Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
الرَّاح
عناصر الموضوع
مفهوم الرياح
٨
الرياح في الاستعمال القرآني
٩
الألفاظ ذات الصلة
١٠
الرياح آية من آيات الله
١١
صفات الرياح
١٤
منافع الرياح
١٩
الرياح جند من جنود الله تعالى
٢٧
٣١
الرياح في المثل القرآني
المُجَلَّدَ السَّابِعْ عَشَرِ

حرف الراء
مفهوم الرياح
أولًا: المعنى اللغوي:
إن أصل الياء في كلمة الربح واوٌ (روح)، ثم قلبت الواو ياءً لانكسار ما قبلها، وأصل مادة
(روح) تدل على سعة وفسحة واطراد (١).
والريح: نسيم الهواء، وكذلك نسيم كل شيء(٢)، وهي مؤنثة وتصغيرها رويحة، والريح
مفرد، ويجمع تكسيرًا في الكثرة على رياح، وفي القلة على أرواح (٣).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
لا يختلف معناها الاصطلاحي عن المعنى اللغوي، الذي يعني: الهواء المتحرك (٤).
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٢/ ٤٥٤.
(٢) لسان العرب، ابن منظور ٤٥٥/٢.
(٣) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ١٣٩/٥.
(٤) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٤٢١.
٨
جَوَنُور
القرآن الكريم

الرياح في الاستعمال القرآني
وردت (الريح) في القرآن الكريم (٢٩) مرة (١).
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
مفرد
١٩
وَلِسُلَيْمَنَ الْرِيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢]
﴿وَهُوَ الَّذِى يُرْسِلُ الْرِّيَحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ،﴾
١٠
جمع
[الأعراف: ٥٧]
وجاءت الريح في القرآن على ثلاثة أوجه (٢):
أحدها: الشدة والقوة: ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَزَعُواْ فَنَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦]،
يعني: قوتكم وشدتکم.
الثاني: ريح العذاب: ومنه قوله تعالى: ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ [القمر: ١٩]، يعني:
عذابًا.
الثالث: ريح الخير والرحمة، ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّىَ إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيج
طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢]، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَلِهِ: أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَحَ مُبَشِّرَتٍ وَلِيُذِ يقَكُمْ مِن رَّحْمَتِهِ،﴾
[الروم: ٤٦].
(١) المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص ٣٢٦، المعجم المفهرس
الشامل، عبد الله جلغوم، ص ٥٩٥.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص ٢٣٢.
www. modoee.com
٩

حرف الراء
الألفاظ ذات الصلة
الهواء:
١
الهواء لغة:
هو الجو ما بين السماء والأرض، والجمع الأهوية (١).
الهواء اصطلاحًا:
لا يخرج عن معناه اللغوي، ويمكن أن يعرف تعريفًا علميًّا ويقال: غاز يغلف الكرة
الأرضية ويتكون من الأزوت والأكسجين وغازات قليلة أخرى والجو (٢).
الصلة بين الهواء والريح:
الهواء أصل الرياح؛ إلا أنه ساكن في مكانه فمتى ما تحرك صار رياحًا أو ريحًا.
الإعصار:
٢
الإعصار لغة:
قال الزجاج: ((الإعصار الرياح التي تهب من الأرض وتثير الغبار فترتفع كالعمود إلى
نحو السماء، وهي التي تسميها الناس الزوبعة، وهي ريح شديدة لا يقال لها إعصار حتى
تهب کذلك بشدة»(٣).
الإعصار اصطلاحًا:
لا يخرج عن معناه اللغوي، يقول الزمخشري عن معنى لفظ الإعصار: ((هي الريح التي
تستدير في الأرض، ثم تسطع نحو السماء كالعمود)» (٤). ويقول الطوسي أيضًا: ((الإعصار:
غبار يلتف بين السماء والأرض كالتفاف الثوب في العصير))(٥).
الصلة بين الإعصار والريح:
الإعصار نوع من أنواع الرياح القوية، وليس كل ربح إعصارًا.
(١) لسان العرب، ابن منظور ٣٧٠/١٥.
(٢) المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ١٠٠١/٢.
(٣) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٤ /٥٧٨.
(٤) الكشاف ٣٤١/١.
(٥) التبيان في تفسير القرآن ٢/ ٣٤٢.
صَوَسُون
القرآن الكريم
١٠

الرياح
الرياح آية من آيات الله
لله عز وجل في هذا الكون آيات كثيرة
لا تعد ولا تحصى، تدل دلالةً واضحةً على
وحدانیته وقدرته وعظمته وحكمته، ومن
هذه الآيات آية الريح، وهي خاضعة لأمر
الله وتقديره، فهو المتصرف في أحوالها،
ومن تلك الأحوال:
١. إرسال الرياح.
قال عز وجل: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الْرِّيَاحَ
مُبَشِّرَتٍ﴾ [الروم: ٤٦].
أي: ومن دلالات بديع قدرته إرسال
الرياح مبشرات بالمطر لأنها تتقدمه (١).
ویذکر تعالی نعمه على خلقه في إرسال
الرياح مبشرات بين يدي رحمته بمجيء
الغيث عقبها، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلِيُذِيقَكُم
مِّن رَّحْمَتِهِ،﴾، أي: المطر الذي ينزّله فيحيي
به العباد والبلاد(٢).
ومن الأدلة الدالة على رحمته وبعثه
الموتى وأنه الإله المعبود والملك المحمود،
﴿أَنْ يُرْسِلَ الْرِيَحَ﴾ أمام المطر ﴿مَُشْرَتٍ﴾
بإثارتها للسحاب ثم جمعها فتبشّر بذلك
النفوس قبل نزوله (٣).
قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُرْسِلُ
(١) فتح القدير، الشوكاني ٢٦٤/٤، محاسن
التأويل، القاسمي ١٩/٨.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٨٩/٦.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٦٤٣.
اُلْرِّيَحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ، حَّى إِذَا أَقَلَّتْ
سَحَابًا ثِقَالَا سُقْنَهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَآءَ
فَأَخْرَجْنَا بِهِ، مِن كُلِّ الثَّمَزَتِ كَذَلِكَ تُخْرِجُ الْمَوْقَ
لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [الأعراف: ٥٧].
وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِىّ أَرْسَلَ الْرِيَخَ
بُشْرَأَ بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ، وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَكِ مَآءَ
طَهُورًا ﴾ [الفرقان: ٤٨].
وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِ
ظُلُّمَتِ أَلْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الْرِّيَحَ بُشْرًا
بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتْهِهُ أَوِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَلَى اللَّهُ عَمَّا
يُشْرِكُونَ (٣)﴾ [النمل: ٦٣].
٢. إسكان الرياح.
قال عز وجل: ﴿إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الْرِيحَ
فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِوَةٌ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِكُلِّ
صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾ [الشورى: ٣٣].
فمن آياته الدالة على قدرته الباهرة
وسلطانه، تسخيره البحر؛ لتجري فيه الفلك
بأمره وهي: الجواري في البحر كالأعلام،
أي: كالجبال، قاله مجاهد والحسن والسدي
والضحاك، أي: هذه في البحر كالجبال في
البر، ﴿إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الْرِيحَ﴾ أي: التي تسير
في البحر بالسفن لو شاء لسكنها حتى لا
تتحرك السفن، بل تبقى راكدة لا تجيء
ولا تذهب، بل واقفة ﴿عَلَىَ ظَهْرِهِهِ﴾، أي:
على وجه الماء، ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَتِ﴾ أي: إن
في تسخيره البحر وإجرائه الهوی بقدر ما
يحتاجون إليه لسيرهم لدلالات على نعمه
www. modoee.com

