Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ النَّضَا عناصر الموضوع مفهوم الرّضا ٢١٤ الرضا في الاستعمال القرآني ٢١٥ الألفاظ ذات الصلة ٢١٦ رضا الله تعالى غاية وجزاء ٢١٨ الرضا المثبت والمنفي في حقّ الله ٢٢٢ ٢٣٧ رضا المخلوقين بين المحمود والمذموم ٢٤٧ الرضا في المعاملات المُجَلَّدَ السّادسْ عَشِر حرف الراء مفهوم الرّضا أولًا: المعنى اللغوي: تدل مادة (رض و) على خلاف السّخط، يقال: رضي يرضى رضًا، والرضوان هو الرضى الكثير (١). فالرضا ضد السخط، وفي الحديث: (اللهمّ إنّي أعوذ برضاك من سخطك)(٢). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: قال المناويّ: ((الرّضا طيب نفسيّ للإنسان بما يصيبه أو يفوته مع عدم التّغيّر))(٣). وقيل: الرضا: سرور القلب بالقضاء، وعدم الجزع(٤). فالرضا إذا يدور حول قبول النفس للأمر، وعدم التسخط منه، وهو بذلك لا يختلف عن معناه اللغوي. (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٢/ ٤٠٢، لسان العرب، ابن منظور ٣٢٣/١٤، الصحاح، الجوهري ٢٣٥٧/٦، الكليات، الكفوي ص ٤٧٨. (٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب القنوت في الوتر، رقم ١٤٢٧، ٦٤/٢، والترمذي في سننه، أبواب الدعوات، باب دعاء الوتر، ٣٥٦٦، ٥٦١/٥، والنسائي في سننه، كتاب التطبيق، باب نصب القدمين في السجود، رقم ٢،١١٠٠/ ٢١٠، وابن ماجه في سننه، كتاب الدعاء باب ما تعوذ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، رقم ٣٨٤١، ١٢٦٢/٢. قال الترمذي: ((هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث حماد بن سلمة)). وصححه الألباني في تعليقه على مشكاة المصابيح ٢٨١/١. (٣) المصدر السابق. (٤) انظر: التعريفات، الجرجاني ص ١١١، التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ١٧٨. ٢١٤ جوية القرآن الكريمِ الرضا الرضا في الاستعمال القرآني وردت مادة (رضو) الدالة على (الرضا) في القرآن الكريم (٧٣) مرة (١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات المثال الفعل الماضي ٢٣ ◌َرَّضِىَ اَللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ﴾ [المائدة: ١١٩] الفعل المضارع ٢٣ ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْ عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَسِقِينَ ﴾ [التوبة: ٩٦] اسم الفاعل ٤ ﴾ [الحاقة: ٢١] ﴿فَهُوَ فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ اسم المفعول ٢ ﴿وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ، مَرْضِيًّا ﴾ [مريم: ٥٥] صيغة المبالغة ١ ﴿وَأَجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ﴾ [مريم: ٦] مصدر ٢٠ ﴾ [آل ﴿ أَفَمَنِ أَتَّبَعَ رِضْوَنَ اللَّهِ كَمَنْ بَآءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللّهِ عمران: ١٦٢] وجاء الرضا في القرآن الكريم بمعناه اللغوي، الذي هو ضد السخط (٢). قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ أَتَّبَعُواْ مَآ أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُواْ رِضْوَانَهُ. فَأَحْبَطَ أَعْمَلَهُمْ ﴾ [محمد: ٢٨] أي: وكرهوا ما يرضيه عنهم(٣). (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص٢٧٦. (٢) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤٠٢/٢، لسان العرب، ابن منظور ٣٢٣/١٤. (٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٢١/٢١. www. modoee.com ٢١٥ حرف الراء الألفاظ ذات الصلة التسليم : ١ التسليم لغة: الانقياد وبذل الرضا بالحكم(١). التسليم اصطلاحًا: الاستسلام والإذعان والانقياد لأمر الله تعالى، وترك الاعتراض فيما لا يلائم، وقيل: التسليم: استقبال القضاء بالرضا، وقيل: التسليم، هو الثبوت عند نزول البلاء من تغير في الظاهر والباطن (٢). الصلة بين الرضا والتسليم: التسليم انقيادٌ لأوامر الله تعالى وأحكامه، والإذعان لما يصدر من الحكمة الالهية، وما يصيبه من الحوادث والنوائب ظاهرًا وباطنًا، وقبول كل ذلك من غير إنكار بالقلب واللسان، وهو مرتبة فوق الرضا(٣). المحبة: ٢ المحبة لغةً: عبارة عن ميل الطّبع في الشّيء الملذ، فإن تأكّد الميل، وكان قويًّا؛ يسمى عشقًا، وأول مراتب الحبّ: الهوى، وهو ميل النّفس، وقد يطلق ويراد به: نفس المحبوب(٤). قال الفيروز آبادي: ((ولا يحدّ المحبّة بحدّ أوضح منها، والحدود لا تزيدها إلاّ خفاءً وجفاءً فحدّها وجودها، ولا توصف المحبّة بوصف أظهر من المحبّة))(٥). المحبة اصطلاحًا: لا يختلف عن معناه اللغوي، الذي هو ميل الإنسان للشيء وغلبته على قلبه (٦). (١) انظر: مختار الصحاح، الرازي ص ١٥٣، لسان العرب، ابن منظور ٢٩٠/١٢. (٢) انظر: التعريفات، الجرجاني ص ٥٧، مقاليد العلوم، السيوطي ص ٢٠٩، التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ٩٦. (٣) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص ٢٥٦. (٤) الكليات، الكفوي ٣٩٨/١. (٥) بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي ٤١٦/٢. (٦) تاج العروس، الزبيدي ٢/ ٢١٤. جَوَبُو بَرُ النَّفْسِيَّة القرآن الكريم ٢١٦ الرضا الصلة بين الرضا والمحبة: قيل: هما نظيران، وإنما يظهر الفرق بضديهما، فالمحبة ضدها البغض، والرضا ضده السخط، قيل: وهو يرجع إلى الإرادة، فإذا قيل: (رضي عنه)، فكأنه أراد تعظيمه وثوابه، وإذا قيل: (رضي عليه) فكأنه أراد ذلك، والسخط إرادة الانتقام (١). اليقين: ٣ اليقين لغة: هو العلم وزوال الشك. يقال منه: يقنت الأمر يقنًا، وأيقنت، واستيقنت، وتیقّنت، كلّه بمعنّى. وأنا على يقين منه. وإنّما صارت الياء واوًا في قولك: موقنٌّ؛ للضمة قبلها. وإذا صغّرته رددته إلى الأصل وقلت: مييقنٌّ. وربّما عبّروا عن الظنّ باليقين، وباليقين عن الظنّ(٢). اليقين اصطلاحًا: من صفة العلم فوق المعرفة والدّراية وأخواتها، يقال: علم يقينٍ، ولا يقال: معرفة يقينٍ، وهو سكون القلب إلى خبر المخبر ووثوقه به، مع ثبات الحكم(٣). الصلة بين الرضا واليقين: اليقين هو سكون القلب إلى خبر المخبر ووثوقه به. أما الرضا فهو سرور القلب بمرّ القضاء، وارتفاع الجزع في أيّ حكم كان، وربما كان الرضا ثمرة لليقين. السخط: ٤ السخط لغة: الكراهية للشّيء، وعدم الرّضا به (٤). السخط