Indexed OCR Text

Pages 21-40

الشيطان إلى تحريك الشهوة، والدعوة إلى
الفاحشة، وقدّم الرجال على النساء، لأنهن
عورة، والنظر إليهن يدعو إلى الفتنة أكثر من
نظرهن إلى الرجال (١).
٦. تحريم التبرج والسفور.
﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل
يقول الله تعالى:
لِأَزْوَبِكَ وَبَنَائِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ
مِن جَلَبِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩].
يعني: القناع الذي يكون فوق الخمار
وذلك أن المهاجرين قدموا المدينة ومعهم
نساؤهم فنزلوا مع الأنصار في ديارهم
فضاقت الدور عنهم، وكان النساء يخرجن
بالليل إلى النخل فيقضين حوائجهن، فكان
المریب یرصد النساء بالليل فیأتیھا فیعرض
عليها ويغمزها، فإن هويت الجماع أعطاها
أجرها وقضى حاجته، وإن كانت عفيفة
صاحت فتركها، فذكر نساء المؤمنين ذلك
لأزواجهن وما يلقين بالليل من الزناة،
فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم
فأنزل الله عز وجل الآية (٢).
وعن مجاهد: «يتجلبين حتى يعلم أنهن
حرائر لا يعرض لهن فاسق بأذى من قول أو
ريبة))(٣).
وكان المنافقون هم الذين كانوا
(١) انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم
الخطيب ٩/ ١٢٦٣
(٢) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان ٣/ ٥٠٧.
(٣) تفسير مجاهد ص ٥٥٢.
يتعرضون للنساء (٤)
وهذا تنبيه لهن على حفظ الحرمة وإثبات
الرّتبة، وصيانة لهن، وأمر لهن بالتصاون
والتعفّف، وقرن بذلك تهديده للمنافقين في
تعاطيهم ما كان يشغل قلب الرسول صلى
الله عليه وسلم من الإرجاف في المدينة،
فقال تعالى: ﴿لَّيْنِ لَّمْ يَنَهِ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ
فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِ اَلْمَدِينَةِ
لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا
مَّلْعُونِنَّ أَيْنَمَا نُقِفُواْ أُخِذُواْ
٦٠
قَلِيلًا
وَقُتِّلُواْ تَفْتِيلًا ﴾ [الأحزاب: ٦٠ - ٦١].
إنهم إن لم يمتنعوا عن الإرجاف وأمثال
ذلك لأجرينا معهم سنّتنا في التدمير على من
سلف من الكفار(٥).
ويقول تعالى: ﴿وَقُل لِلْمُؤْمِنَتِ يَغْضُضْنَ
مِنْ أَبْصَرِ مِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ
زِينَتَهُنَّ إِلَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَاً وَلْيَضْرِيْنَ بِخُمُرِ هِنَّ عَى
جُنُوبِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ
أَوْ ءَبََّبِهِنَ أَوْ ءَابَآَهِ بُعُولَتِهِنَ أَوْ
أَبْنَابِهِنَ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَنِهِنَّ
أَوْ بَنِيّ إِخْوَنِهِنَّ أَوْ بَبِيّ أَخَوَتِهِنَّ أَوْ نِسَابِهِنَّ
أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُنَّ أَوِ التَّبِعِينَ غَيْرِ أُوْلِى
اٌلْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الْطِفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ
عَلَى عَوْرَتِ النِّسَاءِ وَلَ يَضْرِنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ
مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُواْ إِلَى اَللَّهِ جَمِيعًا
(٤) انظر: تفسير يحيى بن سلام ٧٣٨/٢.
(٥) انظر: لطائف الإشارات، القشيري ١٧١/٣.
www. modoee.com
١٣٣

حرف الزاى
أَيُّهَ اَلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
[النور: ٣١].
ذكر الله تعالى أحكامًا خاصةً بالنساء
ومنها: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ
مِنْهَا﴾ ، أي : يلا يظهرن شيئا من الزينة
للأجانب حين التحلي بها ، وهي كل ما
يتزين به ويتجمل من أنواع الحلي والخضاب
وغيرها، فيكون إبداء مواقع الزينة منهيًا عنه
بالأولى، أو لا يظهرن مواضع الزينة بإطلاق
إِلَّ
الزينة وإرادة مواقعها، بدليل قوله:
مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ لأن الزينة نفسها ليست
مقصودة بالنهي، وهناك تلازم بين الزينة
وموضعها، والغاية هي النهي عن أجزاء
الجسد التي تكون محلا للزينة، ویستأنس
بالحديث الذي روي عن عائشة رضي الله
عنه: أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على
النبي صلی الله عليه وسلم، وعليها ثياب
رقاق، فأعرض عنها وقال: (يا أسماء، إن
المرأة إذا بلغت المحیض، لم يصلح أن یری
منها إلا هذا)(١).
وأشار إلى وجهه وكفيه، ﴿إِلَّا مَاظَهَرَ
مِنْهَا﴾ ما جرت العادة بظهوره (٢).
(١) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب اللباس، باب
فيما تبدي المرأة من زينتها، ٤ /٦٢، رقم
٤١٠٤.
قال: أبو داود: هذا مرسل.
وحسنه الألباني في صحيح الجامع،
١٢٩٥/٢، رقم ٢٩٤٤.
(٢) انظر: التفسير المنير، الزحيلي، ٢١٦/١٨.
فعن ابن مسعود ، قال: ((الزينة زينتان:
فالظاهرة منها الثياب، وما خفي: الخلخالان
والقرطان والسواران))، وعن ابن عبّاسٍ
الظاهرة: قال: (رقعة الوجه وباطن
الكفّ))(٣).
والمسألة خلافية تطلب من مظانها في
كتب الفقه.
﴿وَلْيَضْرِينَ﴾ وليلقين بخمرهنّ ، أي:
بمقانعهن وهي جمع خمار، وهو غطاء رأس
المرأة على جيوبهنّ وصدورهن ليسترن
بذلك شعورهنّ وأقراطهنّ وأعناقهن، قالت
عائشة: ((يرحم الله النساء المهاجرات الأول
لمّا أنزل الله سبحانه هذه الآية شققن أكتف
مروطهنّ فاختمرن به)).
﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾، الخفيّة التي
أمرن بتغطيتها، ولم يبح لهنّ كشفها
﴿إِلَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ءَبََّبِهِنَ أَوْ ءَابَِّ
بُعُولَتِهِنَ أَوْ أَيْنَآَبِهِنَ أَوْ أَبْنَآءِ
بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَنِهِنَّ أَوْ بَنِيّ إِخْوَنِهِنَّ أَوْ
بَنِىّ أَخَوَتِ هِنَّ أَوْ نِسَابِهِنَّ﴾ [النور: ٣١](٤).
وقد اختلف العلماء في تحديد عورة
المرأة على مذاهب تطلب في كتب الفقه
وليس محلها في بحثنا هذا، والزينة: ما
تزينت به المرأة، وذكر الزينة دون مواقعها؛
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١٩/ ١٥٥.
(٤) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان ١٩٦/٣،
الكشف والبيان، الثعلبي، ٧/ ٨٧، تفسير ابن
أبي حاتم ٨/ ٢٥٧٤.
١٣٤
جوببيو
القرآن الكريمِ