حرف الراء
تعالى على خلقه، ﴿لَكُلِّ صَبَّارٍ﴾ أي: في يَعْقِلُونَ ﴾[الجاثية: ٣-٥].
الشدائد، ﴿شَكُورٍ﴾ في الرخاء (١).
وإنها لترکد أحیانا فتهمد هذه الجواري،
وَإِنَّ
وتركد كما لو كانت قد فارقتها الحياة!
فِيذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ في إجرائهن
وفي رکودهن على السواء آیات لكل صبار
شكور، والصبر والشكر كثيرًا ما يقترنان في
القرآن، الصبر على الابتلاء والشكر على
النعماء وهما قوام النفس المؤمنة في الضراء
والسراء(٢).
فما شاء الله كان، وسبحان من جعل في
ذلك آيةً، وما يذكر إلا من وفقه الله.
٣. تصريف الرياح.
قال عز وجل: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ
وَاْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ اَلَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَاَلْفُلْكِ أَلَّتِى
◌َجْرِى فِى الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ
السَّمَآءِ مِن ◌َّآءٍ فَأَخْيَابِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ
فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَجِ وَالسَّحَابِ
الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَاَلْأَرْضِ لَيَتٍ لِقَوْمٍ
يَعْقِلُونَ
(١٦٤)﴾ [البقرة: ١٦٤]، وقوله عز وجل:
وَفِی
﴿إِنَّ فِ السَّمُوَتِ وَالْأَرْضِ لَيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ
خَلْفِكُمْ وَمَا يَبْثُ مِن دَابَّةٍ مَايَتٌّ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ {
وَأَخْلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اَللَّهُ مِنَ السَّمَآِمِنِ رِزْقٍ
فَلَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتَهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَجِ ءَايَتٌّ لِقَوْمِ
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٩١/٧،
وانظر: محاسن التأويل، القاسمي ٣٧١/٧.
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣١٥٩/٥.
وزعم بعض أهل العربية أنّ معنى قوله:
﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَجِ﴾، أنها تأتي مرّة جنوبًا
وشمالٌ وقبولا ودبورًا، ثم قال: وذلك
تصريفها (٣)، وهذه الصفة التي وصف الرياح
بها، صفة تصرّفها لا صفة تصريفها، لأن
(تصريفها) تصريف الله لها، (وتصرّفها)
اختلاف هبوبها.
وقد يجوز أن يكون معنى قوله:
﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَجِ﴾، تصريف الله تعالى
ذكره هبوب الريح باختلاف مهابّها ...
فأما معنى قوله: ﴿لَآَيَتِ﴾، فإنه علامات
ودلالاتٌ على أن خالق ذلك كلّه ومنشئه،
إله واحدٌ لمن عقل مواضع الحجج، وفهم
عن الله أدلته على وحدانيته، فأعلم تعالى
ذكره عباده، بأنّ الأدلة والحجج إنما وضعت
معتبرًا لذوي العقول والتمييز، دون غيرهم
من الخلق، إذ كانوا هم المخصوصين بالأمر
والنهي، والمكلفين بالطاعة والعبادة، ولهم
الثواب، وعليهم العقاب (٤).
العبارة
﴿وَتَّصْرِيفِ الرِّيَج ﴾ فهذه
الموجزة في كلماتها وراءها حقائق علمية
رائعة، فهذه الرياح التى هي الهواء المتحرك
فوق غلاف الأرض الجوي إنما تتحرك
بتأثير حرارة الشمس التي تجعله يخف
(٣) انظر: ما قاله الفراء في معاني القرآن ١ / ٩٧.
(٤) جامع البيان، الطبري ٢٧٦/٣.
١٢
جوبيه
الْقُرآن الكَرِيمِ

ويرتفع ويحل محله هواء بارد ثقيل يندفع
نحو منطقة الضغط المنخفض بنظام دقيق،
فيه تصريف للرياح وتوجيه لها في هبوبها
من مکان إلی مکان معین، وينشأ عن حركة
الرياح نتائج لها أهميتها في حياة الناس
فهي تسوق السحاب المطرة إلى الأرض
المجدبة، وتساعد السفن الشراعية في
سيرها، وتحمل اللقاح إلى النباتات النامية
وتوزع الحرارة والبرودة في دورات منتظمة
على الأرض وغير ذلك من حكمة الله في
تصريف الرياح ... وقد أثبت العلم الدورة
الهوائية على سطح الكرة الأرضية وكيف
يكون تصريفها من جهة إلى أخرى(١).
ويرشد تعالى خلقه إلى التفكر في آلائه
ونعمه، وقدرته العظيمة ... وما أنزل الله
تبارك وتعالى من السحاب من المطر في
وقت الحاجة إلیه، وسماه رزقا لأن به يحصل
الرزق فأحيا به الأرض بعد موتها أي بعد ما
کانت هامدة لا نبات فيها ولا شيء(٢).
وذكر جل وعلا في هذه الآيات الكريمة،
من أول سورة الجاثية ستة براهين، من
براهين التوحيد الدالة على عظمته وجلاله،
و كمال قدرته:
الأول: منها خلقه السماوات والأرض.
(١) انظر: القرآن وإعجازه العلمي، محمد
إسماعيل إبراهيم ١ / ٩٥، موسوعة الإعجاز
العلمي، النابلسي ٢/ ٧٠.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٤٣/٧.
الثاني: خلقه الناس.
الثالث: خلقه الدواب.
الرابع: اختلاف الليل والنهار.
الخامس: إنزال الماء من السماء وإحياء
الأرض به.
السادس: تصريف الرياح.
وذكر أن هذه الآيات والبراهين، إنما
ينتفع بها المؤمنون، الموقنون الذين
يعقلون عن الله حججه، وآياته؛ فكأنهم
هم المختصون بها دون غیرهم؛ ولذا قال:
﴿لَيَتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، ثم قال: ﴿َايَتٌّ لِّقَوْمٍ
يُوقِنُونَ﴾، ثم قال: ﴿مَيَتُّ لِقَوْمٍيَعْقِلُونَ﴾.
وهذه البراهين الستة المذكورة في أول
هذه السورة الكريمة، جاءت موضحة في
آيات كثيرة جدًا كما هو معلوم(٣).
وهذا يدل دلالةً واضحةً على أن الرياح
آية عظيمة وجند قوي من جنود الله تعالی.
وفي الرياح من العبر: هبوبها وسكونها
ولينها وشدتها واختلاف طبائعها وصفاتها
ومهاّها وتصريفها وتنوع منافعها وشدة
الحاجة إليها ... وهي مع غاية قوتها ألطف
شيء وأقبل المخلوقات لكل كيفية سريعة
التأثر والتأثير، لطيفة المسارق بين السماء
والأرض، إذا قطع عن الحيوان الذي على
وجه الأرض هلك كبحر الماء الذي إذا فارقه
حيوان الماء هلك، يحبسها الله سبحانه
(٣) أضواء البيان، الشنقيطي ٧/ ١٧٩.
www. modoee.com
١٣