اصطلاحًا: قيل: الغضب الشديد المقتضي للعقوبة (٥). الصلة بين الرضا والسخط: إن العلاقة بين الرضا والسخط علاقة تضاد. (١) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص ٢٥٧. (٢) الصحاح، الجوهري ٣٠٠/٢. (٣) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٨٩٢، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي ٣٩٩/٥. (٤) لسان العرب، ابن منظور ٣١٣/٧. (٥) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٤٠٢. www. modoee.com ٢١٧ حرف الراء رضا الله تعالى غاية وجزاء لقد ذكر القرآن الکریم أن رضا الله تعالی هو أكبر الجزاء وأعظم النعيم في الجنة، وهو الغاية التي ليس وراءها غاية، وسوف نذكر ذلك في النقاط الآتية: أولًا: رضا الله غاية: ذكر القرآن الكريم أن العبادات والصدقات والجهاد وغيرها من الأعمال يجب أن يبتغي بها العبد رضا الله تعالى وحده. قال سبحانه: ﴿وَمِنَ أَلنَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهُ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة: ٢٠٧]. وقال تعالى: ﴿لَاخَيرَ فِی كَثِیرِ مِن نَّجْوَئُهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَحِ بَيْنَ النَّاسَِّ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْ ضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ تُؤْثِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤]. وقال جل وعلا: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَلَهُمُ أَبْتِغَآءُ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلٍ جَنَِّم بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَتَانَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌ وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٦٥]. إن رضوان الله تعالى هو الغاية الذي ليس فوقها غاية لكل إنسان، وقد ذكر القرآن الكريم أن الناس تجاه الدين مراتب، أقلها من يعجبك قوله فى الحياة الدنيا، كما قال سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اَللَّهَ عَلَى مَا فِى قَلِفَلَوَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَارِ﴾ [البقرة: ٢٠٤]. أي: يضمر الكيد ويفسد على الناس ما فيه نفع الجميع، وهو خيرات الأرض، وأعلاها من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللّهُ رَهُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة: ٢٠٧]؛ لأن النفس أغلى ما يبذل، فهذا القسم هو الذي تمحض فعله للخير حتى بلغ غاية ذلك، وهو تعريض نفسه التي هي أنفس الأشياء عليه للهلاك؛ لأجل تحصيل ما يرضي الله تعالى، وإنما رضا الله تعالى بفعل الناس للخير الذي أمرهم به، ویشري معناه: يبيع، کما أنَّ یشتري بمعنی: يبتاع، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوابِتَابَتِى ثَمَنَا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٤١]. واستعمل (يشري) هنا في البذل مجازًا، والمعنى: ومن الناس من يبذل نفسه للهلاك؛ ابتغاء مرضاة الله، أي: هلاكًا في نصر الدين، وهذا أعلى درجات الإيمان؛ لأن النفس أغلى ما عند الإنسان، وهذا البيع لا يتحقق إلا إذا جاد المؤمن بنفسه وماله في سبيل الله إذا دعت الحاجة إلى ذلك، كجهاد أعداء الأمة عند الاعتداء عليها، أو الاستيلاء ٢١٨ ◌َالنَّفِيَـ جَوسوء الْقُرْآن الكَرِيْمِ الرضا على شيء من أرضها، فمن قدر على الجهاد بنفسه وجب عليه ذلك، ومن قدر عليه بماله وجب علیه ذلك، وإن قدر علیهما معًا وجب عليه، فإن قصّر في شيء من ذلك فقد آثر نفسه على مرضاة الله وخرج من زمرة المؤمنين الذين باعوا أنفسهم لله، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١]. وقد سمى الله تعالى ذلك تجارة، فقال جل وعلا: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلْ أَذْكُمْ عَلَى ◌ِجَزَقْ ◌ُجِيكُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ، ثُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَُّهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِأَوَ لِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْإِنَ كُ نَقْلَمُونَ﴾ [الصف: ١٠- ١١](١). أما قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة: ٢٠٧]. فمن رأفته أنه جعل النعيم الدائم جزاء على العمل القليل المنقطع، ومن رأفته جوز لهم كلمة الكفر؛ إبقاء على النفس، ومن رأفته أنه لا يكلف نفسًا إلا وسعها، ومن رأفته ورحمته أن المصر علی الکفر مائة سنة إذا تاب -ولو في لحظة - أسقط كل ذلك (١) انظر: الكشاف، الزمخشري ٢٥١/١، النكت والعيون، الماوردي ٣٣٩/١، لطائف الإشارات، القشيري ١٧١/١، أنوار التنزيل، البيضاوي ١/ ١٣٣، تفسير المراغي ١١٢/٢، ١١٤، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٧٢/٢، في ظلال القرآن، سيد قطب ١/ ٢٠٥. العقاب وأعطاه الثواب الدائم، ومن رأفته أن النفس له والمال، ثم إنه يشتري ملكه بملكه فضلًا منه ورحمة وإحسانًا(٢). وقد ذكرت الروايات سبب نزول هذه الآية: وأنها نزلت في صهيب بن سنان الرومي رضي الله عنه، وذلك أنه لما أسلم بمكة، وأراد الهجرة منعه الناس أن يهاجر بماله، وعرضوا عليه إن أحب أن يتجرد منه ويهاجر فعل، فتخلص منهم، وأعطاهم ماله، فأنزل الله فيه هذه الآية، فتلقاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وجماعة إلى طرف الحرّة، فقالوا له: ربح البيع، فقال: وأنتم، فلا أخسر الله تجارتكم، وما ذاك؟ فأخبروه أن الله أنزل فيه هذه الآية(٣). وقوله تعالى: ﴿لَاخَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَدُهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَحِ بَيْنَ النَّاسِّ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْنِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤]. والمعنى: أن هذه الأقسام الثلاثة من الطاعات وإن كانت في غاية الشرف والجلالة إلا أن الإنسان إنما ينتفع بها إذا أتى بها لوجه الله ولطلب مرضاته، فأما إذا أتى بها الرياء والسمعة انقلبت القضية فصارت (٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٣٥٠/٥. (٣) انظر: العجاب في بيان الأسباب، ابن حجر ٥٢٦/١. www. modoee.com ٢١٩ حرف الراء من أعظم المفاسد(١). ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ وعطف أَمْوَلَهُمُ﴾ [البقرة: ٢٦٥]. في مرضاة الله على الآية في قوله تعالى: ﴿وَلَّذِى يُنفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللّهِ ﴾ [البقرة: ٢٦٤]؛ لزيادة بيان ما وَاَلْيَوْمِ بین المرتبتين من البون، وتأكيدًا للثناء على المنفقين بإخلاص، وتفتُنا في التمثيل؛ فإنه قد مثله فیما سلف بحبة أنبتت سبع سنابل، ومثل الذي ينفق ماله ابتغاء مرضات الله كمثل جنة بربوة؛ لتحصل السرعة بتخيل مضاعفة الثواب وحسن الجزاء وبهجته وجماله، فمثله بما هو أعجب في حسن التخيل، فإن الأمثال تبهج السامع كلما كانت أكثر تركيبًا وضمنت الهيأة المشبه بها أحوالًا حسنة تكسبها حسنًا؛ ليسري ذلك التحسين إلى المشبه، وهذا من جملة مقاصد التشبيه(٢). وقد ذكرت الآيات أنه يجب على المؤمن أن يبتغي بعمله مرضات الله تعالى في كل أفعاله وأقواله؛ من صلاة وصيام وصدقة وجهاد في سبيل الله وإصلاح ذات البين، وغيرها من أفعال الخير، وفيها تحذير (١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢١٨/١١. (٢) انظر: التفسير القيم، ابن القيم ص ١٦٣، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤١٢/٢، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣/ ٥٠، تفسير المراغي ١٥٤/٥. من الرياء والنفاق، فيجب على كل مؤمن أن يكون رضا الله غايته فى كل عمل يعمله؛ فإن ابتغاء مرضاته سبحانه هو الإخلاص، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَمَآ أُمِرُواْ إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]. وقوله سبحانه: ﴿ وَأَن ◌َّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّمَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]. وقوله عليه الصلاة والسلام: (إنما الأعمال بالنيات)(٣) (٤) ثانيًا: رضا الله جزاء: ذكر القرآن الكريم الرضا جزاء في قوله عز وجل: ﴿قَالَ اللَّهُ هَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّدِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّتُ تَّرِى مِن تَخْتِهَا الْأَنْهَرُ خَالِدِينَ فِهَا أَبْدًا رَّضِىَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [المائدة: ١١٩]. وقال تعالى: ﴿وَيُدِّلُهُمْ جَنٍَّ تَجْرِىمِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَلِدِينَ فِيهَاَ رَضِىَ اَللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ أُوْلَكَ حِزْبُ اللهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [المجادلة: ٢٢]. وقال سبحانه: ﴿خَلِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِىَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٨]. بينت هذه الآيات أن جزاء المؤمنين على صدقهم وإيمانهم، وأعمالهم الصالحة، (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، باب بدأ الوحي، رقم ٦/١،١. (٤) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢١٨/١١. ٢٢٠ مَوْسُورُ القرآن الكريم الرضا ومجاهدة أعدائه، وعدم ولا یتهم، بأن رضي الله عنهم فأرضاهم، فرضوا عنه، وإنما حصل لهم هذا بعد الرضا به ربًّا، وبمحمد نبيًّا، وبالإسلام دينًا، فإن منزلة الرضا أشرف المنازل بعد النبوة، وأكبر الأجر وأعظم الجزاء الذي أعده الله تعالى لعباده المؤمنين، فمن رضي عن اللّه فقد رضي اللّه عنه؛ لقوله تعالى: ﴿رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عنه [البينة: ٨]. فجعل أحد الرضاءين مقرونًا بالآخر، فمن بلغ هذه المنازل فقد عرف خساسة الدنيا، واطلع على جنة المأوى، وخطب مودة الملأ الأعلى، وحظي بتحيتهم المعنية بقوله تعالى: ﴿وَالْمَلََّئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّنْ كُلِّ بَابٍ ) سَلَمُ عَلَيْكُم بِمَا صَبْتُمْ فَنِعْمَ عُقْىَ الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤]. ورضوان أكرم الأكرمين يستلزم رضا ما لم تعط أحدًا من خلقك، فيقول: أنا من رضي هو عنه؛ لأنه یعطیه أضعاف ما يستحق، وفوق ما يؤمل ويرجو، وقال تعالى: ﴿ فَلَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّ أُخْفِىَ لَهُم مِّنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءُ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]. ورضوانه تعالى فوق كل شيء، وقال سبحانه: ﴿وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا وَمَسَكِنَ طَيِّبَةٌ فِي جَنَّتِ عَلْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ٧٢]. فقد رفع الله الرضا فوق جنات عدن، ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اَللَّهِ أَكْبَرُ﴾، وشيء من رضوان الله أكبر من ذلك كله؛ لأن رضاه هو سبب كل فوز وسعادة، ولأنهم ينالون برضاه عنهم تعظيمه وكرامته، والكرامة أکبر أصناف الثواب، ولأن العبد إذا علم أن مولاه راض عنه فهو أكبر في نفسه مما وراءه من النعم، وإنما تتهنا له برضاه، كما إذا علم بسخطته تنغصت عليه ولم يجد لها لذة وإن عظمت(١). وروي من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تبارك وتعالى يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة؟ فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا أعطیکم أفضل من ذلك، قالوا: يا رب، وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدًا)(٢). (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٤٤/١١، الكشف والبيان، الثعلبي ٦٨/٥، التفسير الوسيط، الواحدي ٥١١/٢، تفسير القرآن، السمعاني ٣٢٨/٢، الكشاف، الزمخشري ٢٩٠/٢. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب صفة الجنة، رقم ٦٥٤٩، ١١٤/٨، ومسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب إحلال الرضوان على أهل الجنة فلا يسخط عليهم أبدًا، رقم www. modoee.com ٢٢١ حرف الراء وقد ذكرت الآيات أن رضوان الله تعالی هو الغاية العظيمة التي ليس وراءها غاية، وهو الجزاء الكبير والفوز العظيم، وفيها تنبيه للمؤمنين؛ ليطلبوا رضوان الله، كما قال تعالى: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ اَلْعَمِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١]. وكما قال سبحانه: ﴿وَفِ ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ اٌلْمُتَنَفِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦](١). ٢١٧٦/٤،٢٨٢٩. (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٤٤/١١، التفسير الوسيط، الواحدي ٥١١/٢، تفسير القرآن، السمعاني ٣٢٨/٢، الكشاف، الزمخشري ٢/ ٢٩٠. الرضا المثبت والمنفي في حق الله إن الله تعالى رضي عن أنبيائه وعن المؤمنين وعن الأعمال الصالحة، والشفاعة لمن يشاء من عباده الصالحين، ولم يرض لعباده الكفر والفسوق والعصيان، فيجب على العبد أن يوافق ربه في رضاه وسخطه، وسوف نذكر هذه الأشياء في النقاط الآتية: أولًا: الرضا المثبت في حق الله تعالى: ١. رضاه عن الرسل والانبياء. إن النبوة درجة عظيمة يعطيها الله تعالى لمن رضى له هذه المرتبة، وارتضاه من بين عباده، ومنتهی درجة العبد أن يكون راضيًا مرضيًّا عند ربه، وهو مطلوب الأنبياء عليهم السلام، وقد ذكر القرآن زكريا عليه السلام، وهو يسأل ربه ذكرًا صالحًا، ویکون وليًّا من بعده مرضيًّا عند الله وعند خلقه، وراضيًا بتقدير الله، قال تعالى: ﴿وَإِ خِفْتُ الْمَوَلِى مِن وَرَِى وَكَانَتِ أَمْرَأَتِى عَاقِرًا فَهَبْ لِى مِنْ لَّدُنكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُبِ وَبَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبٌ وَأَجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم: ٥-٦]. وهذا أفضل ما يكون من الأولاد، ومن رحمة الله بعبده، أن يرزقه ولدًا صالحًا، جامعًا لمكارم الأخلاق ومحامد الشيم، فرحمه ربه واستجاب دعوته، وذكر الله تعالى إسماعيل وأنه ارتضاه للنبوة والرسالة، ٢٢٢ القرآن الكريمِ الرضا قال سبحانه: ﴿وَأَذَّكُرْ فىِ الْكِتَبِ إِسْمَعِيلٌ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نِّيًّا () وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ. بِالصَّلَوةِ وَالزَّكَوَةِ وَ كَانَ عِندَ رَبِّهِ، مَرْضِيًّا﴾ [مريم: ٥٤ -٥٥]. وهو في نهاية المدح؛ لأن المرضي عند الله هو الفائز في كل طاعاته بأعلى الدرجات، وذكر القرآن شوق موسى عليه السلام إلى رضى الله، فقال جل وعلا: ﴿وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَمُوسَى ﴾ قَالَ هُمْ أُوْلَاءِ عَلَى أَثَرِى وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبٍ لِتَرْضَى﴾ [طه: ٨٣-٨٤]. وسليمان عليه السلام يستعين بربه؛ لیمکنه من شکر نعمته علیه وعلی والدیه، ویستعین ربہ کذلك؛ لیوفقہ إلی عمل صالح يرضاه، وهو يشعر أن العمل الصالح توفيق ونعمة أخرى من الله، قال عز من قائل: ﴿فَنَسَّمَ صَاحِكًا مِّن قَوْلَهَا وَقَالَ رَبٍ أَوْزِعْنِىَ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ أَلَِّ أَنْعَمْتَ عَلَنَّ وَعَلَى وَالِدَكَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَلِحًا تَرْضَنْهُ وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ الصَّلِحِينَ﴾ [النمل: ١٩](١). (١) انظر: لطائف الإشارات، القشيري ٤٢٠/٢، الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب ٧/ ٤٤٩٦ معالم التنزيل، البغوي ٢٣٨/٣، مفاتيح الغيب، الرازي ٢١/ ٥٥٠، لباب التأويل، الخازن ٣/ ١٩٠، تفسير المراغي ١٩/ ١٢٩، في ظلال القرآن، سيد ٢٦٣٧/٥، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٩٠. ٢. رضاه بدين الاسلام. بين القرآن الكريم إكمال الله تعالى للمؤمنين دينهم الذي ارتضى لهم بالقرآن، وإتمام نعمته عليهم بالإسلام، قال تعالى: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. وقال سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ الْأَرْضِ كَمَا أَسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَكُمْ دِيْنَهُمُ الَّذِى آرْتَضَى لَهُمْ﴾ [النور: ٥٥]. إن الله تعالى أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بأن أعظم وأجل نعمة امتن بها علیھم ھی دین الإسلام، وقد کتب الله له الكمال وسجل له البقاء، وأظهره على الدين كله، وأن الكفار قد يئسوا من زوال هذا الدين، وانقطع رجاؤهم من إبطاله ورجوعكم عنه؛ لما شاهدوا من فضل الله عليكم؛ إذ وفّى بوعده، وأنه ينبغي لكم -وقد بدلكم بضعفكم قوة، وبخوفكم أمنًا، وبفقرکم غنی - ألا تخشوا غيره، وقد عرفتم فضله وإعزازه لكم، وأتمَّ هذا الكمال فلا یحتاجون إلی زیادة أبدًا، وقد أتمه فلا ینقص أبدًا، وقد رضيه فلا يسخطه أبدًا، وأن هذا هو الدين المرضي عند الله تعالى. وَمَن يَبْتَغْ ويؤكده قوله تعالى: غير اَلْإِسْلَمِدِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ www. modoee.com ٢٢٣ حرف الراء ﴾ [آل عمران: ٨٥]. الْخَسِرِينَ : ألا ترى أن أنبياء الله ورسله رغبوا فيه إليه وسألوه إياه، فقال إبراهيم وإسماعيل: رضيه الله وأحبه وبعث به أفضل رسله ﴿رَبَّنَا وَأَجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُنََّّ مُسْلِمَةٌ لَّكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]. فارضوه أنتم لأنفسكم، فإنه الدين الذي الکرام، وأنزل به أشرف کتبه(١). ورضيت لكم الإسلام لأمري والانقياد لطاعتي فيما شرعت لكم من الفرائض والأحكام والحدود ومعالم الدين الذي أكملته لكم، وإنما قال تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، يوم نزلت هذه الآية -وإن كان الله تعالی لم يزل راضيًا بدين الإسلام فيما مضى قبل نزول هذه الآية-؛ لأنه لم يزل يصرف نبيه رسول الله صلی الله عليه وسلم وعباده المؤمنين من حال إلى حال، وينقلهم من مرتبة إلى مرتبة أعلى منها حتى أكمل لهم شرائع الدين ومعالمه، وبلغ بهم أقصى درجاته ومراتبه، ثم أنزل عليهم هذه الآية: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ اَلْإِسْلَمَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. يعني: أتممت علیکم دینکم فهو اليوم في نهاية الکمال وأنتم الآن عليه فالزموه ولا تفارقوه، وذكر الله تعالى في آيات أخر أن دين الإسلام هو دين كل الأنبياء السابقين، (١) انظر: معالم التنزيل، البغوي ١٣/٢، مفاتيح الغيب، الرازي ٢٨٩/١١، المحرر الوجيز، ابن عطية ١٥٥/٢، لباب التأويل، الخازن ٢/ ١٠، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٦/٣، في ظلال القرآن، سيد قطب ٨٤٥/٢. وقال تعالى: ﴿وَوَضَّى بِهَآ إِبْرَهِمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَبَنِّيَّ إِنَّ اللَّهَ أَصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢]. وقال جل وعلا: ﴿قُولُوَاْ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَمَّ أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَّا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّيِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَتَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٦) فَإِنْ ءَامَنُواْ بِمِثْلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِ، فَقَدِ أَهْتَدَواْ﴾ [البقرة: ١٣٦ -١٣٧]. وقال سبحانه: ﴿وَقُل لِلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ وَالْأُمِنْتِنَ ءَ أَسْلَمْتُمُّ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ أَهْتَدَواْ﴾ [آل عمران: ٢٠]. وقال يوسف عليه السلام: ﴿تَوَفَِّ مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِ بِالصَّلِحِينَ﴾ [ يوسف: ١٠١]. فحكم الله بأن من أسلم فقد اهتدى، ومن آمن فقد اهتدى، فسوى بينهما، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في موسی: (لو كان حيًّا ما وسعه إلا اتباعي)(٢)، ولأجل ذلك قال تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغْ غَيْرَ الْإِسْلامِدِينًا (٢) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان رقم ١٧٤، ١/ ٣٤٧، والبغوي في شرح السنة رقم ١٢٦، ١/ ٢٧٠، كتاب العلم، باب حديث أهل الكتاب. وحسنه الألباني في إرواء الغليل ٦/ ٣٤. ٢٢٤ جوببيو القرآن الكريم الرضا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِ الْآخِرَةِ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥](١). قال سيد قطب: ((أما ارتضاء الله الإسلام دينًا للذين آمنوا، يقف أمام رعاية الله سبحانه وعنايته بهذه الأمة، حتى ليختار لها دينها ويرتضيه، وهو تعبير يشي بحب الله لهذه الأمة ورضاه عنها، حتى ليختار لها منهج حياتها، وإن ارتضاء الله الإسلام دينًا لهذه الأمة ليقتضي منها ابتداء أن تدرك قيمة هذا الاختيار، ثم تحرص على الاستقامة على هذا الدين بقدر ما في الطاقة من وسع واقتدار، وإلا فما أنكد وما أحمق من يهمل - بله أن يرفض- ما رضيه الله له، ليختار لنفسه غير ما اختاره الله!، وإنها -إذن- لجريمة نكدة لا تذهب بغير جزاء، ولا يترك صاحبها يمضي ناجیًا أبدًا، وقد رفض ما ارتضاه له الله، ولقد يترك الله الذين لم يتخذوا الإسلام دينًا لهم، یرتکبون ما يرتكبون ويمهلهم إلى حين، فأما الذين عرفوا هذا الدين ثم تركوه أو رفضوه، واتخذوا لأنفسهم مناهج في الحياة غير المنهج الذي ارتضاه لهم الله، فلن یترکھم الله أبدًا ولن یمهلهم أبدًا، حتى يذوقوا وبال أمرهم وهم مستحقون!))(٢). ولقد انتبه لهذا الفضل العظيم بعض أتباع (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٢٣/٩، لباب التأويل، الخازن ١٠/٢، بيان المعاني، عبدالقادر ملا ٦/ ٢٩٣. (٢) في ظلال القرآن ٢/ ٨٤٦. الملل الأخری کاليهود. (قال يهودي لعمر رضي الله عنه: آية في کتابکم لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا !! قال: وأي آية؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]. قال عمر: إني أعلم اليوم الذي نزلت فيه، والمكان الذي نزلت فيه: نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو واقف بعرفة يوم الجمعة)(٣). ٣. رضاه عن المؤمنين. بين القرآن الكريم رضا الله تعالى عن المؤمنین. قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَابِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَوْ فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَتَبَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيرًا حَكِيمًا﴾ [الفتح: ١٨- ١٩]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبِيَّةِ ٥ جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِهِمْ جَنَّتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن ◌َّْنِهَا الْأَنْهَرُ خَالِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٧-٨]. فهي عامة في جميع المؤمنين الذين هذه صفاتهم، وقد أثنى الله ورسوله على (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب زيادة الإيمان ونقصانه، رقم ١٨/١،٤٥، ومسلم في صحيحه، كتاب التفسير، رقم ٣٠١٧، ٤/ ٠٢٣١٢ www. modoee.com ٢٢٥ حرف الراء المهاجرين والأنصار في غير ما آية من کتابه، فقال سبحانه: ﴿وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ اَلْمُهَجِينَ وَاْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ أَتَّبَعُوهُم بِإِحْسَنِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَذَّلَهُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى تَحْتَهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ اَلْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠]. يخبر تعالى عن رضاه عن المؤمنين الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة، ورضاه عن المؤمنين من المهاجرين والأنصار الذين تركوا الدیار والأموال والعشائر، وخرجوا حبًّا لله ولرسوله، واختاروا الإسلام على ما كانوا فیه من شدة، حتی ذکر أن الرجل کان یعصب الحجر على بطنه؛ لیقیم به صلبه من الجوع، وكان الرجل يتخذ الحفيرة في الشتاء ما له دثار غيرها، ورضاهم عنه بما أعد لهم من جنات النعيم، والنعيم المقيم، وسبب رضاه ما علمه عنهم من صدق الإيمان في قلوبهم، وطاعتهم لله ولرسوله، وأعمالهم الصالحة. وكان سبب هذه البيعة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أرسل عثمان بن عفان رضي الله عنه برسالته إلى الملا من قريش، فأبطأ عثمان عليه بعض الإبطاء، فظن أنه قد قتل، فدعا أصحابه إلى تجدید البيعة على حربهم على ما وصفت، فبايعوه على ذلك، وهذه البيعة التي تسمى بيعة الرضوان، بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم على أن لا يولوا في القتال ولا يهربوا. وقوله تعالى: ﴿وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَجِنَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ أُتَّبَعُوهُم بِإِحْسَنِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]. فرضي عن السابقين من غير اشتراط إحسان، ولم يرض عن التابعين إلا أن يتبعوهم بإحسان، والرضا من الله صفة قديمة فلا يرضى إلا عن عبد علم أنه يوافقه علی موجبات الرضى، ومن رضي الله عنه لم يسخط عليه أبدًا، وأيضًا فكل من أخبر الله أنه رضي عنه فإنه من أهل الجنة، وإن كان رضاه عنه بعد إيمانه وعمله الصالح، فإنه يذكر ذلك في معرض الثناء عليه والمدح له، فلو علم أنه يتعقب ذلك ما يسخط الرب لم يكن من أهل ذلك(١). وقد جاء من حديث أم مبشر، أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول عند حفصة: (لا يدخل النار - إن شاء الله- من أصحاب الشجرة أحد، الذين بايعوا تحتها)(٢). قال ابن كثير: ((فقد أخبر الله العظيم (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٢٣/٢٢، معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٥/ ٢٥، معالم التنزيل، البغوي ٥٧/٥، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٣٩/٧. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب من فضائل أصحاب الشجرة أهل بيعة الرضوان رضي الله عنهم، رقم ٢٤٩٦، ٠١٩٤٢/٤ ٢٢٦ جوبي القرآن الكريمِ الرضا أنه قد رضي عن السابقين الأولين من إِحْسَنَّاً حَتْهُ أُمَُّ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرُفًّاً وَحَمْلُهُ. وَفِصَلْهُ تَثُونَ شَهْرَأْ حَّةٍ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَّةً قَالَ رَبٍ أَوْزِعْنِىّ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِىّ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَى وَلِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَنُ وَأَصْلِحْ لِى فِ ذُرِيَِّىٌّ إِنِ تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٥]. المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان: فيا ويل من أبغضهم أو سبهم أو أبغض أو سب بعضهم، ولا سيما سيد الصحابة بعد الرسول وخيرهم وأفضلهم، أعني الصديق الأكبر والخليفة الأعظم أبا بكر بن أبي قحافة رضي الله عنه، فإن الطائفة المخذولة من الرافضة يعادون أفضل الصحابة ويبغضونهم ويسبونهم، عياذًا بالله من ذلك، وهذا يدل على أن عقولهم معكوسة، وقلوبهم منكوسة، فأين هؤلاء من الإيمان بالقرآن؛ إذ يسبون من رضي الله عنهم؟ وأما أهل السنة فإنهم يترضون عمن رضي الله عنه، ویسبون من سبه الله ورسوله، ویوالون من یوالي الله، ويعادون من یعادي الله، وهم متبعون لا مبتدعون، ویقتدون ولا یبتدعون، ولهذا هم حزب الله المفلحون وعباده المؤمنون)»(١). ٤. رضاه عن الأعمال الصالحة. ذكر القرآن الكريم رضا الله تعالى عن الأعمال الصالحة، قال تعالى: ﴿فَلَبَتَّمَ صَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِىّ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ اُلَِّ أَنْعَمْتَ عَنَّ وَعَلَى وَلِدَنَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَلِحًا تَرْضَنَهُ وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِ عِبَادِكَ الصَّلِحِينَ﴾ [النمل: ١٩]. وقال سبحانه: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ (١) تفسير القرآن العظيم ٢٠٣/٤. بين القرآن الكريم أن مطلب الأنبياء والصالحين الإعانة على العمل الصالح المرضي عند الله تعالى، ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَلِحًا تَرْضَنْهُ﴾؛ لأن العمل مهما كان حسنًا إذا لم یرضه الله لا يعد شيئًا، والمراد بكونه مرضيًّا له تعالى: أن يكون سالمًا من غوائل عدم القبول کالرياء والعجب وغيرهما، فحاصله: اجعل عملي على وفق رضاك، وقيل: المراد بالرضا هنا ثمرته على طريق الكناية، واعلم أن الشيء الذي يعتقد أن الإنسان فيه كونه صالحًا على قسمين: أحدهما: الذي يكون صالحًا عنده ویکون صالحًا أيضًا عند الله تعالى. والثاني: الذي يظنه صالحًا ولكنه لا یکون صالحًا عند الله تعالى. فلما قسم الصالح في ظنه إلى هذين القسمين طلب من الله أن يوفقه؛ لأن يأتي بعمل صالح یکون صالحًا عند الله، ويكون مرضيًّا عند الله، ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَلِحَاتَرْضَنْهُ﴾، أي: تقبله، وهى الفرائض الخمس وغيرها من الطاعات والتنوين؛ للتفخيم والتنكير، www. modoee.com ٢٢٧ حرف الراء وقال بعضهم: العمل الصالح المقرون لِمَن يَشَاءُ وَبَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦]. بالرضى: بذل النفس لله والخروج مما سوی الله الی مشاهدة الله، وفيه إشارة إلى أنه لا يمكن للعبد أن يعمل عملًا يرضى به ربه إلا بتوفيقه وإرشاده، ومن العمل الصالح، إرسال هذه النعم في وجوه الخير والإحسان (١). وقي الآيات إشارة إلى أن العمل المرضي الذي يحبه الله تعالى هو غاية ومطلب الإنسان الصالح السوي، وفيها دعوة لكل مؤمن أن يبادر بالأعمال الصالحة المرضیة عند الله تعالى، فرضى الله هو الغاية التي يتطلع إليها، وهو وحده الرجاء الذي يأمل فيه. ٥. الرضا عن المشفوع له. بين القرآن الكريم أن الشفاعة لا تقع إلا بإذن الله لمن رضي عنه، وأن هؤلاء المأذون لهم بالشفاعة لا يشفعون إلا لمن كان الله تعالى راضيًا عنه بإيمانه وعمله الصالح. قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ أَرْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ، مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨]. وقال سبحانه: ﴿وَكَم مِّن مَّلَكِ فِ السَّمَوَتِ لَا تُغْنِى شَفَعَنُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اَللَّهُ (١) انظر: الكشاف، الزمخشري ٣٠٢/٤، المحرر الوجيز، ابن عطية ٩٨/٥، مفاتيح الغيب، الرازي ٢٠/٢٨، المنار، محمد رشيد رضا ٢٦/٦، روح المعاني، الألوسي ١٧٦/١٣. أخبر تعالى عن ملائكته أنهم لا يشفعون لأحد إلا أن يرتضيه الله عز وجل ، قال ابن عباس رضي الله عنهما والضحاك: ((﴿إلَّا لِمَنِ آَرْتَضَى﴾ أي: لمن قال: لا إله إلا الله))، وهذه الآية من أقوى الدلائل في إثبات الشفاعة لأهل الكبائر، وتقريره: هو أن من