Indexed OCR Text
Pages 41-60
الرحمة المؤمنون المعتصمون بالله (١)، وأما الرحمة ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَثَّقُونَ﴾ (٥) [الأعراف: الآجلة فهي النعيم المقيم، وجنات عدن ١٥٦]. خالدين فيها أبدًا(٢). ومن لم يؤمن بالله ويعتصم به ويتمسك بكتابه، منعهم من رحمته، وحرمهم من فضله، وخلى بينهم وبين أنفسهم، فلم يهتدوا، بل ضلوا ضلالًا مبينًا، عقوبةً لهم على تركهم الإيمان فحصلت لهم الخيبة والحرمان، نسأله تعالى العفو والعافية والمعافاة (٣). ٧. التقوى. تقوى الله تعالى بفعل أوامره واجتناب نواهيه سبب لرحمة أرحم الراحمين (٤)، كما قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٌ فَسَأَكْتُّبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]. فرحمته سبحانه وسعت العالم العلوي والسفلي، والبر والفاجر، والمؤمن والكافر، فلا مخلوق إلا وقد وصلت إليه رحمة الله، وغمره فضله وإحسانه، ولكن الرحمة الخاصة المقتضية لسعادة الدنيا والآخرة، لیست لکل أحد، ولهذا قال عنها: (١) انظر: تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين، سورة النساء ٢/ ٥٣٣. (٢) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ٤ / ١٩٩٤. (٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٢١٧. (٤) انظر: تنوير العقول والأذهان في تفسير مفصل القرآن، اللاحم ٤٣/١. لأن الإقبال إلى الله عز وجل، واجتناب معصيته -الذي هو التقوى - سبب للرحمة (٦)، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَتَّقُواْ مَا بَيْنَ أَيْدِيَكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحُونَ﴾ [يس: ٤٥]. أي: فیرحمكم ربكم إن أنتم حذرتم ذلك، واتقيتموه بالتوبة من شرككم والإيمان به، ولزوم طاعته فيما أوجب عليكم من فرائضه(٧). ولذا قال نبي الله نوح عليه السلام لقومه: ﴿أَوَ عَبْتُمْ أَنْ جَاءَ كُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُوْعَلَ رَجُلٍ مِنْكُتْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِنَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحُونَ﴾ [الأعراف: ٦٣]. أي: لينذركم العذاب الأليم، وتفعلوا الأسباب المنجية من استعمال تقوى الله ظاهرًا وباطنًا، ویذلك تحصل عليهم وتنزل رحمة الله الواسعة (٨). قال الرازي رحمه الله: ((وهذا الترتيب في غاية الحسن؛ فإن المقصود من البعثة الإنذار، والمقصود من الإنذار التقوى عن (٥) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٣٠٥. (٦) انظر: تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين، سورة يس ص ١٦١. (٧) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٢٦/٢٠. (٨) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٢٩٢. www. modoee.com ١٥٥ حرف الراء كل ما لا ينبغي، والمقصود من التقوى الفوز بالرحمة في دار الآخرة)» (١). بل جاء ما يدل على زيادة الرحمة لأهل التقوى فقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ، يُؤْتِّكُمْ كِفْلَيْنِ مِنٍ رَّحْمَتِهِ، وَبَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ، وَيَغْفِرْلَكُمّ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحديد: ٢٨]. فهم إن امتثلوا هذا الأمر العظيم أعطاهم الله ﴿كِّعْلَيْنِ مِنْ رَّحْمَتِهِ﴾ لا يعلم وصفهما وقدرهما إلا الله تعالی: أجر على الإيمان، وأجر على التقوى، أو أجر على امتثال الأوامر، وأجر على اجتناب النواهي، أو أن التثنية المراد بها تكرار الإيتاء مرة بعد أخرى(٢). ٨. قراءة القرآن والاستماع والإنصات إليه. الطريقة الموصلة لنيل الرحمة بالقرآن، والحصانة من نزغ الشيطان، هي الاستماع له إذا قرئ، والإنصات مدة القراءة (٣) كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىَّ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]. وقد جاء الأمر بالاستماع والإنصات بعد أن وصف القرآن بأنه بصائر وهدى ورحمة في قوله: ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم ◌ِتَايَةٍ قَالُواْ (١) انظر: مفاتيح الغيب ١٤/ ١٢٤. (٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٨٤٣. (٣) انظر: المنار، محمد رشيد رضا ٩ / ٤٦١. لَوْلًا اجْتَبَيْتَهَاأَ قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَّ مِن ◌َّبِيِّ هَذَا بَصَآِرُ مِنْ زَّبِّكُمْ وَهُدَى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمِ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]؛ لأنّ الذي اشتمل على هذه الأوصاف من البصائر والهدى والرحمة حريّ بأن يصغى إليه، حتى يحصل منه للمنصت هذه النتائج العظيمة وينتفع بها؛ فیستبصر من العمى ويهتدي من الضلال ويرحم بها (٤). والخطاب في قوله: ﴿فَأَسْتَمِعُواْ﴾ إن كان للكفار فترجى لهم الرحمة باستماعه والإصغاء إليه بأن كان سببًا لإيمانهم، وإن كان للمؤمنين فرحمتهم هو ثوابهم على الاستماع والإنصات والعمل بمقتضاه، وإن كان للجميع فرحمة كلّ منهم على ما يناسبه(٥). فمن لازم الاستماع والإنصات؛ حين يتلى كتاب الله، فإنه ينال خيرًا كثيرًا وعلمًا غزيرًا، وإيمانًا مستمرًا متجددًا، وهدّى متزايدًا، وبصيرةً في دينه، ولهذا رتب الله حصول الرحمة عليهما؛ فدل ذلك على أن من تلي عليه الكتاب، فلم يستمع له وينصت، أنه محروم الحظ من الرحمة، قد فاته خیر کثیر (٦). ٩. البراءة من عبادة غير الله. (٤) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٤ / ٤٤٨. (٥) انظر: المصدر السابق. (٦) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٣١٤. ١٥٦ جوبيه القرآن الكريمِ الرحة اعتزال المؤمن قومه الكفار ومعبوديهم من أسباب لطف الله به ورحمته(١)، كما قال تعالى عن أصحاب الكهف: ﴿وَإِ آَعْتَزَ لْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُّدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى اَلْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِّن رَّحْمَتِهِ، وَيُّهَِّئْ لَكُمْ مِّنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾ [الكهف: ١٦]. فهؤلاء الفتية بعد تقريرهم لعقيدة التوحيد، وإبطالهم لعقيدة الشرك وبراءتهم من الكفر وأهله بينوا واجبهم الذي يتحتم عليهم فعله، وهو اعتزال قومهم، وما يعبدون من دون الله، والبراءة من شركهم(٢). فلما اعتزلوه أمرهم الله بالتوجه للكهف؛ وفي هذا دليل على ما كانوا عليه من التوكل حیث أووا إلی کهف، ورتبوا علی مأواهم إليه نشر رحمة الله عليهم، وتهيئة رفقه تعالی بهم؛ لأن من أخرجهم من ظلمة الكفر (٣) إلى نور الإيمان لا يضيعهم . وقبل هذا أخبر سبحانه أنهم دعوه بقولهم: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُواْ رَبَّنَاَ ءَائِّنَا مِنْ لَّدُنَكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ [الكهف: ١٠]. فجمعوا بين التبري