المنا
للمبالغة في الأمر بالتصوّن والتستر، لأنّ بامرأة إلا مع ذي محرم، ولا تسافر المرأة
إلا مع ذي محرم). فقال له رجل: يا رسول
الله إن امرأتي خرجت حاجة وإني اكتتبت
في غزوة كذا وكذا؟ قال: ( انطلق فحج مع
امرأتك)(٣).
هذه الزین واقعة على مواضع من الجسد لا
يحل النظر إليها لغير هؤلاء، فنهى عن إبداء
الزينة نفسها، ليعلم أنّ النظر إذا لم يحل إليها
لملابستها تلك المواقع- بدليل أن النظر
إليها غير ملابسة لها لا مقال في حله- كان
النظر إلى المواقع أنفسها متمكنا في الحظر،
ثابت القدم في الحرمة، شاهدا على أن
النساء حقهن أن يحتطن في سترها ويتقين
الله في الكشف عنها (١).
٧. تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية
والاختلاط بها.
كان عمر بن عبد العزيز يقول: ((لا يخلون
رجل بامرأة وإن كان يحفظها القرءان))، فلا
يعتد بالنوايا الطيبة فمعظم النار من مستصغر
الشرر، ولابد في هذا وغيره من صحة
العمل، لأنه ما اجتمع رجل وامرأة إلا كان
الشيطان ثالثهما، فلا يؤمن مع الخلوة وقوع
المحظور، لاسيما في زمن يقل فيه وازع
الإيمان والدين، ويكثر فيه الفساد، فعن
النبي صلی الله عليه وسلم أنه قال:(ولا
يخلونّ رجلٌ بامرأةٍ فإنّ ثالثهما الشّيطان)(٢).
وقد روى ابن عباس عن رسول صلى
الله عليه وسلم قوله: (لا يخلون أحدكم
(١) انظر: الكشاف، الزمخشري ٢٣٠/٣.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده ٢٦٨/١، رقم ١١٤.
وصححه الألباني في صحيح الجامع
٤٩٨/١، رقم ٢٥٤٣.
٨. الترغيب في الزواج.
يقول الله تعالى: ﴿وَأَنكِحُواْ الْأَيَمَى مِنْكُرْ
وَالصَِّحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَآَيَكُمْ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ
يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهُ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ (
٣٢
وَلْيَسْتَغْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اَللهُ
مِن فَضْلِهٌ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِنَبَ مِمَّا مَلَكَتْ
أَيْمَنُكُمْ فَكَاِبُهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِهِمْ خَيْراً وَءَاتُوهُم
مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِىّ ءَاتَمَكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَيَتِكُمْ
عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَمُّنًا لِبَّنَغُواْ عَرَضَ الْحَيَوْ الدُّنْيَا
وَمَنْ يُكْرِهِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَهِهِنَّ غَفُورٌ
زَّحِيمٌ ﴾ [النور: ٣٢-٣٣].
فالزواج هو الطريق الطبيعي لمواجهة
الميول الجنسية الفطرية، وهو الغاية النظيفة
لهذه الميول العميقة، فيجب أن تزول
العقبات من طريق الزواج، لتجري الحياة
على طبيعتها وبساطتها، والعقبة المالية
هي العقبة الأولى في طريق بناء البيوت،
وتحصين النفوس.والإسلام نظام متكامل،
فهو لا يفرض العفة إلا وقد هيأ لها أسبابها،
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج،
باب سفر المرأة مع ذي محرم، رقم ١٣٤١،
٩٧٨/٢.
www. modoee.com
١٣٥

حرف الزاى
وجعلها ميسورة للأفراد الأسوياء، فلا يلجأ وذلك حتى لا تفشو فيهم دواعي الفساد،
إلى الفاحشة حينئذ إلا الذي يعدل عن والاعتداء على الفروج، أو حتى لا يتجه
أصحاب الإيمان القوىّ إلى الرهبنة، التي
تحرمها شريعة هذا الدين.
الطريق النظيف المیسور عامدا غیر مضطر،
لذلك يأمر الله الجماعة المسلمة أن تعين من
يقف المال في طريقهم إلى النكاح الحلال
فيتعين إعانة الراغبين منهم في الزواج،
وتمکینھم من الإحصان، والآباء مسئولون
عن تربية أبنائهم وتعليمهم وتزويجهم
حصانة لهم أو مساعدتهم على ذلك(١)،
بوصفه وسيلة من وسائل الوقاية العملية،
وتطهير المجتمع الإسلامي من الفاحشة،
ـة (٢)
وهو واجب، ووسيلة الواجب واجبة
فعن أنس رضي الله عنه أن نفرًا من
أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سألوا
أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عمله
في السر. فقال بعضهم: لا أتزوج النساء،
وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم:
لا أنام على فراش، فحمد الله وأثنى عليه،
فقال: (ما بال أقوام قالوا كذا وكذا؟ لكني
أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء،
فمن رغب عن سنتي فليس مني) (٤) (٥).
وفي هذا يقول الرسول صلى الله عليه
وسلم: (يا معشر الشباب، من استطاع منكم
الباءة فليتزوج، فإنه أغضّ للبصر، وأحفظ
للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه
له وجاء)(٣).
والباءة: القدرة على التزوج، وامتلاك
الصلاحية له، والوجاء: الخصاء، الذي
به تموت الشهوة، وينقطع اتصال الرجل
بالمرأة. فالمسلمون مطالبون بأن يتحصنوا
بالزواج، وأن يرغبوا فيه، وييسّروا أموره،
(١) انظر: التربية الإسلامية ومراحل النمو ، عباس
محجوب ص ١٢٤.
(٢) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٥١٥/٤.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب النكاح، باب
من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ١٠١٨/٢،
رقم ١٤٠٠.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح،
باب الترغيب في النكاح، رقم ٥٠٦٣،
٩/ ١٠٤، ومسلم في صحيحه، كتاب النكاح،
باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه
ووجد مؤنة ٢/ ١٠٢٠، رقم ١٤٠١.
(٥) انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم
الخطيب ٩/ ١٢٧٠.
١٣٦
جوببيو
القرآن الكريم

أساليب القرآن في النهي عن الزنا
اعتمد القرآن أسلوب الوقاية في إنشاء
المجتمع النظيف قبل أن يعتمد العقوبة،
وهو لا يحارب الدوافع الفطرية، لكنه
ينظمها ويضمن لها الجو النظيف الخالي من
المثيرات المصطنعة، والفكرة السائدة في
منهج الإسلام في هذه الناحية، هي تضييق
فرص الغواية، وقطع الطريق على أسباب
التهييج والإثارة، مع إزالة العوائق دون
الإشباع الطبيعي بوسائله النظيفة المشروعة،
كي لا تكون الفعلة سهلة ميسرة، فتغري
بيسرها وسهولتها بالفحشاء(١).
وجميع الشرائع جاءت بتحريم الزنا، ولم
یکن في يوم من الأيام مباحًا منذ أن خلق الله
تعالى الخليقة؛ ولذلك قال الله تعالى عن
مريم عليها السلام عندما جاءت بعيسى إلى
قومها حكاية عنهم: ﴿قَالُواْ يَمَرْيَهُ لَقَدْ جِئْتِ
شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٧].
فجعلوا ذلك أمرًا عظيمًا ومنكرًا، كما
حرّمته الديانة اليهودية أيضًا، بل وصفته
أنه فاحشة وأنه منجس للأرض، وفرضت
عليه العقوبات القاسية، من قتل وتحريق
ورجم بالحجارة، وكان قبيحًا عند العرب
قبل البعثة فلم يكن يرتكبه إلا سفاسف
الناس وأرذلهم من الإماء والعبيد، وشدد
(١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٥٠٧/٤.
الإسلام على حرمته حتى أن النبي صلى
الله عليه وسلم كان يبايع النساء على قوله
تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا جَآءَكَ الْمُؤْمِنَتُ يُبَيِعْنَكَ
عَلَى أَنْ لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِفْنَ وَلَا يَزْنِينَ
وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْ لَدَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتٍَ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ
أَيْدِيِنَّ وَأَرْجُلِهِنَ وَلَا يَعْصِينَكَ فِى مَعُْوفٍ
فَبَايِعْهُنَّ وَأَسْتَغْفِرْ لَنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
(٣)﴾ [الممتحنة: ١٢].
ولم يحرم الإسلام الزنا على مراحل
مثلما حرم الخمر، وذلك لعظم قبحه
وفحشه و کثرة أضراره وعواقبه، وإنما كان
التدرج في إنزال العقوبة بفاعله، فلما نزل
قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ الزَِّ﴾ لم ينزل فيه
عقوبة، وإنما كان الغرض منه تقبيح هذه
الفعلة في النفوس، وذمها سبيلاً لإشباع
هذه الرغبة، فكان ذلك تربية النفوس وتهيئة
لإنزال العقوبة.
ثم كان العقوبة أول الأمر بالإيذاء
والتوبيخ والتعنيف بقول الله تعالى:
﴿وَالَّذَانِ يَأْتِيَنِهَا مِنكُمْ فَاذُوهُمَا﴾
[النساء: ١٦].
والحبس في البيوت للنساء، بقوله تعالى:
﴿وَالَّتِى يَأْتِينَ الْفَحِشَةَ مِن نِسَابِكُمْ
فَأَسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ
فَأَمْسِكُوهُنَ فِ الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّهُنَّ الْمَوْتُ
أَوْ يَجْعَلَ اَللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً ﴾ [النساء: ١٥](٢).
(٢) انظر: التدابير الواقية من الزنا، فضل إلهي
www. modoee.com
١٣٧

