناس للنفقة
والعون، فحق الله تعالى مقرون بحق
الناس.
أن الصلاة أفضل وسيلة للتقرب من
الله، وهي تخصيص جزء من الوقت
للتعبد والوصال مع الخالق، أي : أننا
نقطع بعضًا من حياتنا اليومية لثني
ونشكر ربنا، ونطلب منه أن يهدينا
الصراط المستقيم، أي : الأعمال
الصالحة؛ وبذلك يحقق الإنسان طهارة
نفسية؛ ليصل لمرتبة الروحانية التي هي
المغزى الحقيقي. والزكاة لزكاء النفس
وتعني الطهارة أيضًا ، ولكي لا يتعلق
الإنسان بالأمور الدنيوية وينسى خالقه
فرض الله عليه أن يقطع من ماله وكدّ
یومه، ويدفعه في سبيل الله؛ حتى يطهّر
نفسه وماله؛ لأن لله حق في أموالنا،
فهنا نجد أن الزكاة والصلاة مرتبطين
بالطهارة.
وجود علاقة قوية بين الصلاة والزكاة،
فالزكاة تضحية بجزء من المال، والمال
في الحقيقة نتيجة العمل، والعمل فرع
الوقت، أما الصلاة فهي تضحية بالوقت
نفسه، فالصلاة زكاة الوقت، وحق الله
الراتب يوميًا، فالمؤمن يقتطع من وقته
الذي هو رأس مال الحياة فيجعله
خالصًا لله، ويقتطع جزءًا من ماله
فيجعله خالصًا لله والصلاة والزكاة
أصل ورأس العبادات البدنية والمالية؛
فلذلك تسمى الصلاة عماد الدين،
والزكاة قنطرة الإسلام، ومن أتی بهما
يسهل عليه أن یآتي بغيرهما، فإذا سهل
عليه إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة سهل
عليه أن يصوم ويحج ويأتي بالأفعال
الأخری من باب أولى، فإنه ذکر ما هو
أهم وما هو أولى من غيره، وأن من أتى
به فإنه يأتي بغیره من باب أولى.
أنه لما أمر بالعفو والصفح يعني في
آية البقرة ﴿فَاعْفُواْ وَأَصْفَحُواْ حَقّ يَأْتِىَ
اَللَّهُ بِأَمْرِفُّهُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ
﴿ وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ
١٠٩
[البقرة: ١٠٩ - ١١٠]. أمر بالمواظبة
على عمودي الإسلام: العبادة البدنية،
والعبادة المالية؛ إذ الصلاة فيها مناجاة
الله تعالی والتلذذ بالوقوف بین یدیه،
والزكاة فيها الإحسان إلى الخلق
بالإيثار على النفس ، فأمروا بالوقوف
بين يدي الحق و بالإحسان إلى
www. modoee.com
٤٩

حرف الزاى
الخلق (١).
أن المقصود بالأمر بالصلاة والزكاة
الثبات على الإسلام؛ فإن الصلاة
والزكاة ركناه، فالأمر بهما يستلزم الأمر
بالدوام على بقية التعاليم (٢).
ثانيًا: مقاصد الزكاة:
مقاصد الشريعة الإسلامية عامة
وخاصة، فالعامة هي: المعاني والحكم
الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع
أو معظمها؛ بحيث لا تختص ملاحظاتها في
الكون في نوع خاص من أحكام الشريعة (٣).
والخاصة هي: الكيفيات المقصودة
للشارع لتحقيق مقاصد الناس النافعة أو
لحفظ مصالحهم العامة في تصرفاتهم
الخاصة؛ كي لا يعود سعيهم في مصالحهم
الخاصة بإبطال ما أسس لهم من تحصيل
مصالحهم العامة إبطالًا عن غفلة أو استنزال
هوی أو شهوة (٤).
ولها تقسيمات متعددة، فإذا نظرنا
إليها من حيث الحاجة إليها: فهي تشمل
الضروريات، والحاجيات، والتحسينيات،
ومن حيث المحل قسمان: مقاصد الشارع،
ومقاصد المكلف، ومن حيث تعلقها
(١) تفسير البحر المحيط ٥١٩/١.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١/ ٦٧٢.
(٣) مقاصد الشريعة، ابن عاشور ص٥١.