من حولهم وقوتهم، والالتجاء إلى الله في صلاح أمرهم، ودعائه بذلك، وبين الثقة بالله أنه سيفعل ذلك، لا (١) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٤ /٤٣. (٢) انظر: التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم، مجموعة مؤلفين ٤ / ٣١٠. (٣) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٦/ ١٠٣. جرم أن الله نشر لهم من رحمته، وهيأ لهم من أمرهم مرفقًا، فحفظ أديانهم وأبدانهم، وجعلهم من آياته على خلقه، ونشر لهم من الثناء الحسن، ما هو من رحمته بهم، ويسر لهم کل سبب، حتى المحل الذي ناموا فيه، كان على غاية ما يمكن من الصيانة (٤). وفي معنى هذه الآية أيضًا قوله تعالى في نبيه إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: ﴿ فَلَمَّا أَعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُمْ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبٌ وَكُلَّ جَعَلْنَا نَبِينًا ) وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَئِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا ﴾ [مريم: ٥٠]. واعتزالهم إياهم هو مجانبتهم لهم، وفرارهم منهم بدينهم(٥). والرحمة تذكر هنا؛ لأنها هبة الله التي تعوض إبراهیم عن أهله و دياره، وتؤنسه في وحدته واعتزاله(٦). والأظهر أنها عامة لكل خير ديني ودنيوي أوتوه ممالم يؤت أحد من العالمين؛ وإن كان ذكرها بعد جعلهم أنبياء إيذانًا بأن النبوة من باب الرحمة التي يختص بها من يشاء(٧). قال ابن سعدي رحمه الله: ((﴿مِّن رَّحْمَئِنَا﴾ يشمل جميع ما وهب الله لهم (٤) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٣١٤. (٥) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٤٣/٤. (٦) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٣١٣/٤. (٧) انظر: روح المعاني، الألوسي ١٠٣/١٦. www. modoee.com ١٥٧ حرف الراء من الرحمة، من العلوم النافعة، والأعمال كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ الصالحة، والذرية الكثيرة المنتشرة، الذين بَيْنَ أَخَوَيَّكُمْ وَأَتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ١٠]. قد كثر فيهم الأنبياء والصالحون»(١). ١٠ . قيام الليل. العابد لربه الطائع له، يقضي ساعات الليل في القيام والسجود لله، يخاف عذاب الآخرة، ويأمل رحمة ربه(٢)، أي: حصولها(٣)، كما قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَنِتُ ءَانَآءَ أَلَّيْلِ سَلِجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَيِّهٍ، قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَنُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونُّ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الْأَلْبٍ﴾ [الزمر: ٩]. فوصفه الله بأفضل العبادات الظاهرة وهي الصلاة، في أفضل الأوقات وهو أوقات الليل، ووصف عمل قلبه بالخوف والرجاء، فهو بين الخوف من سيئاته وفلتاته، وبین الرجاء لرحمة ربه أن یثیبه على حسناته (٤)، فيدخله الجنة (٥). ١١. الإصلاح بين المؤمنين. من حقوق المؤمنين الإصلاح بينهم، وبه تحصل لهم الرحمة من الله عز وجل (٦)، (١) تيسير الكريم الرحمن ص ٤٩٤. (٢) انظر: التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم، مجموعة مؤلفين ٦/ ٤٨٣. (٣) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٤٠٢/٧. (٤) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٧٢٠، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٤٦/٢٣. (٥) انظر: جامع البيان، الطبري ٢١/ ٢٦٨. العقول والأذهان تنوير فالمؤمنون إخوة في الدين والعقيدة، يجمعهم أصل واحد وهو الإيمان، كما يجمع الإخوة أصل واحد وهو النسب، وكما أن أخوة النسب داعية إلى التواصل والتراحم والتناصر في جلب الخير، ودفع الشر، فكذلك الأخوة في الدين تدعوكم إلى التعاطف والتصالح (٧)، ومن ذلك إذا وقع الاقتتال بينهم، الموجب لتفرق القلوب وتباغضها وتدابرها. وقد رتب الله على الإصلاح بين المؤمنين وبتقوى الله، الرحمة (٨)؛ وإنما اختيرت الرحمة لأن الأمر بالتقوى واقع إثر تقرير حقيقة الأخوة بين المؤمنين، وشأن تعامل الإخوة الرحمة، فيكون الجزاء عليها من جنسها (٩). وإذا حصلت الرحمة، حصل خير الدنيا والآخرة، ودل ذلك على أن عدم الاقتتال والتنازع بين المؤمنين، من أعظم حواجب الرحمة (١٠). في تفسير مفصل القرآن، اللاحم ١/ ٤٢. (٧) انظر: التفسير الوسيط، سيد طنطاوي ٣٠٩/١٣. (٨) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٨٠٠. (٩) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٤٥/٢٦. (١٠) انظر: تيسير الكريم الرحمن ص ٨٠٠. (٦) انظر: جوسين القرآن الكريمِ ١٥٨ الرحمة أسباب اليأس والقنوط من رحمة الله عرض القرآن الكريم لعدد من أسباب اليأس والقنوط من رحمة الله؛ ومن هذه الأسباب: ١. الجهل بالله تعالی وسعة رحمته. من أنعم الله عليه بالهداية والعلم العظيم، فلا سبيل إلى القنوط إليه لأنه يعرف من كثرة الأسباب والوسائل والطرق لرحمة الله شيئًا كثيرًا (١)؛ كما ذكر الله تعالى عن خليله إبراهيم عليه السلام لما بشرته الملائكة بالولد مع کېر سنه وحال زوجه التي يستبعد معها حصول الولد: ﴿قَالُواْ بَشَّرْنَكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَيِطِينَ ﴾ قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَيْهِ= إِلَّا الضَّالُونَ ﴾[الحجر: ٥٥- ٥٦]. من الله الولد، وإن كان قد کبر وأسنت امرأته؛ فإنه يعلم من قدرة الله ورحمته ما هو أبلغ من ذلك(٢)، لكنه قال ذلك على وجه التعجب والتفكر في عظيم قدرة الله ورحمته(٣). وإنما يقنط من رحمة الله القوم الذين (١) المصدر السابق ص ٤٣٢. (٢) انظر: تيسير العزيز الحميد، ابن محمد بن عبدالوهاب ص٤٤٩. (٣) انظر: الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد، الفوزان ص٧٢. أخطؤوا سبيل الصواب، وتركوا قصد السبيل في تركهم رجاء الله؛ لأنهم لا علم لھم بربھم، و کمال اقتدارہ فضّوا بذلك عن دین الله(٤). وقد كان القانط من رحمة الله ضالًا؛ لأن من علم أن الله على كل شيء قدير لم یستبعد شیئا على قدرة الله، ومن علم أن الله رحيم لا يستبعد أن يرحمه الله سبحانه(٥). قال الرازي رحمه الله: ((القنوط من رحمة الله تعالى لا يحصل إلا عند الجهل بأمور: أحدها: أن يجهل كونه تعالى قادرًا علیه، وثانيها: أن يجهل كونه تعالى عالمًا باحتياج ذلك العبد إليه، وثالثها: أن يجهل كونه تعالى منزها عن البخل والحاجة والجهل؛ فكل هذه الأمور سبب للضلال، فلهذا المعنى قال: ﴿قَالَ وَمَن يَقْنَطُ فأجابهم بأنه ليس بقانط، ولكن يرجو مِن رَّحْمَةِ رَبْدِ، إِلَّا الضَّالَّونَ﴾[الحجر: ٥٦]))(٦). والمعنى الذي قاله إبراهيم عليه السلام ، قاله أيضًا يعقوب عليه السلام لبنيه في قوله: ﴿يَبَنِىَّ أَذْهَبُواْ فَتَحَتَسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَأْتَسُواْ مِنْ زَّوْجِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَأيْتَسُ مِن زَّوْج اللَّهِإِلَّا الْقَوْمُ الْكَفِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧]. (٤) انظر: جامع البيان، الطبري ١١٣/١٧، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٤٣٢. (٥) انظر: القول المفيد، ابن عثيمين ٢٠٤/٢. (٦) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٩/ ١٥١. www. modoee.com ١٥٩ حرف الراء وقد كان اليأس من رحمة الله وتفريجه من صفة الکافرین؛ إذ فیه: إما التكذيب بالربوبية؛ وإما الجهل بصفات الله تبارك وتعالى (٢)، جهل بقدرته وسعة رحمته، وجهل لما لله فى عباده من حكم بالغة ولطف خفي، أما المؤمن حقًا فلا تقنطه المصايب ولا الشدائد من رحمة ربه وتفریجه لکربه(٣). ٢. إسراف العبد على نفسه في المعاصي والإفراط فيها. فيصر عليها ويصمم على الإقامة على المعصية، ويقطع طمعه من رحمة الله؛ لأجل أنه مقيم على الأسباب التي تمنع الرحمة (٤)؛ وهذا ما یلمح إليه قوله سبحانه: ﴿قُلْ يَعِبَادِىّ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اَللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعَاً إِنَّهُ, هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣]. الخطاب في قوله: ﴿الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾ جميع من أسرف على نفسه من أهل الإيمان والشرك؛ لأن الله عم بقوله: ﴿يَعِبَادِىّ الَّذِينَ آَسْرَقُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ ﴾ جميع المسرفين، فلم يخصص به مسرفًا دون مسرف (٥)، وكلهم مظنة تطرق اليأس من رحمة الله (١) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٣٣٤/٥. (٢) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٨/ ٥٨. (٣) انظر: تفسير المراغي ٣٠/١٣. (٤) انظر: القول السديد ص ١٢٢. (٥) انظر: جامع البيان، الطبري ٣١٠/٢١. جوسي لِلْقُرْآن الكَرِيمِ فروح الله رحمته، وفرجه، وتنفيسه(١)، إلى نفوسهم (٦)؛ فأهل الشرك لما دعوا إلى الإيمان بالله قالوا: کیف نؤمن وقد أشرکنا وزنينا، وقتلنا النفس التي حرّم الله، والله يعد فاعل ذلك النار، فما ينفعنا مع ما قد سلف منا الإيمان، وأهل المعاصي من أهل الإيمان يقولون: كثرت ذنوبنا وتراكمت عيوبنا، فليس لها طريق يزيلها ولا سبيل يصرفها، فيبقون بسبب ذلك مصرين على العصيان، متزودين ما يغضب عليهم الرحمن (٧). وفي نسبة عبوديتهم إلى الله تعالى إيماء إلى أن شأن الرب الرحمة بعباده (٨)، ولكن لهذه الرحمة ونیلها أسباب إن لم يأت بها العبد، فقد أغلق على نفسه باب الرحمة والمغفرة، أعظمها وأجلها، بل لا سبب لها غيره، الإنابة إلى اللّه تعالى بالتوبة النصوح، والدعاء والتضرع والتأله والتعبد، فهلم أيها المسرف إلى هذا السبب الأجل، والطريق (٩) الأعظم (٩). ٣. عدم الصبر عند حصول المحن، والشكر عند حصول المنن. الصبر خير كله، وهو أول صفات المؤمنين، ومن الصبر ألا يكفر عند النعمة، (٦) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤١/٢٤. (٧) انظر: جامع البيان، الطبري ٢١/ ٣١٠، تيسير الکریم الرحمن، السعدي ص ٧٢٧. (٨) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤١/٢٤. (٩) انظر: تيسير الكريم الرحمن ص ٧٢٧. ١٦٠ الرحمة وألا ييأس عند النقمة(١)، كما قال تعالى: فكان جزاؤهم ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ غفران ذنوبهم التي يزول بها عنهم كل محذور، والفوز بجنات النعيم، التي فيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين(٥). ﴿وَلَيْنْ أَذَقْنَا الْإِنسَنَ مِنَّا رَحْمَةٌ ثُمَّ نَزَعْنَهَا وَلَپنْ مِنْهُ إِنَّهُ، لَيَئُوسُ كَفُورُ )) أَذَقْنَهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّنَّهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّيَّ إِنَّهُ لَفَرِحُ فَخُورُ (٢) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ أُوْلَكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ [هود: ٩-١١]. فإذا أعطي الإنسان نوعًا من أنواع النعم كرخاء عيش، وبسطة رزق، وصحة، وأمن، تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَنِ أَعْرَضَ وَنَا وولد بار، فکان شدید الاغتباط بھا، ثم سلب تلك النعمة بما يحدث من الأسباب التي قدرها الله فى الخليقة كالمرض والموت والعسر، فإنه يظل فى هذه الحال شديد اليأس من الرحمة، قاطعاً للرجاء من عود تلك النعمة، كثير الكفران لغيرها من النعم التي لا يزال يتمتع بها فضلاً عما سلف منها؛ فهو يجمع بين اليأس مما نزع منه، والكفر بما بقي له؛ لحرمانه من فضيلتي الصبر والشكر (٢). ولذا استثنى تعالى الصابرين على الضراء وعاملي الصالحات، ومنها: الشكر على النعماء(٣) من هذا الجنس بقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾؛ لأنهم إن نالتهم شدة صبروا، وإن نالوا نعمة شكروا (٤)؛ (١) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ١/ ٤٦٧. (٢) انظر: المنار، محمد رشيد رضا ٢٤/١٢. (٣) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٢٠٧/٥. (٤) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٤/ ١٦٤. وما تضمنته هذه الآيات من أن عدم الصبر عند حلول المصايب، والشكر عند حلول النعم من أسباب اليأس والقنوط من رحمة الله دلت عليه آيات أخرى، كقوله بِجَانِ، وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُ كَانَ يَتُوسًا﴾ [الإسراء: ٨٣]. فالنعمة تطغی وتبطر ما لم یذکر الإنسان واهبها فيحمد ويشكر، والشدة تيئس وتقنط ما لم يتصل الإنسان بالله، فيرجو ويأمل، ويطمئن إلى رحمة الله وفضله، فيتفاءل ويستبشر، ومن هنا تتجلى قيمة الإيمان، وما فيه من رحمة في السراء والضراء سواء (٦). وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَفِتَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦]. فهم يفرحون بها فرح البطر الأشر، الذي لا يقابل نعم اللّه تعالى بالشكر، ولا يستعملها فيما خلقت له؛ فالمراد بالفرح هنا: الجحود والكفران للنعم، وليس مجرد السرور بالحصول على النعم، وإن أصابتهم مصيبة بسبب شؤم معاصيهم، وإهمالهم (٥) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٧٢٧. (٦) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٢٤٨/٤. www. modoee.com ١٦١ حرف الراء لشكر الله تعالى على نعمه أسرعوا باليأس من رحمة الله، وقنطوا من فرجه، واسودت الدنيا في وجوههم، شأن الذين لا يعرفون سنن الله تعالى في خلقه، والذين يعبدون اللّه على حرف، فهم عند السراء جاحدون مغرورون، وعند الضراء قانطون يائسون(١). من مظاهر رحمة الله وآثارها ما يفتحه للناس من رحمته وإنعامه عليهم بجميع أنواع النعم، لا يقدر أحد كائنًا ما كان أن يمسكه عنهم، وما يمسكه عنهم من رحمته وإنعامه لا