حرف الرأى
فعن ابن عباس رضي الله عنه في قوله
تعالى: ﴿الَّانِيَّةُ وَالزَِّ فَجْلِدُواْ كُلّ وَجِدِمِنْهُمَا مِاْتَّةً
جَلْدَقِ﴾ [النور: ٢]، ((كانت المرأة إذا زنت
حبست في البيت حتى تموت، وكان الرجل
إذا زنا أوذي بالتعییر وضرب بالنعال، فأنزل
الله الآية(١).
وقال الشوكاني: ((وهذه الآية ناسخة
لآية الحبس وآية الأذى اللتين في سورة
النساء))(٢).
فجعل الله السبيل عقوبة الزاني البكر
مائة جلدة ، والرجم للثيب حتى يموت،
ولذلك قال النبي صلی الله عليه وسلم كما
في حديث عبادة بن الصامت: (خذوا عني
قد جعل الله لهن سبيلا البکر بالبکر جلد
مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة
والرجم)(٣).
ومن أساليب القرآن في النهي عن الزنا
ما يلي:
أولًا: أسلوب النهي المباشر:
١. النهي عن قربان الزنا.
يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ الزِّنَّ إِنَّهُ,كَانَ
﴾ [الإسراء: ٣٢].
فَاحِشَةً وَسَّمَ سَبِيلًا
ص٣٧.
(١) انظر: فتح القدير، الشوكاني ١ / ٥٠٦.
(٢) المصدر السابق ٥٠٤/١.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحدود،
باب حد الزناء رقم ١٣١٦/٣،١٦٩٠
فإن هذا النهي تناول النهي عن مقدماتها
ووسائلها الموصلة إليها ، وفى هذا زجر عن
إتيانها، ثم علل تعالى النهي عن ذلك بقوله
تعالى مؤكدًا إبلاغًا في التنفير عنه لما للنفس
من شدّة الداعية إليه ﴿إِنَّهُ، كَانَ فَاحِشَةً﴾
فقبحها بهذه التسمية أي: فعلةٌ ظاهرة القبح
زائدته، والفاحشة هي الرذيلة التي تجاوزت
الحد في القبح، وعظم قبح الزنا مركوز في
العقول من أصل الفطرة كان ولم يزل كذلك
معروفًا (٤).
ووصفته بالسبيل السيء، وقد نهى الله
تعالى عن الفحشاء في قوله تعالى:﴿
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَاَلْإِحْسَنِ وَإِيتَآَيٍ ذِى
اٌلْقُرْفَ وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ
وَالْبَغِيَّ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
[النحل: ٩٠](٥).
٩٠
٢. النهي عن قربان الفواحش.
يقول تعالى: ﴿﴿ قُلْ تَعَالَوَاْ أَثْلُ مَا
حَزَّمَ رَبُّكُمْ عَيْكُمْ أَلَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً
وَيَالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَّاً وَلَا تَقْتُلُواْ أَوْلَدَكُمْ مِنْ
إِمّلَقٍّ ◌َّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِنَاهُمٌّ وَلَا تَقْرَبُواْ
اَلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنٌَّ وَلَا
تَقْتُلُواْ النَّفْسَ أَلَّتِى حَرَّمَ اللّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ
وَصَّنَّكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ نَعْقِلُونَ ﴾ [الأنعام: ١٥١].
(٤) انظر: تفسير ابن باديس ص ٩٢.
(٥) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٤٥٧.
١٣٨
القرآن الكريم

وهو نهي عن أنواع الزنا سرًا وعلنًا،
وكانت الزواني في الجاهلية على نحوین :
كانت لبعضهنّ رايات على الأبواب، علمًا
لمن أراد الزنا؛ فكن يزنين علنًا، وأخريات
كن يزنين سرًا، فهذا المراد بالفواحش ما
ظهر منها وما بطن (١).
فعن الضحاك : كان أهل الجاهلية
یستسرّون بالزنى ، ویرون ذلك حلالا ما كان
سرًّا، فحرّم الله السر منه والعلانية بقوله
تعالى: ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾(٢).
وعن ابن عباس: ((كانوا يكرهون أن
یزنوا علانیةً فيفعلون ذلك سرًّا، فنهاهم الله
عن الزنا سرا وعلانية))(٣).
وقال آخرون: الظاهر: التعرّي والتجرد
من الثياب، وما يستر العورة في الطواف،
والباطن: الزنا (٤)
وفي قوله: ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا
بَطَنَ﴾ دقيقة وهي: أن الإنسان إذا احترز
عن المعصية في الظاهر ولم يحترز عنها في
الباطن دل ذلك على أن احترازه عنها ليس
لأجل عبودية الله وطاعته، ولكن لأجل
الخوف من مذمة الناس، وذلك باطل لأن من
كان مذمة الناس عنده أعظم وقعًا من عقاب
(١) انظر: تفسير القرآن، السمعاني ١٥٦/٢.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢١٩/١٢.
(٣) انظر: التفسير الوسيط، الواحدي ٣٣٦/٢.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٧٤/١٢، المحرر
الوجيز، ابن عطية ٢/ ٣٦٢.
الله ونحوه، فإنه يخشى عليه من الكفر، ومن
ترك المعصية ظاهرًا وباطنًا، دل ذلك على
أنه إنما تركها تعظيمًا لأمر الله تعالى وخوفًا
من عذابه ورغبة في عبوديته (٥).
ويقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ
وَاَلْإِحْسَنِ وَإِيتَآٍٍ ذِى الْقُرْبَ وَيَنْهَى عَنِ
اَلْفَحْشَآَ﴾ [النحل: ٩٠].
قال ابن مسعود رضي الله عنه: «أجمع آية
في كتاب الله آية في سورة النحل»، وتلا هذه
الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَاُلْإِحْسَنِ
والفحشاء هنا: ما اشتد قبحه قولًا أو
فعلًا، أو یتجاوز الحد في القبح، وقال ابن
عباس)) :الزنى، وغالبًا ما يخصص به
الاعتداء على العرض (٦).
ثانيًا: أسلوب النهي غير المباشر:
١. اقتران الزنا بالشرك.
قال الله تعالى: ﴿اَلَِّ لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَّانِيَةً أَوْ
مُشْرِكَةٌ وَالَِّيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ
ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [النور: ٣].
والمعنى: أن الزاني لا ينبغي له أن
يتزوج إلا زانية أو مشركة ولا يقترن بالعفيفة
الشريفة الطيبة لقوله تعالى: ﴿وَاُلَّيِّبَتُ
لِلَِّينَ وَالَِّبُونَ لِلَّيِّبَتِ﴾ [النور: ٢٦]، فيقع
(٥) مفاتيح الغيب بتصرف، الرازي ١٧٨/١٣.
(٦) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢١٩١/٤،
فتح القدير، الشوكاني ٢٢٥/٣، التفسير
المنير، الزحيلي ٢١٠/١٤.
www. modoee.com
١٣٩