(٤) المصدر السابق ص ٥١، ١٤٦.
بعموم الأمة وخصوصها ثلاثة أقسام:
عامة، وهي التي تلاحظ في أغلب أبواب
الشريعة، وخاصة، وهي التي تتعلق بباب
معين، وتشمل مقاصد العائلة ، والتصرفات
المالية، والعمل والعمال ، والقضاء
والشهادات و العقوبات ، وعقود التبرعات
.... الخ ، وجزئية والمرادبها علل الأحكام
وأسرارها(٥).
والناظر إلى مقاصد الزكاة على جهة
الإجمال يجد أن من بينها التكثير من باب
الهبات والتبرعات؛ لما فيها من المصالح
العامة والخاصة، ولما يترتب عليها من
الثواب الأخروي (٦). ولهذا فلا غرو أن
يرجع في تقييم بعض أمور الزكاة في العصر
الحاضر إلى ما يتفق مع مقاصد الشريعة،
ومراعاة مصالح المكلفين.
السابق للمقاصد
وبناء على الفهم
وتقسيماتها المعتبرة، فإن مقاصد الزكاة
كثيرة ومتشعبة الجوانب، وهي ذات شقين:
تحقيق الزكاة لمقاصد الشريعة العامة،
والثاني: تحقيقها لمقاصد خاصة بها تعود
على المزكي وآخذ الزكاة، وهو ما نشير إليه
(٥) انظر: مقاصد الشريعة، ابن عاشور ص
٥١، مقاصد التشريع الإسلامي، مفهومها
ضرورتها و ضوابطها، نور الدين الخادمي
بحث كامل٢٧ صفحة مجلة العدل، عدد ٦
ربيع الآخر ١٤٢١ هـ.
(٦) مقاصد الشريعة، ابن عاشور ص١٨٩.
فَضْو
جَوَُّور
القرآن الكريمِ

الزكاة
في مسألتين:
المسألة الأولى: تحقيق الزكاة
للمقاصد العامة للشريعة.
اتفقت جميع الشرائع السماوية على
حفظ الكليات الخمس (الدين والنفس
والعقل والعرض والمال).
١. حفظ الدين.
حفظ الدين كما هو معلوم من الكليات
الخمس المعروفة، والزكاة راعت ذلك،
ففيها مصرف خاص، وهو مصرف (في
سبيل الله)، ويصرف على تجهيز الغزاة
والمجاهدين والإنفاق عليهم لنشر الدعوة
إلى الله، والتمكين لدين الله في الأرض؛
امتثالا لأمر الله تعالى الوارد في قوله:
﴿وَقَائِلُوهُمْ حَّى لَا تَكُونَ فِئْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ
أَنَهَوْاْ فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٩٣].
كما أن فيها أيضًا مصرفًا خاصًا يصرف
على تأليف القلوب على الإسلام وهو
المؤلّفة قلوبهم، يعطى لمن دخلوا في
الإسلام حديثًا؛ تثبيتًا لهم على الإسلام
وعونًا لهم على مواجهة التحديات التي
تواجههم، وهذا فيه ما فيه من الحفاظ على
الدین.
وفي العصر الحاضر نجد الحاجة
ما زالت ماسةٌ إلى تأليف القلوب على
الإسلام، ونشر علومه والتعريف بأحكامه
خاصة في الدول الأسيوية، والأفريقية وفي
البلاد التي بها أقليات إسلامية كالمسلمين
في بلاد البلقان، والجمهوريات الإسلامية
التابعة التي كانت تابعة للإتحاد السوفيتي
القديم، هذه الدول الإسلامية تظل في أشد
الحاجة إلى أموال الزكاة؛ للحفاظ على بقاء
الإسلام واستمراره في تلك البلاد (١).
كما أن للزكاة دورًا كبيرًا في مواجهة
الأفكار والفلسفات الهدامة، والحملات
التبشيرية التنصرية، وذلك من خلال
الصرف من مصرف فى سبيل الله على
الدعاة، والمعاهد الإسلامية التي تعمل في
المجال الدعوي، والتي تقوم بالتصدي لمثل
هذه الأفكار الهدامة كما تعمل على الوقوف
في مجابهة الحملات التنصيرية، وفي ذلك
أيضًا حفاظ على الدين (٢).