يقدر أحد کائنا من كان أن يرسله إليهم، وهذا معلوم بالضرورة من الدين(٢)، كما قال تعالى: ﴿مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَاْ وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِنَ [فاطر: ٢]. بَعْدِهِ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فخزائن الرحمات بيد الذي يقول للشيء: کن فیکون، یجود بها علی من یشاء من عباده(٣)، وعبر عن إرسالها بالفتح؛ إيذانًا بأنها أنفس الخزائن التي يتنافس فيها المتنافسون وأعزها منالًا (٤). والرحمة المذكورة في الآية عامة في كل ما يرحم الله به خلقه من الإنعام الدنيوي والأخروي، کفتحه لهم رحمة المطر، كما قال تعالى: ﴿فَأَنْظُرْ إِلَىَّ ◌َائِ رَحْمَتِ اَللَّهِ كَيْفَ يُحِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْنَهَاْ إِنَّ ذَلِكَ لَمُحِى اَلْمَوْقَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم: ٥٠]. ومن رحمته إرسال الرسل، وإنزال الكتب؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَاكُنْتَ تَرْجُواْ أَن (١) انظر: التفسير الوسيط، سيد طنطاوي ١١/ ٨٧. (٢) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٦/ ٦٩٥. (٣) انظر: التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم، مجموعة مؤلفين ٦/ ٢٤٣. (٤) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود ١٤٢/٧. ١٦٢ جوبي كر وَضو القرآن الكريمِ الرحمة يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَبُ إِلََّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكٌ﴾ [القصص: ٨٦](١). وقد عرض القرآن الكريم لعدد من مظاهر رحمة الله في القرآن الكريم، ومنها: ١. إرسال الرسل وإنزال الكتب. إرسال الرسل وإنزال الكتب التي أفضلها القرآن رحمة من رب العباد بالعباد، فما رحم الله عباده برحمة أجل من هدايتهم بالكتب والرسل، وكل خير ينالونه في الدنيا والآخرة فإنه من أجل ذلك وسببه (٢)؛ كما قال تعالى: ﴿أَمْرًا مِنْ عِندِنَاْ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةٌ مِّن زَّيِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [الدخان: ٦]. وقد جاء في القرآن الكريم إطلاق الرحمة على النبوة في غير موضع، كما في قوله تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ وَلَا الُْشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّنِ زَّبِكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ﴾[البقرة: ١٠٥]. فالنبوة وما أيدها من الوحي والقرآن والنصر وهو المعبر عنه بالرحمة في قوله: ﴿وَاللّهُ يَخْتَصُ بِرَحْمَتِهِ﴾(٣)، وإنما جعل الله رسالته إلى من أرسل إليه من خلقه، وهدايته من هدى من عباده، رحمة منه له (١) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٦/ ٦٩٥. (٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٧٧١. (٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٦٥٣/١. ليصيره بها إلى رضاه ومحبته وفوزه بها بالجنة، واستحقاقه بها ثناءه؛ وكل ذلك رحمة من الله له(٤). ومن إطلاق النبوة على الرحمة ما ذكره الله عن هارون عليه السلام وأن نبوته رحمة في قوله تعالى: ﴿وَأَذَكُرْ فِىِ الْكِنَبِ مُوسَىَّ إِنَّهُ. كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا بِّيَّا ( ١) وَنَدَيْنَهُ مِن جَانِ اُلُورِ آلْأَيْمَنِ وَقَرَّتْنَهُ نَّا نُ وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَيِنَاً أَخَاهُ هَرُونَ نِيًّا﴾ [مريم: ٥١-٥٣]. فالهبة في قوله: ﴿وَوَهَبْنَا﴾ هي في الحقيقة واقعة على رسالته لا على نفس هارون؛ لأن هارون أکبر من موسی(٥)؛ كما جاء ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: کان هارون أكبر من موسى، ولكن أراد أنه وهب له نبوته (٦). ولهذا قال بعض السلف: ما شفع أحد في أحد شفاعة في الدنيا أعظم من شفاعة موسى في هارون أن يكون نبيًا، قال الله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ, مِن رَّحْمَيِّنَا أَخَاهُ هَرُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٣](٧). ومن إطلاق النبوة على الرحمة قوله تعالى عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمَاكُنْتَ بِحَانِبِ الُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِن رَّيِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمَّا مَّ أَنَهُم مِّن نَّذِيِّن (٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٢/ ٤٧١. (٥) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٣٠٣/٤. (٦) انظر: جامع البيان ١٨/ ٢١١. (٧) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٣٨/٥. www. modoee.com ١٦٣ حرف الراء ◌َبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٤٦]. فبعثة الرسول بما أوحاه الله إليه من الوحي رحمة من الله له ولهم(١)؛ فثبت بالدليل القطعي صحة رسالته، ورحمة الله به للعباد (٢). ومن إطلاق النبوة على الرحمة قوله تعالى: ﴿أَمُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَاً بَلْ هُمْ فِ شَئٍ مِّن ذِكْرِىٌّ بَل لَمَّا يَذُوقُواْ عَذَابٍ ، أَمْ عِندَهُمْ خَزَابْنُ رَحْمَةٍ رَيْكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ [ص: ٨-٩]. فالنبوة عطية من الله عز وجل يتفضل بها على من يشاء من عباده المصطفین(٣)، وليس الاختيار لهؤلاء المشركين المنكرين وحي الله إلى محمد؛ ولكنها بيد العزيز في سلطانه، الوهاب لمن يشاء من خلقه، ما يشاء من ملك وسلطان ونبوة، فيمنعوك یا محمد، ما من الله به عليك من الکرامة، وفضّلك به من الرسالة (٤) ونظير هذه الآية قوله تعالى(٥): ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِكْ ثَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي اُلْحَيَوَةِ الدُّنيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِنًا وَرَحْمَتُ رَيِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢]. (١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٩/ ٥٨٦. (٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٦١٧. (٣) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٢١٦/٧. (٤) انظر: جامع البيان ١٥٥/٢١. (٥) انظر: السراج المنير، الشربيني ٣٢٦/٣. فالله يخص بالنبوة من يشاء من عباده على ما تقتضيه حكمته وإرادته، وليس ذلك بتدبير المخلوقين ولا بإرادتهم (٦)، فإذا كانت معايش العباد وأرزاقهم الدنيوية بيد الله تعالى، وهو الذي يقسمها بين عباده، فيبسط الرزق على من يشاء، ويضيقه على من يشاء، بحسب حكمته، فرحمته الدينية، التي أعلاها النبوة والرسالة، أولى وأحرى أن تكون بيد الله تعالى، فالله أعلم حيث يجعل رسالته (٧)؛ فإنه لا ينزلها إلا على أزكى الخلق قلبًا ونفسًا، وأشرفهم بيتًا، وأطهرهم أصلًا(٨). وقد جاء فى القرآن