حرف الناى
الزاني على من هي مثله وتقع الزانية على
من هو مثلها زان أو مشرك، فاقتران الزاني
بالمشركة والزانية بالمشرك إشارة إلى عظيم
خطر الزنا وكبير ضرره.
قال العلامة الألوسي في قوله تعالى:
﴿اَلَِّ لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ [النور: ٣]: ((تقبيح
لأمر الزاني أشد تقبیح بییان أنه بعد أن رضي
بالزنا لا يليق به أن ينكح العفيفة المؤمنة
فبينهما كما بين سهيل والثريا، وإنما يليق به
أن ینکح زانية هي في ذلك طبقه ليوافق شن
طبقه، أو مشركة هي أسوأ منه حالا وأقبح
أفعالًا، فلا ینکح : خبر مراد منه لا يليق به
أن ينكح، ثم المراد اللياقة وعدم اللياقة من
حیث الزنا فیکون فیه من تقبيح الزنا ما فیه،
ولا يشكل صحة نكاح الزاني المسلم الزانية
المسلمة ، وكذا العفيفة المسلمة وعدم
صحة نكاحه المشركة المذكورة في الآية،
لكن يعني : الزانية بعد أن رضيت بالزنا فولغ
فیھا کلب شهوة الزاني لا يليق أن ینکحها من
حيث إنها كذلك إلا من هو مثلها وهو الزاني
أو من هو أسوأ حالًا منها وهو المشرك،
وأما المسلم العفيف فإن غيرته تأبى ورود
جفرتها)»(١).
٢. النهي عن مقدمات الزنا وذرائعه
و تحريمها.
ومنها: نهي المرأة عن إظهار زينتها أمام
(١) روح المعاني، الألوسي ٩/ ٢٨٣-٢٨٢.
غير المحارم، فقال تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ
زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَ﴾ [النور: ٣١].
فذكرت الآية المحارم من الرجال الذين
جاز للمرأة أن تبدي لهم زينتها.
ومنها: نهي المرأة عن الخضوع في
القول حتى لا يطمع الذي في قلبه مرض،
فحرم عليها أن تظهر جمالها بصوتها، فقال
تعالى: ﴿بَلِسَآءُ الشَّيِّ لَسْتُّنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَآءِ
إِنِ أَتَّقَيَتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَِّى فِ
قَلْبِهِ، مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢].
وإن نساء الأمة تبع لنساء النبي صلى الله
عليه وسلم في الأخذ بهذه الأحكام وبغيرها
من الآداب المذكورة في سورة الأحزاب،
عندما تخضع المرأة بالقول تحرك الفتنة في
قلب الرجل ، ولذلك يتشوق إلى رؤية هذا
الصوت، قاله لأزواج النبي صلى الله عليه
وسلم وهن أطهر النساء وهن يكلمن أطهر
الرجال.
ومنها: نهي الله المرأة أن تضرب
بخلخالها؛ ليعلم ما تخفي من زينتها.
جَلهنّ
يَضْرِيِّنَ بِا
ـ﴿وَلَا
فقالاللهعز وجل:
لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١].
ومنها: أمر المرأة بالقرار في البيوت ،
فقد قال الله تعالى: ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ
[الأحزاب: ٣٣].
ومنها: تحريم الخلوة بين الرجل والمرأة،
فقال صلى الله عليه وسلم: (لا يخلون
١٤٠
جَوَُّور
القرآن الكريمِ

الزنا
أحدكم بامرأة إلا والشيطان ثالثهما)(١).
بالزواج وتبشيره بالجنة لمن حفظ فرجه
ولا نطيل هنا في هذا الجانب، ذلك لأنه لا شك أنها من أقوى الأساليب في النهي
استوفى البحث في أسباب الوقاية من الزنا عن الفاحشة ؛ لأنه ما من مسلم إلا ويشتاق
للجنة إلا من أبى. كما أنه صلى الله عليه
فلا داعي للتكرار.
وسلم بين خطورة هذه الجريمة.
ثالثًا: أسلوب الترغيب فيما يمنع
الوقوع في الزنا:
١. الترغيب في الزواج.
يقول الله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَيْهِ أَنْ خَلَقَ
لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجَا لِتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَحَعَلَ
بَيْنَكُمْ قَوَدَّةً وَرَحْمَةٌ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَاتٍ لِقَوْمِ
يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الروم: ٢١].
وقال صلى الله عليه وسلم: (فمن رغب
عن سنتي فليس مني) (٢).
وعن عبد الله بن عباس أن النبي صلى
الله عليه وسلم قال: (يا شباب قريش لا
تزنوا، ألا من حفظ فرجه فله الجنة)(٣).
فأمره صلى الله عليه وسلم الشباب
(١) أخرجه أحمد في مسنده، ٢٦٨/١، رقم
١١٤.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٤٩٨/١، رقم ٢٥٤٣.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح،
باب الترغيب في النكاح، رقم ٥٠٦٣.
(٣) أخرجه الطبراني في الأوسط، ٦١/٧،
رقم ٦٨٥٠، والحاكم في المستدرك على
الصحيحين، كتاب الحدود، رقم ٨٠٦٢،
٣٩٨/٤.
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة،
٦/ ٤٤٠، رقم ٢٦٩٦.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي
صلى الله عليه وسلم قال: (لا يزني الزاني
حين يزني وهو مؤمن) (٤).
فينفي عنه صفة الإيمان عند قيامه بهذه
الفاحشة .
٢. الترغيب
مساعدة الراغبين
فی
في الزواج.
قال الله تعالى: ﴿وَأَنكِحُواْ الْأَيْنَمَى مِنْكُمْ
وَالصَِّحِينَ مِنْ عِبَادِكُهُ وَإِمَّا بِكُمْ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءُ
يُغْنِهِمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَمِعُ عَلِيمٌ ﴾
[النور: ٣٢].
٣. أمر بالاستعفاف لمن لم يجد
نکاگًا.
قال تعالى: ﴿وَلْيَسْتَغْفِفِ اَلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ
نِكَاحًا حَقَّى يُغْنِيَهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ، وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ
اُلْكِتَبَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ فَكَاِبُوهُمْ إِنْ
عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِىّ
ءَاتَنْكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَيَتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب نقصان الإيمان بالمعاصي ونفيه عن
المتلبس بالمعصية على إرادة نفي كماله، رقم
٠٧٦/١،٥٧
www. modoee.com
١٤١

حرف الرأى
تَحَصُّنَّا لِبَنَغُواْ عَرَضَ الْخَيَوَةِ الدُّنْيَأْ وَمَن يُكْرِهِهُنَّ
فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾
[النور: ٣٣].
٤ . إباحة تعدد الزوجات.
قال تعالى: ﴿فَأَنكِحُأُمَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ
مَثْنَى وَثُلَثَ وَرُبَعَّ فَإِنَّ خِقْتُمْ أَلَّا نَعْدِلُواْ فَوَجِدَةً أَوْ مَا
مَلَكَتْ أَيْمَنْكُمْ﴾ [النساء: ٣].
فالإسلام حين حرّم الزنا وشدّد في
تحريمه شرع الزواج، وأباح التعدد فيه كما
مضى، ولا ريب أن منع التعدد ظلم للمرأة
والرجل؛ فمنعه قد يدفع إلى الزنا؛ لأن
عدد النساء يفوق عدد الرجال في كل زمان
ومكان، ويتجلى ذلك في أيام الحروب؛
فقصر الزواج على واحدة يؤدي إلى بقاء
عدد كبير من النساء دون زواج، وذلك يسبب
لهن الحرج، والضيق، والتشتت، وربما أدى
بهن إلى بيع العرض، وانتشار الزنا، وضياع
النسل (١).
٥. أمر بغض البصر وحث عليه.
قال تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ
أَبْصَدِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزَّكَ لَهُّ
إِنَّ اللَّهَ خَبِيْرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴿ وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ
يَغْضُضْنَ مِنْ أَبَصَرِ هِنَّ وَيَحْفَظْنَ فَرُوجَهُنَّ
[النور: ٣٠-٣١].
تنهي الآية الرجال والنساء عن النظرة
(١) انظر: الطريق إلى الإسلام، محمد أسد ص
٨٦.
الثانية، كما تبين ما في غض البصر من
الخیر، للمسلم في دنياه و أخراه، كما مر في
مبحث الوسائل الوقائية من الوقوع في الزنا.
رابعًا: أسلوب الترهيب:
١. تشريع العقوبة القاسية وتنويعها
على مرتكبي الجريمة.
فأقام حد الجلد على غير المحصن،
وتغريبه عام، وإسقاط شهادته، والحكم عليه
بالفسق، أما المحصن فالرجم حتى الموت،
وأهم من ذلك كله الفضيحة بأن يشهد
عذابهما طائفة من المؤمنين، فقال تعالى:
﴿اَلَِّيَةُ وَالزَِّ فَاجْلِدُواْ كُلَّ وَحِدٍ مِنْهُمَا مِتَةً جَلْدَةٍ وَلَا
تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأَفَةٌ فِ دِينِ الَّهِ إِن كُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ
الْآَخِرِّ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَاِفَةٌ مِّنَ اْلْمُؤْمِينَ ﴾
[النور: ٢].
٢. ضمان العدالة في تطبيق هذه
الحدود.
بحيث لا يمكن أن يقبل الحاكم بالعفو
أو التقليل من الحد إذا وصل الأمر للقضاء.
لقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَنْ
تَحْكُمُواْ يَاَلْعَدَّلِ﴾ [النساء: ٥٨].
٣. اقتران النهي عن الزنا بالنهي عن
الشرك والقتل.
وإذا ما نظرنا إلى سياق الآيات التي
جاء النهي عن الزنا وجدنا أنها وردت بين
نهيين عن القتل وذلك في قول الله تعالى:
١٤٢
جوبيبو
الْقُرْآن الكَرِيْمِ