٢. حفظ النفس.
من مقاصد تشريع الزكاة حفظ النفس،
وهو من أهم مقاصدها؛ حيث يقوم على
مساعدة الفقراء والفئات العاجزة عن
الكسب في العلاج من الأمراض الخطيرة
التي يبتلون بها، فيكون في مال الزكاة
إحياء لنفوسهم وإنقاذهم من الهلاك، وفي
نفس الوقت يمكن دفعها إلى المصابين
(١) الزكاة الضمان الاجتماعي الإسلامي، عبد
الله حسین ص٢٥.
(٢) مؤسسة الزكاة في ولاية قدح دار الأمان
ودورها في تحقيق مقاصد تشريع الزكاة، سعد
جمعة زغلول ص١٧١ .
www. modoee.com

حرف الرأى
من الأوبئة والمتضررين من السيول مصرف في سبيل الله(٢).
والفيضانات والحروب والكوارث؛ لأجل
استبقاء أرواحهم، وإنقاذهم من الهلاك.
فتقوم الزكاة بدور فعّال في الإسهام في
إنشاء مراكز علاجية كالمستشفيات ونحوها،
لاسيما فيما يتعلق ببعض الأمراض الخطيرة
أو المنتشرة بكثرة (كالسرطان، والفشل
الكلوي وغيرها)، كنوع من التخفيف عن
كاهل الدولة في هذا الصدد.
وقد أفتى بعض كبار العلماء بجواز
الإسهام في هذه المشروعات من الزكاة
المفروضة، إذا عرف أنها تعالج الفقراء
خاصةً، ومن فتوى الشيخ جاد الحق علي
جاد الحق بشأن دفع الزكاة لإنشاء معهد
الكبد في مصر، وفتوى دار الإفتاء المصرية
بخصوص دفع الزكاة لإنشاء مستشفى
سرطان الأطفال (١).
٣. حفظ العقل.
من مقاصد تشريع الزكاة حفظ العقل،
وذلك يظهر عندما نرى بعض الفقهاء
يقررون أن طالب العلم الذي يتأتى منه
التحصيل له الحق في الأخذ من الزكاة من
(١) الفتاوى الإسلامية، الصادرة عن دار الإفتاء
المصرية ١/ ١٧٠، الفتوى بتاريخ ٣ ذو الحجة
١٤٠٠ هـ، ١٢ أكتوبر ١٩٨٠ م، والفتوى
رقم ٢٠١١ لسنة ٢٠٠٣م، بشأن دفع الزكاة
لمستشفى سرطان الأطفال.
٤. حفظ المال.
اهتم القرآن والسنة بحفظ المال بشتى
الطرق والوسائل، ومن المقاصد العامة التي
تحققها الزكاة حفظ المال جملة وتفصيلاً،
حفظًا معنويًا وماديًا.
ومن جوانب تحقيق الزكاة لحفظ المال
ما يلي:
· أن تعلق الزكاة بالمال يمنع من اكتنازه،
فالإسلام منع من اكتناز النقود ونھی
عن تجميدها؛ ذلك أن حبس المال
عن التداول، والامتناع عن الإنفاق
في سبيل الله، وإخراج زكاته من شأنه
أن يفسد التوازن المالي والتجاري
والاقتصاد عامة ؛ وهذا يؤدي بدوره
إلى اختلال التوازن الاجتماعي؛ وهذا
يفضي إلى محظورات ومحرمات،
هذه المحظورات يجب منعها عملًا
بقاعدة سد الذرائع، وبناء عليه فمسألة
كنز المال ليست مسألة شخصية يترك
أمرها للأفراد، أو جريمة ذاتية يترك
حسابها إلى الله في الآخرة، إنما تصبح
مسألة تشريعية ترتبط بمصالح الجماعة
فيجب على الدولة التدخل لمنع عدم
تداول المال واكتنازه (٣).
(٢) إعانة الطالبين، البكري ٣٣٨/٢.
(٣) المقاصد العامة للشريعة، يوسف العالم
ص٤٩٨.