حرف الراء
إذا شاء ويرسلها إذا شاء، تحمل الأصوات
إلى الآذان والرائحة إلى الأنف والسحاب
إلى الأرض الجزر، وهي من روح الله
تأتي بالرحمة، ومن عقوبته تأتي بالعذاب،
وهي أقوى خلق الله كما رواه الترمذي في
جامعه من حديث أنس بن مالك عن النبي
صلى الله عليه وسلم قال: (لما خلق الله
الأرض جعلت تمید؛ فخلق الجبال فقال بها
عليها فاستقرت؛ فعجبت الملائكة من شدة
الجبال وقالوا: يا رب هل من خلقك شيء
أشد من الجبال؟ قال: نعم الحدید، قالوا: يا
رب فهل من خلقك شيء أشد من الحديد؟
قال: نعم النار، قالوا: يا رب فهل من خلقك
شيء أشد من النار؟ قال: نعم الماء، قالوا:
يا رب فهل من خلقك أشد من الماء؟ قال:
نعم الريح، قالوا: يا رب فهل من خلقك أشد
من الربح؟ قال: نعم ابن آدم تصدق بصدقة
بيمينه يخفيها عن شماله)(١) ... والمقصود
أن الرياح من أعظم آيات الرب الدالة على
عظمته وربوبيته وقدرته(٢).
(١) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب التفسير،
الباب الأخير، ٣١٤/٥، رقم ٣٣٦٩.
وضعفه الألباني في مشكاة المصابيح، رقم
١٩٢٣.
(٢) التبيان في أقسام القرآن، ابن القيم ص ١٧٣ .
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
صفات الرياح
ذكر العلماء كما تقدم معنا حالات
للرياح إذا كانت ملازمةً لها سميت باسمها،
وقد وردت في ثنايا القرآن الكريم صفات
خاصة بعضها للرياح والبعض الآخر للريح،
ویمکن أن نتحدث عنها كما يلي:
أولًا: صفات الرياح:
١. المبشرات.
وأصل البشارة الخبر السار والبشور
من الرياح التي تبشر بالمطر (٣)، فهو الخبر
الصدق السار الذي ليس عند المخبر به
علمه، ووجود المبشر به وقت البشارة ليس
بلازم (٤).
وقد مر معنا ذلك كقوله عز وجل:
﴿ وَمِنْ ءَايَِهِ أَنْ يُرْسِلَ اُلْزَِّحَ مُبَشِّرَتٍ وَلِيُّدِيقَّكُمِن
رَّحْمِنَّهِ، وَلِتَجْرِىَ الْقُلْكُ بِأَمْرِهِ، وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ،
وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [الروم: ٤٦].
وقوله عز وجل: ﴿أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِ
ظُلُّمَتِ الْبَرِّ وَاَلْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الْرِّيَحَ بُشْرًا
بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِةٌ أَِلَهُ مَّعَ اللَّهِ تَعَلَى اللَّهُ عَمَّا
يُشْرِكُونَ ﴾ [النمل: ٦٣].
فالبشر جمع البشير؛ لأن الريح تبشر
بإتيان المطر بعدها فهي بشير المطر ...
فإجراء الريح وانتشارها من ههنا وهاهنا أمام
(٣) المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٥٨/١.
(٤) الكليات، الكفوي ص٣٥٥.
١٤

المطر مبشرة به من غرائب صنعه وعجائبه، ثانيًا: صفات الريح:
ومن عظائم نعمه على خلقه (١).
٢. الذاريات.
وذرّته الربح تذروه وتذريه(٢)، يعني:
الرياح تذرو التربة وغيره(٣).
وقد ورد ذكرها في قوله عز وجل:
﴿وَالذَّرِيَتِ ذَرْوًا ﴾ [الذاريات: ١].
والمراد بالذاريات: هي الرياح التي
تذروا، في هبوبها ﴿ذَرَوًا﴾ بلينها، ولطفها،
ولطفها وقوتها، وإزعاجها (٤).
وبيّن أن هذا الذّرو من فعل الرياح فقال
عز وجل: ﴿وَأَضْرِبْ لَمُ مَّثَلَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا كَمٍَّ
أَنزَلْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ
فَأَصْبَحَ هَشِيمًا نَذْرُوهُ اَلْرَِّخُ وَكَانَ اللّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
مُقْتَدِرًا ﴾ [الكهف: ٤٥].
﴿وَأَضْرِبْ لَّمْ﴾ يا محمد للناس ﴿مَثَلَ
اُلْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ في زوالها وفنائها وانقضائها،
﴿كَمَآءٍ أَنزَلْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَأَخَلَطَ بِهِ نَبَاتُ
اٌلْأَرْضِ﴾، أي: ما فيها من الحب، فشبّ
وحسن، وعلاه الزهر والنور والنضرة، ثم
بعد هذا كله أصبح هشيمًا يابسًا ﴿نَذْرُوهُ
الرَِّعُ﴾، أي: تفرقه وتطرحه ذات اليمين
وذات الشمال(٥).
(١) العذب النمير، الشنقيطي ٤١٥/٣.
(٢) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٣٢٧.
(٣) الكليات، الكفوي ص٧٣١.
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٨٠٨.
(٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٤٥/٥.
١. صرصر.
وربح صرصر شديدة البرد وشديدة
الصوت معًا (٦)
وقد جاء ذكرها في قوله عز وجل:
﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِيَ أَيَّامٍ شَّحِسَاتٍ
لِتُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِى الْخَيَوَةِ الدُّنْيَاً
وَلَعَذَابُ الْأَخِرَةِ أَخْرَىْ وَهُمْ لَا يُصَرُونَ (٢)﴾
[فصلت: ١٦].
واختلف أهل التأويل في معنى الصرصر،
فقال بعضهم: عني بذلك أنها ریح شديدة ...
وقال آخرون: بل عني بها أنها باردة ...
وأولى القولين في ذلك بالصواب قول
مجاهد، وذلك أن قوله: ﴿صَرْصَرًا﴾ إنما هو
صوت الربح إذا هبت بشدة، فسمع لها (٧).
وكذلك قوله عز وجل: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا
عَلَيْهِمْ رِيْحًا صَرْصَرًا فِ يَوْمٍ غَحْسِ مُسْتٍِ
[القمر:١٩]، أي: شديدةً جدًّا(٨).
وقوله عز وجل: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأَهْلِكُواْ
بِرِيج صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ ﴾ [الحاقة: ٦]، أي:
شديدة العصوف والبرد عاتية أي: متجاوزة
الحد المعروف في الهبوب والبرودة (٩)،
فظهر أن أهم معنى لهذه الصفة هو الشدة.
(٦) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني
ص٤٨٢، الكليات، الكفوي ص ٨٩٤.
(٧) جامع البيان، الطبري ٢١ / ٤٤٤.
(٨) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٨٢٦.
(٩) محاسن التأويل، القاسمي ٣٠٩/٩.
www. modoee.com
١٥