الرئا
﴿وَلَ نَقْتُلُواْ أَوْلَدَّكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَقِّ ثَحْنُ نَرْزُقُهُمْ
وَإِنَّاكُنْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا ﴿ وَلَا
نَقْرَبُواْ الزِّنَّ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً )
وَلَا نَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اَللَّهُ إِلََّّ بِالْحَقِّ وَمَنْ
قُئِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيَّهِ، سُلْطَنَّا فَلَاَ
يُسْرِفِ فِى الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا )﴾
[الإسراء: ٣١-٣٣].
توسطت آية النهي عن قربان الزنى بين
آيتين، الأولى تنهى عن قتل الأبناء، والثانية
تنهى عن قتل النفس بغير حق فاستنبط من
ذلك، أن الزنى نوعٌ من أنواع القتل، بل
هو أشد أنواع القتل إذ هو ليس قتل مادي
فحسب، بل هو قتل معنوي أيضًا.
فهذه المرأة التي تقع في الزنى كأنك
قتلتها فأخرجتها من إنسانيتها، وأبعدتها
عن مهمتها المقدسة، وعن الوظيفة العليا
التي خلقت من أجلها، وعن أن تقوم
بدورها الطبيعي الإنساني، كما أن مرتكبي
هذه الفاحشة غالبًا ما يعقبونها بجريمة قتل
حرصًا منهما على التخلص من آثار هذه
الجريمة فيقتلون هذا الجنين أو حتى بعد
أن يولد يلقى على قارعة الطريق ليكون
مصيره الموت، ولوشاء الله وقدر له الحياة
سيعيش حياة الذل والقهر والحرمان، الأمر
الذي يؤدي إلى إنتاج شخصية حاقدة على
المجتمع تجنح للقتل وارتكاب الجرائم،
ذلك أنه يقتل معنويًا في كل يوم مرات
ومرات.
ويكثر في السياق القرآني مجيء النهي
عن هذه المنكرات الثلاثة متتابعة : الشرك،
والزنا، وقتل النفس.
ذلك أنها كلها جرائم قتل في الحقيقة!
الجريمة الأولى جريمة قتل للفطرة ، والثانية
جريمة قتل للجماعة، والثالثة جريمة قتل
للنفس المفردة، إن الفطرة التي لا تعيش
على التوحيد فطرة ميتة. والجماعة التي
تشيع فيها الفاحشة جماعة ميتة، منتهية حتمًا
إلى الدمار. لذلك جعل الإسلام عقوبة هذه
الجرائم هي أقسى العقوبات، لأنه يريد
حماية مجتمعه من عوامل الدمار (١).
خامسًا: أسلوب النفي الذي غرضه
النھی:
ذكره الله تعالى في وصف المؤمنین،
الذين نفى عنهم الشرك بالله تعالى، ونفى
عنهم أيضًا الزنا، فقال تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ لَا
يَدْعُونَ مَعَ اَللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ
الَّتِى حَرََّ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَّ وَمَن يَفْعَلْ
ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ﴾ [الفرقان: ٦٨].
هنا وصفهم الله بأنهم لا يزنون ، أي:
لا يباشرون الزنا نفسه ، أما مقدماته فلم
ینفها عنهم مصداقًا لحديث الرسول صلى
الله عليه وسلم: (كتب على ابن آدم نصيبه
(١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ١٢٣٢/٣.
www. modoee.com
١٤٣

حرف الزاى
من الزنا فهو مدرك ذلك لا محالة. العينان
زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع،
واللسان زناه الكلام، واليدان زناهما البطش،
والرجل زناها الخطا، والقلب يهوى ويتمنى،
ويصدق ذلك الفرج أو یکذبه)(١)(٢).
نزّه المؤمنين عن الاتصاف بهذه
الفاحشة، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ
حَفِظُونَ ﴿ إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ
فَإِنَّهُمْ غَيِّرُ مَلُومِينَ ﴾ [المعارج: ٢٩-٣٠].
ووصف المؤمنات بالمحصنات، فعن
ابن عباس قوله: ﴿مُحْصَنَتِ غَيْرَ مُسَفِحَتٍ
وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ [النساء: ٢٥].
يعني: تنكحوهن عفائف غير زواني في
سرّ ولا علانية، ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتٍ أَخْدَانٍ﴾
يعني: أخلاء.
وعنه رضي الله عنه أنه قال : (( كان
أهل الجاهليّة يحرّمون ما ظهر من الزّنا،
ويستحلّون ما خفي، يقولون: أمّا ما ظهر
منه فهو لؤمٌ، وأمّا ما خفي فلا بأس بذلك،
فأنزل اللّه تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ
اَلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾
[الأنعام: ١٥١]))(٣).
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب القدر، باب
قدر على ابن آدم حظه من الزنا وغيره، رقم
٢٠٤٧/٤،٢٦٥٧.
(٢) تفسير ابن باديس ص ٩١.
(٣) جامع البيان، الطبري ١٩٣/٨.
أثر شيوع الزنا على الفرد والمجتمع
دعا الإسلام الحنيف إلى الزواج ورغب
فيه؛ لأنه أسلم طريقة لتصريف الغريزة
الجنسية، وهو الوسيلة المثلى لإخراج
سلالة يقوم على تربيتها الزوجان ويتعهدانها
بالرعاية، لكي تستطيع هذه السلالة أن
تنهض بتبعاتها وتسهم بجهودها في ترقية
الحياة وإعلائها (٤)
وإن ممارسة هذه الجريمة وشيوعها
ليترك آثاراً وأضرارًا تشيب منها الرؤوس
وتقشعر منها الأبدان (٥).
وروى حذيفة عن النبي صلى الله عليه
وسلم أنه قال: (يا معشر المهاجرين، خصال
خمس إن ابتليتم بهن ونزلن بكم أعوذ بالله
أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط
حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الأوجاع التي لم
تكن في أسلافهم)(٦).
وعن عبد الله قال: قلت: يا رسول الله
أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: (أن تجعل
لله ندًا وهو خلقك) قلت: ثم أي؟ قال: (أن
(٤) انظر: ولا تقربوا الفواحش، جمال عبدالرحمن
إسماعيل ص ١٩ - ٢١.
(٥) انظر: تفسير القرآن، السمعاني ٢٣٨/٣.
(٦) أخرجه الحاكم في المستدرك، ٥٨٢/٤،
وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم
يخر جاه.
وصححه الألباني في صحيح الترغيب
والترهيب، ٣٤٣/١.
١٤٤
جَوَُّور
القرآن الكريم