قال: لا إله إلا الله فقد ارتضاه تعالى في ذلك، ومتی صدق عليه أنه ارتضاه الله تعالى في ذلك فقد صدق عليه أنه ارتضاه الله؛ لأن المرکب متی صدق فقد صدق لا محالة کل واحد من أجزائه، وإذا ثبت أن الله قد ارتضاه وجب اندراجه تحت هذه الآية، فثبت بالتقرير الذي ذكرناه أن هذه الآية من أقوى الدلائل لنا على ما قرره ابن عباس رضي الله عنهما (٢). وأجمع أهل السنة أن شفاعة الأنبياء والصالحين تقبل في العصاة من المؤمنين، خلافا للمعتزلة الذين قالوا: إن الكبيرة تخلد صاحبها في النار، وأنكروا الشفاعة، وهم على ضربين؛ طائفة أنكرت الشفاعة إنكارًا كليًّا، وقالوا: لا تقبل شفاعة أحد في أحد، واستدلوا بظواهر الآيات، منها الآيات الدالة على عدم نفع الشفاعة، كقوله تعالى: (٢) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٤٤٣/٣، مفاتيح الغيب، الرازي ١٣٥/٢٢، المنار، محمد رشيد رضا ١١/ ٢٤٣، أضواء البيان، الشنقيطي ٣٦/١. ٢٢٨ مُؤْشَوَالَرُ الْبَقِيَة جوسى القرآن الكريمِ الرضا تَنفَعُهُمْ شَفَعَةُ الشَِّفِعِينَ ﴾ [المدثر: ٤٨]. يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ وقوله سبحانه: أَنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتَِ يَوْمٌّ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَعَةٌ وَالْكَفِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]. وقوله جل وعلا: ﴿مَا لِلَّالِمِينَ مِنْ حَيٍ وَلَا شَفِيعِ بُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨]. قالوا: والمعصية ظلم، ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ آَرْتَضَى وَهُم مِنْ خَشْيَتِهِ، مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨]. وصاحب الكبيرة ليس بمرتضى، ومنها قوله جل جلاله: ﴿فَأَغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ﴾ [غافر: ٧]. وخص تلك الظواهر أصحابنا بالكفار؛ لثبوت الأحاديث الصحيحة في الشفاعة، وطائفة أنكرت الشفاعة في أهل الكبائر، وقالوا: وإنما تقبل في الصغائر(١). والظاهر أن الذي دعا المعتزلة إلى إنكار الشفاعة منافاتها لخلود صاحب الكبيرة في العذاب الذي هو مذهب جمهورهم الذين فسروا قول واصل بن عطاء بالمنزلة بين المنزلتين، بمعنى: إعطاء العاصي حكم المسلم في الدنيا وحكم الكافر في الآخرة، ولا شك أن الشفاعة تنافي هذا الأصل، فما تمسكوا به من الآيات إنما هو لقصد التأبيد (١) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٣٠٩/١، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤٨٧/١. ومقابلة أدلة أهل السنة أمثالها (٢). وتفيد الآية الترغيب والتحريض على طلب مرضاة الله عز وجل والاحتراز عن معاصيه(٣). ٦. الرضا عن أهل الجنة. بين القرآن الكريم رضا الله تعالى عن أهل الجنة، وأن الفوز بالرضوان أعلى وأعظم وأجل وأكبر مما هم فيه من النعيم. قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا وَمَسَكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّتِ عَلْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [التوبة: ٧٢]. وقال سبحانه: ﴿جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِهِمْ جَنَّتُ عَدْنٍ تَجْرِىٍ مِن ◌َّْنِهَا الْأَنْهُ خَلِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٨]. وقوله جل وعلا: ﴿قُلْ أَوْ نَبِتُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ أَنَّقَوْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّتٌ تَجْرِى مِن تَّحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا وَأَزْوَجٌ مُطَفَّرَةٌ وَرِضْوَبٌّ مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرًا بِالْعِبَادِ ﴾ [آل عمران: ١٥]. ونظيره قوله تعالى: ﴿فَهُوَ فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١]. وقوله جلّ في علاه: ﴿أَرْجِىّ إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً (٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤٨٧/١. (٣) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٣/ ٥٠٠. www. modoee.com ٢٢٩ حرف الراء مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٨]. وأما الرضوان فهو مصدر بمعنى: بينت الآيات أخص صفات أهل الجنة، الرضا، مع ما في زيادة المبنى من المبالغة في المعنى فكأنه قال: ورضوان عظيم من الله لا يشوبه ولا يعقبه سخط: ﴿وَرِضْوَنٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ٧٢]. من الرحمة والرضوان، والخلود، والإقامة الدائمة فى جنات عدن، إذ العدن: الإقامة الدائمة، ومنها المعدن؛ لدوام إقامته في مكانه، وقوله: ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢]. قال ابن عباس: (أکبر مما یوصف))، وقال الزجاج: ((أكبر مما هم فيه من النعيم)»، وقال الحسن بن أبي الحسن: ((وصل إلى قلوبهم برضوان الله من اللذة والسرور ما هو ألذ عندهم وأقر لأعينهم من كل شيء أصابوه من لذة الجنة))، وأتی به نکرة؛ ليدل على مطلق، أي: وشيء من رضوانه أکبر من كل ما ذكر؛ لأنّ رضاه هو سبب كل فوز وسعادة، ولأنهم ينالون برضاه عنهم تعظيمه وكرامته، والكرامة أكبر أصناف الثواب، ولأن العبد إذا علم أن مولاه راض عنه فهو أكبر في نفسه مما وراءه من النعيم، وإنما تتهنأ له برضاه، كما إذا علم بسخطته تنغصت عليه ولم يجد لها لذة وإن عظمت، وإنما صار الرضوان أكبر من الثواب؛ لأنه لا يوجد شيء من الثواب إلا بالرضوان؛ إذ هو الموجب له (١). وفي هذا من تفضيل الرضوان على نعيم الجنات وما فيها ما لا غاية وراءه، وعطف رضوان من الله على ما أعد للذين اتقوا عند الله؛ لأن رضوانه أعظم من ذلك النعيم المادي؛ لأن رضوان الله تقريب روحاني، وأظهر اسم الجلالة في قوله تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ﴾، دون أن يقول: ورضوان منه، أي: من ربهم؛ لما في اسم الجلالة من الإيماء إلى عظمة ذلك الرضوان(٢). وثبت (أن الله عز وجل يقول لأهل الجنة: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك، فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك؟ قالوا: وأي شيء أفضل من ذلك؟ قال: أُحلُّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدًا)(٣). (١) انظر: التفسير الوسيط، الواحدي ٥١١/٢، الكشاف الزمخشري ٢٨٩/٢، المحرر الوجيز، ابن عطية ٥٩/٣، مفاتيح الغيب، الرازي ٧/ ١٦٥. (٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٥٢/٣٢، التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٨٤/٣. (٣) سبق تخريجه. ٢٣٠ مَنْشَوَالَرُ الْنَفْسِيْ القرآن الكريمِ الرضا ثانيًا: الرضا المنفي: ١. الرضا بالكفر. بيّن تعالى أنه لا يرضى لعباده الكفر، قال سبحانه: ﴿إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ اَلْكُفْرٌ وَإِن تَشْكُرُوا يَرَّضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧]. فالكفر والشرك لا يرضاه الله سبحانه وتعالى، بل إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب لمحاربة الكفر والشرك والقضاء عليهما. قال الله تعالى: ﴿وَقَئِلُوهُمْ حَقَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]. وإذا كان الله لا يرضى بالكفر والشرك فإن الواجب على المؤمن أن لا يرضى بهما؛ لأن رضا المؤمن وغضبه تبع لرضا الله وغضبه، فيغضب لما يغضب الله ويرضى بما يرضاه الله عز وجل. إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أن قال الله عز وجل: يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِّرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨]. وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ, مَن يُشْرِكَ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اَللّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَنُ النَّارُ وَمَا لِلَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارِ﴾ [المائدة: ٧٢]. وقال النبي صلی الله عليه وسلم: (من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار)(١)(٢). وقد اختلف المفسرون في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ اَلْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧]. هل هي عامة أم خاصة؟ فذهب فريق إلى أنها عامة لعباد الله جميعًا؛ فالكفر غير مرضي لله سبحانه على كل حال كما هو الظاهر، قال قتادة: ((والله ما رضي الله لعبد ضلالة، ولا أمره بها، ولا دعا إليها، ولكن رضي لكم طاعته، وأمركم بها، ونهاكم عن معصيته)»، فكفر الكافر غير مرضيّ لله تعالى وإن كان قدّره وشاءه، فليس من لازم القدر الرضا، فالله يقدر الكفر وهو يبغضه؛ من أجل أن يتميز الناس بعضهم من بعض، ويتميز الصادق من الكاذب، ويتبين المؤمن من الكافر، ويتبين المنافق من المؤمن الصحيح، فالله قدّر هذه الأمور المكروهة لحكمة منه سبحانه، ما قدرها عبثًا، ورتب الجزاء على أفعالهم التي يفعلونها باختیارهم، وقد أراد الله عز وجل خلق إبليس وهو لا يرضاه، فالإرادة غير (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، ومن مات مشركًا دخل النار، رقم ٩٣، ١ / ٩٤. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٦٠/٢١، التفسير الوسيط، الواحدي ٣/ ٥٧٢، معالم التنزيل، البغوي ٤ / ٨٠، المحرر الوجيز، ابن عطية ٤ / ٥٢١. www. modoee.com ٢٣١ حرف الراء الرضا، وهذا مذهب أهل السنة(١). وذهب فريق منهم ابن عباس رضي الله عنهما، في قوله: ﴿ولا يرضى لعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧]، أنهم عباده المخلصون الذين قال عنهم: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ ﴾ [الحجر: ٤٢]؛ فألزمهم شهادة أن لا إله إلا الله وحببها إليهم، وعلى هذا يكون قوله تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾، دعوة للمؤمنين - وكلهم عباد الله- أن يكونوا بالمكان الذي يرضاه الله لهم، ويقبله منهم، وأن یناوا عما لا يرضاه الله لهم، فإنهم عباده!(٢). والصواب من ذلك هو مذهب الفريق الأول؛ لأن الإرادة في النصوص جاءت على معنيين: إرادة كونية قدرية: وهي المشيئة ولا ملازمة بينها وبين المحبة والرضا، بل يدخل فيها الكفر والإيمان والطاعات والعصيان والمرضيّ والمحبوب والمكروه وضده، وهذه الإرادة ليس لأحد خروج منها ولا ﴿فَمَن يُرِدِ الله محيص عنها، كقوله تعالى: أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَعْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَاءِ وَمَن يُرِدًأَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥]. وقوله سبحانه: ﴿وَمَن يُرِدِ اَللَّهُ فِتْنَتَهُ, فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًاْ أُوْلَئِكَ اُلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِرَ قُلُوبَهُمْ﴾ (١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٣٦/١٥. (٢) انظر: المصدر السابق. [المائدة: ٤١]. وإرادة دينية شرعية: مختصة بمراضي الله ومحابّه، وعلى مقتضاها أمر عباده ونهاهم، كقوله جل وعلا: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ اَلْيُسْرَ وَلَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وقوله جلّ في علاه: ﴿يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ [النساء: وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيٌ حَكِيمٌ ﴾ ٢٦]. وغيرها من الآيات، وهذه الإرادة لا يحصل اتباعها إلا لمن سبقت له بذلك الإرادة الكونية، فتجتمع الإرادة الكونية والشرعية في حق المؤمن الطائع، وتنفرد الكونية في حق الفاجر العاصي، فالله سبحانه دعا عباده عامة إلى مرضاته، وهدی لإجابته من شاء منهم، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى دَارِ السَّلَمِ وَيُّهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَطٍ مُسْنَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥]. فعمم سبحانه الدعوة وخص الهداية بمن شاء: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن مَّلَّ عَن سَبِيلِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ أَهْتَدَى﴾ [النجم: ٣٠](٣). فجملة: ﴿إِن تَكْفُرُواْ﴾ مبينة لإنكار انصرافهم عن التوحيد، أي: إن كفرتم بعد هذا الزمن فاعلموا أن الله غني عنكم، ومعناه: غني عن إقراركم له بالوحدانية، (٣) انظر: الدرة البهية، السعدي ص ٧٠، مفهوم الأسماء والصفات، سعد ندا ٤٧ - ٤٨ /٨٢. ٢٣٢ ◌َالنَّسَبَةِ جوببيو القرآن الكريم