حرف الراء
٢. عاصف.
عصفت الريح تعصف عصوفًا وأعصفت
وهي عاصف وعاصفة: اشتدت(١).
وورد ذكر الريح بهذه الصفة في قوله عز
وجل: ﴿هُوَ الَّذِى يُسَبِّكُمْ فِ اَلْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا
كُنْتُمْ فِي الْقُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِيجِ طَتِبَةٍ وَفَرِحُواْ
◌ِهَا جَاءَتُهَا رِيعُ عَاصِفٌ وَجَآءَ هُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ
مَكَانٍ وَظَنُواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُ اللَّهَ مُخْلِصِينَ
لَهُ الدِّينَ لَبِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ، لَنَكُونَنَّ مِنَ
الشَّكِرِينَ ﴾ [يونس: ٢٢].
أخبر تعالى أنه ﴿هُوَ الَّذِى يُسَبِرْكُ فِ آلْبِرِ
والبحرِ﴾، أي: يحفظكم ویکلؤكم بحراسته،
﴿حََّ إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيجِ طَيِّبَةِ
وَفَرِحُواْ بِهَا﴾، أي: بسرعة سيرهم رافقين
فبينما هم كذلك؛ إذ ﴿جَآَمَّهَا﴾ أي: تلك
السفن، ﴿رِيحُ عَاصِفٌ﴾، أي: شديدة،
﴿وَجَآءَ هُمُ الْمَوْجُ مِنْكُلِّ مَكَانٍ ﴾(٢).
وقوله عز وجل: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ
بِرَيِّهِمْ أَعْمَلُهُمْ كَرَمَادٍ أُشْتَدَّتْ بِهِ أَلْرِّيجُ فٍ
يَوْمٍ عَاصِفٍ لَّا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَى شَىْءٍ
ذَلِكَ هُوَ الضَّلَلُ الْبَعِيدُ ﴾ [إبراهيم:١٨].
ومشهد الرماد تشتد به الريح في يوم
عاصف مشهود معهود، يجسم به السياق
معنی ضياع الأعمال سدى، لا يقدر أصحابها
(١) انظر: المخصص، ابن سيده ٤١٥/٢،
الكليات، الكفوي ص١٠٤٨.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٢٦/٤.
على الإمساك بشيء منها، ولا الانتفاع به
أصلًا، يجسمه في هذا المشهد العاصف
المتحرك، فيبلغ في تحريك المشاعر له ما
لا يبلغه التعبير الذهني المجرد عن ضياع
الأعمال وذهابها بددًا(٣).
وكذلك قوله عز وجل: ﴿وَلِسُلَيْمَنَ الرِيجَ
عَاصِفَةً تَجْرِى بِأَمْرِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِ بَرَّكْنَا فِيَهَا
وَكُنَّا بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِمِينَ ﴾ [الأنبياء: ٨١]
والمعنى: وسخّرنا لسليمان الريح عاصفةً
أي: شديدة الهبوب تجري بأمره يعني:
بأمر سليمان إلى الأرض الّتي باركنا فيها
وهي أرض الشام ... والمعنى: أنها كانت
تسير به إلى حيث شاء، ثم تعود به إلى منزله
بالشام(٤).
٣. قاصف.
انقصف الشيء انكسر وبان (٥)،
والقاصف الريح الشديدة التي تقصف
الشجرة وتكسرها، وكذلك البناء وغيره (٦).
وقد ورد ذكر هذه الصفة للريح في قوله
عز وجل: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ
الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمْ
وَكِيلًا ﴿ أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةٌ
(٣) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٠٤٩/٤.
(٤) زاد المسير، ابن الجوزي ٢٠٤/٣.
(٥) المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية
٢/ ٧٤٠.
(٦) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ٢٩٠/٨، لسان
العرب، ابن منظور ٩/ ٢٨٣.
مَوَسُوعَة النفسية
القرآن الكريم
١٦

الرياح
أُخْرَى فَيُّبِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِّنَ الْرِيجِ فَيُغْرِقَكُم
بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَّجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ، يَبِيعًا
﴾ [الإسراء: ٦٨- ٦٩].
أي: يقوي دواعيكم لركوب البحر تارة
أخرى؛ فيرسل عليكم قاصفا من الريح، أي:
ريحا شديدة لا تمر بشىء إلا قصفته؛ فتكسر
السفينة وسط البحر فيغرقكم بما كفرتم (١).
٤. مصفرًّا.
الصّفرة: لونٌ من الألوان التي بين السّواد
والبياض، وهي إلى السّواد أقرب، ولذلك
قد يعبّر بها عن السّواد (٢).
ووردت هذه الصفة للربح في قوله عز
وجل: ﴿وَلَيِنْ أَرْسَلْنَا رِيْحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا أَّظَلُواْ
مِنْ بَعْدِهِ، يَكْفُرُونَ ﴾ [الروم: ٥١].
يقول تعالى: ولئن أرسلنا ريحا يابسة
على الزرع الذي زرعوه ونبت وشب
واستوى على سوقه، فرأوه مصفرا، أي قد
أصفر وشرع في الفساد لظلوا من بعده، أي
بعد هذا الحال، یکفرون، أي يجحدون ما
تقدم إليهم من النعم (٣).
٥. عقیم.
العقيم: التي لا يستفاد منها، وهو ضد
(١) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٢٩١/٣،
محاسن التأويل، القاسمي ٤٧٦/٦.
(٢) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٤٨٧.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٩٠/٦.
اللقاح(٤)، والريح العقيم: التي لا يكون
معها لقح، أي لا تأتي بمطر، إنما هي ريح
الهلاك(٥)، فلا تلقح سحابا ولا شجرا (٦).
ووردت هذه الصفة للربح في قوله عز
وجل: ﴿وَفِ عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الْرِيحَ اَلْعَقِيَمَ
مَا نَذَرُ مِن شَىْءٍ أَنَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَلَّهِيمِ
﴾ [الذاريات: ٤١- ٤٢].
٤٢
وهي وإن ذكرت معرفة، فالمعرّف نكرة؛
لأن تلك الريح منگّرة کأنه یقول: وأرسلنا
الريح التي لم تكن من الرياح التي تقع ولا
وقع مثلها فهي لشدتها منكرة (٧)، يعني التي
لا خير فيها ولا بركة، فلا تلقح شجرًا ولا
تحمل مطرًا(٨).
٦. السكون.
وهو ثبوت الشيء بعد تحرك (٩)، ومنه
قوله عز وجل: ﴿إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الْرِيحَ فَظْلَلْنَ
رَوَاكِدَ عَ ظَهْرِوه﴾ [الشورى:٣٣]، أي: يسكن
الريح التي تجري بها السفن، فيظللن أي:
السفن، رواكد أي: سواكن ثوابت على ظهر
(٤) لسان العرب، ابن منظور ٥٧٩/٢.
(٥) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ١/ ١٨٩.
(٦) المفردات،
الراغب
الأصفهاني ص٥٧٦.
(٧) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٨/ ١٤٨.
(٨) انظر: لباب التأويل، الخازن ٤ /١٩٦، زاد
المسير، ابن الجوزي ٤/ ١٧٢، معالم التنزيل،
البغوي ٤ /٣٧٦.
(٩) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٤١٧.
www. modoee.com
١٧