الرئا
تقتل ولدك خشية أن يأكل معك)، قلت: ثم
أي؟ قال: (أن تزني بحليلة جارك) فأنزل الله
تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ
وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَِّى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِأَلْحَقِّ وَلَا
يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨](١).
أولًا: أثر شيوع الزنا على الفرد:
١. انتشار الأمراض الجنسية
وضعف بنية الشباب.
فالزنا سبب مباشر في انتشار الأمراض
الجنسية الخطيرة التي تفتك بالبدن وتضعف
الشباب وتنتقل بالوراثة من الآباء إلى الأبناء
وأبناء الأبناء(٢).
يقول الدكتور جون بيستون وهو أستاذ
الطب الوقائي في جامعة كاليفورنيا: ((إن
القرائن التي جمعت من عدة دراسات تدل
على أن الأمراض الجنسية تنتج في معظمها
عن العلاقات الجنسية خارج نطاق الزواج
أي : من الزنا)» (٣).
و لا شك، أن هذه الأمراض تشکل عقابًا
إلهيًا عاجلًا لمن تجرأ واعتدى على الفطرة
الإنسانية السليمة وسلك غير سبيل الهدى
بارتكاب الفواحش.
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد،
باب قول الله تعالى: (فلا تجعلوا لله أندادا)،
رقم ٩،٧٥٢٠/ ١٥٢.
(٢) انظر: التدابير الواقية من الزنى، فضل إلهي
ص ٥١.
(٣) انظر: المصدر السابق، ص ٥٢.
٢. اختلاط الأنساب.
في الزنا ضياع الأنساب واختلاطها
وتمليك الأموال لغير أصحابها عند
التوارث، وقد قال النبي صلى الله عليه
وسلم فيمن يخلط النسب حينما أراد رجل
أن يطأ جارية وكانت حاملًا فلما رآه رسول
الله صلی الله عليه وسلم قال: (لقد هممت
أن ألعنه لعنا يدخل معه قبره، کیف یورثه
وهو لا يحل له، کیف یستخدمه وهو لا يحل
له)(٤).
قال ابن القيم: ((يعني: إن استلحقه
وشرکه في میرائه لا يحل له لأنه ليس بولده،
وإن أخذه مملوكا يستخدمه لم يحل له، لأنه
قد شرك فیه لکون الماء یزید في الولد».
قال: ((وفي هذا دلالة ظاهرة على تحريم
نكاح الحامل»(٥) .
فإذا كان نكاح الحامل محرمًا سواء
كانت حرة فتزوجها، أو من السبايا فوطأها؛
فما بالنا إذا زاد الطين بلًّا فزنى، والزاني لا
يفتّش فيمن يزني بها، وهي إما أن تحمل منه
فتدخل على قومها من ليس منهم، وإما أن
تكون حاملا فماء الزاني یزید في ولدها،
وإما لا يعلم أمن زوجها الحمل أم من غيره،
ومن هنا تختلط الأنساب والنّطف.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب النكاح،
باب تحريم وطء الحامل المسبية، رقم
١٤٤١، ٢ /٠١٠٦٥
(٥) زاد المعاد، ١٥٥/٥.
www. modoee.com
١٤٥

حرفالزاى
٣. مشكلة أولاد الحرام.
إن في هذه الفاحشة جناية على الجنين
الذي يأتي من الزنا؛ حيث يعيش مقطوع
النسب، محتقرًا ذليلاً، وقد أثبتت تجارب
الحرب الأخيرة بين أطفال المحاضن أن
الطفل الذي تتناوب تربيته عدة حاضنات
تختل شخصيته وتنفك ولا تنمو فيه مشاعر
الحب والتعاون(١).
ولقد أخذت هذه المشكلة تتفاقم، حیث
بلغت نسبة الأولاد غير الشرعيين في بعض
المدن الفرنسية ٥٠٪ بالنسبة للمجموع
الكلي لعدد المواليد(٢).
٤. الهم والحزن والمقت بین الناس
والخوف.
إذ إنه دنس العرض والشرف ونزع شعار
الطهر والعفاف والفضيلة ولطخ فاعله بالعار
والشنار، ويجعل الزانية والزاني بین خطرین،
فإن المرأة إذا زنت أدخلت العار على أهلها
وزوجها وأقاربها ونكست رؤوسهم، فإن
حملت من الزنا وقتلت ولدها جمعت بين
جريمتي الزنا والقتل، وإن أمسكته أضافت
إلى زوجها غير ولده.
ثانيًا: أثر شيوع الزنا على المجتمع:
(١) التدابير الواقية من الزنى، فضل إلهيص ٥٤.
(٢) انظر: حقوق الإنسان في الاسلام، عبدالواحد
وافي ص١٥٩.
القرآن الكَرِيْمِ
١. كثرة الجرائم.
والزنا أحد أسباب جريمة القتل فقد لا
يجد الغيور على عرضه وسيلة يغسل بها
العار الذي لحقه ولحق أهله إلا سفك الدم
(٣)، أثبت علماء النفس أن معظم المجرمين
والجانحين في العالم يكونون من أولاد
الحرام وممن عاشوا في ملاجئ الأطفال،
وفي أجواء بعيدة عن العاطفة، الأمر الذي
يؤدي إلى كثرة الجرائم وعدم الأمن والأمان
في المجتمع.
وبين قتل الأولاد والزنا صلة ومناسبة،
وقد توسط النهي عن الزنا بين النهي عن قتل
الأولاد والنهي عن قتل النفس لذات الصلة
وذات المناسبة، إن في الزنا قتلاً من نواحٍ
شتى، إنه قتل ابتداء لأنه إراقة لمادة الحياة في
غير موضعها. يتبعه غالبا الرغبة في التخلص
من آثاره بقتل الجنين قبل أن يتخلق أو بعد
أن یتخلق، قبل مولده أو بعد مولده فإذا ترك
الجنين للحياة ترك في الغالب لحياة شريرة،
أو حياة مهينة، فهي حياة مضيعة في المجتمع
على نحو من الأنحاء، وهو قتل في صورة
أخرى، قتل للجماعة التي يفشو فيها، فتضيع
الأنساب وتختلط الدماء، وتذهب الثقة في
العرض والولد، وتتحلل الجماعة وتتفكك
روابطها، فتنتهي إلى ما يشبه الموت بين
(٣) انظر: التدابير الواقية من الزنا، فضل إلهي ص
٧٨.
١٤٦

الرئا
الجماعات.
وهو قتل للجماعة من جانب آخر، إذ إن
سهولة قضاء الشهوة عن طريقه يجعل الحياة
الزوجية نافلة لا ضرورة لها، ويجعل الأسرة
تبعة لا داعي إليها، والأسرة هي المحضن
الصالح للفراخ الناشئة، لا تصح فطرتها ولا
تسلم تربيتها إلا فيه.
وما من أمة فشت فيها الفاحشة إلا
صارت إلى انحلال، منذ التاريخ القديم إلى
العصر الحديث، وقد یغر بعضهم أن أوروبا
وأمريكا تملكان زمام القوة المادية اليوم مع
فشو هذه الفاحشة فيهما، ولکن آثار هذا
القديمة منها كفرنسا
الانحلال فى الأمم
ظاهرة لا شك فيها، أما في الأمم الفتية
كالولايات المتحدة، فإن فعلها لم تظهر
بعد آثاره بسبب حداثة هذا الشعب واتساع
موارده کالشاب الذي یسرف في شهواته فلا
يظهر أثر الإسراف في بنيته وهو شاب ولكنه
سرعان ما يتحطم عند ما يدلف إلى الكهولة
فلا يقوى على احتمال آثار السن، كما يقوى
عليها المعتدلون من أنداده! والقرآن يحذر
من مجرد مقاربة الزنا، وهي مبالغة في
التحرز، لأن الزنا تدفع إليه شهوة عنيفة،
فالتحرز من المقاربة أضمن، فعند المقاربة
من أسبابه لا يكون هناك ضمان (١).
٢. تفكك المجتمع وذلك عن طريق
(١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٢٢٣/٤.
تشتيت العلاقة الزوجية.
فالزنا يشتت الحياة الزوجية إذ ينتج عنه
الإحجام عن الزواج ؛ لأنه يجد إشباعًا
لحاجاته دون تحمله لأدنى مسؤولية
والزواج یحمله هذه المسؤولية، حتى بعض
من يقبل على الزواج سرعان ما تنهار حياته
الزوجية (٢).
فيفسد نظام البيت ويهز كيان الأسرة
ويقطع العلاقة الزوجية، ويعرض الأولاد
لسوء التربية مما يتسبب عنه التشرد
والانحراف والجريمة، مما يحطم
المجتمعات ويفكك روابطها ويكثر فيها
اللقطاء والضائعون حیثما یولد الولد وهو لا
يدري أباه ولا أمه (٣).
والتهرب من مسؤولية بناء الأسرة
التي هي لبنة المجتمع، يفكك عرى هذا
المجتمع ويحوله إلى أفراد لا يجمع بينهم
أي رابط مشترك.
٣. ظهور الزنا من أمارات خراب
العالم.
فقد ورد في الصحيحين من خطبة
الرسول صلى الله عليه وسلم في صلاة
الكسوف أنه قال : ( يا أمة محمد، والله إنه
(٢) انظر: التدابير الواقية من الزنا، فضل إلهي ص
٧٠.
(٣) انظر: ولا تقربوا الفواحش، محمد جمال
إسماعيل ص٢٢.
www. modoee.com
١٤٧