٥٢
جوية
القرآن الكريم

الزكاة
أن الزكاة تعدّ أداة رئيسة لتشجيع
الاستثمار وإيجاد فرص للعاطلين،
إضافة إلى توسيع القاعدة الإنتاجية
بالنسبة لذوي المهن والحرف
والصناعات، خصوصًا الذين يفتقرون
إلى رؤوس أموال تمكّنهم من امتلاك
أدوات العمل؛ ولذلك يرى بعض
الفقهاء أن من یحسن حرفة ولا يملك
آلات حر فته یعطی من الزكاة ثمن آلات
حرفته وإن كثرت (١). يقول الرملي:
((أما من حسن حرفة لائقة تكفيه،
فیعطی آلات حرفته وإن کثرت، ومن
يحسن تجارة يعطى رأس مال يكفيه
ربحه منه غالبًا باعتبار عادة بلدە» (٢).
أن الزكاة تحد من ارتكاب الجرائم
المالية، ولا شك أن الجرائم المالية
تؤثر على المجتمع تأثیرًا سيئًا؛ لما فيها
من ضياع للحقوق، وسلب للأموال
التي رزق الله تعالى بها عباده، والزكاة
تؤدي إلى إطفاء نار الحقد والحسد
بين الغني والفقير، كما تقضي على
الفقر الذي يؤدي بدوره إلى زيادة
معدلات الجريمة من السرقة وتجارة
المخدرات، وتؤدي إلى انكفاف
الفقير عن التطلع لمال الغني بالحسد
(١) انظر: المجموع، النووي ٢٠٢/٦، الأحكام
السلطانية، الماوردي ص ١٢٢.
(٢) نهاية المحتاج ١٥٩/٦.
أو النهب أو السرقة. والغني إذا واسى
الفقير بماله، وسعى لانتشاله من براثن
الفاقة، صلح حال الفقير، وصلحت
أحوال أبنائه، فلم تكن ثمة حاجة لضخ
الأموال وتضيع الجهود لحراسة المال
من السرقة، ولن يوجد القلق النفسي
القاتل الذي يصاحب نفس أصحاب
الأموال خوفًا من السطو عليها(٣).
٥. حفظ النسل.
كذلك من مقاصد الزكاة حفظ النسل
من الانقراض، وذلك بتطمين الفقراء وإزالة
الخوف من نفوسهم، إذا خافوا من إكثار
النسل مخافة العوز والفقر، فإذا تأكد أحدهم
بأنه معانٌ بالزكاة فلا يخطر بباله مثل هذا
التفكير، ومن أجل ذلك أوجب الله الزكاة
على الأغنياء لتردّ على الفقراء (٤).
المسألة الثانية: تحقيق الزكاة
لمقاصد أخرى تعود على المزكي
وآخذ الزكاة.
فمما يعود على المزكي ما يلي:
● الامتثال لأوامر الله عز وجل بإخراج
الزكاة: وبذلك يتحقق للمزكي صفتا
الإسلام والإيمان، الإسلام لتنفيذه
(٣) انظر: الآثار الاقتصادية لتفعيل فريضة الزكاة
على الفرد والمجتمع، الجهضمي، جريدة
الرؤية، ٢٠١٢/٧/٣٠ م.
(٤) مؤسسة الزكاة في ولاية قدح دار الأمان
ص١٧٣.
www. modoee.com
٥٣

حرفالناى
ركنًا من الأركان الخمسة، والإيمان
لإدراكه أهمية الزكاة في الدین و دورها
في المجتمع، وسعي المزكي لتحقيق
ذلك.
شكر النعمة والمحافظة عليها: من
مقاصد تشريع الزكاة شكر النعمة من
أجل الحفاظ على النعمة ودوامها،
فالعبادات مشروعة لإظهار شكر المنعم
بها في الدنيا، ونيل الثواب في الآخرة،
والنعم الدنيوية، نعمتان: نعمة البدن،
ونعمة المال، وكل نعمة يجب شكر
المنعم عليها، فكما أن العبادات البدنية
كالصلاة شكر على نعمة البدن، فالزكاة
شكر عملي لنعمة المال التي أنعم الله
بها على بعض عباده (١). وشكر نعمة
المال بإخراج الزكاة منه يستلزم بقاءه
﴿وَإِذْ تَأْذَّنَ
وتنميته قال تعالى
رَبُّكُمْ لَيِنِ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَين
كَفَرُمْ إِنَّ عَذَابِ لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧].