التنصيص على إن إرسال الرسل بالكتب إلى العباد رحمة من الله، كما قال تعالى: ﴿أَمْرًاً مِّنْ عِندِنَاْ إِنَّا كُتَامُرْسِلِينَ ٥ رَحْمَةٌ مِّن رَّيِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ! ٦)﴾ [ الدخان: ٦]. فإرسال الرسل وإنزال الكتب التي أفضلها القرآن رحمة من رب العباد بالعباد، فما رحم الله عباده برحمة أجل من هدايتهم بالکتب والرسل، و کل خیر ینالونه في الدنیا والآخرة فإنه من أجل ذلك وسببه (٩)؛ لأن (٦) انظر: التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ٢٨/٤. (٧) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٧٦٤. (٨) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٢٦/٧. (٩) انظر: تيسير الكريم الرحمن ص ٧٧١. ١٦٤ فَضْو القرآن الكريم الرحمة الإرسال بالإنذار رحمة بالناس ليتجنبوا قال تعالى: مهاوي العذاب ويكتسبوا مكاسب الثواب، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَكَ إِلََّرَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧](١). وأنزل الله الكتاب على نبيه صلى الله عليه وسلم رحمة به وبالعباد، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْحُواْ أَن يُلْقَىَ إِلَيْكَ الْكِتَبُ إِلََّرَحْمَةٌ مِّن رَّبِّكٌ فَلَا تَكُونَنَ ظَهِيْرًا لِّلْكَفِرِينَ﴾ [القصص: ٨٦]. فالآية تذكير لنعمه تعالى على رسوله، وأنه تعالى رحمه رحمةً لم يتعلق بها رجاؤه(٢)، فالاستثناء في ﴿إِلََّرَحْمَةٌ مِّن رَّبِّكٌ﴾ استثناء منقطع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يرجو أن يبعثه الله بکتاب من عنده، بل کان ذلك مجرد رحمة من الله تعالى به واصطفاء له(٣)، فأرسله بهذا الكتاب، الذي رحم به العالمين، وعلمهم ما لم يكونوا يعلمون، وزكاهم وعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين (٤). وقال تعالى أيضًا لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ يُتْلَى عَلَيْهِمَّ إِنَ فِ ذَلِكَ (١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٨١/٢٥. (٢) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ١٣٢/٧. (٣) انظر: التحرير والتنوير ١٩٤/٢٠. (٤) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٦٢٥. لَرَّحْمَةٌ وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥١] ؛ وذلك لما يحصلون فيه من العلم الكثير، والخير الغزير، وتزكية القلوب والأرواح، وتطهير العقائد، وتكميل الأخلاق، والفتوحات الإلهية، والأسرار الربانية (٥). ٢. رحمته بالرسل عليهم السلام. الأنبياء عليهم السلام هم أكثر الخلق مسارعةً إلى الخيرات، وأصدقهم توجّهَا وتذلّلًا لله تعالى؛ وأعظمهم رغبةً ورهبةً؛ وفي ذكر رحمة الله لهم، وبأي سبب حصلت لهم، مما يدعو إلى محبة الله تعالى، والإكثار من ذكره ومعرفته، والسبب الموصل إليه (٦). ومن ذلك الرحمة التي رحم الله بها عبده زکریا علیه السلام حین أسرّ بدعائه إلیه، كما قال تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيًّا ٢ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَآءُ خَفِيًّاً ﴾ [مريم: ٣]. ثم فصّل کیفیة دعائه بقوله: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّى وَهَنَ الْعَظْمُ بِنِى وَأَشْتَعَلَ الرَّأْسُ سَيْبًا وَلَمْ أَكُنُ بِدُ عَلَبِكَ رَبِّ شَفِيًّا ) وَإِنَّ خِفْتُ اَلْمَوَلِىَ مِن وَرَآءِى وَكَانَتِ امْرَأَتِى عَاقِرًا (٥) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٦٣٣. (٦) انظر: تيسير الكريم الرحمن ص ٤٨٩، التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم، مجموعة من المؤلفين ٤ / ٤١٣. www. modoee.com ١٦٥ حرف الراء برِثنی وَیِرِثُ مِنْ فَهَبْ لِ مِن لَدُنكَ وَلِنًا ءَالٍ يَعْقُوبِ وَأَجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ﴾ [مريم: ٤- ٦] (١). فمن رحمة الله بعبده، أن يرزقه ولدًا صالحًا، جامعًا لمكارم الأخلاق ومحامد الشيم؛ فرحمه ربه واستجاب دعوته، فقال: ﴿يَزَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَمٍ اسْمُهُ يَحْبِى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٧](٢). فوهبه الله الولد الصالح مع كبر سنه وعقم زوجه، فكانت ولادة یحیی تكريمًا ورحمةً بهذا النبي العابد(٣). ومن ذلك أيضًا الرحمة التي رحم الله بها عبده أيوب عليه السلام، كما قال تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِ مَسَّفِىَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الزَّحِينَ ﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ، فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَءَاتَيْنَهُ أَهْلَهُ، وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَبِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣-٨٤]. فقد ألطف أیوب في السؤال؛ حيث ذکر نفسه بما يوجب الرحمة، وذكر ربه بغاية الرحمة، ولم يصرح بالمطلوب، ولم يعين الضر الذي مسه (٤)؛ فأذهب الله عنه ما به (١) انظر: تفسير المراغي٣٤/١٦. (٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٤٨٩. (٣) انظر: التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم، مجموعة من المؤلفين ٤ / ٤١٢. (٤) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٣١٠/٦. من الأذى، ورد عليه أهله وماله، ومنحه الله العافية من الأهل والمال شيئًا كثيرًا (٥)؛ وكل ذلك رحمةً بأيوب إذ قال: وأنت أرحم الراحمين (٦). ووصفت الرحمة بأنها من عند الله تنويهًا بشأنها بذكر العندية الدالة على القرب المراد به التفضيل (٧)؛ فهي رحمة تليق بذاته الكريمة، وهو الرحمن الرحيم (٨). وکون کشف الضر عن أیوب رحمةً من الله به، فکذلك هو ذکری؛ لنعتبر ونعلم أن رحمة الله قريب من المحسنين، وأن مع العسر يسرا، وأن الإنسان لا يقنط من الفرج بعد الشدة (٩). ٣. قبول التوبة وغفران الذنوب. التوبة لا بد فيها من ترك الذنوب، والندم عليها، وإصلاح العمل، وأداء ما أوجب الله، وإصلاح ما فسد من الأعمال الظاهرة والباطنة، فإذا وجد ذلك فإن الله یصب عليهم من مغفرته ورحمته، بحسب ما قاموا به، مما أمرهم به (١٠) كما قال تعالى: ﴿كَتَّبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ (٥) انظر: تيسير الكريم الرحمن ص ٥٢٨. (٦) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٢٨/١٧. (٧) انظر: المصدر السابق. (٨) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ٩ / ٤٩٠٧. (٩) انظر: تفسير المراغي ١٢٦/٢٣. (١٠) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٢٥٨. جوسيس القرآن الكريمِ ١٦٦ الرحمة عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًابَجَهَلَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِيِنْ بقبول توبتهم، وتبديل سيئاتهم حسنات (٤). وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأنعام: ٥٤]. فبين سبحانه أن المراد بالرحمة في قوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ غفرانه ما يعملون من سوء إذا تابوا وأصلحوا، فقوله: ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا﴾ مفسر لتلك الرحمة مبين لها (١). فرحمة الله جل وعلا وسعت كل شيء، ولا يهلك على الله إلا هالك؛ ولا أحد أشنع قولاً من الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة، ومع هذه الفرية العظمى والوقوع في جناب الله جل وعلا بهذا الأمر الهائل العظيم، فالله مع هذا يستعطفهم ويتلطف بهم للتوبة والمغفرة(٢)، كما قال تعالى: ﴿ أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَةٌ، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة فالآية فيها التعجب من افترائهم على الله وإصرارهم على ذلك بدون توبة من هذا الاعتقاد القبيح، وفيها التلطف بدعوتهم إلى التوبة، وأن الله عظيم المغفرة واسع الرحمة يقبل توبة التائبين، فلذلك ختمها بقوله: ﴿وَاَللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾(٣)، يغفر ذنوب التائبين، ولو بلغت عنان السماء، ويرحمهم (١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٥٧/٧، العذب النمير، الشنقيطي ٣٤١/١. (٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٥٨/٣. (٣) انظر: صفوة الآثار والمفاهيم، الدوسري ١٩٤/٩. ٤. عصمة الأنبياء والرسل عليهم السلام. امتن الله على رسوله بحفظه وعصمته ممن أراد أن يضله(٥)، فقال: ﴿وَلَوَلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ، لَمَّتْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُوكَ وَمَا يُضِلُونَ إِلَّ أَنفُسَهُمّ وَمَا يَضُرُونَكَ مِن شَىْءٍ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَبَ وَاَلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُّ وَكَانَ فَضْلُ اَللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ﴾ [النساء: ١١٣]. والفضل والرحمة هنا: نعمة إنزال الكتاب تفصيلًا لوجوه الحق في الحكم، وعصمته من الوقوع في الخطأ فيه (٦)؛ فیحفظه ویعصمه من قبول تدلیس المبطلین، فلا تنطلي تضليلاتهم عليه، بل يوفقه الله ويحفظه من مؤامرتهم، وينور بصيرته، ويعلمه ما لم يكن يعلمه صيانة لأحكامه أن يصدر منها تبرئة مجرم، أو ظلم بريء(٧). ثم كرر الامتنان عليه بتأييده إياه في جميع الأحوال، وعصمته له(٨)، فقال: ﴿وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَىْءٍ﴾، وهذه نعمة (٤) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٢٣٩. (٥) المصدر السابق ص ٢٠٠. (٦) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٩٧/٥. (٧) انظر: صفوة الآثار والمفاهيم، الدوسري ٢٥٨/٦. (٨) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٤١٠. www. modoee.com ١٦٧ حرف الراء كبيرة على رسوله صلى الله عليه وسلم يكون برحمة كريمة من الله، وحسبها شرفًا أنها من رب العالمين(٥)؛ كما قال تعالى عن تتضمن النعمة بالعمل، وهو التوفيق لفعل ما يجب، والعصمة له عن كل محرم(١). نبيه هود عليه السلام ﴿فَأَنَّنَهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ ٥. إرسال الرياح اللينة بالغيث. ◌ِشَايَدِنَا وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٧٢]. إجراء الريح وانتشارها من ههنا وهاهنا أمام المطر مبشرة به من غرائب صنعه وعجائبه، ومن عظائم نعمه على خلقه(٢)، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُرْسِلُ الْرِّيَحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ، حَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالَا سُقْنَهُ لِبَلَدِغَيْتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ، مِن كُلِّ الثَّعَزَتِ كَذَلِكَ تُخْرِجُ الْمَوْقَ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٧]. فإنه سبحانه لما ذكر قرب رحمته من المحسنين في قوله: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦](٣)، أتبعها بذكر أثر من آثار قدرته، ونفحة من نفحات رحمته، وهو إرسال الرياح المبشرات بالغيث، التي تثيره بإذن الله من الأرض، فيستبشر الخلق برحمة الله، وترتاح لها قلوبهم قبل نزوله(٤). ٦. إنجاء المؤمنين وإهلاك المجرمين. نزول العقاب بالكافرين ونجاة المؤمنين (١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٢٠٠. (٢) انظر: العذب النمير، الشنقيطي ٤١٥/٣. (٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٧٨/٨. (٤) انظر: تيسير الكريم الرحمن ص ٢٩٢. وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا غَيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَدُ بِرَحْمَتِنَّا وَنَجَيْنَهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ ﴾ [هود: ٥٨]. وقال عن نبيه صالح عليه السلام: فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَيْنَا صَلِحًا وَالَّذِينَ ءَآمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ اَلْقَوِىُّ الْعَزِيزُ ، وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِ دِيَِّهِمْ جَشِينَ﴾ [هود: ٦٦ -٦٧]. وقال عن نبيه شعيب عليه السلام: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُ نَا غَيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِىِ دِيَرِهِمْ جَثِمِينَ﴾ [هود: ٩٤]. فنجاتهم جميعًا هم ومن آمن معهم وإهلاك أعدائهم كان برحمة من الله؛ وقد جاءت الرحمة بصيغة التنكير في جميع المواضع التي وردت فيها؛ للتعظيم، ووصفها بأنها من الله للدلالة على کمالھا(٦). والباء في ﴿بِرَحْمَةٍ﴾ يحتمل أن تكون (٥) انظر: زهرة التفاسير، أبوزهرة ٣٧٢٠/٧. (٦) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢١٤/٨. ١٦٨ القرآن الكريم الرحة للسببية(١)؛ حيث جعل إيمانهم سببًا ينالون به رحمته فأنجاهم برحمته؛ ويجوز أن تكون للمصاحبة؛ حيث الرحمة مصاحبة لهم إذ كانوا بمحل اللطف والرفق حيثما حلوا إلى انقضاء آجالهم(٢). وفي هذا ما يدل على التشبث بعرى الإيمان ومتابعة المرسلين لينال العباد بذلك الرحمة والنجاة من العذاب الدنيوي والأخروي، والتحذير من مخالفة المرسلین، وبيان أن ذلك سبب العذاب في الدنيا والآخرة؛ وصدق الله إذ يقول: ﴿وَأَنْجَمْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [النمل: ٥٣]. ﴿وَيْنَا أَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُوا ويقول: يَتَّقُونَ﴾ [فصلت: ١٨](٣). ٧. حفظ الصالحين وأولادهم. العبد المؤمن الصالح یتولاه الله حتی بعد مماته رحمة منه، وخاصة ما ترك من الذرية (٤)؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّ الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِ الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزُ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوُهُمَا صَِحًا فَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَآ أَشُدَّ هُمَا (١) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٣٢٩/٤، روح المعاني، الألوسي ١٢ / ٩٢. (٢) انظر: روح المعاني ٩٢/١٢، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢١٤/٨. (٣) انظر: الرحمة في القرآن الكريم، موسى عسيري ص١٤٨ . (٤) انظر: رحمة الله أسبابها وآثارها، مسفر الغامدي ص ٢٤٠. وَيَسْتَخْرِحَا كُنْزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَّ وَمَا فَعَلْتُهُ. عَنْ أَمْرِىّ ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعِ غَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٨٢]. فإنه تعالى من كمال تدبيره وحكمته وتمام لطفه ورحمته أن قيض موسى والخضر في مصلحة يتيمين(٥)؛ حالهما تقتضي الرأفة بهما ورحمتهما، لكونهما صغيرين عدما أباهما، وحفظهما الله أيضًا بصلاح والدهما (٦)؛ وكان الذي فعله الخضر لم يكن من تلقاء نفسه، ومجرد إرادته؛ وإنما ذلك من رحمة الله وأمره، الرحمة التي ليس بعدها رحمة، والحكمة التي ليس بعدها حكمة (٧). ٨. الوقاية من عداوة الشيطان ووسوسته. الإنسان بطبعه ظالم جاهل، فلا تأمره نفسه إلا بالشر؛ فإذا لجأ إلى ربه واعتصم به واجتهد في ذلك، لطف به ربه ووفقه لکل خير، وعصمه من الشيطان الرجيم(٨)، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ. لَأَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَنَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣]. (٥) انظر: التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم، مجموعة من المؤلفين ٤ /٣٨٠. (٦) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٤٨٢. (٧) انظر: التفسير الوسيط، سيد طنطاوي ٨/ ٥٦١. (٨) انظر: تيسير الكريم الرحمن ص ١٩٠. www. modoee.com ١٦٩ حرف الراء الله ورحمته، فقدوا عصمة الله لعنادهم، ور کوبهم أهواءهم، وإیثارهم رغبات أنفسهم على فطامها عما حرم الله، وجعلهم الخيرة لأنفسهم في سلوك مراداتهم من السبل دون سبيل الله، أما القليل الرافضون لهمزات الشيطان على اختلاف أنواعها، والمتقبلون هداية الله، والمؤثرون لمرضاته وسلوك سبيله على مرادات أنفسهم وشهواتها فهم الحائزون على فضله بعصمتهم من أي شيطان، ورحمتهم بتثبيت قلوبهم، وهم الذين يأْس الله منهم بقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيِّسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ﴾ [الحجر: ٤٢]. وقد اعترف إبليس أنهم لا من جنده ولا أتباعه بقوله: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ اُلْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٣]. فعصمتهم من اتباع الشيطان هي بفضل الله ورحمته(١). وهذه الآية كقوله تعالى (٢): ﴿يَأَيَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَنَّبِعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَنَّ وَمَن يَتَِّعْ خُطُوَتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِّ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ, مَا زَّكَ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبْدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَِّي مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٢١]. فالشيطان يأتي النفوس من قبل أهوائها (١) انظر: صفوة الآثار والمفاهيم، الدوسري ١١٤/٦. (٢) انظر: المنار، محمد رشيد رضا ٥/ ٢٤٥. فاتباع الشيطان هم المحرومون من فضل وشهواتها، والنفس ميالة إلى السوء أمارة به، والنقص مستول على العبد من جميع جهاته، والإيمان غير قوي، ولكن الله تعالی لا يترك عباده جميعًا تحت غواية الشيطان الرجيم؛ فإن الزكاء يتضمن الطهارة والنماء، فهو يجتبي من عباده من يزكيه ويطهره في قلبه ولسانه ونفسه، ولا يشاء الله تعالى لعبده تلك الطهارة إلا إذا سلك سبيلها، واختار طريقها، فيأخذه إلى ما اختار (٣). ٩. المودة والرحمة بين الزوجين. لا ألفة بين زوجين أعظم مما بين الزوجين (٤)، ومحبة الزوجين لا تقاس بمحبة غيرهما؛ لأن الله قال في حقهما (٥): ﴿وَحَعَلَ بَيْنَكُمْ قَوَدَّةٌ وَرَحْمَةٌ﴾ [الروم: ٢١]. فجعل بين كل زوجين مودةً ومحبةً، فالزوجان يكونان من قبل التزاوج متجاهلين فيصبحان بعد التزاوج متحابين، وجعل بينهما رحمة فهما قبل التزاوج لا عاطفة بينهما فيصبحان بعده متراحمين كرحمة الأبوة والأمومة (٦). وجعل بينهما محبةً ورأفةً، فإن الرجل (٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٥٦٣، وزهرة التفاسير، أبو زهرة ١٠ / ٥١٦٧. (٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥٢٥/٣. (٥) انظر: تيسير الكريم الرحمن ص ٦١. (٦) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٧١/٢١. ١٧٠ جوبيية القرآن الكريم الرحمة يمسك المرأة إما لمحبته لها، أو لرحمة إلا له، المدبر لعباده بما يليق بهم، وتقتضيه حکمته(٥). بها، بأن يكون لها منه ولد، أو محتاجة إليه في الإنفاق(١)؛ فلا تجد بين أحد في الغالب مثل ما بين الزوجين من المودة والرحمة(٢). ١٠ . إمساك الطير حال الطيران. من رحمانيته تعالى لطفه بالطير وإمساكه إياها صافات وقابضات في جو السماء (٣)، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوَّا إِلَى اُلَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَفَّتٍ وَيَقْبِضْنَّ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ﴾ [الملك: ١٩]. فالذي يحفظ الطير من السقوط بما أودع فيها من خاصية الطيران بالقبض والبسط هو الرحمن، وخص ذكره دون لفظ الجلالة (الله)؛ للدلالة على أن هذا الحفظ من رحمته بهذه المخلوقات وبمن سخرت له، فرحمة الله بالمخلوقات بإمهالهم وعدم العجلة بعقابهم كرحمة الله بالطير في الهواء من السقوط والهلاك (٤). فمن نظر في حالة الطير واعتبر فيها، دلته على قدرة الباري، وعنايته الربانية، وأنه الواحد الأحد، الذي لا تنبغي العبادة (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٠٩/٦. (٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٦٣٩. (٣) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٤٨/١. (٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٩/ ٤٠، التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم، مجموعة مؤلفين ٨/ ٢٨٠. (٥) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٨٧٧. www. modoee.com ١٧١ حرف الراء موقف الخلق من رحمة الله رحمة الله مبذولة لكل أحد، كما قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]. ولا يهلك على الله إلا هالك، وقد انقسم الناس تجاه هذه الرحمة إلى طرفين وواسطة، ولكل عرض القرآن الكريم. أولًا: الآيسون القانطون من رحمة الله: والإياس من رحمة