حرف الرأى
لا أحد أغیر من الله أن یزني عبده أو تزني
أمته، يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم
لضحكتم قليلا ولبکیتم کثیرًا، ثم رفع يديه
وقال: اللهم هل بلغت؟)(١).
قال ابن القيم: ((وفي ذكر هذه الكبيرة
بخصوصها عقب صلاة الكسوف سر بديع
لمن تأمله، وظهور الزنا من أمارات خراب
العالم»(٢).
فتغير حال الشمس وذهاب ضوئها
بالكسوف علامة من علامات تغير الحال
من الأحسن إلى الأسوأ وقد يكون بسبب
المعاصي والذنوب، لذلك أشار النبي صلى والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين
الله عليه وسلم إلى هذا المعنى في صلاة مضوا) (٥).
الكسوف.
٤. انخفاض نسبة الموالید.
ذلك أن هذه الجريمة تعمل على نشر
الأمراض، الأمر الذي يؤدي إلى موت كثير
من الأطفال وهم في سن مبكرة، کما أن کل
من يمارس هذه الفاحشة سيحرص على
أن يخفي أو يتخلص من تبعاتها فربما يقتل
الجنين ابن الزنا.
٥. انتشار الزنا من أشراط الساعة.
وذلك كما جاء في الصحيحين عن أنس
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، أبواب
الكسوف، باب الصدقة في الكسوف، رقم
٣٤/٢،١٠٤٤.
(٢) الجواب الكافي ص ١٨٦.
جَوَسُوع
القرآن الكريمِ
ابن مالك رضي الله عنه أنه قال : لأحدثنكم
حديثًا لا يحدثکموه أحد بعدي، سمعته من
النبي صلى الله عليه وسلم: ( أن من أشراط
الساعة أن يرفع العلم ويظهر الجهل ويشرب
الخمر ويظهر الزنا ويقل الرجال وتكثر
النساء حتى يكون لخمسين امرأة القيم
الواحد) (٣)(٤)
٠
وفي إشارة نبوية رائعة لنتائج انتشار هذه
الفواحش انتشار الأمراض يقول صلى الله
عليه وسلم: (ولم تظهر الفاحشة في قوم
قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون
فكان انتشار هذه الأمراض مع الإباحية
الجنسية والعلاقات الفاجرة ما هو إلا تحقيق
لنبوءة وإعجاز لسيد البشر بهذا الحديث.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحدود،
باب إثم الزناة، رقم ٨،٦٨٠٨/ ١٦٤.
(٤) انظر: ولا تقربوا الفواحش، جمال
عبدالرحمن إسماعيل ٢٦/١، الطريق إلى
الإسلام، محمد أسد ص ٨٦.
(٥) أخرجه الحاكم في المستدرك، ٤/ ٥٨٢،
وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم
يخر جاه.
وصححه الألباني في صحيح الترغيب
والترهيب، ٣٤٣/١.
١٤٨

الزنا
الإعجاز التشريعي في تحريم الزنا
إنّ من الإعجاز التشريعي في تحريم الزنا
أنّه لما نهى الله عز وجل عن الزنى نهى عن
قربانه قال تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ الزِّنَّ إِنَّهُ كَانَ
فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلًا ﴾ [الإسراء: ٣٢].
أي: لا تقتربوا منه ولا من أسبابه
ودواعيه، لأن تعاطي الأسباب مؤد إليه وهو
فعل شديد القبح و عظيم الذنب، كمن حام
حول الحمى يوشك أن يقع فيه خصوصًا
هذا الأمر الذي في كثير من النفوس أقوى
داع إليه (١).
كما أن الله عز وجل سماه فاحشة وقد
نهانا عن الاقتراب من الفواحش في آية
أخرى، فقال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ
الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾
[الأنعام: ١٥١](٢).
كما أن النهي عن الزنى جاء بعد النهي
عن الوأد؛ لأنه من بابه، وإذا كان الوأد قتلًا
للولد، فالزاني كذلك؛ لأنه يرمي النطفة،
ولذا لوحظ في الأمم التي تكثر فيها الفاحشة،
أنها تفنى شيئًا فشيئًا، وأن شيوع الزنى في أمة
يضعف قوتها ونخوتها ويجعلها جماعة
لاهية لاعبة(٣).
(١) انظر: مراح لبيد، الجاوي ٥٢٩/١.
(٢) انظر: السراج المنير، الشربيني ٣٠١/٢،
تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٥٧.
(٣) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ٥١٣٨/١٠.
قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله لم
ينزل داء إلا أنزل له شفاء علمه من علمه
وجهله من جهله)(٤).
والدواء نوعان:
دواء تحصين واكتساب للمناعة ضد
هذا المرض ينتج عنه تحصين وحفظ
الفرج.
دواء لاقتلاع المرض بعد حدوثه
واستئصال جذوره(٥).
وقد استعمل القرآن الكريم أساليب
متنوعة في علاج هذه الجريمة؛ فمن الأمور
العلاجية ما يلي:
١. فرض الاسلام العقوبات
المشددة لمنع الزنا والتحرشات.
قال تعالى في عقوبة الزناة: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِ
فَأَجْلِدُواْ كُلَّ ◌َحِدٍ مِنْهُمَا مِْتَةً جَلْدَةِ﴾ ، مع التنكيل
بهما ﴿وَلَتَأْخُذْكُمْ بِمَا رَأَقَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُمْ تُؤْمِنُونَ
بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ اَلْآَخِرِ﴾، والتشهير بهم ﴿وَلَشْهَدْ
عَذَابَهُمَا طَيِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، شرع القرآن
الكريم حدّ الزّنا، وأوجب الله سبحانه
وتعالى على أولي الأمر إقامة الحد عليهم
حفاظًا على الأعراض، ومنعًا لاختلاط
(٤) أخرجه أحمد فى مسنده، ٦/ ٥٠، رقم
٣٥٧٨.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٣٧١/١، رقم ١٨٠٩.
(٥) انظر: ولا تقربوا الفواحش، جمال عبد الرحمن
إسماعيل ١٠٨/٢.
www. modoee.com
١٤٩

حرف الزاى
الأنساب، وتحقيقًا للعفاف والصون وطهر الحكم سدًا للذريعة.
المجتمع.
وفي قول الله تعالى: ﴿الَّانِيَةُ وَالزَّانِىِ
فَأَجْلِدُوا كُلَّ وَجِدٍمِنْهُمَامِائَةً جلىةِ﴾ ثلاث إِشارات
بیانیة :"
أولها: في تقديم الزانية على الزاني،
قالوا: لأن قوة الشهوة الدافعة إلى الزنى
عند المرأة أقوى، وربما لا نوافق على ذلك
كثيرًا؛ لأن الرجل يطلب المرأة في أكثر
الأحيان، والمرأة لا تطلب الرجل إلا قليلا،
وإن حدثتها نفسها فإن الحياء يكفها إلا إذا
خلعته، وقد نقول: إنها إن طلبها الرجل ولم
تكن مؤمنة سارعت إليه، ونقول في تعليل
ذلك إن العقوبة قاسية، وقد قدمت المرأة
لکیلا يمتنع أحد عن إقامة الحد بدعوى
ضعفها، والشفقة عليها والرفق بها؛ لأنها من
القوارير.
ثانيها: أن كلمة الزاني والزانية وصف
بالزنى، وذلك يكون في أكثر الأحوال من
تعوّد هذه الجريمة، ولذلك لا يكون إلا
ممن أعلن هذه الجريمة الفاحشة ولذلك
كان لابد من شروط لإقامة هذا الحد: أن
یشهد أربعة بها، ولا يكون ذلك إلا إذا كانت
الجريمة معلنة مجاهرًا بها، وذلك لا يكون
إلا ممن تعودوا هذه الجريمة، وقد يكون
الزنی في أول أمره، ولکن یندر أن يحضره
ثالثها: أن التعبير عن الضرب بالجلد
للإشارة إلى أنه يؤلم الجلد، وذلك بأن
يكون الضرب قريبًا من الجلد، فلا يستره
إلا ثوب عادي، ولا يضرب على حشوة من
قطن أو نحوه.
وهذه هي العقوبة الأولى، وقد تبعتها
عقوبة أخرى، وهي أن تكون هذه العقوبة في
العلن لا في السر، ولذا قال تعالى: ﴿وَلَشْهَدْ
عَذَابَهُمَا طَاِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢].
أي: ليحضر العقوبة ﴿طَلَيْفَةٌ مِّنَ
الْمُؤْمِنِينَ﴾، وما حد الطائفة ، قيل : اثنان.
وقيل : أربعة.
والظاهر: أنها الطائفة التي يكون بها
الإعلام، بأن تكون العقوبة في مكان تكون
فيه علنية لا سرية، وسمى الله هذه العقوبة
عذابا؛ لأنها عذاب الدنيا، ووراءها عذاب
الآخرة، إن لم يتوبا توبةً نصوحًا؛ ولأنها
قاسية غليظة، والرحمة بالجاني تشجيع على
الجناية، والغلظة في عقابه رحمة بالجماعة
الإنسانية.
ولغلظة العقوبة قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُرُ
بِمَا رَأَفَةٌ فِ دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢].
والرأفة انفعال نفسي يدفع إلى الشفقة
والألم، فلا يصح أن تكون الرأفة هي
المسيطرة، أي : لا يصح أن تستولي عليكم
أربعة من الرجال العدول، ومع ذلك يطبق حتى يقال: إنها أخذتكم، فالرأفة بالجاني
١٥٠
جوب
القرآن الكريمِ