طهرة لنفوس الأغنياء والفقراء: من
مقاصد تشريع الزكاة تطهير نفوس
الأغنياء من البخل والشح والحرص
والطمع؛ وكلها صفات مذمومة تودي
بمن يتصف بها إلى البوار والخسران؛
فأداء الزكاة تخلّص صاحبها من كل
(١) المقاصد العامة للشريعة، يوسف العالم
ص٢٤٢.
هذه الصفات، ويفوز المزكي بالرضا
والفلاح. قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ
تَبَوَّهُو الدَّارَ وَالْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ
هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِ صُدُورِهِمْ
حَاجَةً مِّمَّا أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ
وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُعَّ
نَفْسِهِ، فَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
[الحشر: ٣]. ويقول الرسول صلى الله
عليه وسلم: (ثلاثٌ مهلكاتٌ: شحٌ
مطاعٌ، وهوىّ متّبعٌ، وإعجاب المرء
بنفسه)(٢)، وأما بالنسبة للفقراء فتطهّر
قلوبهم من الحقد والغل والحسد تجاه
الأغنياء الذي يتولد بسبب الحرمان
وشدة الحاجة بسبب منع الأغنياء
فضل أموالهم، فبالزكاة تنتزع الإسلام
الغل من قلوب المؤمنين وباعد بينهم
وبين تلك الأمراض النفسية التي تفعل
فعلها في خلق الأحقاد والضغائن بين
أفراد المجتمعات المعاصرة التي لا
تأخذ بهذه الفريضة، وهذا أمر مشاهد
ملموس (٣).
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط ٣٢٨/٥،
رقم ٥٤٥٢، والبيهقي في شعب الإيمان،
٤٧١/١، رقم ٧٤٥.
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة،
٤/ ٤١٢، رقم ١٨٠٢.
(٣) المقاصد العامة للشريعة، يوسف العالم
ص٢٤٣.
٥٤
العَرَآن الكَرِيمِ

الزكاة
ثالثًا: عقوبة مانعي الزكاة:
لما كانت الزكاة ركنا من أركان الإسلام
الخمسة، فقد حث القرآن الكريم في آيات
عديدة على إخراجها على نحو ما تقدم بيانه،
ورتّب على منعها عقوبات دنيوية وأخروية،
وقد ورد طرف من هذه العقوبات في آيات
من كتاب الله عز وجل وأحاديث من سنة
رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونشير إلى
طرف من ذلك على هذا النحو:
العقوبة الأولى: كي
والجنوب والظهور.
الجباه
قال تعالى في كتابه العزيز: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ
لَيَأْكُونَ أَمْوَلَ النَّاسِ بِالْبَطِلِ وَيَصُدُّونَ
عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ
الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُّونَهَا فِ سَبِيلٍ
اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِمِ ﴿ يَوْمَ يُحْمَى
عَلَيْهَا فِى نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ
وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمَّ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ
لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة:
٣٤ - ٣٥].
وبالنظر إلى هاتين الآيتين الكريمتين نجد
أن العقاب الذي ورد فيهما فيه من المناسبة
للحال ما فيه، وفيه من الإجمال والتفصيل
في أنواع العذاب ما فيه.
فالتبشير بالعذاب الأليم على جهة
العموم فيه تهكم على أصحاب الأموال
الذين يكنزونها ويمنعون حق الله تعالى
فيها، ثم إن تصوير هذا العذاب بهذا الوصف
فيه من وجوه الإعجاز والبلاغة ما فيه.
قال بعض العلماء: ((إنما خص هذه
الأعضاء بالكي من بين سائر الأعضاء، لأن
الغني صاحب المال إذا أتاه السائل فطلب منه
شيئًا تبدو منه آثار الكراهة والمنع، فعند ذلك
يقطّب وجهه، ويكلح وتجتمع أسارير وجهه
فیتجعد جبینه، ثم إن كرّر السائل الطلب نأی
بجانبه عنه ومال عن جهته وتر که جانبًا، ثم
إن كرّر الطلب وألحّ في السؤال ولاء ظهره
وأعرض عنه، واستقبل جهة أخرى، وهي
النهاية في الرد، والغاية في المنع الدال على
كراهية الإعطاء والبذل، وهذا دأب مانعي
البر والإحسان وعادة البخلاء؛ فلذلك خص
هذه الأعضاء الثلاثة بالكي يوم القيامة)) (١).