الله من أعظم المحاذير، وهو نوعان: ١. إياس الكفار منها، وتركهم الأسباب التي تقربهم منها (١). قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُواْبِثَايَتِ اَللَّهِ وَلِقَآَبِهِ أُوْلَئِكَ يَبِسُواْ مِن رَّحْمَتِى وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [العنكبوت: ٢٣]. فأخبر عن يأسهم من رحمة الله بالفعل الماضي؛ تنبيهًا على تحقيق وقوعه، والمعنى: أولئك سييأسون من رحمة الله لا محالة (٢)؛ لأنهم لم يعلموا سببًا واحدًا يحصلون به الرحمة، وإلا لو طمعوا في رحمته، لعملوا لذلك أعمالًا(٣). قال القرطبي رحمه الله: ((اليأس من (١) انظر: المصدر السابق ص ٦٢٩. (٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٣٤/٢٠. (٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٦٢٩. رحمة الله؛ فيه تكذيب القرآن؛ إذ يقول وقوله الحق: ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]. وهو يقول: لا يغفر له؛ فقد حجر واسعًا؛ هذا إذا كان معتقدًا لذلك؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يَأْيْشَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ اُلْكَفِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧](٤)). ٢. إياس العصاة(٥). فيقوى خوف العبد بما جنت يداه من الجرائم، ويضعف علمه بما لله من واسع الرحمة والمغفرة، ويظن بجهله أن الله لا يغفر له ولا يرحمه ولو تاب وأناب، وتضعف إرادته، فييأس من الرحمة (٦)؛ وهذا ما يلمح إليه قوله سبحانه: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَّ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَُّواْ مِن رَّحْمَةِ اَللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ [الزمر: الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ, هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ٥٣]. ثانيًا: الذي يتكلون على عفو الله ومغفرته ورحمته: الاتكال على رحمة الله يسبب مفسدةً عظيمةً هي الأمن من مكر الله (٧)؛ فیسترسل في المعاصي ويتكل على رحمة الله من غير (٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن ٢٦٥/٦. (٥) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٦٢٩. (٦) انظر: القول السديد، السعدي ص١٢٢. (٧) انظر: القول المفيد، ابن عثمين ١ / ٥٦. جَوْسُو ◌َرَ النَّقَبيَّة الْقُرْآن الكَرِيمِ ١٧٢ الرحمة عمل (١)؛ كما قال تعالى: ﴿أَفَأَ مِنُواْ مَكْرَ ثالثًا: الذين جمعوا بين الخوف من عذاب الله، وبين الرجاء لرحمة الله: اللَّهَّ فَلَ يَأْمَنُ مَكْرَ اَللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩]. فإذا كان أمن العالم المدبر والصالح المتعبد من مكر الله تعالى جهلا يورث الخسر، فكيف حال من يأمن مكر الله، وهو مسترسل في معاصيه اتكالًا على عفوه ومغفرته ورحمته؟(٢)، فهذا هو الغرور والتمني والرجاء الكاذب (٣). وهذه الآية الكريمة فيها من التخويف البليغ، علی أن العبد لا ينبغي له أن يكون آمنًا على ما معه من الإيمان، بل لا يزال خائفًا وجلًا أن يبتلى ببلية تسلب ما معه من الإيمان، وأن لا یزال داعيًا بقوله: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك)(٤)، وأن يعمل ويسعى، في كل سبب يخلصه من الشر، عند وقوع الفتن، فإن العبد - ولو بلغت به الحال ما بلغت- فليس على يقين من السلامة(٥). (١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٦/ ٢٦٥. (٢) انظر: المنار، محمد رشيد رضا ٢٦/٩. (٣) انظر: شرح العقيدة الطحاوية، ابن أبي العز ٤٥٦/٢. (٤) أخرجه أحمد في مسنده، ١٩/ ١٦٠، رقم ١٢١٠٧، والترمذي في سننه، ٤ /٤٤٨، رقم ٢١٤٠، عن أنس رضي الله عنه. وصححه الألباني في صحيح الجامع، ١٣٢٣/٢. (٥) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٢٩٨. وقد مدح الله أهل الخوف والرجاء بقوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَنِتُ ءَانَآءَ الَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ، قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونُّ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾ [الزمر: ٩]. فالرجاء يستلزم الخوف، ولولا ذلك لكان أمنًا، والخوف يستلزم الرجاء، ولولا ذلك لكان قنوطًا ويأسًا (٦). فللخوف مزيته من زجر النفس عما لا يرضي الله، وللرجاء مزيته من حثها على ما يرضي الله، وكلاهما أنيس السالكين (٧). وقد وصف الله عبده في الآية الكريمة بأفضل العبادات الظاهرة وهي الصلاة، ووصف عمل قلبه بالخوف والرجاء، فهو بين الخوف من سيئاته وفلتاته، وبين الرجاء لرحمة ربه أن يثيبه على حسناته (٨). فالمؤمن إذا خاف لا يقنط من رحمة الله، بل يرجوها مع العمل الصالح، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَبِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَ اَللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٨]. فذكر سبحانه أنهم يرجون رحمة الله (٦) انظر: شرح العقيدة الطحاوية، ابن أبي العز ٢/ ٤٥٧. (٧) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٤٧/٢٣. (٨) انظر: المصدر السابق ٣٤٦/٢٣. www. modoee.com ١٧٣ حرف الراء مع الاجتهاد في الأعمال الصالحة (١)؛ لأن القلب منها ترحلت عنه الخيرات وأحاطت الرجاء يتبعه السعي لتحصيل المرجو، كما به الشرور (٥). قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩]؛ فإن ترقب المرء المنفعة من غير أسبابها فذلك الترقب یسمی غرورًا(٢). ومن الآيات التي مدح الله فيها أهل الخوف والرجاء قوله تعالى: ﴿أُوْلَيْكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ، وَيَخَافُونَ عَذَابَهُمْ إِنَّ عَذَابَ رَيْكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٧]. فابتغاء الوسيلة إليه هو التقرب بحبه وطاعته، ثم ذكر الرجاء والخوف(٣)؛ وذکر خوف العذاب بعد رجاء الرحمة للإشارة إلى أنهم في موقف الأدب مع ربهم؛ فلا يزيدهم القرب من رضاه إلا إجلالًا له وخوفًا من غضبه (٤). وهذه الأمور الثلاثة: الخوف والرجاء والمحبة التي وصف الله بها هؤلاء المقربين عنده هي الأصل والمادة في كل خير، فمن تمت له تمت له أموره وإذا خلا (١) انظر: تيسير العزيز الحميد، سليمان بن عبدالله ص٤٤٩. (٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٤٧/٢٣. (٣) انظر: تيسير العزيز الحميد، سليمان بن عبدالله ص٤٤٦. (٤) انظر: التحرير والتنوير ١٤٠/١٥. ولذا جاء عن بعضهم قوله: من عبدالله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف وحده فهوحروري، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد (٦). موضوعات ذات صلة: الجنة، الحساب، السعة، العذاب، العفو، الهداية، اليأس (٥) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٦٠. (٦) انظر: شرح العقيدة الطحاوية، ابن أبي العز ٤٥٨/٢. ١٧٤ القرآن الكريم