حرف الراء
البحر (١).
ثالثًا: صفات أخرى:
١. سموم.
والسّموم: الرّيح الحارّة التي تؤثّر تأثير
السّمّ (٢)، والسموم بالنهار، وقد تكون
بالليل(٣)، وهي: الريح الحارة ... تكون غالبًا
بالنهار والحر الشديد النافذ في المسام (٤).
وقد ذكرت کصفة للريح التي تأتي من حر
جهنم أعاذنا الله برحمته منها، وذلك في قوله
عز وجل: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَنَا عَذَابَ
السَّمُومِ ﴿ إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ.
هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ ﴾ [الطور: ٢٧-٢٨].
وقد تستعمل السموم في لفح البرد،
وهي في لفح الحر والشمس أكثر(٥)، أي:
العذاب الحار الشديد حرّه (٦)، و أصله: اسم
للريح التي تهبّ من جهة حارّة جدًا فتكون
جافّة شديدة الحرارة، وهي معروفة في
بلاد العرب تهلك من يتنشّقها، وأطلق هنا
على ربح جهنم على سبيل التقريب بالأمر
(١) فتح القدير، الشوكاني ٤ / ٦١٦.
(٢) المفردات، الراغب الأصفهاني ٢٤٢/١.
(٣) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ٢٢٤/١٢،
لسان العرب، ابن منظور ١٢/ ٣٠٢.
(٤) المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية
٤٥١/١.
القرطبي
(٥) الجامع لأحكام القرآن،
١٧/ ٧٠.
(٦) تيسير الكريم
ص٨١٥.
السعدي
الرحمن،
المعروف (٧).
٢. حرور.
الحرور الريح الحارة وهي بالليل
کالسموم بالنهار (٨).
وقد ذكرت هذه الصفة في قوله عز
وجل: ﴿وَمَا يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ ) وَلَا
الظُّلُمَتُ وَلَا النُّورُ ، وَلَا اَلِظِلُّ وَلَا الْحُرُورُ
[فاطر: ١٩-٢١].
والحرور الريح الحارة بالليل، وقد
تكون بالنهار (٩)، والقول في ذلك: أن
الحرور يكون بالليل والنهار، غير أنه في هذا
الموضع ... أشبه مع الشمس؛ لأن الظل إنما
یکون في يوم شمس، فذلك يدل على أنه
أريد بالحرور: الذي يوجد في حال وجود
الظل(١٠).
(٧) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٥٧/٢٧.
(٨) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ٢٧٥/٣،
المفردات، الراغب الأصفهاني ص٢٢٤،
لسان العرب، ابن منظور ٤/ ١٧٧ .
(٩) محاسن التأويل، القاسمي ١٦٥/٨.
جامع البيان، الطبري ٢٠/ ٤٥٧.
(١٠)
مَة النفسية
القرآن الكريم
١٨

الرياح
منافع الرياح
جعل الله عز وجل في الريح بعض
المنافع للناس، ومن تلك المنافع:
١. الرياح سبب حمل المطر لإحياء
الأرض الميتة.
قال عز وجل: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُرْسِلُ
اَلْرِّيَحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ، حَّى إِذَا أَقَلَّتْ
سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَآءُ
فَأَخْرَجْنَا بِهِ، مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ﴾ [الأعراف: ٥٧].
ـلَ الْرّيـ
قرأه أكثر السبعة:
بالجمع، وقرأه بعض السبعة: ﴿يُرْسِلُ
اَلْرِّيَحَ﴾ بالإفراد، وعلى قراءة الإفراد
فالمراد الجنس، فلا تنافي قراءة الإفراد قراءة
الجمع(١).
ومعنى هذه القراءات يرجع إلى النّشر،
الذي هو خلاف الطي، فكأن الريح مع
سكونها كانت مطوية ثم ترسل من طيها
فتصير كالمنفتحة(٢).
أي: إن ربكم المدبّر لأمور الخلق، هو
الذي يرسل الرياح بين يدي رحمته، أي:
بين الأمطار وأمامها حال كونها مبشرات
بها، فينشئ بها سحابًا ثقالًا لكثرة ما فيها
من الماء، حتى إذا أقلتها ورفعتها إلى الهواء
(١) العذب النمير، الشنقيطي ٢٣/١.
وانظر: إتحاف فضلاء البشر، الدمياطي
ص٢٧٧.
(٢) فتح القدير، الشوكاني ٢/ ٢٧٧.
ساقها لإحياء بلد ميت قد عفت مزارعه،
ودرست مشاربه، وأجدب أهله (٣).
يضاف إلى ذلك قوله عز وجل: ﴿وَهُوَ
الَّذِىّ أَرْسَلَ الرِّبَحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ،
وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ طَهُورًا ( لِنُحْتِىَ بِهِ.
بَلْدَةً مَّيْئًا وَنُتَقِيَهُ، مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَمًا وَأَنَاسِىَ
كَثِيرًا ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفَهُ بَهُمْ لِيَّذَّكَّرُواْ
فَأَنَّ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّ كُفُورًا
٥٠
[الفرقان: ٤٨ -٥٠].
وهذا أيضًا من قدرته التامة وسلطانه
العظيم، وهو أنه تعالى يرسل الرياح
مبشرات، أي : بمجيء السحاب بعدها،
والرياح أنواع في صفات كثيرة من التسخير،
فمنها ما يثير السحاب، ومنها ما يحمله،
ومنها ما يسوقه، ومنها ما يكون بين يدي
السحاب مبشراً، ومنها ما يكون قبل ذلك
يقم الأرض، ومنها ما يلقح السحاب ليمطر،
مَآءَ
وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ
ولهذا قال تعالى:
طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] أي : آلة يتطهر بها
كالسحور والوقود وما جرى مجراهما، فهذا
أصح ما يقال في ذلك (٤).
وكذلك قوله عز وجل: ﴿وَاللّهُالَّذِي أَرْسَلَ
اُلْرِّيَحَ فَتُثِرُ سَبًا فَسُقْنَهُ إِلَى بَلَدٍ ◌َّيْتٍ فَأَحْيَيْنَا ◌ِ
اُلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ اُلُّشُورُ ﴾ [فاطر: ٩].
فالإثارة: رفع الشيء المستقر وقلبه بعد
(٣) تفسير المراغي ٨/ ١٨٢.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٠٤/٦.
www. modoee.com
١٩