ومن لطائف الآيتين أن العلماء اختلفوا
في أمرین فیهما:
الأمر الأول: ضابط الكنز المذموم في
هذه الآية:
اختلف العلماء في المال الذي أديت
منه الزكاة هل يسمى كنزًا أم لا؟ على أقوال
مردها إلى معنی الکنز في اللغة والشرع، وما
ورد في شأنه من الأحاديث والآثار:
القول الأول: لأكثر الصحابة وهو أن
(١) لباب التأويل، الخازن ٨٨/٣-٨٩.
www. modoee.com

حرف الرأى
المراد به المال الذي لم تؤدّ زكاته، فقد روي
عن عمر بن الخطاب وابن عمر، وابن عباس
وجابر بن عبد الله وغيرهم رضوان الله
عليهم أجمعين.
ودلیله: (ما روي عن أم سلمة رضي الله
عنها أنها كانت تلبس أوضاحًا(١) من ذهب
فسألت عن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم:
أکنز هو؟ فقال: (إذا أُدیت زکاته فليس
بکنز)(٢).
وما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما
قال، قال رسول الله صلی الله عليه وسلم:
(كل ما أدّيت زكاته فليس بكنز، وإن كان
تحت سبع أرضين، وكل مال لم تؤدّ زكاته
فهو كنز وإن كان فوق الأرض) (٣).
وذكر بعض العلماء أن الإنفاق هنا يندرج
فيه سائر الحقوق من الكفارات، والديون،
ونفقة الحج، والجهاد والإنفاق على الأهل
والعيال، وضمان المتلفات، وأروش
(١) الأوضاح جمع ((وضح) وهي نوع من الحلي
يعمل من الفضة، وقد سمي بذلك لبياضه.
انظر: لسان العرب، ابن منظور ٢/ ٦٣٤.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الزكاة، باب
الكنز ما هو وزكاة الحلي، رقم ١٥٤٦.
وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة،
١٠٠/٢، رقم ٥٥٩.
(٣) أخرجه البيهقي في الكبرى، كتاب الزكاة،
باب تفسير الكنز الذي ورد الوعيد فيه، رقم
٧٤٨٤٤، وقال: ((ليس هذا بمحفوظ، وإنما
المشهور عن سفيان عن عبيد الله عن نافع عن
ابن عمر موقوفًا».
الجنايات.
القول الثاني: أن کل مال کثیر فهو مذموم
سواء أديت زكاته أو لم تؤدّ (٤). وممن ذهب
إلى هذا علي رضي الله عنه حیث روي عنه
قوله: ((أربعة آلاف فما دونها نفقة، وما كثر
فهو کنز وإن أدیت زکاته»(٥).
ويروى عن أبي ذر الغفاري رضي الله
عنه أن كل ما زاد عن حاجة المرء فهو كنز،
حيث ذكر القرطبي أن هذا مذهب أبي ذر
رضي الله عنه ومن مفرداته وشدائده، وعلّله
القرطبي بقوله: ((يحتمل أن يكون مجمل
ما روي عن أبي ذر في هذا، ما روي أن
الآية نزلت في وقت شدة الحاجة وضعف
المهاجرين وقصر يد رسول الله صلى الله
علیه وسلم عن کفایتهم، ولم يكن في بيت
المال ما يسعهم، وكانت السنون الجوائح
هاجمة عليهم، فنهوا عن إمساك شيء من
المال إلا على قدر الحاجة، ولا يجوز ادخار
الذهب والفضة في مثل ذلك الوقت فلما فتح
الله على المسلمين ووسّع عليهم أوجب
صلى الله عليه وسلم في مائتي درهم خمسة
دراهم، وفي عشرین دینارًا نصف دينار، ولم
يوجب الكل، واعتبر مدة الاستنماء، فكان
(٤) انظر: غرائب القرآن، النيسابوري ٤٦٠/٣،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٢٥/٨.
(٥) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، كتاب الزكاة،
باب كم الكنز ولمن الزكاة، رقم ٧١٥٠، وابن
أبي حاتم في تفسيره، ٦/ ١٧٨٨.
٥٦
الْقُرآن الكَرِيمِ