الزرقاء
استهانة بالحکم وتشجيع عليه(١).
وقد خص الله سبحانه وتعالى حد الزنى
من بین الحدود بثلاث خصائص:
الأولى: القتل فيه بأشنع القتلات للزاني
المحصن، فقد دلّت السّنة الصحيحة على
أنّ الحدّ لكل منهما هو الرجم (٢)، وعندما
يكون الحد جلدًا للزاني غير المحصن،
فقد جمع فيه بین العقوبة على البدن بالجلد
وعلى القلب بتغريبه عن وطنه سنة.
جاء في الصحيحين: أن أعرابيا أتى النبي
صلی الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله،
إن ابني كان عسيفًا (أجیرًا) على هذا فزنى
بامرأته ، وإني أخبرت أن على ابني الرجم
فافتدیت منه بمائة شاة ، ووليدة (جارية)،
فسألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني :
جلد مائة وتغريب عام وأن على امرأة هذا
الرجل : الرجم ، فقال النبي صلى الله عليه
وسلم:(والذي نفسي بيده لأقضین بينكما
بکتاب الله، الوليدة والغنم ردٌ عليك، وعلى
ابنك جلد مائة وتغریب عام، واغد یا أنیس
إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها)، فغدا
عليها فاعترفت فأمر بها النبي صلى الله عليه
وسلم فرجمت(٣).
(١) زهرة التفاسير، أبو زهرة ٥١٣٩/١٠.
(٢) انظر: ولا تقربوا الفواحش، جمال إسماعيل
٢/ ١٣٤.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشروط،
باب الشروط التي لا تحل في الحدود،
الثانية: نهى الله تعالى عباده المؤمنين أن
تأخذهم بالزناة رأفة في دين الله عند إقامة
الحد.
قال تعالى: ﴿وَلَ تَأْخُذُّكُمْ بِمَا رَأْفَةٌ فِ رِيِنِ اُللَّهِ
إِن كُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِّ وَلْيَشْهَدْ عَذَاَهُمَا
طَايِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢].
والرأفة ترك إقامة حدّ الله عليهما
وتعطيله، فأما إذا أقيم عليهما الحد فلم
تأخذهم بهما رأفة في دين الله، أو تخفيف
الضرب عنهما، ولکن یجب أن یوجعوهما
ضربًا (٤).
الثالثة: أنه سبحانه أوجب عليهما
الفضيحة رغم أنه تعالى ((ستّيرٌ)) يحب
الستر وعفوٌ يحب العفو، لكن لقبح الزنا
وبشاعته أوجب ذلك ردعًا للغير، فأمر أن
یکون الحد بمشهد من المؤمنین، ولا یکون
في خلوة بحیث لا يراهما أحد، وذلك أبلغ
في مصلحة الحد وحكمة الزجر، فقال
تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَيِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾
[النور: ٢](٥).
والأمر بشهادة الطائفة للتشهير، فوجب
أن تكون طائفة يحصل بها التشهير، والواحد
١٩١/٣، رقم ٢٧٢٤، ومسلم في صحيحه،
كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه
بالزنا، ٣/ ١٣٢٤، رقم ١٦٩٧.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٩١/١٩، ٩٢،
تفسير عبد الرزاق ٢/ ٤٢٤
(٥) انظر: ولا تقربوا الفواحش، جمال إسماعيل
١٣٥/٢.
www. modoee.com
١٥١

حرف الرأى
والاثنان ليسوا بتلك المثابة، ويشهد له التنابز بالألقاب فمن باب أولى أن يحرم
القذف.
قول ابن عباس رضي الله عنهما : ((أربعة
إلى أربعين رجلاً من المصدقين بالله،
واختصاصه المؤمنين لأن ذلك أفضح،
والفاسق بين صلحاء قومه أخجل))(١).
٢. عقوبة خوض اللسان في
الفواحش وقذف المحصنات.
قال تعالى: ﴿وَلَّذِينَ يَّمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّلَوْ
يَثُواْ بِأَرْبَعَةٍ شُهَدَلَةٍ فَأَجْلِدُوهُمْ ثَمَنِينَ جَلْدَةً وَلَا نَقْبَلُواْ
لَكُمْ شَهْدَةً أَبَدًا وَأُوْلَكَ هُمُ الْفَسِقُونَ ﴾
[النور: ٤].
شرع القرآن الكريم أيضًاحدًّا للقذف من
أجل الحفاظ على العرض، والذي هو جلد
ثمانين جلدة، وهي عقوبة جسدية، وعدم
قبول شهادتهم، والحكم عليهم بالفسق
وهي عقوبة معنوية، بل وحرم على المسلم
الأقل من ذلك، فقال تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَب
بَّعْضُّكُم بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢].
وقبح جل وعلا غيبة المسلم غاية التقبيح
فقال: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ
أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢].
وقال: ﴿وَلَا نَلْمِزُوَاْ أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَرُواْ
بِالْأَ لَقَبٌ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيَمْنِّ وَمَنْ لَّمْ
يَتُبْ فَأْلَئِكَ هُ الَِّمُونَ﴾ [الحجرات: ١١](٢).
فإذا كانت الغيبة محرمة ومجرمة وكذلك
(١) انظر: الكشاف، الزمخشري ٢١١/٣.
(٢) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٤٩/٣.
٣. قرن الزنا بالشرك وقتل النفس.
وجعل جزاء ذلك الخلود في العذاب
المضاعف ما لم يرفع العبد موجب ذلك
(٣)
بالتوبة والإيمان والعمل الصالح
فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ
إِلَهَاءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا
بِأَلْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًاً
يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَيَخْلُدْ
٦٨
فِيهِ مُهَانًاً ) إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ
عَمَلاً صَلِحًا فَأُوْلَمَكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيْئَاتِهِمْ
حَسَنَتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾
[الفرقان: ٦٨-٧٠].
ويتضح اقتران الزنى والقتل بالشرك أيضًا
في حديث ابن مسعود رضي الله عنه الذي
ورد في الصحيحين فقال: سألت رسول
الله صلى الله عليه وسلم أي الذنب أعظم؟
فقال: (أن تجعل الله ندًا وهو خلقك)، قلت:
ثم أي؟ قال: (أن تقتل ولدك خشية أن يأكل
معك) قلت: ثم أي؟ قال: (أن تزاني حليلة
جارك) (٤).
وقرن الزاني بالمشركة أو الزانية، حيث
(٣) انظر: ولا تقربوا الفواحش، جمال إسماعيل،
١٣٤/٢.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد،
باب قول الله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾،
رقم ٩،٧٥٢٠/ ١٥٢.
١٥٢
القرآن الكريمِ