حرف الراء
استقراره، أي: تسوقه وتدفعه من مكان إلى
مكان، وأطلقت الإثارة هنا علی قلب تراب
الأرض بجعل ما كان باطنًا ظاهرًا وهو
الحرث(١).
وإذ قد كان القصد من الاستدلال هو
وقوع الإحياء وتقرّر وقوعه جيء بفعل
الماضي في قوله: ﴿آرسَلَ﴾، وأما تغييره إلى
المضارع في قوله: ﴿فَشِرُ سَحَابًا﴾ فلحكاية
الحال العجيبة التي تقع فيها إثارة الرياح
السحاب، وهي طريقة للبلغاء في الفعل
الذي فيه خصوصية بحال تستغرب وتهم
السامع(٢).
وجاء به على جهة المضارعة والاستقبال
بين فعلين ماضيين، وهما قوله: ﴿أَسَلَ﴾
﴿فَسُقْنَهُ﴾، والسر في مثل هذا، هو أن
الفعل المستقبل يوضح الحال، ويستحضر
تلك الصورة حتی کأن الإنسان یشاهدها،
وليس كذلك الفعل الماضي إذا عطف؛ لأنه
لا يعطي هذا المعنى ولا يدل عليه، فإذا قال
﴿فَتُثِيرُ﴾، على جهة الاستقبال بعد ما مضى
قوله: ﴿آرسَلَ﴾. فإنما یکون دالاً على حكاية
الحال التي تقع فيها إثارة الريح للسحاب،
واستحضار لتلك الصورة البديعة الدالة على
القدرة الباهرة (٣).
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٥٧/٢١.
(٢) المصدر السابق ٢٦٨/٢٢.
(٣) الطّاز لأسرار البلاغة، يحيى بن حمزة
٧٤/٢.
فكانت الرياح التي تؤثر في هذا المطر
معینة له في إحياء الأرض بعد موتها، حيث
قال عز وجل: ﴿وَأَلَّذِى نَزَّلَ مِنَ السَّمَاِ مََّ
◌ِقَدَرٍ فَنشَرْنَا بِهِ، بَلْدَةٌ مَّيْنَأْ كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ
[الزخرف: ١١]، وقال: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ
السَّمَلِ مَآءُ مُّبَرَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِهَ جَنَّتٍ وَحَبَّ
﴿ وَالنَّخْلَ بَاسِقَتٍ لَا طَلْعَ نَّضِيدٌ
الْخَصِيدِ
رِزْقًا لِّلْعِبَادِّ وَأَحَْيْنَا بِهِ، بَلْدَةً مَّيْئًا كَذَلِكَ
١٠
الْرُوُجُ ١)﴾ [ق: ٩- ١١].
٢. الرياح سبب لجريان الفلك في
البحر وغيره.
من النعم العظيمة التي منّ الله عز وجل
بها على عباده نعمة جريان الفلك في المياه
بأمره (٤).
والفلك: السّفينة، ويستعمل ذلك للواحد
والجمع(٥)، وجاء عن مجاهد أنها السفن في
البحار (٦).
ومن الآيات التي تحدثت عن ذلك
صراحة ، قوله عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِى يُسَبِّكُ
فيِ أَلْبَرِّ وَالْبَحْرِّ حَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْقُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم
بِيجِ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءَتْهَا رِيعُ عَاصِفٌ
وَجَاءَ هُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِطَ
بِهِمْ دَعَوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الذِينَ لَيْنْ أَنْجَيْتَنَا
(٤) وهذا الأمر: أمر قدري كوني.
انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص ٦٤٣.
(٥) المفردات، الراغب الأصفهانى ص ٦٤٥.
(٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم ٣٠٩٣/٩.
٢٠
جوسين
القرآن الكريمِ

الرياح
مِنْ هَذِهِ، لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّكِينَ
[يونس: ٢٢].
وهذه نعمة عظيمة أن كانت الريح سبباً
لجريان الفلك، فإن الإنسان إذا ركب السفينة
ووجد الريح الطيبة الموافقة للمقصود،
حصل له الفرح التام والمسرة القوية (١)؛
فالذي أجری الفلك في البحر لنيل الخير هو
الريح الطيب، ولو اشتد بهم لكان به الهلاك.
وكذلك قوله عز وجل: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ= أَنْ
يُرْسِلَ الْرَّجَ مُبَشِّرَتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ زَّحْمَتِهِ، وَلِتَجْرِىَ
اَلْقُلْكُ بِأَمْرِهِ، وَلِتَبْنَغُواْ مِن فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
[الروم: ٤٦]، أي: ﴿وَلِتَجْرِىَ اَلْفُلْكُ
٤٦
بِأَمْرِو﴾ بهذه الرياح (٢).
وقد وردت آيات أخرى امتن الله عز
وجل بها على عباده؛ بأن جعل الفلك تجري
بهم؛ لينالوا منافعهم في البر والبحر، ویعلم
بها أن الفلك لا تجري إلا بمساندة الربح لها
وذلك في قوله عز وجل: ﴿اللّهُ الَّذِى خَلَقَ
السَّمَوَتِ وَاْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ
فَأَخْرَجَ بِهِ، مِنَ الثَّمَرَتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ
لَكُمُ الْقُلْكَ لِتَجْرِىَ فِ الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ، وَسَخَّرَ
لَكُمُ الْأَنْهَرَ ﴾ [إبراهيم: ٣٢]. ﴿وَأَنزَلَ
مِنَ السَّمَآءِ﴾ أي: المزن ﴿مَآءُ فَأَخْرَجَ
بِهِ، مِنَ الثَّمَرَتِ رِزْقًا لَّكُمْ﴾ أي : تعيشون
به ، ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْقُلْكَ﴾ أي: السفن
(١) مفاتح الغيب، الرازي ١٧/ ٢٣٢.
(٢) معالم التنزيل، البغوي ٢٧٥/٦.
﴿لِتَجْرِىَ فِ اٌلْبَحْرِ بِأَمْرِهِءٍ﴾ أي بإرادته
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَرَ ﴾ أي: فتجري حيث
تشاؤون من شرب وسقي وسواهما(٣).
وقوله عز وجل: ﴿وَهُوَ الَّذِى سَخَّرَ
الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُواْ
مِنْهُ حِيَةٌ تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ
مَوَآخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ،
(١٤) [النحل: ١٤].
وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ )﴾
أي: السفن
﴿وَتَرَى الْفُلْكَ ﴾
والمراكب ﴿مَوَاخِرَ فِيهِ﴾ أي: تمخر في
البحر العجاج الهائل بمقدمها حتى تسلك
فيه من قطر إلى آخر، تحمل المسافرين
وأرزاقهم وأمتعتهم وتجاراتهم التي يطلبون
بها الأرزاق وفضل الله علیھم(٤).
﴿رَّبُّكُمُ الَّذِى يُزْجِى
وقوله عز وجل:
لَكُمُ الْفُلْكَ فِ الْبَحْرِ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهَِ إِنَّهُ,
كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾ [الإسراء: ٦٦].
وقوله عز وجل: ﴿أَلَمْتَرَأَنَّالفُلكَ تَجْرِى فِى
الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيِّكُ مِنْ ءَايَتِةٍ إِنَّ فِ ذَلِكَ
لَيَتِ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴿ وَإِذَا غَشِيَهُم ◌َّوْجٌ
كَالظُّلَلِ دَعَواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَمَّا نَّنُهُمْ
إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْنَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِعَايَتِنَآ إِلَّا
كُلّ خَتَّارٍ كَفُورٍ ﴾ [لقمان: ٣١-٣٢].
أي: ليريكم بعض آياته، وهو جري
السفن في البحر بالريح (٥)، وقوله عز
(٣) محاسن التأويل، القاسمي ٣١٧/٦.
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٤٣٧.
(٥) فتح القدير، الشوكاني ٢١٨/٤.
www. modoee.com
٢١

حرف الراء
وجل: ﴿وَمَا يَسْتَوِى الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ
سَبِعٌ شَرَابُهُ، وَهَذَا مِلْعُ أُجَاجٌ وَمِن كُلِّ تَأْكُلُونَ
لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِيَةٌ تَلْبَسُونَهَا
وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُواْ مِنْ فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ
تَشْكُرُونَ ﴾ [فاطر: ١٢]؛ لأن المصلحة
تقتضي أن تكون الأنهار عذبةً فراتاً، سائغاً
شرابها، لينتفع بها الشاربون والغارسون
والزارعون، وأن يكون البحر ملحاً أجاجاً،
لئلا يفسد الهواء المحيط بالأرض بروائح
ما يموت في البحر من الحيوانات ؛ ولأنه
ساكن لا يجري، فملوحته تمنعه من التغير،
ولتكون حيواناته أحسن وألذ (١).
وقوله عز وجل: ﴿اَللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ
اُلْأَنْعَمَ لِّرْكَبُواْ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ
وَلَكُمْ فِيهَا مَنَفِعُ وَلِتَبْلُغُواْ عَلَيْهَا حَاجَةٌ فِى
صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ
(٥)﴾ [غافر: ٧٩ -٨٠].
وعلى الأنعام، وعلى السفن تحملون
على هذه في البر، وعلى هذه في البحر(٢)،
وقوله عز وجل: ﴿﴿اَللَّهُ الَّذِى سَخَّرَ لَكُمْ أَلْبَحْرَ
لِتَجْرِىَ الْقُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلَِبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ
تَشْكُرُونَ (٢)﴾ [الجائية: ١٢].
يذكر تعالى نعمه على عبيده فيما سخر
لهم من البحر ﴿لِتَجْرِىَ اَلْفُلَكُ﴾ وهي السفن
فيه بأمره تعالى؛ فإنه هو الذي أمر البحر
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٨٦٨.
(٢) جامع البيان، الطبري ٢٤/١٩.
بحملها ﴿وَلِبْنَفُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ أي: في المتاجر
والمكاسب، ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ أي: على
حصول المنافع المجلوبة إليكم من الأقاليم
النائية والآفاق القاصية(٣).
وقد ثبت علمياً أن كل المراكب التي
تستخدم كافة أنواع الوقود، وتتحرك
بالمراجل البخاري، يمكن أن تتوقف
تماماً؛ إذا توقفت الريح؛ لأن وسيلة احتراق
هذا النوع من الطاقة هي غاز الأوكسجين
الموجود في الريح (٤).
٣. الرياح سبب لتلقيح السحاب
والنبات.
من المنافع التي ذكرها القرآن الكريم في
حديثه عن الرياح، تلقيح السحاب لإنزال
المطر وتلقيح النبات لإخراج الثمر، وذلك
كما في قوله عزوجل: ﴿وَأَرْسَلْنَا الْرِّيَحَ
لَوَقِحَ فَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَأَسْقَيْنَكُمُوهُ ﴾
[الحجر: ٢٢].
واختلف أهل العربية في وجه وصف
الرياح باللقح، وإنما هي ملقحة لا لاقحة،
وذلك أنها تلقح السحاب والشجر، وإنما
توصف باللقح الملقوحة لا الملقح ...
والصواب من القول في ذلك عندي: أن
الرياح لواقح كما وصفها به جلّ ثناؤه
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٤٤/٧.
(٤) انظر: إيجاز البيان في إعجاز القرآن، فؤاد البنّا
ص١١٤.
٢٢
جوية
القرآن الكريمِ

من صفتها، وإن كانت قد تلقح السحاب
والأشجار، فهي لاقحة ملقحة، ولقحها:
حملها الماء ، وإلقاحها السحاب والشجر:
عملها فيه (١).
ومعنى الإلقاح: أن الرياح تلقح السحاب
بالماء بتوجيه عمل الحرارة والبرودة
متعاقبین ، فينشأ عن ذلك البخار الذي یصیر
ماءً في الجو ثم ينزل مطرًا على الأرض؛
وأنها تلقح الشجر ذي الثمرة بأن تنقل
إلى نوره غبرة دقيقة من نور الشجر الذكر
فتصلح ثمرته أو تثبت، وبدون ذلك لا تثبت
أو لا تصلح ... ومن بلاغة الآية إيراد هذا
الوصف لإفادة كلا العملين اللّذين تعملهما
الرياح، وقد فسرت الآية بهما، واقتصر
جمهور المفسرين على أنها لواقح السحاب
بالمطر (٢).
وقد أثبت العلم الحديث أن من وسائل
تلقيح النبات الرياح؛ لأنها تنقل الملقحات
من عضو التذكير النباتي إلى عضو التأنيث
النباتي (٣).
ومن الآيات الدالة على ذلك قوله عز
وجل: ﴿وَاللّهُ الَّذِيّ أَرْسَلَ الْرِّيَحَ فَتُشِرُ سَحَابًا
فَسُقْتَهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْبَيْنَا بِهِ اْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٧ /٨٥، أضواء
البيان، الشنقيطي ٢٦٧/٢.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٤/١٨.
(٣) انظر: مباحث في علوم القرآن، القطان
ص٢٨١.
[فاطر: ٩].
وقوله عز وجل: ﴿اللَّهُ الَّذِى يُرْسِلُ الْرِّيَحَ
فَيُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ، فِ السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَآءُ
وَيَجْعَلُهُ، كِسَفًا فَتَرَى الْوَدِّقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَلِهِ فَإِذَا
أَصَابَ بِهِ، مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ: إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ
٨﴾ [الروم: ٤٨].
إن الحقائق التي ذكرتها آيات القرآن
الكريم عامةً وما يتعلق منه بتأثير الرياح
في إنشاء السحب وتلقيحها وتشكيلها، ثم
نزول المطر أو البرد منها، هذه الحقائق من
أعجب الأمور وأدقها ... والأصل في تكوين
السحب على اختلاف أنواعها وأشكالها إنما
هي الرياح.
وحقيقة أخرى أشارت إليها الآية
الكريمة: ﴿وَأَرْسَلْنَا الْرِيَحَ لَوَقِّحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ
السَّمَآءِ مَآءَ فَأَسْقَيْنَكُمُوهُ ﴾ [الحجر: ٢٢].
فقد حملها كثير من المفسرين على
أن الرياح اللواقح تلقح النباتات فتحمل
الطّلع من الذكر إلى الأنثى فتلقح بويضاتها،
والحقيقة أن هذا الأمر مما يتحقق بواسطة
الرياح، إلا أن سياق الآية في هذا المقام لا
یحتمل ذلك بل یشیر إلی حقیقة أخری أدق
وهي تلقيح السحب.
وقد توصل العلم الحديث إلى أن نمو
السحب ونزول المطر يتطلب أن تلقّح
الرياح هذه السحب ... وعلى هذا النحو
عرف الناس الآن أن الآية الكريمة إنما تشير
www. modoee.com
٢٣

حرف الراء
إلى تلقيح الرياح للسحب ببخار الماء ... المطاعم وأنتن العالم وفسد.
لكي تجود بالمطر(١).
فتأمل كم سخر للسحاب من ريح حتى الكرب والغم الذي لو دام لأتلف النفوس،
أمطر، فسخرت له المثيرة أولاً فتثيره بين
السماء والأرض، ثم سخرت له الحاملة
التي تحمله على متنها كالجمل الذي يحمل
الراوية، ثم سخرت له المؤلفة فتؤلف بين
کسفه وقطعه، ثم يجتمع بعضها إلى بعض
٤. تسخير الرياح لسليمان عليه
السلام.
فيصير طبقاً واحداً، ثم سخرت له اللاقحة
بمنزلة الذكر الذي يلقح الأنثى فتلقحه
من المنافع المهمة التي ذكرت في القرآن
الكريم عن الرياح، المنفعة العظيمة التي
كانت لنبي الله سليمان عليه السلام وذلك
من تمام النعمة والملك الذي وهبه الله عز
وجل إياه.
بالماء ولولاها لكان جهاماً لا ماء فيه، ثم
سخرت له المزجية التي تزجيه وتسوقه إلى
حيث أمر فيفرغ ماءه هنالك، ثم سخرت
له بعد إعصاره المفرقة التي تبثه وتفرقه
في الجو فلا ينزل مجتمعاً ولو نزل جملةً
لأهلك المساكن والحيوان والنبات، بل
تفرقه فتجعله قطرًا، وكذلك الرياح التي
تلقح الشجر والنبات ولولاها لكانت عقیمًا.
وكذلك الرياح التي تسير السفن ولولاها
لوقفت على ظهر البحر، ومن منافعها أنها
تبرد الماء وتضرم النار التي يراد إضرامها،
وتجفف الأشياء التي يحتاج إلى جفافها،
وبالجملة فحياة ما على الأرض من نبات
وحيوان بالرياح؛ فإنه لولا تسخير الله لها
لعباده لذوي النبات ومات الحيوان وفسدت
(١) انظر: مباحث في إعجاز القرآن، مصطفى
مسلم ص ١٩٥ - ١٩٦.
ألا تری إذا رکدت الریاح کیف یحدث
وأسقم الحيوان وأمرض الأصحاء وأنهك
المرضى وأفسد الثمار وعفن الزرع
وأحدث الوباء في الجو؛ فسبحان من جعل
هبوب الرياح تأتي بروحه ورحمته ولطفه
ونعمته(٢).
وسليمان عليه السلام هو: سليمان بن
داود ... بن يهوذا بن يعقوب بن إسحق بن
إبراهيم عليهم الصلاة والسلام، ورث عن
أبيه الملك والنبوة (٣).
وقد ميّزه الله عز وجل بملك خاص
عن سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام،
يوضح ذلك حديث عن أبي هريرة، عن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن عفريتاً
من الجن تفلت علي البارحة - أو كلمة
نحوها - ليقطع علي الصلاة، فأمكنني الله
(٢) مفتاح دار السعادة، ابن القيم ١/ ٢١٧.
(٣) انظر: قصص الأنبياء، ابن كثير ٢/ ٢٨٤.
مَ شَقَ الَةُ النَّصَـ
القرآن الكريم
٢٤

الرياح
منه، فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري
المسجد حتى تصبحوا وتنظروا إلیه کلکم،
فذكرت قول أخي سليمان: رب هب لي
ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي)، قال روح:
(فرده خاسنً))(١).
ومن ما جاء في حديث القرآن الكريم
عن الريح التي سخرها الله عز وجل لنبيه
سليمان عليه السلام قوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَنَّ
الرّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِىِ ◌ِأَمْرِ إِلَى الْأَرْضِ اَلَّتِىِ بَرَكْنَا فِيهَا
﴾ [الأنبياء: ٨١].
٨١
وَكُنَّا بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِمِينَ (
أي: وسخرنا لسليمان الريح في حال
كونها عاصفةً، أي: شديدة الهبوب ... تطيعه
وتجري إلى المحل الذي يأمرها به(٢).
فإذا أراد الإسراع في السير سارت عاصفة
وإذا أراد اللين سارت رخاء، والمقام قرينة
على أن المراد المواتاة لإرادة سليمان (٣).
و﴿تَجْرِى بِأَمْرِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِ بَرَّكْنَا فِيهَا﴾
يعني: الشام بيت المقدس، وذلك أنها
کانت تجري لسلیمان وأصحابه حيث شاء
سليمان، ثم تعود إلى منزله بالشام(٤).
وقوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَنَ الْرِيحَ غُدُوُّهَا
(١) صحيح البخاري ١/ ٩٩، كتاب الصلاة، باب
الأسير أو الغريم يربط في المسجد، رقم ٤٦١.
(٢) أضواء البيان، الشنقيطي ٢٣٤/٤.
وانظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٣٢١/١١.
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٢٣/١٧.
(٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧/ ٢١٢،
معالم التنزيل، البغوي ٣٣٥/٥.
شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ اَلْفِطْرِّ وَمِنَ
آلْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِّ وَمَن يَزِعْ
مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ السَّعِير٣ِ
[سبأ: ١٢].
غدوها إلى انتصاف النهار مسيرة شهر،
ورواحها من انتصاف النهار إلى الليل مسيرة
شهر (٥)، فهي تسير في اليوم الواحد مسيرة
شھرین(٦).
﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الْرِّيَجَ تَّجْرِى بِأَمْرِهِ رُنَّةٌ حَيْثُ
أَصَابَ )﴾ [ص: ٣٦]، ليست بالعاصف ولا
باللينة بين ذلك، ومطيعة له حيث أراد (٧).
وسخّر له الريح بدلًا من الأفراس، فلا
يحتاج في إمساكها إلى العلف والمؤن (٨).
تنبيه: اعلم أن في هذه الآيات التي ذكرنا
سؤالين معروفين:
الأول: أن يقال: إن الله وصف الريح
المذكورة في سورة الأنبياء بأنها عاصفة،
أي: شديد الهبوب، ووصفها في سورة
(ص) بأنها تجري بأمره رخاء، والعاصفة
غیر التي تجري رخاء.
والسؤال الثاني: هو أنه في سورة الأنبياء
خص جريها به بكونه إلى الأرض التي
بارك فيها للعالمين، وفي سورة (ص) قال:
(٥) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٦٢/٢٠،
محاسن التأويل، القاسمي ١٨٣/٨.
(٦) زاد المسير، ابن الجوزي ٤٩٢/٣.
(٧) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٤/ ٩٣.
(٨) لطائف الإشارات، القشيري ٢٥٧/٣.
www. modoee.com
٢٥

حرف الراء
﴿يَجْرِى بِأَمْرِ، رُنَةً حَيْثُ أَصَابَ﴾، وقوله: مسكنه فيها وهي الشام، فترده إلى الشام،
وَحَيْثُ أَصَابَ﴾، يدل على التعميم في وعليه فقوله: ﴿حَيْثُ أَصَابَ ﴾ في حالة
الأمكنة التي يريد الذهاب إليها على الريح،
فقوله: ﴿حيثُ أَصَابَ ﴾ أي : حيث أراد.
أما الجواب عن السؤال الأول فمن
وجھین:
الذهاب، وقوله: ﴿إِلَى الْأَرْضِ الَّتِ بَرَّكْنَافِيهَا﴾
في حالة الإياب إلى محل السكنى؛ فانفكت
الجهة فزال الإشكال(٢).
والأصل أنها ريح عاصف شديدة؛ ولما
الوجه الأول: أنها عاصفة في بعض كانت مسخرة لسليمان عليه السلام كان
زمام أمرها بيده، فلا تراها تسير إلا في أمور
الخير.
الأوقات، ولينة رخاء في بعضها بحسب
الحاجة، کأن تعصف ويشتد هوبها في أول
الأمر حتى ترفع البساط الذي عليه سليمان
وجنوده، فإذا ارتفع سارت به رخاءً حيث
أصاب.
الوجه الثاني: هو ما ذكره الزمخشري
قال: ((فإن قلت: وصفت هذه الريح بالعصف
تارة بالرخاء أخرى، فما التوفيق بينهما ؟
قلت: كانت في نفسها رخية طيبة كالنسیم،
فإذا مرت بكرسيه أبعدت به في مدة يسيرة،
على ما قال: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾،
فكان جمعها بين الأمرين: أن تكون رخاء
في نفسها، وعاصفة في عملها مع طاعتها
لسليمان، وهبوبها على حسب ما يريد
ويحتكم))(١).
وأما الجواب عن السؤال الثاني: فهو أن
قوله: ﴿حَيْثُ أَصَابَ ﴾ يدل على أنها تجري
بأمره حیث أراد من أقطار الأرض، وقوله:
﴿تَجْرِىِ بِأَمْرِإِلَى الْأَرْضِ اَلَّتِ بَرَّكْنَا فِيهَا﴾؛ لأن
(١) الكشاف، ٣/ ١٣٠.
(٢) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٢٣٥/٤.
جَوَنُواحَرَ النَّفْسَيْ
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ
٢٦